تابعنا على فيسبوك وتويتر

يا لخسارتنا الفادحة برحيل فوزي كريم
شكيب كاظم
فجر الجمعة 17/من أيار/ مايو 2019،وانا اتصفح الصحف العربية الصـــــــادرة في لندن،هزني نعي الأديــــــب العراقي الباذخ فوزي كريم في مغتربه اللندني،الاديب الذي عرفته منذ سنوات بعيدات (1963-1964)،كنا نرتاد مقهى فاضل في كرادة مريم،لغرض القراءة تحضيرا للامتحانات الوزارية،وكنت ارى مجموعة من الأدباء من زملائه،ولقدعجبت كيف انعقدت اصرةصداقة بين المشاكس الصاخب الشاعر شريف الربيعي،وبين الحيي الدمث الذي لا يكاد يسمع صوته فوزي كريم؟! وبقيت أتابع ما ينشره على مستوى الشعر والبحث، ومازلت محتفظا بأول كتبه (من الغربة حتى وعي الغربة) الصادر سنة 1972وكان العنوان نبؤة بحياته التي أمضاها متغربا،فضلا عن كتابه (ثياب الإمبراطور.الشعر ومرايا الحداثة الخادعة) أدرت عنه حديثا نقديا نشرته جريدة (الزمان) في 2/20/2007،كما تولى جمع نتاجات الأديب العراقي الذي بخسه النقد الادبي شأنه؛ ادمون صبري،الذي رحل إثر حادث اصطدام في الطريق الرابط بين الموصل وبغداد في 1979/3/25،كما قرأت كتابه ( تهافت الستينيين.اهواء المثقف ومخاطر الفعل السياسي).
لقد اقتنيت مؤخرا كتابه (مدينة النحاس)،الذي يمثل حديثا في السيرة الذاتية للمؤلف،ينحو منحا السرد القصصي أو الروائي،وبينه وبين القصة أو الرواية أكثر من وشيجة.لغة فوزي كريم،جميلة ومكثفة،فهو على الرغم من عيشه في بلد الاغتراب منذ نهاية سنوات السبعين من القرن العشرين،ظلت لغته جميلة رقيقة،فضلا مزية التكثيف،فكتابته مختزلة من غير إخلال بعملية التوصيل.
يحدثنا فوزي كريم عن حياته في تلك المحلة الهادئة الغافية على كتف دجلة الخير،وبيتهم البسيط المطل على حقل النخيل الواسع الممتد نحو النهر،ظلت المحلة هادئة حتى طرأ عليها طارىء نهاية الستينات،هؤلاء الأغراب الذين جاءوا مدججين بالريبة والشك ودس الأنف في أمور الناس كلها،حتى في قصيدة يكتبها وعنوانها ( وجه) في صديقه الشاعر عبد الأمير الحصيري،يظل أحدهم يطارده،يستوقفه وعلى وجهه إبتسامة من يخفي سرا،ابتسامة كانت تبعث الريبة والخوف في قلبه، يسأل بلهجة هامسة لاتنم عن حسن طوية ونية،لهجة خالية تماماً من الود الذي نالفه في الصوت الواضح الصريح.
لقد قالها؛قصيدته في عبد الأمير الحصيري،لكن صاحب الإبتسامة الشاحبة المرتابة،يظل يطارده بالسؤال عن الشخص الذي يقصده،هذا الإلحاح في الملاحقة والسؤال،يدخل الذعر إلى قلبه، ولأن الدنيا تغيرت وموازين الحياة اختلت،فقدقرر الرحيل وعبور الحدود.
إنه يؤرخ لما اهمله التاريخ، يقف عند الأمور الحياتية الصغيرة،التي كانت جزءا من الحياة الثقافية في عقدي الستين.
والسبعين من القرن العشرين،يستعيد ذكرى (مقهى المعقدبن)،الذي يصر الشاعر وليد جمعة (المشهداني) على تسميتها (كهوة ابراهيم)!،كان يفضل الجلوس على مقاعده الخارجية،بعيدا عن لغط المقهى ، يرقب المارة ومحتسيا على مهل شاي ابراهيم المتميز،كما يستذكر مشرب (كاردينيا)الذي خصه بكتاب حمل عنوان (العودة إلى كاردينيا).
وإذ نقرأ كتابه (مراعي الصبار) الصادرة طبعته الأولى سنة 2015،وقد أهداه (إلى عبد الستار ناصر.الصديق الذي رحل) فإن الفصل الذي حمل الكتاب عنوانه ( مراعي الصبار) يستوقف القارىء طويلا،هو حديث شفيف مداف بالألم والأسى عن صديقه الشاعر المشاكس شريف الربيعي، وارهاصات المرض الوبيل الذي ألم به،المتمثلة بالقيء وإحساس سريع الزوال بالعجز عن الحركة.
لقد افصح عن إمكانات تعبيرية عالية،وقدم لنا صورا مؤثرة عن مرض شريف الربيعي،وحتى النزع الأخير ومغادرة الحياة في العاشر من ايلول/ سبتمبر 1997وكان آخر ماصدر لفوزي كريم كتابه (القلب المفكر.القصيدة تغني ولكنها تفكر أيضاً)،الصادرة طبعته الأولى عن دار المتوسط بميلانو الإيطالية سنة 2017،يدرس فيه القصيدة المفكرة؛ قصيدة الأفكار،وهو يرى فقر الإرث الشعري العربي منذ أيام الجاهلية بهذا اللون من القصيد،وحتى ايامنا الحاضرة،واحتفاء القصيدة العربية بالمهارة اللفظية على حساب المحتوى والمضمون، وهو الذي أفاض فيه نقادنا القدامى والمحدثون،حتى إن الجاحظ إنحاز إلى إلى قصيدة الشكل واللفظ لأن المعاني–كما يرى– مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني،وانما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحة الطبع وجودة السبك.
وهذا الكتاب الذي قلت في شأنه لا يقدم على قراءته إلا قارىء يفكر،فهذا الناثر من طراز فريد،تجلي وتجلو نثره وتزينه ثقافة واسعة،وينماز بأسلوب اسر- كما يصفه الدكتور حسن ناظم- بحاجة إلى مثل هذا القارئ؛ قارىء يفكر.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"