أحمد الشطري : الاكتراث بالمصائر.. مقاربة تأويلية في نص (براءة الموتى) لزعيم نصار

الاكتراث بالمصائر
مقاربة تأويلية في نص (براءة الموتى ) لزعيم نصار
أحمد الشطري
تشكل عتبة النص في الغالب مفتاحا دلاليا، وجماليا يرشد القارئ الى سبر اغوار النص، وتفكيك شفراته، و حافزا اغرائيا للاستمتاع بالجماليات التي ينطوي عليها، وفي نص الشاعر زعيم نصار (براءة الموتى) المنشور على صفحته الشخصية في الفيس بوك بتاريخ 11/12/ 2018، والذي مثلت عتبته النصية مبتدأ لخبر، او خبر لمبتدأ ينفتحان على كم من الاحتمالات التي تحفز القارئ للبحث في مخزونه الفكري، والعاطفي، او في فضاءات مخيلته؛ لإيجاد تأويلات تتماهى مع ما يحمله النص من دلالات سيميوثقافية.
ان قيام الشاعر بإضافة مفردة (براءة) بمعناها المعجمي، والتداولي الى مفردة (الموتى) منح دلالاتها الرمزية فضاءين يتنافران في جانب، ويلتقيان في جانب آخر. فالبراءة بمعناها المعجمي كما جاء في لسان العرب هي (مصدر لبريء: اي البعيد عن التهم). غير انها قد تخرج في المعنى التداولي الى معان اخرى منها: السذاجة، او العفوية، او الطيبة المفرطة. وبظني ان الشاعر قد وظف المعنى التداولي للكلمة، كنوع من الاحتجاج على ما يحيط به من منغصات، وآلام سواء كان ذلك ناتج عن الاحساس بعبثية الاقدار، او انه ناتج عن نقمة من الوضع الحياتي بشكل عام الذي يلقي بثقله على احاسيس الشاعر المرهفة.
في المقطع التالي من النص الذي يقول فيه:
يحفرُ قلوبَ الكائنات،
يخترقُها، يوزّعُ الادوار.
الأحجار تدوم
وتعمر الأشجار.
هنا نلحظ ان الشاعر قد أوجد مقارنة بين ما هو جماد (الاحجار، والاشجار)، وبين ما هو حي ( الكائنات)؛ ليقدم تبريرا، او قاعدة لاحتجاجه، فهذه الجمادات على قلة اثرها مقارنة بالكائنات الحية ذات الاثر الكبير تنعم بالديمومة، او الحياة الاطول، وهو هنا يلجأ الى التغافل، او التغاضي قصديا عن العوامل الفسلجية والبايلوجية (للكائنات الحية) والتي قصد بها ( الانسان) بكل تأكيد.
ونلحظ في هذا المقطع ايضاً، ان الشاعر يستخدم متوالية من الأفعال المضارعة، والتي تدور حول مفعول رئيسي واحد هو (قلوب الكائنات)، التي تمثل الأيقونة الدالة على الحياة، بيد أنّهُ – وبقصدية واضحة- يغيب الفاعل؛ ليغري القارئ بالسير معه؛ للبحث عن ذلك الفاعل الذي يمتلك كل هذا التأثير.
ثم ينتقل الى الهواء باعتباره الاكثر اثراً في حياة الانسان، فيلقي عليه صفة (طفل الله)؛ ليمنحه ما في الطفل من عبثية محببة، وما يمتلكه من مساحة واسعة من الحرية مهما نتج عن افعاله من أذى، او تخريب. وهو لا يكتفي بهذا بل يضيفه الى ( الله) السيد، والمالك لكل شيء؛ ليعبر بذلك عن حجم مساحة الحرية العابثة التي يمتلكها ذلك الطفل، وليكون اكثر مقبولية لما يتركه من آثار. فهو وريث الملك المهيمن على الكائنات، والقادر على منحها الحياة، او سلبها منها.
أما الهواء فهو طفلُ الله
يلعبُ برئاتنا،
شهيقاً وزفيراً،
يلعبُ بأعمارنا الى الأبد،
وفي قوله (الى الأبد) يضعنا زعيم نصار أيضا أمام معنيين: معنى قاموسي، ومعنى تداولي، ومع استحالة المعنى القاموسي، فسيكون اعتمادنا على المعنى المتداول كمرجعية يتضح من خلالها البعد الزمني ( للعب)، والذي ينحصر بالفترة الزمنية لعمر (الكائنات)، وابدية هذه الفترة تستغرق البعد الزمني للحياة الماضية، والمستقبلية ليس لكائن واحد(الشاعر)، وانما (للكائنات) بصيغة الجمع (أعمارنا).
ثم يختم الشاعر نصه بالمقطع التالي:
نختنقُ
نحتضرُ
نرفسُ الحياة،
نحنُ الذين نكترثُ واثقين بكلّ براءةٍ بهذه المصائر.
والذي يستند ايضا على متوالية الافعال المضارعة، التي تصور بصيغة سردية النهاية الحتمية لتلك (الكائنات)، بيد أنه يستخدم الفعل (نرفس) بما يوحي به من ملل، او تذمر، وكأنه يريد ان يعبر عن مدى سوداوية هذه الحياة، ومرارتها التي يلجا الى التخلص منها بهذه الطريقة العنيفة.
ثم يضعنا امام مفارقة باستخدامه الضمير(نحن)، فهو مرة يشير الى التأكيد على المتكلمين بشمولية تامة، ومرة يشير الى أفق محصور (بالذين يكترثون بكل براءة بهذه المصائر)، ومن ثم فان هؤلاء هم من يرفسون الحياة. وليس الكائنات بوصفها الجمعي.
ولو عدنا الى كلمة ( براءة) التي جاءت في عتبة النص، والمضافة الى كلمة ( الموتى)، و ربطنا بينها، وبين كلمة ( براءة ) التي جاءت في الخاتمة، سنجد ان مؤشر العلاقة التبادلية يوضح لنا أن هؤلاء الذين يرفسون الحياة، او الذين يكترثون: هم الموتى البريئون – وفقا للمفهوم التداولي للكلمة- سواء كان ذلك الموت فعلا واقعا، او مؤجلا.
لقد عبر هذا النص عن مدى الاحساس بالألم، او الحزن، او القنوط الذي يعيشه الشاعر، سواء من خلال تفاعله مع محيطه باعتباره الكائن الاكثر تحسسا لما يواجه المجتمع من الالام، و مآس، أو مع ذاته وما يعانيه من صراع مع مجريات الحياة.
أن نصاً كهذا على قصره بما يحمله من دلالات، وابعاد جمالية، يدل على مدى قدرة الشاعر زعيم نصار، وتمكنه من ادواته الابداعية، فهو من الاسماء المهمة التي رسخت حضورها الفاعل، والمؤثر في مسيرة قصيدة النثر في العراق في العقد التسعيني، وما بعده.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *