جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص) (4)

إشارة :
كتاب (جيم جديد – قصّ) للمبدع جابر خليفة جابر الذي ينشره موقع الناقد العراقي في حلقات هو واحد من أهم الكتب الثقافية التي صدرت بعد الاحتلال. فبالإضافة إلى أنّه يتناول مفاهيم وأحداث وشخصيات ثقافية وفق نظرة جديدة وبعضها يُطرح لأول مرة ، فهو أيضا تشريح لمعضلاتنا الثقافية ومحاولة طرح حلول لها بدلا من النواح والتشكي. أمّا أسلوبه السردي الهادىء و “الحياتي اليومي” فقد أزال عنّا التباس وصفه على الغلاف بأنه “قص” لأول مرة. وللأسف لم يحظَ هذا الكتاب المهم بالمناقشات المطلوبة التي نتمنى أن تثيرها محاولة نشره هنا. تحية لجابر خليفة جابر.

(4)

إعدام العصافير

زمان محاكمة غاليلو وفي روما تحديدا وبعد أن أُنتُخبَ مثقفٌ ما، لكرسي سلطة ما، ،أمرَ بأعدام كل العصافير في حدائق قصره الجديد لأنها ببساطة كانت تزعج ( ثقافته) بزقزقتها!
تذكرت بشاعة ذاك (السلط..مان) المثقف وأنا أستمع لمكالمة من صديقي رمزي آكوبيان، كان فرحا بالقانون الفرنسي حول إبادة الارمن وأخبرني إنه ضمن وفد من المثقفين الأرمن زار قبل ساعة المكتبة الخاصة للفاتيكان وإن أمين المكتبة بعد أن عرف بعراقيتي أطلعني على نسخة فريدة لرسالة الحقوق للأمام السجاد عليه السلام، وأخبرهم إن البابا بولس السادس أطلع المُؤرخ العراقي كوركيس عواد عليها عند زيارته الفاتيكان في منتصف القرن الماضي، وكانت النسخة الفريدة تلك بخط حفيده يحيى بن زيد الشهيد، والذي ذبح الطالبان آلاف الأفغان عند ضريحه في مزار شريف.
قال لي: نحن الآن داخل أسوار الفاتيكان نلتقط صورا عند تمثال غاليلو الذي تم نصبه 2008، بعد أن أعادت البابوية له الإعتبار.
تراءى لي إن رمزي كان يقول : جميل إعتذار الفاتيكان لغاليلو،لكن نحن أدباء العراق ومبدعوه، من يعتذرلنا ؟ وعما خسرناه طيلة عقود مضت، والى الآن؟
من يرد الإعتبار لنا؟
من سيحمي حقوقنا كمبدعين؟
ولماذا ما زلنا غرباء في وطننا وفي الشتات ؟ والواحد منا كذاك البحار الهولندي الطائر، لاعش لنا فنحط للإستراحة فيه، ولا ميناء نرسو بحقائبنا على أرصفته؟
تراءى لي ذاك وتذكرت كم فرح مبدعو العراق واستبشروا كما فرح الشعب كله واستبشر خيرا بالتغيير أوائل سنة 2003، لكنني في الوقت ذاته حين كان رمزي يحادثني، تذكرتُ فرحة غاليلو بتصاعد الدخان الابيض معلناً عن ارتقاء صديقه الكاردينال المثقف بالرباريني لكرسي البابوية، وأستطيع مدى تخيله لما سيتمتع به من حرية، حتى إنه تصرف حينها – كما تصرف أغلب مبدعي العراق– وأعلن تأييده لنظريات كوبر نيكوس معتمداً على حماية صديقه البابا أوريان الثامن..
لكن البابا الجديد والمثقف كان شديد الوطأة عليه، وكاد غاليلو أن يُحرق حياً لولا تراجعه عما صرح به، وإكتفت محمكة التفتيش الرهيبة في قاعة القديسة ماريا بفرض الأقامة الجبرية عليه حتى موته!
ما نريده يا سيدي التغيير وقد فرحنا بك واستبشرنا بقدومك، ليس لأنفسنا فقط وإنما لكم أيضاً وللجميع، وهو أن تكون تغييراً ديمقراطياً أفعالاُ، وواضحاً بهويتك أقوالاً ونياتٍ، نريد أن نتفهم بعضنا ،ونقبل بعضنا،ونحاور بعضنا، نتفهم ونتفاهم، والأهم أن نتفسّحَ في المناصب(المجالس) كي يفسحَ الله لنا.
