قراءة سريعة لنصّ : سوسان جرجس
بقلم : كريم عبدالله

قراءة سريعة لنصّ : سوسان جرجس
بقلم : كريم عبدالله .. بغداد – العراق 19/5/2019 .
لست نسوية…. ولكن!!
عندما يكون الخروجُ
عن السربِ …..
تهمةً تكفيرية….
تصبحُ القصيدة
حرفاً ثائراً…..
رسالةً…
عنوانُها:
“لستُ نسوية ….
الخروج عن السرد والتحليق في عالم الشعر دون قيود وبحرّية كان في يوم ما يعتبر جريمة كبرى بحق الشعر والموروث عند العرب , كونهم والبعض منهم للان يُنكر قصيدة النثر ويُشكل عليها , الا انها وبعد كل هذا الانتاج الغزير ( واعني به قصيدة نثر حسب شروطها الصحيحة ) اصبحت تضاهي القصيدة العمودية , لقد تحررت من سطوتها واخذت تشقّ لها طريقا واضحا , هكذا تبدأ الصديقة : سوسان جرجس نصّها النثري .

ولكن….”
أنتَ يا صاحبي…
رجلٌ شرقيٌّ…
بطركيٌّ…
عربيٌّ…
يبحثُ عن لذّةٍ….
يُسجّلني من خلالِها….
رقماً…. في مملكة جارياتِه
رقماً….في عداد ممتلكاتِه….
لذّةٌ….
يخطّ عليها اسمَهُ….
هويتَهُ….
دينَهُ….
وبعضاً من حروفِ
قصيدتِه السادية…
لكن تنحرف عن استهلالها بهذه الـ / لكن / تعطف على مقطعها الاول مستدركة , حين تخاطب الاخر بكل مسمّياته / الصاحب / الرجل الشرقي / بطركي / عربيّ / وكل هذه المفردات ذكورية تعني اول ما تعني السلطة والقهر والجبروت , فهناك من يستكثر على الانثى ابداعها في كتابة قصيدة النثر , وبانّ قصيدة النثر قصيدة ذكورية وان الانثى تبقى مهما حاولت تابعة لسلطة الرجل سواء وان قصيدتها تبقى رهن اعجابه او نكرانها . مازالت عقلية الرجل عقلية شهريار المتغطرس الباحث عن اللذة في جسد الانثى / القصيدة , وانها ستبقى حبيسة في بلاطه ولايمكن التحرر من سلطته .

أنتَ
أنت إلهُ التخمة…
تريدُني قرباناً…
يذوبُ في نارِ جحيمِك….
تريدني جسداً…
منحوتَ التضاريسِ…
بِناءً…
على معايير دولية…
جسداً يتقنُ فنّ الصمتِ….
أمام تاراتك الهمجية….
تلك التي دفنتها
رغماً عنك….
عندَ معبَدِ أثينا….
عند مِحراب “أنانا”…
تلك التي
عشقَت جلجامش…
فكانَت رغبتها
وشماً متوهجاً….
في الحضارة البابلية….
ثم تخاطب الرجل علنا بـ / أنت / بكل ما تعني هذه المفردة من / سخط / تمرّد / لوعة / تهكم / قوة / اصرار / وثقة / , هذا الذي ظلّ ينظر اليها نظرة متعالية سلطوية , لا يفقه منها الاّ الجسد واللذة والخنوع , وفي استحضار جميل جدا تقوم بإستحضار أخواتها / فينوس / أنانا / سيدوري / حين خلّدهن التاريخ لما يمتلكن من الحكمة والجمال اضافة الى الانوثة , لقد حاولت ان تذكّره علّه يفهم سرّ الانثى ويفهم كينونتها , وبأنها ليست مجرد جسد ولذّة .

أنت يا عزيزي….
رجلٌ يكرهُ
ذكاءَ النساء….
لغة النساء….
رقيّ النساء…
وثووورة النساء
على المخادعِ….
ومرّة اخر تعرّي جبروته وتقف امام طوفان سلطته المتنامية أمام الانثى , ظنّا منه بضعفها وخنوعها , فتذكّره بكرهه لـ / ذكاء / رقيّ / لغة / ثورة النساء , فهو لا يعرف كنه الانثى الا من خلال المخدع .

