خضير فليح الزيدي: إبنة خال الحرب

– 1 –
وصل جثمان زوج ابنة خالي الجميلة مقتولا في حرب الثمان سنين ، حرب لا ناقة له فيها  ولا جمل، أما أنا فقال عني  خالي رحمه الله الذي وصل جثمان ابنه الساعة:
•-    أنت  ابن جن .. أنت شيطان يا حربي .. لا أخاف عليك إلا منك .. لا تستطيع الحرب ليّ ذراعك .. لذلك أسميتك ( حربي ) وجلبت لنا الحروب ..
وصل ساعة غروب خانقة ورطبة يقال لها عند الأهالي البسطاء (شرقي ) مكللا بثلاث نجوم ومشدودا داخل تابوت من خشب صناديق العتاد الزيتوني ، وعلى سيارة أجرة نوع تويوتا كراون وملفوفا بعلم تطرزه النجوم الثلاث،  خضر كبيرة ضمن بياض حائل الى الرماد .. عندما كشفنا الجثة من النايلون الملفوف فيها في مغسل مقبرة دار السلام ، صمِمِنا أنوفنا ، إذ كانت متفسخة برماد وحروق ولحم مهروس ولم تلم أجزائها بصورة متكاملة .. كانت في قدم واحدة ويد واحدة مقطوعة ودون أصابع  ودون بطن تذكر ، رغم إن ورقة الوفاة كانت تذكر تهتك في عظام الرأس ولم تذكر النقص الحاصل في الأجزاء المتروكة أو المسروقة او المأكولة .. فيما كانت زجاجة السيارة الخلفية ترسم خارطة جديدة للوطن بدم فاسد يقطر من جثته المعفرة بالكافور ورائحتها لا تطيقها الجوارح .. خارطة ليست مثل خارطة الأطلس المدرسي في صفارها.. في قاعها .. في انقلابها، بل كانت خارطة دموية بلون واحد بكل تضاريسها تشبه عرموطة معظوظة :
•-    أنتِ زوجة جيم ميم ( علي جميل حمزة ) .. قال الجندي المأمور على عجل بعدما فتحت له الباب .. بعد طرق متواصل ومتصل وبإيقاع الخوف والترقب مع كل بيان لمعركة.. إذ يتحول المذيع الى غراب الشؤم ناعقا في الآفاق القصية لحنا يداعب الطفولة على غرار لحن ( ياكوكتي) .. انه هديل حمامة رمادية كل مساء فوق شجرة صفصاف مزرقة قبالة دار علي جميل حمزة ، المذيع كان يلوح بالويل والثبور .. أما أنا شخصيا كحربي المعاق المزيف فكنت أتقيأ من مفردات اكتست بلون الحرب كالويل والثبور والخاسئون والأبطال وموطأ القدم وقاطع العمليات ..
•-         نعم .. قالت له ابنة خالي بارتباك واضح وذهول ورعب طفولي ..
•-         أمضاء  هنا باستلامه رجاءً .. هذا هو فوق السيارة ينتظرك ..
بعض النسوة الصغيرات تزوجن تحت خيمة الحرب ..خرجن من خيمة الزوج ودخلن في مضارب خيمة الحرب الكبيرة في انتظار عبث ما لا ينتهي..
ابنة خالي هذه جميلة ومكتنزة باللحم الأبيض المشدود والطول الفارع والحواجب السود الكثة والوجه الدائري المختمر والأنف المحمر والدقيق.. لعينيها بياض نقي لا يشوبه سوى التماع محبب ، فيما سواد العينين لا يستقر في مكان ، كعيني زرزور صغير سقط من العش توا .. حاولت أن تفعل مثلما تفعل النسوة المثكلات .. يبوووووي يمه يا يمه ..
إبان سعير دائرة الحرب كان الجنود يتعجلون في مراسيم الزواج إحساسا منهم انه ربما لا يعود الى فراش الزوجية ولذة جنته في الإجازة اللاحقة .. كذلك بحثا عن غرائز مدفونة احساسا لحياة غابرة في ظل الحرب .. ورغبة من ذويهم في ترك أثرهم في بذور صغيرة حتى ولو تعلقت في البطون المكورة لزيجات في فراش الزوجية وهنّ لم يشبعن من لذة الفراش.. كانت إجازة الزواج بعد  تقديم مستند مختوم بعقد الزوجية الى مساعد الآمر ، ثم يستدعى أل جيم ميم عبر سلسلة المراجع تنتهي برئيس عرفاء الوحدة يقدمه الى المساعد والعصا تحت إبطه الأيسر والتحية باليد اليمنى..  ليقول له الضابط المساعد  ضاحكا :
•-    لك يابه مبروك عليك .. هذه سبعة أيام وفوقها يومين  مني مساعدة لتكثر من الطعن .. أنا أحبٍٍ طعن الجنود المستجدين .. أوصيك بقوة الذراع وصعود النخلة ثلاث مرات في الليل ومثلها في النهار.. لذلك كان الجند المتزوجين حديثا يتركون في يوم الالتحاق الى جبهة القتال في الخلفيات لمدة يومين لاستعادة النشاط وتقويسة الظهر وغواش العينين  واعتياد العيون على مشاهدة اللون الواحد ..
أما الصبايا المأخوذات الى سرير الزوجية فكانتا ينتظرن المستجدين يعدّن الأيام المتبقية لعودة الغائب بعيدان الكبريت ويضعن المتبقي تحت وسادة الزوج الغائب.. فقد تعود الجند تأخير الإجازة او استبدالها مع آخرين مثلهم للتوافق مع اغتسال الزوجة من العادة الشهرية لتغدو وردة متفتحة على السرير ..
عادة ما تصل وجبة الجند المجازين الى أهليهم ليلا .. تفتح له الزوجة الباب ويتجه الى السرير مباشرة ..لتراب المعركة طعم جماع وحوش البراري.. لا ينهض من الفراش حتى يعيد الكرة مرة تلو مرة ، فيما ملابسه الخاكية مبعثرة على ارض الغرفة وفوق السرير والبسطال يفتح فمه الادرد على عتبة غرفة الزوجية ..
وصلت جثته قبل نهاية الحرب بخمس سنين تقريبا، أي انه توفي في بدايتها ولم يمضِ على زواجه سوى سنتين ، وعندما اقبل على الزواج بحث عن منجمة لتأخذ له مستقبله وسؤاله المحدد لها ( متى تنتهي الحرب ……؟ ) لكنها أخذت منه المقسوم وكذبت عليه عندما أخبرته :
•-    ستتزوج وتنجب ولدين كقمرين أرضيين والحرب تنتهي  عاجلا أم آجلا ،ربما عند خسوف القمر الكبير في الشهر القادم من السنة الجديدة عند الغروب وتكون الدنيا ( شرقي ) خانق ورطب  .. أخشى عليك من هديل الحمامة الرمادية في الصفصافة مقابل الدار .. إنها تنوح كما الأمهات .. بكيف الله يمه ..
أنجبت ابنة خالي منه  طفلها الأول وبقيت الحرب دون كسوف والحمامة في سبات.. ثم الثاني زرعه في بطنها لكنه التف في علم النجوم الثلاث  قبل نهايته في معركة شهيرة يقال لها البسيتين .. كانت الحرب جد مستعرة تشبه فرن الصمون المستعر بحاجة الى وقود مستمر .. حماسة .. هوسات .. دبكات ليستمر السعير بإيقاع متصاعد .. نحن نحب الحماسة جدا .. مرة اخبرني ونحن نتنزه في السوق كان المذياع يردد أغنية  حربية ضاربة يرددها الجميع تلك الأيام ، فجأة توقف وقال لي :
– أترى هذا مصلخ الدجاج .. انه يشبه جبهة الحرب .. إذ تدخل الدجاجة بكل ريشها وعنفوانها وتخرج مجردة من الحياة تماما ..
أما نحن كنا  نختمر في ارتشاف خطاب الحماسة، كنا ننتظر المذيع بشاربه الكث ليهزج لنا عناوين جديدة عن الحرب ، لذلك نرسم خريطة الأحلام وفق إيقاع ومارش عسكري  .. حتى غدت حياتنا خاكية تماما .. حتى النسوة والأطفال في المدارس تردد أغاني المعركة وشعر الشعراء المجانين .. قال المغني مُصدحا بصوته : يمه البارود من اشتمه ريحة هيل  ..  نحن مشينا للحرب عاشقا يدافع من اجل محبوبته .. تسآلت مع نفسي:
•-    لماذا مشينا للحرب بكل هذا الجنون والصلف البدوي ؟ امن اجل محبوباتنا فعلا ؟ اكره محبوبة الحرب الخاكية .. كرهت الهيل ورائحته الخاكية.. إنها مكيدة ولغم ارضي يطعمني العسل الملبد بالسم .. مكيدة كبرى تنتظرني عندما استسلم للإغواء . لولا الحماسة الجياشة ورعونتها لما حدث ما حدث..
بعدما لملمت الحرب عباءتها ورحلت وهي تلوح لنا بعودة أخرى.. عرفنا إن الموسوعة الحربية البريطانية تطلق عليها مصطلح حرب الخليج الأولى وتتردد هذه التسمية عبر إذاعة ( الي بي سي ومونتي كارلو وصوت أمريكا)   ، أما أرباب مهنة الصحافة في الغرب وأمريكا أطلقوا عليها حرب الثمان سنين .. أما نحن الجنود والشهداء والكتاب  والشعراء جدا وكبار السن والعجائز أمام مقرات التجانيد فنطلق عليها حرب إيران او رسميا بالحرب العراقية الإيرانية في تهذيب ظاهر .. بعكس ما أطلق على الحرب التالية من مسميّات جديدة في عام 1991 بحرب الخليج الثانية أو حرب بوش أو كون الكويت في عودتها من جديد..
وعندما انتهت حرب الخليج الأولى أصبح كم الأرامل جيشا جرارا ذلك ما يؤكده مشهدهن أما مديرية التجانيد لاستلام المرتب الشهري.. سرب الحمائم الرمادية تكاثر على أشجار الصفصاف يؤذن مواويل الحزن والنواح على فات ويقدم من الأيام الحربية الكالحة وقد استطاعت جوقة الحمائم أن تحجب الشمس في عز الظهيرة في مشهد غرائبي يحمل في طياته نذرا مخيفة ..
كان الطابور جد طويل يمتد من باب مديرية التجنيد ويلتف داخل أحياء المدينة مثل طريق النمل الأسود على الجدران العالية ، دائما يبدأ ولا ينتهي .. بعضهن ينمن في الطابور والأخريات يتناولن الغداء وحتى العشاء هناك .. حملن أرقاما في الوهلة الأولى وعندما تكاثرت الأرقام أصبحت رموزا ومن ثم حروفا وفق أسماء النسوة .. النسوة الحوامل في آخر الطابور ، في بطونهن جنود صغار .. فيما كانت  أجازت قوانين الأرض زواجهن من أخ الشهيد او المفقود في ظاهرة لم تألفها التقاليد ما قبل بدء موسم الحماسة .. يحق للأخ أن يتزوج زوجة أخيه والحفاظ على الأبناء من اختلاط الأنساب.. عندها باركت السلطة تلك الزيجة وعدّتها مكرمة مدفوعة الثمن من قبلها .. حتى إن الأخ الصغير كان ينظر لمؤخرة زوجة أخيه داخل باحة الدار وهي تتحرك لقضاء بعض الأمور المنزلية، قائلا في سره :
•-    إن هذه المؤخرة الكبيرة الريّانة  أما ستستقر في حضني في ليلة شتوية قارصة، أم إن مؤخرة زوجتي المكورة ستستقر في حضن أخي .. فهو زوج زوجتي في المعركة القادمة أو أنا زوج زوجته في ذات المعركة .. ويبقى الأولاد أما إخوة أو أولاد عم في بيت واحد تحت ظل قوانين الحرب المفروضة ..

– 2  –
انتهت المراسيم المرافقة للدفن وإقامة مجلس العزاء على روحه  لثلاثة أيام متوالية كعادة أهل المدن في ذلك، توشّحت المرأة بالسواد والطفلين كذلك .. أما أنا فكان الحزن والاكتئاب مرافقا لي لفترة طويلة ، لم يكن له أخ سوى إن زوجته ابنة خالي المرحوم ، قال لي مرة :
•-    صحيح أن أمي لم تنجب سواي ولكنك أخي او أكثر .. أنا ربما سأقتل عند الالتحاق من هذه الإجازة فالحشود جد كبيرة على قاطع الجبهة .. أوصيك بزوجتي وابنة خالك .. اليومان المتبقيان هما آخر فرصة للحياة لي .. يالله طز وين ما توصل …
ليس لها من يجفف دمعها وينسيها قهر الغياب ويطرد وحشة الليالي الباردة .. ليس ذلك فقط بل كان علي التواصل مع عائلته المكونة من أم طاعنة في السن تعاني من ضعف البصر الشديد  وزوجته الحلوة المكتنزة والتي أضاف لها سواد الملابس مسحة جمال فوق جمالها، وولديه الجميلين وهما يميلان الى شبه واضح لامهما الجميلة.. كنت أزورهم في فترات متقاربة بعد وفاة زوجها ، كان الزوج طيب القلب قليل الحيلة لذلك أصبح لقمة سائغة في فم الحرب، ولأنه كذلك فالحرب تنشب أظافرها في أصحاب القلوب الطيبة .. كنت اجلب للأطفال معي كل ما يلزمهم من مستلزمات الحياة الاعتيادية .. الكبير يحب عربة القطار للسفر على متنها ويريدها حمراء دامية ، أما الصغير فكان يود شراء (العن) وهي السيارة الحمراء لإطفاء الحرائق ..  حتى الزوجة فبعد مرور ستة أشهر طلبت مني شخصيا  وتشجعت أن أرافقها في إجراء معاملة مستحقات الشهيد في قطعة الأرض والسيارة الهدية والمصرف العقاري،  وهدايا أخرى لإعالتها على صعوبات الزمن .. كنت أتشجع بين فترة وأخرى بجلب الهدايا الذاتية شيئا فشيئا  بما فيها الملابس الداخلية وأصابع احمر الشفاه ومعطرات رائحتها تثير أحاسيس داخلية في نفسي المتعطشة .. كانت مولعة بأكل البقلاوة .. قلت لها :
•-         الحلويات تعطي  طاقة كبيرة على الاستمتاع في فن إدارة الحياة الداخلية ..
•-         ماذا تقصد ؟
•-         لا تكثري منها في الليل ..
ربما أراد أن يعبر لي عن وصيته بسياق ما يحدث في ظل خيمة الحرب ، وربما كان يقصد العكس من ذلك ..
أما أنا فكنت مخاتلا في تزوير دفتر الخدمة العسكرية حتى أبقى في الوحدات الثابتة في مقر مديرية التجنيد بعيدا عن نار الجبهات المستعرة.. بعدما اشتريت عكازا حربيا من الألمنيوم، ووضعت الجبس في ساقي وزوّرت نماذج شهرية للإجازات من المستشفى العسكري أعلن فيها إصابتي في احد قواطع جبهات الحرب، ثم ازوّر كتابا للنقل  الى الوحدات الثابتة وتهميشا على الكتاب يوصي بنقلي الى مقر مديرية التجنيد في المنطقة .. حصل هذا وتجاوزت كل الصعاب .. الحرب مخاتلة تصيد المغفلين أولا ، ومن ثم تلتف على الأقربين او النائمين او الطيبين .. كانت مهمتي في مقر دائرة التجنيد هي توزيع الرواتب على نسوة ضحايا الحرب .. بذلك قد تخلّصت من عيون السلطة وأصبحت معاقا من جرائها ، لكني كنت ابتعد عن عيون السيطرات .. ذلك جعلني أتقلب في المدينة والتبختر أما زوجات الشهداء والأرامل وزوجات المفقودين خصوصا في نهاية أيام الشهر الأخيرة .. إذ تهجم  موجات النسوة نحو مقرات التجانيد  ليستلمن مرتباتهن .. لقد استطعت على مرور السنين معرفة التفاصيل لمجموعة كبيرة من النسوة ، استطعت أن أصل الى بيوتهن لاسلمهن المرتبات  وأتحدث بشؤون داخلية كثيرة، كانت واضحة على ملامحهن القلق والعوز والحيرة من المستقبل المجهول بادية على وجوههن..
في مرور الأيام أصبحت معروفا من قبل زوجات الشهداء والمفقودين .. كنت أميل للتعاون معهن ، بل أتعاطف مع شجونهن الكبيرة والمخيفة .. لقد استطاعت واحدة منهن احراف سلوكي .. حتى تحولت مهمتي الى عامل إطفاء حرائق في الليالي الباردة .. أقنعت نفسي بأفكار غريبة بعض الشيء :
•-    أنا لست منحرفا ، لكني اعطف على نسوة مكبلات بالغياب القسري .. اروي عطشهن وشبقهن المعلق بالتصاوير العسكرية على الجدران الصامتة .. كانت معظم تصاوير من ذهبوا في الغياب بملابس الجيش .. ملابس خاكية مرقطة ، ابتسامة صماء على الوجوه الكالحة .. فيما جدار الصورة يتحرك حانيا على ما يختلج في النفوس الحائرة والتصاوير جامدة لا حراك فيها .. سوى إن صرخات ستنطلق في عمق الليالي الباردة لتعلن عن وجودها الأزلي ..

– 3 –
في ليلة ممطرة وباردة ومثل كل مرة طرقت الباب في الساعة العاشرة من ليال شباط الباردة ، ثلاث طرقات فقط وبين كل دقة  وأخرى فترة صمت اعد فيها من الواحد الى العشرة ، عندها يفتح باب الدار ..كنت على يقين ثابت من خلو الدار من كل ما يعكر ليلتي هذه ، ذلك ما يؤكده الضوء الأزرق في غرفة استقبال الضيوف كان مضاءً والستارة مثنية لتتيح لي النظر الى المصباح عما يحجب الرؤيا  في الزاوية المظلمة من غرفة الضيوف ، الضوء الأزرق يعني المرور الآمن لي وقد انتظرته ما يقارب الأربعة ليال دون أن تُنار غرفة الضيوف بالضوء الأزرق إلا هذه الليلة .. عندما اشتد البرد وأصبحت الحاجة الى الالتحام ضرورة لا مناص منها..
فتحت لي الدار نصف فتحة تسمح برؤية ضبابية في نصف عتمة لرؤية الجسد المرمري المتماسك ، إذ كانت الهيأة تدل على استعدادها لمقابلتي .. ليس سوى قطة مقرفصة خائفة تموء في الدهليز المظلم.. العطر الأخاذ وملابس النوم الشفافة ومسحة من المساحيق الخفيفة على الوجه الجميل الدائري..أشارت لي بهمس لا يكاد يسمع بالدخول بسرعة خاطفة ، وكان عليّ مثل كل مرة أن أتلفت يمينا وشمالا قبل الولوج الى العالم السري الخاص بنا نحن الاثنين ، ذهبت مباشرة الى غرفة النوم مباشرة فانا اعرف الطريق اليها رافعا عكازي الى الأعلى لئلا يمس الأرض  .. إنها الليلة التي تتكرر كلما اشتد البرد واحتدمت الجبهات في إراقة الدماء للجند وهم يلوذون من فتك القذائف المنفلقة فوق رؤوسهم.. قطع التلفاز برامجه المعتادة .. اطل  المذيع ذو الشارب الكث يتلو بيانا حربيا عن هجوم وقع في قاطع الجنوب ، أغنية حربية مارشات وصورا من معركة قديمة .. أسرعت لتطفأ التلفاز وتبقى الحمامة الرمادية على الصفصافة تردد – ياكوكتي أين أخي ..
عندما سألتها عن أمها العجوز وأولادها فقالت إنهم يغطّون في نومهم وعليّ إلا ارفع صوتي عاليا فيستيقظ احدهم من نومه .. قالت لي وبذلك الهمس الغانج :
•-    خذ هذه الملابس واذهب الى الحمام ،  جهّزته لك منذ وقت مبكر .. كل شي جاهز فالماء ساخن جدا والصابون اللوكس والشامبو  وماكنة الحلاقة ومجفف الشعر ..
قمت مسرعا الى الحمام لإزالة ما علق بي من أتربة وهموم أخرى، كان عليّ إزالتها جميعا قبل الخروج الى سرير الليلة السرية المنتظرة منذ ليال كثيرة وقبل أن يباغتنا الصباح بصخبه وبيانات المعارك المستعرة .
خرجت من الحمام بعد ساعة او أكثر لافا جسدي بمنشفة من قماش الخاولي والبرنس ولفافات أخرى كان يستخدمها الزوج في إجازاته ..
إما رائحة الغرفة فقد كانت تثيرني اشد إثارة فهو العطر النسائي الخاص ،  انه عطري المميز ماركة شامير ذو العبوة الطويلة الكحلية ، وهي قد ارتدت ملابس نوم بلون اسود لماع من الستريج الخفيف وملمسه يكاد يذوب بين اليدين عندما لمسته قلت لها :
•-         حبيبتي إن هذا اللون يذيبني تماما ونحن في أول الليل وفي أول صولة ، إلا يكفي إذابة العطر لي قبله ؟
ضحكت بصوت عال ثم وضعت يدها على فمها عندما تذكرت أولادها النائمين وأمها العجوز التي ما انفكت تسعل بين الفينة والأخرى .
•-    هل أنت جوعان .. لقد أعددت لك وجبة خفيفة ومغذية وتجعلك هذه الليلة كالحصان الجامح لا يكل ولا يتعب.
•-         لا .. الأكل بعدين .. بعد الارتواء من نهر العسل أولا .. أريد فقط قطعة بقلاوة لتزيد طاقة الدفع ..
أدرت رأسي عن صورة ابن خالي المعلقة على الجدار ، فوجدت واحدة صغيرة منتصبة على درفة السرير .. صورة صغيرة والملابس المدنية .. تطوّقه ابتسامة خفيفة سرعان ما تتحول الى صوت نحيب خافت وينتهي في فراغ سديمي ..
قفزت عليها دون إرادة وتفكير ورفعتها من الكرسي التي كانت جالسة عليه .. رفعتها بين يديّ وقذفتها على فراش من الأسفنج السميك ، الفراش الذي سيساعدني كثيرا في ممارستي الجنسية المستمرة لها في عرس هذه الليلة .. تعبت وتعرّقت لكني عاودت الطعن مثلما كان يقولون في المعركة وعلى خط الجبهة .. عندما اتعب فان حركة خفيفة  من يدي على  مؤخرتها تتحرك الحواس كلها وتنتصب ، يبدأ الفراش تحتي  يتحرك ارتفاعا وهبوطا ، تمنيت أن لا ينتهي الظلام والدفْ وخيمة ليلة الغرائز المحبوسة هذه التي لا تتكرر ، كان أجمل ما يحدث كونه سري .. بالمقابل كنت اسمع صوت المذيع يصدح في البيوت المجاورة  ..
لم يبق من الليل إلا سويعة واحدة .. وضعتها على الفراش ورحت اقبلها من أصابع قدميها الجميلتين .. كانت أظافر قدميها مصبوغة بلون الدم .. أصابع القدمين صغيرة ومنحوتة بشكل يذكرني بالدمى البلورية الجميلة  حتى أصل الى ما بين ساقيها وأنام هناك في فردوس ارضي ارتشف رحيق حلو قلما أجده خارج تلك البقعة التي قد ظللها شعر العانة الخفيف الملتمع قرب عيني .. تأوهت وزفرت هواءً نديا ثم دمعت عيناها ، لا اعرف ما يختلج في رأسها من أفكار .. بدت التأوهات تعلو تدريجيا ودون  أن ارفع رأسي أشير بسبابتي الى الأولاد النائمين دون أن تنتبه هي الى ذلك ، كانت تشير وسط موجة اللذة السائلة بصوت خافت  بإطفاء المصباح الأصفر وإخماد صوت الحمامة الرمادية على شجرة الصفصاف .. نهضت عاريا بقضيب متورم وعروقه الزرق متوثبة للانفلات .. تسرب الظلام في الفضاء المحيط وضاعت ملامح صورته وابتسامته الخجولة ..  نوبة أخيرة في ممارسة كل طرائق الشياطين في حمى ليلة بعث في نصلها الشيطان روحه حارثا الأرض العطشى بكل ما أوتيت من قوة.. يعم سكون غريب وسط اللفحات المتواصلة وصوت آهات مخنوقة .. إذ تشتعل في جسدينا حميمية التصاق مثلى  ولذة  شبقية خالصة ، لم تتحقق لي من قبل  مع كل النسوة اللائي وقفن على باب التجانيد  ..

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *