تابعنا على فيسبوك وتويتر

جاري الأمريكي

جاري السيد (براين) يزعجني بموسيقاه الصاخبة التي تنطلق معظم الوقت من شقته التي تجاورشقتي ، ولم تنفع معه كل العبارات اللطيفة والمهذبة مع ابتسامات لاتكلف سوى أرخاء عضلات الوجه لثوانٍ معدودة و حسب (الأتكيت) الذي تعلمته منهم لكنه لم ينفع ..!.. ثم شكوت أمره الى ادارة المجمع السكني الذي نقطن فيه ،إلّا انهم كانوا يردون عليّ بذات الابتسامة التي تعلمتها منهم ،ثم يقولون لي : تكلّم معه ..ان السيد براين انسان لطيف ومهذب ..!

كنت على مدى ثلاث سنين مضت أنبه ، وأشكو حالي الى بقية الجيران ، لكن أحداً منهم لم يستمع إلي أو في الأقل يقول لي كلمة تجبر خاطرتي وتزيل الشعور القاسي الذي كنت أعانيه . وهكذا اضطررت أن أتصل بالشرطة لوقف حدّ لهذا الازعاج الذي يعدّ انتهاكاً في الدول العظمى التي أعيش تحت سماء إحداها !.
حضر ضابط شرطة مع أثنين من معاونيه وأستمعوا الى شكواي ضد جاري السيد براين ، ثم استمعوا له على انفراد ..لكنهم بادلوني نفس الابتسامة التي تعلمتها منهم ، وقال لي ضابط الشرطة : انت تبالغ يارجل ، نحن لم نر أو نسمع أية مظاهر للضوضاء التي تدعيها ..حاول أن تسترخي أو تراجع طبيباً أختصاصياً …وغادروا..
كل هذه الأسباب جعلتني أفكر بردٍ مناسب يردع جاري المتعجرف ورحت أتساءل ، هل أرد له الاساءة بالمثل ..هل أصمت وأتحمل كل هذا الصخب والزعيق ..أو..هل أغادر المكان ..؟..ثم لماذا عليّ أن أختارواحدا ضمن خيارات كلها سيئة ً على انه الخيار الأفضل والصحيح ..؟
لقد رأيت بعيني حالات مماثلة حدثت أمامي ورأيت كيف يؤازر الجيران أذا ماتعرّض أحدهم الى أدنى ازعاج وعندما تأتي الشرطة كانت تسجل دعوى قضائية وترفعها للمحاكم ، ويعوّض من وقع عليه الضرر تعويضاً مادياً ومعنوياً..لكنني لاأريد أي ضرر يطال السيد براين سوى بالكف عني وكبح جماح موسيقاه الصاخبة المزعجة التي كانت تكدر أيامي..

درست فكرة الرد ..
” كان السيد براين كغيره من مواطنيه لن يعرفوا معنى الحزن العميق ولا الأسى أو النواح ،- ولقد أخبرته في تعارفنا الأول والذي بعده لم يعد يتكلم معي – حدثته حينها عن الحرب واهوالها ..عن مستقبل المجتمعات في ظل الحصارات والدكتاتوريات والوصايات والاحتلالات ، وتحدثت معه باسهاب حول الطفولة مستغلاً حبهم المشترك وتعاطفهم الشديد لها..كان ينظرإلي وكأنه يشمئز من حديثي ومني ..لم يصدق ماأقول ، هو لايفهم ولايريد أن يفهم وهناك فارق كبيربين الحالتين تختبأ تحته نوايا سود ! ..ثم بعدها بدأت حربه الناعمة ضدي .
من هنا بدأت خطتي بالرد عليه ، فهو لايحب التبرم والشكوى ولايستطيع أن يعرف معنى الحزن العميق الذي يؤسس لعواصم وبلدان ، هو لايعرف معنى طفولتي ، هو يعرف طفولته لاغير..!
بدأت تنفيذ خطتي..
لأول مرة أخطط لامرٍ كهذا في حياتي ، لقد تعلمت منهم ..
أن مايفصل شقتي الصغيرة مع شقة السيد براين ، حائط خشبي لشقق متلاصقة تشبه الى حد بعيد حواضن تفقيس الدجاج وهذا يعني إن عدة اجهزة صوتية تعمل في آن واحد ستكون رداُ مناسباً ، تطلق أغاني اللوعات والشجن العميق ، آهات تحرق سقوف الخشب وتهدّ الجدران ..أصوات عذبة كسيرة ، واحتجاجية بطرائق فريدة ، صرخة يكون لها صدى لايتبدد في الفضاء.
كنت أسمع ضرباً بآلة ثقيلة على الحائط الفاصل بيني وبين السيد الأمريكي يحتج فيه لأني أردته أن يسمع ألمي وشكواي ..لقد نجحت..!

في صبيحة اليوم التالي استيقظت على أصوات تردد..الله أكبر..!..الله أكبر..!
وثمة نفق يمر بمنتصف شقتي يأتي منه ملثمون يتوزعون في أرجاء شقتي مدججون بالأحزمة الناسفة ، ولمحت السيد براين يأخذ مكاناً قصياً وبيده (الرمونت كونترول) !.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"