لست يا صاحبي
سوى هارونٍ جديدٍ…
يهوى الوجوهَ البيضاء….
والشراشف البيضااااء….
والأجساد البيضاء…
والأرواح البيضاء…
وتعود تذكّره بجبروت هارون الرشيد الذي كان بلاطه يعجّ بالجواري في كل ليلة فهو لم يرتوِ من شبقه او يكفّ عن حماقاته , ان تكرار مفردة / البيضاء / هنا زادت من جمالية النصّ وأضافت ايقاعا متحركا في نسيجه الشعري , وهذا ما جعل النصّ يحمل دلالات اخرى زادت من توهّجه وجماليته .

تُرى لِما؟؟
أيحملُ الأبيضُ
ذكرى ما افتقدتَه
منذ عامِ
النكسة العربية؟!!….
أم هي شفافية اللونِ….
تغريك بتدوينِ
تاريخِ النحرِ…
الذي سجلتَهُ
بسيوف وهمية…
كنتَ لها عاشقاً
منذ ما قبل شهريار…
ومرّة اخرى تستحضر شخصية اخرى في محاولة منها لترويض هذا الرجل , شهريار الذي كان قتل ما قتل واغتصب ما اغتصب من النساء , لكنه ظلّ قلقا لم يعرف الطمأنية والراحة الا بعد ان استطاعت الانثى / شهرزاد / ان تكف من جماحه وحنونه وتعيده الى انسانيته بعدما هذّبته وقوّمت سلوكه المنفلت .

منذ ما قبل تسلسل
القتلِ “اللذيذ”….
الذي به تنمو…
وتحيا….
موائدك الذكورية…..
هذا أنت يا صاحبي
ولستُ أبغي تعميماً….
فواحدٌ من الألفِ
هي حالةٌ إستثنائية….
وتستمر في تذكيره باعماله الجنونية , لكنها تعود لتقول له : بأنها لا تعمم فـ الرجل الواحد من الف رجل تعتبر حالة استثانية ليس الا .

لسنا بصددِ
الإشارة إليها….
إلا إن كان صاحبُها
قائداً…
أو فاعلاً إجتماعيا…
في حركة نهضوية
تغييرية…..
فقد يكون هذا الواحد من الف صاحب عقل راجح ويدعو الى التجديد والتغيير , وهذا يدعونا الى القول بان الغالبية من الرجال هم يتمسكون بصولجان الذكورة ويمتهنون الانثى .

حينها….
حينها فقط…
سأرمي بقصيدتي هذه…
في سلة النفايات البشرية….
وسأقول لذلك
الذي سيقود التغييرَ…
في بلادي
التي قبعت دهراً…
في قمقمِ الرجعية….
إليك يا سيدي…
إليك…..
أعلن انتمائي…
وعشقي…
وفيضٌ…
من رغباتي الأنثوية….
ثم تختتم قصيدتها بحالة من الانتماء الى هذا الـ / سيد / وتعلن عشقها وتصرّح به بصوت عال رغم قسوة التقاليد وثقافة البيئة , وتغمره بفيض انوثتها رغم كل شيء .
ان الشاعرة هنا قد عرضت لنا فكرة معينة , بعدها قدّمت العقدة , واختتمتها بالحلّ , في حركة تراجيدية اشبه ما يكون بالمسرحية , في محاولة منها لأستدراجنا الى عالمها الشعري في لغة رقيقة شفيفة ظلّت تنمو وتتحرك حتى نهاية النصّ .

 

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: حامد عبدالحسين حميدي…. فاعلية النقد.

*سمعت، ذات محاضرة لاستاذ هجر كتابة القصة القصيرة، التي كان مغرماً بها الى حد، لم …

محمد الماغوط: تراتيل المواجع على أرصفة المقاهي
إبراهيم مشارة

محمد الماغوط (سلمية ،حماه 1934/دمشق2006 ) ظاهرة شعرية حديثة بامتياز في الأدب العربي الحديث وهو …

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *