تابعنا على فيسبوك وتويتر

النبض الدرامي في رواية ” خاتون بغداد “

في 363 صفحة يوظف الروائي العراقي  المغترب الدكتور شاكر نوري فنه الروائي في رواية ” خاتون بغداد ” في تعريف القارئ بشخصية ” مس غيرترود بيل ” مستشارة المندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس في العراق , الشخصية التي رسمت مستقبل العراق السياسي  لسنوات عديدة بعد الاحتلال البريطاني , كما أسهمت بتنصيب الامير فيصل بن الحسين ملكاً على عرش العراق , وتاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921, ورسم حدودها , ولعبت أدوار مختلفة في ترتيب الحياة السياسية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية .

الرواية صادرة عن دار سطور للتوزيع والنشر , وحائزة على جائزة كتاراللرواية العربية المنشورة 2017 , وهي الرواية التاسعة في قائمة الأعمال للكاتب بعد ( نافذة العنكبوت , ونزوة الموتى , وديالاس بين يديه , وكلاب كلكامش , والمنطقة الخضراء , وشامان , ومجانين بوكا , وجحيم الراهب ) . الرواية كما ورد على غلافها : ( ذات طعم خاص اعتمدت على الوثائق ولكنها ليست وثائقية , ولا تؤرخ بقدر ما ترصد الصراع المليئ بالعواطف والإحاسيس لإسطورة حية وامرأة إشكالية هي ” مس غيرترود بيل ” التي اصبحت جزءاً من تاريخ العراق المعاصر ) . أستطاع الكاتب بثقافته العالمية والموسوعية متعكزاً آصالة موهبته وسعة عوالم خياله , أ، يستدعي السيرة الشخصية ل ” مس بيل ” وجملة الوثائق الحقيقية التي كتبتها , او من عاصرها في تلك الفترة , فيستنطق تاريخها ثم يطوعه ويزاوج ما بينه وبين الادب , وكان الكاتب موفقاً في تحويل الوقائع التاريخية التي جرت في العراق منذ الحرب العالمية الأولى عام 1914 حتى الاحتلال الأمريكي لبغداد في التاسع من نيسان 2003 , الى نص سردي متجانس مابين السرد الروائي والسرد الوثائقي المتنوع الأساليب والتقنيات , ومتشرببرحيق التاريخ ومفعم بعبقه ومثقل بروحه . مع بداية الفصل الأول من الرواية بعنوان ” السيدة الإنجليزية ذات الكعب العالي ” يستهل  شاكر نوري روايته بفعل درامي يحدد فيه الزمان والمكان للأحداث ( مرت ميئة عام على هذه الدورة الكونية المخفية من الزمن على دخول الآنسة الإنجليزية بحذائها ذي الكعب العالي وقبعتها العريضة , وأزيائها الباريسية , ومشيتها المتبخترة , ولاتزال تثير ظمأ فضولهم ..ص10 ) . إستهلال إبداعي يوقظ فضول المتلقي ليصاحب الكاتب في رحلته واكتناه أفكاره , وسبر اغوار الشخصية المحورية التي قدمها بالعنوان المثير , تتداخل أحداث الرواية مابين المراسلات الخاصة لمس بيل , وخيباتها العاطفية , والوثائق التاريخية والتقارير الصحفية التي كتبت عنها , ومن ست شخصيات مهووسة بها , ومن فضاء هذه التداخلات التي استعارها الكاتب وأعاد تأويلها وفق وجهة نظره , جعل القارئ اسير أعجابه ببطلة الرواية من خلال إظهار الوجه الإنساني والثقافي  دون إبراز وجهها الأستعماري , لقد أستجلى الكاتب التاريخ الىخر المسكوت عنه  او التاريخ الذي أغفله المؤرخون أو تفاده عمداً , تاريخ مبرأ من الأيدلوجيات السياسية وأهواءها التي دوماً ما تركز إشاراتها الى الوضع النفسي والثقافي والاقتصادي المأزوم الذي يخلفه الاستعمار بشكل عام , فنجح في إعادة شخصية ” مس غيرترود بيل ” الى واجهة القراءة , وإعادة الاعتبار لهذه الشخصية العبقرية والفريدة المدفونة في المقبرة البريطانية في الباب الشرقي ببغداد , وعلى الرغم من الانتقالات التاريخية في الرواية كان الكاتب موفقاً جداً في جذب القارئ الى داخل الرواية وتتبع صفحاتها واسره على مدار صفحات الكتاب حتى النهاية , ومن فيض الأحداث والانتقالات التاريخية ذات الطابع الوثائقي يسلط الضوء على الجانب العاطفي للشخصية المحورية في الرواية بعد استسلامها لنصيحة خالتها بأن تتبع خطى قلبها وتترك عقلها قليلاً , وتعيش قصة حب أولى مع الدبلوماسي بامفوضية بطهران ” هنري ” الذي هدم القلاع التي تفصل بين قلبها وعقلها , وبعث سحر الكلمات في أعماقها , لكنها عاشت قصة الحب هذه بصراع ملتهب ما بين ضغط الوالدين الرافضين لهنري وبين آيات الغرام والكلام المعسول والنظرات السبقة , قبل ان تنتهي العلاقة بنهاية تراجيدية ويحسم القدر هذا الصراع ويخطف حبيبها في بحيرة ” لارا ” الثلجية  ( أن هنري قد فارق الحياة , يإلهي ! قد فارق الحياة وفي بحيرة لارا .. لقد تجمد القلب الذي كان يفيض حباً لي ..ص119 ) , وعاشت قصة الحب الثانية تحت وطأة صراع آخر يتوهج فيه نار الغيرة مع زوجة عشيقها من جهة ومن صخب عواطفها مع الجندي القادم من القسطنطينية الميجور ” ريتشارد داوتي وايلي ” قبل ان تنتهي هي الآخرى نهاة تراجيدية بحسم القدر مصيرها برصاصة بلهاء وضعت نقطة النهاية لحياته ( أصابته رصاصة في رأسه أثناء لحظة الانتصار .. في عصر ذلك سقط جسده على الشاطئ ..ص134 ) , في القصتين التراجيديتين الصادمتين ذات الابعاد الرومانسية يشرح الراوي شرح دقيق لأحاسيس مس بيل  بلغة رومانسية رشيقة يوقظ بها حواس القارئ من الكسل والخمول والإسترخاء . في الفصل السادس ” ست شخصيات تبحث عن امرأة ” مصنع خيال الكاتب في بناء الرواية , والشخصيات المهووسة بالخاتون : يونس كاتب سيناريو , ونعمان مخرج سينمائي , وهاشم مشغل آلة عرض في سينما غرناطة ببغداد , ومنصور حارس المقبرة البريطانية , وابو سقراط فيلسوف بغداد , وفيرناندو المحقق الأممي في إحتراق مكتبة بغداد , وشخصيات ثانوية اخرى , لقد كانت الشخصيات نافذة الكاتب في تسليط الضوء فيها علة ما حدث في العراق بعد 9-4-2003 , والفصل كتب بلغة الشخصيات ولم يقيدها السارد بلغته تركها تمارس حريتها بالحديث كما تشتهي , وحتى تركها بدون أي علامات ترقيم ، الحوارات تعبر عن مستوى الواقعي أنتخبت فيه الألفاظ والمفردات والتراكيب ممتزجة بالتصوير الحي للشخصيات والمكان ( حانة الرافدين ص44, دوي الانجارات في الكؤوس ص55, المكتبة الوطنية ص63 , ست شخصيات تبحث عن امرأة ص201 ) تعطي مشاهد حركية حاضرة بالنفس بجمالها وتشويقها . لاشك أن قراءة عالماً خيالياً مكافئ للواقع التاريخي فيه من المتعة قدر كبير , لطالما كانت النصوص السردية عبارة عن صراعات مليئة بالعواطف والأحاسيس , وغيرة بالوقائع والاحداث , والحوارات , والمعلومات التاريخية والوثائقية , عن حياة مس بيل فضلاً عن رؤية إزاء الأوضاع الاجتماعية والسياسية السائدة عبر زمنين الاول بطبعته الانجليزية والثاني بطبعبته الأمريكية .

رواية ” خاتون بغداد ” لا تخلو من حبكات مشوقة ومثيرة مبنية على الصراع محكمة البناء سردت سيرة شخصية ” مس غيرترود بيل ” مستشارة المندوب السامي البريطاني بيرس كوكس في العراق , ورصدت حكاياتها وأمتداد صراعها مع ذاتها ومع الآخرين , رواية غزبرة بالحوارات صيغت على شكل مشاهداً بانورامياً واسعاً تعكس النبض الجرامي للرواية , فهل تشد أنظار صناع الدراما , وتنال فرصتها وتتحول الى عمل درامي مميز ,

 

ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “صفاء الصالحي : النبض الدرامي في رواية ” خاتون بغداد “”

  1. هشام القيسي يقول :

    حري بمن يعنيه الأمر التعاطي مع روايات جادة ، كهذه ، لما تقدمه من رؤى تستغور مكنونات هي أقرب ما تتمناها الدراما بقصدية الاشهار واشعار المتلقي بفترة مستقطعة من التاريخ السياسي العراقي المعاصر ودور المسس بيل مستشارة السير بيرسي كوكس من ناحية والاستمتاع بسردية لاتتوقف عند حدود تجنيس محدد . وتبقى مثل هذه الروايات محط متابعة واعجاب بحكم التعامل الابداعي مع المشهد السياسي أولا ودور السارد وطريقة البناء ثانيا .

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"