أما ما نريده كمبدعين من حقوق خاصة بنا، فأشياء صغيرة، صغيرة جداً، وبسيطة حدّ أنكم لم تنتبهوا لوجودها بعدُ !
ولم تروها حتى بالمنظار الذي إخترعه غاليلو، أو سرق صنعته من الصناع البلجيكيين المهرة (تناص)!
نريدُ حماية قانونية لأفكارنا وكتاباتنا وإبداعاتنا، من الأغتيال والكبت والسرقة و
( التناص) ،ونريدُ منحنا فرصا للأنتشار، كي يقرأنا العالم ويعرف من نحن، وما وما كتبنا، وما هي موضوعاتنا، كما هو حال زملاء لنا في أرض الله الواسعة..
” سبحانك اللهم حتى الطير لها أوطان
وانا مازلت أطير وأطير
فهذا الوطن الممتد من البحر الى البحر
سجون متلاصقة سجان يمسك سجان”
لماذا يا أصحاب المعالي حتى أدباء تلك السجون المتلاصقة – كما يصفهم النواب – لديهم دور نشر كبرى تصول وتجول وتروّج لهم، ونحن أدباء البلد الحر والشعر الحر والأبداع الطيني الحر، ليس لنا من يحمينا وينقذ إبداعاتنا من التيه والإستغلال ؟!
لماذا لا تؤسس دار نشر ربحية وفاعلة تمولها الدولة في البداية فقط ، ثم تَسترجع تمويلها؟ وليشرفَ عليها مبدعون حقيقيون لتنجحَ، ولكي لا يستمر احتكار المبدع العراقي خاصة الكتاب منهم من قبل دور النشر العربية الشرهة، وكي لا توجه الأبداعات العراقية الى وجهات مشبوهة عبر تمويلها من جهات مموهة ومشبوهة! وكي يعرف ويفهم العراقي أخاه العراقي .
لهذ ولغيره من معاني الخير والأخوة الوطنية، ستعمل دار النشر المنتظرة على تشجيع الكتابة عن مجتمعنا العراقي بأطيافه جميعاً ولألوانه الحلوة كلها.
ولماذا لا تخصص الجوائز الكبرى سنويا للأبداع الصانع للهوية العراقية، ومن أجل العراق والعراقيين؟
رسالة الحقوق في الفاتيكان تصرخ بكم – أصحاب المعالي – وبنا جميعا : أين أنتم من رعاية الابداع ؟
أين قوانينه ؟
ولماذا لم يزل الشاعر دعبل حاملاً خشبته على كتفه الى الان؟!
ولماذا تذبح عصافير الابداع العراقي حتى الساعة؟
لا أدري أصدقائي، ربما سيعتذرون لكم، لأبداعاتكم، ربما، لكن ليس الآن، بعد عقود، أو قرون ربما، تأسياً باعتذار الكنيسة المتأخر جداً لغاليلو!
وقد يقام لبعضكم تماثيل، ستقام، أتوقع هذا، إنما للأموت منكم فقط، وداخل أسوارهم !
كنت منشغلا بهذ التساؤلات والمناجاة المرّة، حين نبهني رمزي باحتجاج لم يلتفت إليه أحد قبله :
جميل أنهم أقاموا تمثالا لغاليلو، ولكن لماذا لم يعتذروا للعصافير الذبيحة؟
ولم يقيموا إلى الأن تمثالاً لزقزقتها؟
لماذااا… تتكرّرُ وتتصارخُ بعددِ المبدعين الذين قَضوا، و بعدد (من) ذُبحَ من العصافير!
=====

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : الاسطورة والدين والتراث .. في رواية (فقيه الطين) .

لغة سردية هجينة، غريبة على طبيعة السرد الروائي، تتأرجح بين الشعر والنثر، تنتج عن سارد …

| إبراهيم أمين مؤمن : انتفاضة الحصار .. من رواية قنابل الثقوب السوداء .

مؤتمر الاتحاديّة لم يمضِ على مظاهرات المسيحيين سوى ثمان وأربعين ساعة حتى عُقد المؤتمر، ولم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *