تابعنا على فيسبوك وتويتر

العالم القصصي لعلي السباعي
مقاربات سيميائية للأنساق والتخييل
بقلم
أمجد مجدوب رشيد

استهلال:
علي السباعي قاص عراقي،الولادة والمنشأ إنساني الهوى،عرفته منذ 2014 هذا القاص المتميز تعرفت عليه من الفضاء الأزرق،وامتدت هذه الصداقة سنوات وقرأت له،وشغفتني كتابته بدأت ثمارها تنضج، فكان كتاب ((السرد ومرايا الذاكرة)) ط1-2016.وفي هذا الكتاب الذي جعلت له نصيبا منه درست قصصا من مجموعته:”مدونات أرملة جندي مجهول” وركزت على نضاله ضد مسح الذاكرة،وهذا يكاد يكون مشروعه الوجودي، وظهرت له مجموعته :”إيقاعات الزمن الراقص” ولم يكن الكتاب قد أرسل للطبع ،فأضفت دراسة عن هذه المجموعة وكانت بعنوان:”ألعجائبي والرمزي في الكتابة القصصية ،قصة عرس في مقبرة” للقاص العراقي علي السباعي.
النسق السردي مصبوب بملكة فنية بينة ،له تلك النكهة التي تحفظها وهو يذهب بك،يأخذك إلى عوالمه وتحولاته،سرد يغرس نصله في الراهن،في وجع الوطن والإنسان،وتيهه الوجودي،وفي مصيره.
النسق السيميائي:
تنظر السيميائيات إلى الكون على أنه علامات نسقية،تحتاج إلى كفاية تأويلية،لينبثق المعنى ،أو لينبثق إمكان منه،إمكان زمني،مشروط بموسوعية الذات وخزانها المعرفي والجمالي،:((إن السيميائيات هي طريقة في رصد المعنى وتحديد بؤره ومظانه،إنها أيضا طريقة في الكشف عن حالات تمنعه ودلال غنجه.))

ولتحديد مفهوم النسق اتجهنا إلى بعض المعاجم المتخصصة في المصطلحات الأدبية المعاصرة ،فوجدناه عند ميشيل فوكو،علاقات،تستمر وتتحول،بمعزل عن الأشياء التي تربط بينها.
كما يحدد النسق الأبعاد والخلفيات التي تعتمدها الرؤية.
ويشير معجم السيميائيات إلى كون” رؤية السيميائيين للنص تنطلق من كونه عبارة عن شبكة من الشفرات يقوم القارئ بفكها…و” العلامة ليست إلا علاقة بشئ آخر،ولا يمكن فهمها بدون فهم استمرار تحولاتها،من عنصر إلى آخر في شبكة ما ”
وسواء استعمل النقاد السيميائيون مصطلح الشبكة أو النموذج أو الكيان أو البنية فالمقصود هو النسق..ويتحدث جاك فونطاني وهو يتعرض للسيميائيات والأدب عن “الأنساق “…حتى يقول: (تتخذ شكل مجموعات أو زمر أو مجموعات مترابطة..)
فالنسق إذن شبكة علامات ذات ترابط ، وهذا الترابط تحدده طبيعة تلك العناصر ،أي طبيعة تلكم العلامات ..فقد تكون أفعالا ماضية وقيمتها المنظور إليها في إطار الاستراتيجية التأويلية
“.. فالنسق ،كذاك الذي تشتمل علية اللغة، ينتظم من أجل الحصول على الدلالة” والنسق لا يتجلى إلا إذا اتخذ صورة لغوية ، وهو (( ينتظم)) أي يصير بنية أو كيانا ،لينتج الدلالة ، لذا شدد (رولان بارط) على كون” …التحليل السيميائي لن يمسك بموضوعاته
(الأنساق الدلالية،اللغوية وغير اللغوية)إلا من خلال ترجمتها إلى النسق اللغوي” وهذا يمكن من تحويل الأنساق اللغوية إلى منظومات دالة .. وترى جماعة(( موسكو – تارتو)) أن كل الأنساق السيميائية تقوم على أساس الوحدة والتعالق،حيث يسند كل منها اللآخر،ومعنى هذا أن النسق الأصغر يتعالق مع النسق الأوسط ويتفاعل مع النسق الأكبر والجميع يشكل نسق الأنساق،فإذا أضفنا صفة التلاحم والترابط صار التعريف كالتالي: الأنساق السيميائية زمر أو مجموعات لغوية مترابطة العناصر ،تقو م على أساس الوحدة والتعالق يسند كل منها الآخر.
ويعـد مفهـوم النسـق الثقافـي مـن أكثـر المفاهيـم اسـتعمالا لـدى النقـاد الثقافييـن، وعلـى الرغـم مـن كثــرة اســتخدامه، إلا أنــه غيــر واضــح المعالــم، ولقــد أشــار محمــد مفتــاح إلــى هــذه الإشــكالية حينمــا حــاول تعريــف النســق بمعنــاه العــام، فقــد ذكــر أن لــه أكثــر مــن عشــرين تعريفــا، وقــد خلـص إلـى أنـه مجموعـة مـن العناصـر أو الأجـزاء التـي يترابـط بعضهـا ببعـض مـع وجـود مميــزات خاصــة بهــا، كاشــتراك العناصــر واختالفهــا، ووجــود بنيــة داخليــة ظاهــرة وحــدود مسـتقرة لـدى الباحثيـن، إضافـة إلى قبـول المجتمـع لهـذا النسـق)
نخلص إلى كون النسق يتصف ب:
يعيش النسق من خلال بنية داخلية .
– النسق له مقبولية اجتماعية
– النسق كيان منتظم.
..))
– مكون من مجموعات أو زمر مترابطة
– يعيش النسق من خلال بنية داخلية .
– النسق له مقبولية اجتماعية
– النسق كيان منتظم.
– يقوم على أساس الوحدة
– التعالق،من صفاته الأساسية
– التعاون حيث يسند كل عنصر العنصر اللآخر
– طبيعته التحول والاستمرار
– ذو طبيعة لغوية أو له إمكانية لرده لبنية لغوية .
– الغاية من انتظام النسق تأويله لإنتاج دلالة.

التخييل:

نميز بين الخيال والتخيل والتخييل ،وفي كتاب الدكتور إدريسو : حاولنا العثور على فروق بين المصطلحات لكن تراثنا يستعمل أحيانا الكلمة الواحدة لأكثر من معنى..ورغم هذا ..اقتنصنا من الكتاب بعض الشذرات .
الخيال: القوةالحافظة للصور ص33.
التخيل:ضرب من صناعة الصورة الشعرية ص36. وهو قوة مصوِّرة – ص 36.بكسر الواو.
التخييل: التشكيل القائم على نسق التناسب الفني ص39.
فالتخيل : عمل ذهني للمبدع .
التخييل: النتاج الإبداعي في صورته النهائية .
الخيال:جماع التخيّل والتخييل.

1- زليخات يوسف:
سنتوسل برؤية جمالية التلقي لمقاربة الرؤى النقدية التي كانت تلقيات النقاد لمجموعة علي السباعي القصصية ((زليخات يوسف)) بعد ذلك سنحاول تأمل هذه القراءات ونتساءل هل تمتلط منظومة نسقية؟
((زليخات يوسف)) مجموعة مكونة من عشرة قصص ،لذا نكتفي بفحص التلقيات الخاصة بنص قصصي طويل شيئا ما،ورد في بداية المجموعة،ونوه به أكثر من ناقد،ذلك النص هو ((مريم البلقاء:
فماهي خلاصات ملاحظات النقاد عن القصة المشار إليها وعن المجموعة ككل؟
يرصد الناقد إسماعيل سكران في جريدة (الحقيقة)
مكونا من مكونات العالم السردي القصصي للقاص علي السباعي ،ذلك المكون هو الأسطورة والحلم ،وفي نظر الناقد لا يتم اللجوء إلى هذين العنصرين إلا إذا كان الواقع كئيبا فارغا!!

خلاصات

ومن أهم ما لاحظه د. رياض صبار سندال القطان في جريدة (الزمان) ”
تتجلى في :
• غرابة التكنيك
• مغادرة التقليد
• علامات الخرو ج على الاعتياد
• أراد أن يأتي بالجديد.
وخلاصة هذه الملاحظات أن هذه الكتابة القصصية تجريبية !

ويرى الناقد علي حسن الفواز في جريدة (القدس العربي) أن التداخل بين عوالم ذات منحى واقعي وعوالم ذات حمولات رمزية إيحائية مكنت من إكساب النص القصصي لعلي السباعي دهشته وإغراءه.

ويقول حيدر عبد الرحيم الشويلي في جريدة (النهار) الكويتية –

“إن اللجوء إلى الترميز له ما يبرره فنياً، وليس ترفاً أو مخادعة للقارئ، فالمبدع / القاص حين يرزح تحت وطأة العصر وشراسة أحداثه يراوغ بالرمز خشية التصادم مع الواقع ونظمه وعاداته وأعرافه..”

تضيق مساحات الحرية في العالم العربي ،وإن كان الإنسان العادي يظن العكس..فبالمثال يتضح المقال …في هذا العصر زادت مساحات الحقوق الضرورية للإنسان تبعا لتعقد الحياة ،وتبعا لذلك صارت لائحة الحقوق غير المحققة طويلة ..لأن ما يعد مطلبا عاديا في أمم هو بعيد المنال في عالمنا العربي..وماتزال للقوات الأمنية وطأتها وشراستها ..وهذا ما يجعل الرمز الفني والأدبي يخاتل هذا الوضع ليتم التعبير به عن البشاعة والإفساد الذي تتعرض له الحياة الاجتماعية…ويتفق الباحثون على كون الرمز والأسطورة والقناع هي منظومة واحدة ذات فعالية جمالية وتداولية متقاربة.

يركز الناقد شاكر رزيج فرج في جريدة طريق الشعب / على العلامات وكيفية قراءتها:

هذه العلامات (خيول فائق حسن المنطلقة في الفضاء اللامتناهي وعيونها التي تحاكي عيون الفنان وترميزات جواد سليم النابضة بالثورة والحياة ووجه – مريم – الملائكي الذي تغتاله الغفلة.”…..) وشبيهاتها تحضر أيضا في المجموعة لقصصية “مسلة الأحزان السومرية ” حتى صارت مكونا راسخا له مقصديته.ونتعرض لذلك في الآتي.-

و”الرمز هو ما يعني أو يومئ إلى شيء عن طريق علاقة بينهما كمجرد الاقتران أو الاصطلاح،أو التشابه العارض،غير المقصود ”

وجعل د.محمد أبو خضير من التناص موضوعته:
جامعة بابل/كلية الفنون في مقال بعنوان: شعرية التناص في… زليخيات يوسف

“… وحملت النصوص القصصية تنوعاً – تناصياً اجناسياً مؤاده جملة مرويات شفاهية وشعارات سياسية محرفة ونصوص قرآنية مجتزءة وعبارات لفظية ذات مرجعيات كلاسية وحكم وهو ما يبرر فتح مساحة حرة في آليات تعبير وبناء وتواصل ”

فالتفاعل النصي واستنبات القصة وسط أحراش عدد متنوع من النصوص تكاد تصير عرفا ثابتا لدى علي السباعي ،ومعلوم أن التناص يعطي للمعاني سبلا أخرى ومسارات .
يكتب علي السباعي قصصه بصدق, صدق الإحساس ,وخفة الحلم, وكأنه يحصي خسارته التي هي خسارتنا

• أما د عبدالزهرة علي ..ناقد
تناول في مقال عن علي السباعي ومحاولة طرق ابواب التجريب
• في مجموعته القصصية زليخات يوسف (1-1)
• عبدالزهرة علي

…قصص (علي السباعي) حافلة بالمشاعر الإنسانية بطعم عذب يشبه مرارة الواقع،واقعنا العراقي, واختلالا ته, عبر لغة ترصد حياتنا العراقية بحروبها, وحصاراتها, واحتلالها, لغة ترصد بتامل, بإيحاء, بتمرد, بعبث, بجنون, لغة واقفة في المهب من اجل اقتناص لحظة بوح باذخة… موهبته القصصية تحمل في جنباتها ثقافة واطلاعا واسلوبا وخيالا.. وهذه ذخيرة قيمة لبناء الهيكل القصصي حتى انه يطرق بقصدية او بغيرها حالة تجريبية لشكل جديد لو انه اخذ بإنمائه من قصة الى اخرى او الافادة من الاسطورة والرمز والآيات التي وظفها في انما الحدث القصصي دون ان تكون في بعض الحالات اشارات عابرة او مقحمة.
نسق الكتابة :
يسجل الناقد جملة مركزة من الملاحظات والاستنتاجات في سياق تناولهم لقصة (مريم والبلقاء):
• الاحتفال بالموضوع الواقعي
• الانشغال بالحياة العراقية
• لغة السباعي لغة موحية متمردة ..لغة بوح وجنون..
• أسلوب ينم عن ثقافة واطلاع
• كتابة قصصية تخييلية تجريبية
• تتصف قصص السباعي بتوظيف الأسطورة والرمز والتفاعل النصي.
حسن البصام
هذيانات علي السباعي الواعية في زليخات يوسف:
“قصص تحمل جيناته الوراثية , فصيلة دمه وملامحه , لون بشرته , فرحه وحزنه ..انه ابن العراق السومري المتحفز دائما .. العراق الذي يرمى بالاحجار فتتساقط من عثوقه الثمار .
يشرك القارئ في التأويل والرؤية والخيال . وجدت صعوبة في تحريك الاجناس الادبية خارج النص , وخاصة الشعرية العالية المتفردة التي هي ركن اساسي في ديمومة السرد.. لقد تداخلت وامتزجت . جمله مكتنزة واحيانا متناقضة بوعي وحرفية عالية وادراك وقصدية .. عدسة وعيه تلتقط ملامح المتعبين القلقين الذين لم يلتفت اليهم احد على الرغم من وجودهم دائما مع الاخرين .. يتردد على المقهى التي تحتضن حكاياتهم وزفراتهم واحلامهم , يدون كلامهم وصمتهم .. يحاورهم ويدخر ذلك , زاده الثقافي والمعرفي .. قلبه خزين كبير لاحلام متعثرة .. يغمس قلمه في قلبه ليرسم لنا حكاياته , سموات مكتظة بالاحلام وارض تفتقد خطوات محبيها ويدون اغانيه الاخيرة(زليخات يوسف) .
تكاد تتشابه قصص المجموعة في مناخاتها السردية ولغتها المركبة المتوالدة وانثيالاتها وتضميناتها.

يخلص الناقد إلى كون القاص :

• يشرك القارئ في التأويل والرؤية والخيال
• لقد تداخلت التناصات وامتزجت . والتحمت بالقصة
• قلبه خزان كبير لاحلام متعثرة .. يغمس قلمه في قلبه ليرسم لنا حكاياته , سماوات مكتظة بالاحلام.

تعتبر مجموعة ” زليخات يوسف” العمل القصصي الثاني الذي أصدره علي السباعي،وقد تفاعل النقد الادبي المهتم بالسرد في العراق وخارج العراق بهذه التجربة ،و
أولاها كبير اهتمام ونشرت مقالات ودراسات مهمة ،الامر الذي نستطيع من خلاله أن نقول :إننا أمام تراكم تلقيات كفيلة بتكوين صورة قريبة جدا لواقع وحقيقة تجربة هذا القاص ،ومكانته في المسار الفني للقصة القصيرة في العراق ثم في العالم العربي.
فما كتب عن هذه المجموعة يفوق العشرين مشاركة نقدية ،وهذا يدل على فرادة العمل ،وقوته الإبداعية ،وتجاوب القراء معه
ونخلص بعد تأملنا لهذه الآراء النقدية إلى:
كون الآراء النقدية تشكل نسق الكتابة القصصية كما يراها النقد لدى علي السباعي : فهي كتابة تخترق التقليد وترسم لنفسها مسلكا تجرييبيا ينزاح عن الأساليب المطروقة،وهي كتابة لصيقة بواقعها توظف الرمز والأسطورة .والأنساق التخييلية وتتفاعل نصيا مع التراث والثقافة في انفتاحها الكوني ،مع الحفاظ على حرارة العاطفة الإنسانية وجمال اللغة ورشاقتها.أخرى

ثانيا: مقاربة نقدية لتلقيات مجموعة(( إيقاعات الزمن الراقص))

نتامل المجموعة القصصية” إيقاعات الزمن الراقص”

مستعينين بالقراءا ت و المقاربات التي تناولت المجموعة.

د. ميّادة عبد الأمير كريم العامريّ

“…يستحضر السباعي في مجموعته القصصية “إيقاعات الزمن الراقص”نصوصا صارخة بالألم مصوّرة وبكل صدق القسوة السلطوية التي أهانت كرامة الإنسان العراقي،وقد جاءت شخصيات المجموعة شخصيات قلقة معذبة سحقتها دواليب الحياة فكانت بحقّ مرآة عاكسة لمرارة الواقع المعاش..وقد نجح القاص في رصد المعاناة التي طالت أطياف الشعب العراقي من مثقف وإنسان بسيط ، ومن امرأة ورجل وطفل صغير…”

يرصد الناقد طبيعة الشخصية في النسق القصصي للقاص فهي
(شخصيات قلقة معذبة سحقتها دواليب الحياة فكانت بحقّ مرآة عاكسة لمرارة الواقع المعاش) وهذا جلي في أكثر من قصة ،حيث تكابد الشخصية من أجل الحياة ،التفجيرات والخوف، والعسكر وضياع كثير من شروط الهناءة.
د.مصطفى لطيف عارف

” استعمل القاص علي السباعي الموروث بشكل جديد,إذ أدمجت الأساطير ,والحكايات الشعبية, وأبطالها في نسيج الإحداث الواقعية لقصصه,فكان هذا أسلوبا جديدا لم تتطرق إليه القصة العراقية إلا نادرا,كما في نصوص المبدع الكبير الراحل جليل القيسي,والراحل الفذ محمود جنداري,كما في نص رحلة الشاطر كلكامش إلى دار السلام ..”
و القاص علي السباعي تجربة خصبة وهذا ما ينص عليه الناقد عارف حين يرصد قدرته على توظيف الموروث والأسطورة ..
د.سناء كامل الشعلان
جامعة عمان/ الأردن*

” ولعلّ من أهم خصائص هذه المجموعة القصصية- في رأينا المتواضع- أنّها تقوم على مجموعة من ( الثيمات) الكبرى التي تنتظم القصص جميعاً في وحدة موضوعية تتباين وفق وجهة النّظر،وزاويةالتلقي،ومنظومة الأدوات والافتراضات وعينات الدّراسة،ولكنّها تصبّ أخيراً في حقيقة واحدة،وهي أنّ المجموعة قائمة على وحدة موضوعية.”

هذه الملاحظة جد دقيقة ليس فقط على مستوى الموضوعات بل على مستوى الأنساق الفنية ،فنستطيع الإرهاص بكون القاص يمتلك تقنيات تظهر بعينها في أكثر من قصة واحدة.

ويقول الناقد أيضا :
” والفجيعة هي ( الثيمة) الكبرى التي تنتظم هذه المجموعة في وحدة تقدم حالاً واحداً يختصر كلّ أحوال أبطال قصص المجموعة،ويوصّفظروفهم،ويحلّل أزماتهم النفسية والمعيشية التي تقودهم جميعاً دون استثناء إلى نقطة واحدة محور وبؤرة في كلّ القصص،وهي بؤرة الألم الذي يصبح بطلاً إجبارياً في حياتهم،ليشكّل مصائرهم وأقدارهم،ويسوّغ أفعالهم وأقوالهم ومشاعرهم،بل وانكساراتهم وسلبيتهم في كثير من الأحوال.

قصة (( آخر رغيف ))

د. محمد أبو خضير
جامعة بابل/كلية الفنون

أما في نص ( آخر رغيف)( فالثيمة )لها سمات مخلقة وإيقاعات تؤشر ظرفاً زمكانياً مدينياً

“في فضاء آخر مثل المستشفى ، فرغم سلبية الفضاء ، إلا إن المفتتح السردي– سينمائي يبدأ ببطء ملحوظ ويلتقط حركة فردية تخص شخصية ( الطبيب ) فالفعل التصويري ، يفتتح بلقطة قريبة/ خاصة فهي ترسم حركة فعل نقل ساق الطبيب بشكل مبكر ومجسد في فضاء السرد – السينمائي وتنتقل الكاميرا الى الكشف عن سينغرافيا المشهد من ( عدد ملاءات ، علامات / ألوان / روائح / طاولة ) تخص الفضاء ذاته( نقلت ساقي ببطءٍ ، مجتازاً باب المستشفى ، تمرغت بصدري رائحة المطهرات ، رؤية بياض الملاءات ، وقد تقيأ الناس آلامهم فوقها ، يشيع في النفس الألم ) ص46 .”

خصوبة الكتابة الإبداعية تجعل النقد متألقا ،لأنه يجد الأنساق التي يحاورها ويحول من خلالها لفهم متعة.

” ومن جديد يجنح علي السباعي إلى السّرد العجائبي،فيرسم لنا في قصة ” مملكة الغضب” صورة لمكان عجائبي لا وجود له في عالم البشر حيث مهمة سكّانه من النّساء أن يستدرجن الرّجال للولوج إليه،وهناك يشرعن يذقنهم أبشع أنواع العذاب.
وهذا المكان اسمه “مملكة الفجيعة “أنت الآن في مملكةِ الفجيعةِ، برحاب الفناء، لا حياة لك! ” (32)وهو الطّريق نحو الموت.”

لعل الموت صنو الفجائع ،بل هو الفجيعة الكبرى ،ويتناول السباعي الموت بصورته الحقيقية وبصورته الرمزية.

” وهذه المملكة العجائبية التي تزخر بكلّ أنواع العذاب الجسدي فضلاً عن النفسي هي في رأي بطل القصة امتداد لذلك العذاب الذي عاينه وغيره من البشر في حياتهم الزاخرة بخيبات الأمل ” نحن جيل الخوف يا هذه… بذار نساء الرعب… أيام الخوف أرضعتنا… وأصابع الشقاء الحديدية فطمتنا” و” لقد عشتُ أزمنة الخوف، البؤس، الغربة، وما أجمل أن أعيش لحظات الموت”.(33)

د.سليمان البكري
المنظور السوسيولجي في الخطاب القصصي السردي:

في قصة “عرس في مقبرة”حالة اغتراب يعيشها السارد/حارس المقبرة مع امرأة مجنونة تنبش احد القبور ومفاجأة الحارس دعوة المرأة له ليكون عريسها الليلة وسط هياكل وجماجم الموتى في احتفالية غرائبية تنطلق من أفكار المرأة المجنونة مؤشر الواقع الأخر الايجابي الذي يحقق شمولية إنسانية.”
إن القوة الفنية لهذه القصة تكمن في الأبعاد العجائبية والخطاب المفاجئ فضلا على ما ذكره الناقد من حالة الاغتراب,
د.مصطفى لطيف عارف
جامعة ذي قار / كلية التربية
قراءة نقدية في مجموعة علي السباعي
إيقاعات الزمن الراقص أنموذجا
” بهذه الإشكال القصصية وعبر تباين النية الفنية فيها واختلافها الواضح للواقع السوسيولوجي إلا أنها شكلت حضوراً مؤثراً في الشكل والمضمون والبنية الفنية السردية،هذا الشكل المتحقق في إبداع القاص علي السباعي يؤشر فهم القاص لعلاقة القصة بالمجتمع من خلال توظيف المكان والزمان في الخطاب القصصي وبنيته الفنية وتجسيدها عبر أساليب التشخيص السوسيلوجي في فضاءات عراقية تطمح من خلالها شخصيات القصص تحقيق الصيرورة الحياتية الإنسانية لواقع مأساوي ظلت تعاني منه الكثير في حقب طويلة.”
البعد الاجتماعي لا يظهر في تصوير علي السباعي لقضايا العوز والمرض والموت والفقر ..إنما لظهر أيضا في الرؤية المشكلة للعمل القصصي ككل .

رصد لمعطى الواقع في العالم السردي القصصي لعلي السباعي وخاصة في مجموعة ((إيقاعات الزمن الراقص ))

د. ميّادة عبد الأمير كريم العامريّ
للقاص علي السباعيّ
” يعالج القاص من خلال شخصياته كثيراً من الظواهر الإجتماعية وهذه المرة يصوّر الجوع في قصته “آخررغيف” إذْ تظهر شخصية رجل في الثالثة والأربعين من عمره، كان السبب في فقدان ابنه الصغير لسَمْعه أثر ضربه على أذنه اليسرى مما تسبب في تمزق طبلتها ، ولعل هذا الأمر يبدو غريباً ومشوقاً لمعرفة سر تلك الضربة .
نسق تشكيل النص القصصي:
نسق الموضوعات: الجوع،الواقع المأساوي،الاغتراب،الفجيعة….
نسق التكوين الفني: في الخطاب ذي الأبعاد العجائبية – قوة التخييل برسم صورة لمكان عجائبي لا وجود له في الواقع –الاستفادة من التقنيات السينمائية في تشكيل صورة سردية يكون للغة البانية للحدث تلك الوقفات التي تجعل من الوصف قوة مشهدية ويشعر القارئ بالحركة والتنقل والانعطاف ويشعره بالضوء والمكان…

قصة عرس في مقبرة” للقاص العراقي علي السباعي
قراءة جديدة

إضاءة:
“إيقاعات الزمن الراقص” مجموعة قصصية ،تؤكد رسوخ القاص علي السباعي في مسار الكتابة السردية وتحديثها.
فمن أبرز مميزات كتابته:
دقة اختيار المعجم السردي.،ابتكاره لحدث مفعم بالمفاجأة والدهشة.
كتابة سردية منفعلة بأسئلة الوطن والإنسان.،تستغور طيات النفس.
تبني فضاء من التخييل الرامز…
الرمز:
الرمز حسب جوتييه :
«…إيحائي بجوهره لا يكتفي بتصوير الأشياء المادية ، بل يسعى إلى نقل تأثيرها في النفس بعد أن يلتقطها الحس ،ثم إنه يحمل معنى ذاتيا في الوقت الذي يوحي بمعنى غير محدد،خارج عنه ومنوط به .”
وفي هذا النص نرصد الأنساق الرمزية التالية باعتبارها شفرات دالة وذات إسهام في تكوين حبكة النص وشد وثاق الخطاب،وتشكيل رؤاه الفكرية والجمالية :
النسق الصوتي :
جاء في المجموعة القصصية:
«تسحب أنفاسها بصعوبة كأنها قنينة تحشر في الماء عنوة فتطلق فقاقيع …..ارتفعت القعقعة…..صرير الصراصر حاد وموجع، تقول ودموع الفرحة تترقرق من عينيها……تزغرد، تقرع طبولها، تراقصه نغماتها فوق جذع شجرة الكافور المنتصبة وحيدة وسط القبور، ….»

يشيع السارد في الأجواء أصواتا ترعب وتخيف،لأنها لا تحيل على خصب ولا حياة،بل هي أصوات حشرجة وصرير وتقرق دمع مع عجائبية تدل على الواقع العبثي الفاقد للأفق الفكري،فالموت يجاوره قرع طبولووتجوره الزغاريد.
النسق اللوني:
وجاء في المتن القصصي:
” كأنها قرص أحمر ملتهب شرخ حياتي إلى نصفين: -عزلة، وخذلان……الغروب..أحلم، والشمس بانحدارها نحو الغروب تترك صبغتها الحمراء كالدم تعتمر بها قمم القبور.. عيناها السوداوان الوحشيتان تهطلان دموعاً مخضبة بالكحل، أحسست بأنني كطائر البوم….ارتدى الليل ثوبه الجنائزي الأسود، اكتست القبور بظلام أب الحالك، نظرت ذاهلاً، مندهشاً، انتشر النور قادماً من عصور سحيقة، موحشة، ليملأ المكان برائحة الشمع والجماجم المحترقة قلت مستفهماً بقسوة ..، وبأنني معشوشب هنا في المقبرة، كأنني عشبٌ ضار يقتات وجعاً، يتلبسني الإنهاك كوني زمناً مضى، بل فكرة سرعان ما تناقضها”
يشكل الزخم اللوني نسقا يرسم راية الوطن (الدم-النور-الكحل –العشب …كل لون يجاوره وصف مؤلم وحزين. الشمس../الحمرة
البكاء/الكحل/ الثوب الجنائزي – الظلام – ….
النسق العجائبي:
“تخترق عيوني العديد من الهياكل العظمية تصطف على شكل أزواج، العشرات من الجماجم موزعة على مواضع منتخبة بإتقان وقد رتبت على شكل أزواج فوق القبور.”
**
تسيد الفجر، أغمض عيون النار أجفانها، تراقصت، خشخشات ناعمة أصدرتها إغفاءاتها المتثائبة نشوة، فردت الحياة أجنحتها، راحت تنظف ريشها الزاهي بمناقير قدت من وهج الشمس، شرعت غربان المقبرة بالبحث عن غذائها، غراب أسود كبير بجناحين أبيضين عظيمين يحوم فوق ((تاجية))
المضطجعة على الأرض، مباعدة ساقيها ما وسعها، مغرية الغراب على النعيق، استفاقت مذعورة، تتلفت كمن داهمها لصوص سرقوا سعادتها منها..”
نسق المأساة:
تشاركني ((تاجية)) الصراخ والطواف بين القبور تبكي بناتها، حظها، وألمها الذي زعزع كياني، مزق يقيني بالحياة، أمسكتها من يدها مهدئاً، داهمني منظر الدموع السابحة في الكحل الأسود
كانت مصرة على البكاء، لتذكرني بأيامي الماضية التي أنفقتها في مراقبة عوائل الموتى وهم يبكون موتاهم، ألبث مضطرباً لبعض الوقت لأسألها بعدما لوَّعني بكائها:
-علام تبكين؟
نسق الموت والحياة:
العنوان يكتنز توترا دلاليا بين قطبي الوجود نلخص ما نريد قوله من خلال الآتي :
عرس = الحياة
مقبرة = الموت
نسق الغياب:
هذا النص يصور مأساة العراق ،تلك المأساة الرافلة في الوجع والدم ، المأساة التي حولت المجتمع إلى أصوات فردية كالفقاعات أصوات البوم والغربان ، يحضر في هذه القصة الموت بتلوينات عدة ، نعم إنه يحضر ليحاسبنا جميعا ويندد بوضع انحرفت فيه بوصلة الإنسان عن هدفها ( وحيدة أبكي كل شيء في حياتي فحياتي بكاء في مأتم
” تاجية ” تبحث عن بناتها ، عن بنات العراق وشرف العراق ، هن الغائبات بل الغياب يشمل القيم وغايات المجتمع.
بناء تأويل :
تتأمل بكل حمولتك المعرفية والجمالية المكونات الرمزية ،فتخلص إلى ما خضب روحك من الوجع المبثوث في ثنايا الخطاب السردي ،وهي في هذاالنص السري تكثيف فني ،يريد إبلاغ وبلاغة رسائل تتصل بحال العراق أرضا إنسانا وحضارة مصيرا:
العراق صوته مختنق ،يود لو يصرخ لتسمعه الأقطاب
غريباً وسط الموتى أعيش، شعور باليأس شرع يقتات علي، يتآكلني تعب مزمن لما أشاهد من فواجع، قلت بقناعة:
الفضاء والأمكنة:
العمل القصصي عمل تخييلي والمكان جزء من المتخيل و الفضاء المرسوم داخل النص السردي،هو فضاء يحمل دلالات ومقصديات..فكرية وجمالية.لقد « أظهر السرد…قدرة كبيرة على تمثيل المرجعيات الثقافية المتعددة (بمستويات من…)الترميز والإيحاء…»
نسق العجيب والتخييل:
العجيب يتجلى من خلال التأثيث الذي نلمسه للفضاء / فضاء المقبرة /ويدهشنا بمستوى الرعب والمأساة المضمرة في الحوارات الموازية له:إنه”يعرض العالم الإنساني بطرقة جديدة تتسم بالغرابة …وانتهاك واضح لكل ما هو مقبول”
تتضافر المكونات المعنوية والفنية لتشكيل وتخليق النص القصصي ،بوعي عميق يخصب الكتابة السردية العربية،ويفتح لأفقها أفقا جماليا وإنسانيا فسيحا.

تأملات نقدية في كتاب((بنات الخائبات))
1- العنوان
هذا عنوان كتاب قصصي فيه قصتان قصيرتان فقط،فما دلالة العنوان كعتبة سيميائية ،(بنات ) هذا خبر لمبتدأ محذوف ،وتقدير الكلام :هؤلاء بنات الخائبات ،وبالتالي فلفظة (الخائبات) مضاف إليه،ومعنى ذلك الإخبار ..العلاقة الموجودة بين مجموعة من البنات ومجموعة من النساء ،فهؤلاء من أرحام أولئك.
والخائبات هن اللواتي يمثلن أبشع صورة لامتهان المرأة وتشييئها. والجمع له دلالة توسع العهر ،وتمدد آثاره .
عنوان القصة 1:
“فرائس بثياب الفرح”
عنوان يغص بسخرية مؤلمة،فالفرائس جمع فريسة ، وهي ما يفترسه الحيوان اللاحم وكذا الطيور الجارحة وجعلها نكرة فالعنوان ساخر لأن الفريسة ( وهنا الأمر يقتضي،الحزن) لكن للفرائس ترتدي لباس الفرح.
وهذه هي المفارقة،فالمفارقة مثل “أن يعبر المرء عن معنى ما بلغة توحي ما يناقض هذا المعنى أو يحالفه”_ (
عنوان القصة الثانية :”سيوف خشبية”
العنوان يشي في جزئه الأول بالقدرة والحسم والقوة،وفي الجزء الثاني يدل على العجز والخور والضعف،فالسيوف لا تكون خشبية سوى إذا كانت للعب الأطفال.وهنا تضمر السخرية خطابها .
نسق الهوامش:
الهوامش:معلوم أن الهوامش تنبئ عن عرف من أعراف الكتابة
وللهوامش أكثر من وظيفة فمنها الشارحة :
1- شارحة: كما جاء في ص 23 وصفحات أخرى :( تعتقد بعض شعوب الأرض أن كل من يعقد قرانه قبل غروب الشمس الألفية يجلب له السعادة الدائمة)
2- تعريفية: ص 7( بيكاسي :رحالة هندي يسير على قدميه يجوب العالم منذ سنة 1987 وحتى الآن يبلغ رسالة السلام)

3- إخبارية: ص30 ( التبرئة:وصية تركها لي صديقي المرحوم “أمجد طارق النجار “طالبا مني كتابتها في قصة)

4- تأليفية: ص 46 كتب المؤلف نصا يتحدث فيه عن تأثير تمثال الحبوبي في نفسيته.

نسق التخييل:
” كنت في عالم الرؤيا صبيا مع زملائي في المدرسة المركزية الابتدائية.. دخل الفارس في ساحة العلم، صرنا نحن التلاميذ الصغار نركض وراءه متلقفين قطرات دم الحسين التي كانت على شكل حبات رمان ريانة نضرة” ص10.
ونقرأ في فقرة أخرى :
“أخبرني بذلك جـديّ الأولُ والذي سُمِـيَ بنفــس ِ أسـم جديّ الثالث ، كـان جــديّ الأولُ حكّاءاً رديئاً ، وهذا ما وَرِثْتهُ منه : ألحكي فالقطُ قـد خرجَ من ظهرِ الأسد علــى سفينةِ نوح ٍ…”
وتقرأ عيوننا هذا المقطع:
” كـان جــسدُ الفراتِ فتاناً مغرياً ، منتشـياً مرحـاً ، متودداً رشيقاً ، طائعاً منسجمـاً باشتهـاءٍ ، قبيلَ وصولـه القاع رأى امرأة تنسدلُ مــن قمةِ رأسِها عباءة تحلـّـقُ حاشيتُها الصدئة ُ خلفها مع دفقاتِ الفراتِ ، تهزُ بيمناها مهداً خشبياً ، وَطـِئَتْ قدماه قاعَهُ الطيني الطري الدافيء ، رغمَ ذكورة الفراتِ إلاّ أنــّهُ شَعَرَ بأن قدميه قد وطئتا رحماً دسـماً ناضجاً بلزوجةٍ دافئة لذيذة”
وتضيء هذه الفقرة ما سنتناوله :
” بهدوءٍ نمــوذجي قربـتُ يــديّ مـن رأسهــا ، شعــرتْ بحــرارةٍ تـشعهــا يــداي ، حـرارة ٍ عميقــة ٍواخزة ٍ ، أحســستُ بانخفاض ٍ بسـيطٍ في طاقةِ يديَّ ، وكــأن تفريغــاً كـهــرومـعنـاطيسيــاً حـدث بيــن يديَّ ورأسها ، وبعدها لــم يعاودهـا الألم بتاتاً ، مــن يومها أصبحتُ مُداويــاً . باراسـايكولوجياً . ميداســاً ، الملك ميداس ، كنـتُ مثلهُ كلما مسـّتْ أصابعُه شيئاً صيّرتـْهُ ذهباً ، كنتُ ميداســاً أُشفـــي المرضى ”
يتفاعل الواقعي بالتخييلي في حركية حلم ،وليس بناء التخييل لإضفاء مسحة جملية على النص أو لتحقيق الإدهاش ،بل الراجح هو تناسب المكونات الفنية والموضوعية في خلق حالة من الاستنارة وتحريك آليات الشعور الواعي بالراهن ،انطلاقا من صور سردية تاريخية وأسطورية وتخييلية،إن التخييل يصير تقنية وظيفية خادمة للرؤية.
فالدم تراه العيون حبات رمان، و(القطُ قـد خرجَ من ظهرِ الأسد علــى سفينةِ نوح) فلاحظ مزج التخييل بالخبر القرآني،وفي تكوين مأسطر يتم أنسنة الفرات ليصير بقوته المخصبة رمزا للذكورة والفحولة والفعل:”كـان جــسدُ الفراتِ فتاناً مغرياً ، منتشـياً مرحـاً ، متودداً رشيقاً ” ويتداعى اسم ميداس في سياق آخر:”مــن يومها أصبحتُ مُداويــاً . باراسـايكولوجياً . ميداســاً ، الملك ميداس ، كنـتُ مثلهُ كلما مسـّتْ أصابعُه شيئاً صيّرتـْهُ ذهباً ، كنتُ ميداســاً أُشفـــي المرضى ” فالإبراء معجزة للأنبياء وإذا ادعاها الآخرون كانوا فقط يتخيلون، والتحول أحد حالات بناء الصروة التخييلية.

التخييل يوضع بجانب التفاعل النصي ( انظر كثرة الهوامش التي تحدثنا عنها) بجانب القوة الرمزية التي تشيع في القصة،يوضع أمام اللغة الشعرية والساحرة .ويوضع بجانب الوجع الذي يطلق نكهته الأليمة في كل منعطفات النص.

كتاب نسق الذاكرة
شهرزاد: قدري
.
على الغلاف تم تحديد نوع متن الكتاب : شهادات
والسؤال المطروح من يشهد ولمن؟
وأمام من؟
إن التعاقد الذي يبرمه الكاتب مع المتلقي يفترض تقديم شهادات عن شخص آخر !!
هل المتحدث هنا شخص تجرد من ظلال علي السباعي ؟
الكتاب اعترافات وجزء من السيرة الأدبية للمؤلف والقاص علي السباعي. إذ يدخل هذا الكتاب في نسق الذاكرة،لأنه حفظ ذاكرة المؤلف ،وذاكرة جانب كبير من تاريخ بغداد والعراق. وآراء في الكتابة ،كتيب صغير لكنه هام جدا مكون من أربع دفقات :
1-تراجيديا النصر أو الموت.
2- الحياة أقصر من فتيلة قنديل .
شهرزاد قدري.
الاحتراق الكامل في مملكة الزماما.
إذا تاملنا معجم هذه العناوين نجد : الموت ( التراجيديا – الموت – أقصر – قدري – الاحتراق )
معجم الحياة :( النصر – الحياة – قنديل – شهرزاد – )
الرؤية:
يقدم علي السباعي سيرته الأدبية في اشتباكاتها الجمالية والإنسانية،غير أنه لا يغفل عن بناء نصه بالامتاع المعهود لديه إنه وإن كان يكتب تاريخ ذاته إلا أنه يستمتع بالنص وهو يتخلق ويبنيه كعالم قصصي .
تناول اصطدامه بعالم الكتابة،والكتابة من جهة لديه التزام بأوجاع الإنسان ومن جهة أخرى فالكتابة(تجربة ذاتية لاكتشاف العالم) وهي عين الوجود.
وكما الحب حب شهرزاد كان قدرا فإن حب الكتابة قدره…

نسق العتبات في مجموعة “مسلة الأحزان السومرية”
2- “مسلة الأحزان السومرية ” العنوان المركزي للمجموعة-

يمنح المؤلف لموضوعه القدم من خلال علامات العنوان،ويرجعه إلى تاريخ بعيد فالزمن يعود إلى عهد ابتكار مسلات ذات وظائف توثيقية،إنها تحيل على حضارات قديمة جدا،عمدت إلى تخليد إنجازا تها الحربية ومفاخرها الحضارية بنقشها على أعمدة صخرية عمودية .وهي نصب رسمية ،ذات اعتبار كبير لدى هذه الحضارات.
وإذا كانت المسلة تسجل أحداثا ومطامح شعب له حضارة على أرض، فذلك الشعب هنا هو الشعب العراقي،وتلك الأرض هي العراق .
عندما نعود إلى العنوان لتفكيكه وفهم بنائه التركيبي،نتساءل :لماذا توسطت كلمة الأحزان تركيب العنوان؟
التموقع يكسب اللفظة دلالتها السياقية ويفجر أبعادها السيميائية ،وربما كشف عن أسرار ومؤهلات بين الألفاظ.
إن الأحزان مسبوقة بلفظة (مسلة ) ومتبوعة بلفظة( السومرية ) فالاحزان في قلب الأرض العراقية وفي وجدان كل عراقي.منذ أمد بعيد.
وما قوى دلالة لفظة الأحزان الفاصلة بين المسلة و لفظة السومرية، هذا الراهن،زمننا المعاصر الزمن القبيح؟
المسلة :
تغير دور المسلة الحضاري فصارت في نسق العنونة
إعلانا للحزن بل للأحزان بصيغة جمع التكسير ،فحزن هذا الشعب وحزن هذه الأرض قديم جدا حزن عريق عراقة الهوية .
 مسلة= التاريخ
 الأحزان :الواقع الراهن
 السومرية : نموذج حضاري قوي يمنح المؤلف بعضا من النشوة والاعتزاز بله على الأقل قدرا من التوازن.

2- – عتبة أخرى / قولة .
يقدم القاص علي السباعي بين يدي القارئ هذا النص في الصفحة السادسة وقبل الإهداء:
كتب على هذه الأرض أن لا يقال //
فيها سوى المراثي والمناحات//….
شاعر سومري
نـتأمل هذا المقطع،نجدالقاص أورده ليقرأ بالماضي بشاعة الحاضر، ولنقف عند لفظة ( كتب) الفعل المبني للمجهول ،فهل كتب بمهنى قدِّر ..أم كتب بمعنى خط؟ولربما نقش على الصخر..ويعزز هذا المنجر دلالة (أن لا يقال)
وجاءت لفظتي ( المراثي والمناحات) مجموعة جمع مؤنث سالم واللفظة الأخرى جمع تكسير.
فلغزارة ماتعاني منه هذه الأرض من ويلات فهي جديرة بالأحزان ..ونتوقع في تلقينا لهذه النصوص/ القصص وما يأتي فيها أن يكون عبارة عن رثاء ونواح.

الإهداء

الموت يرخي سدوله على هذه المجموعة،فالأحزان أحزان الأرامل والقتلى. وإذا كنا قد افترضنا اصطباغ النصوص بمعاني البكاء وتصوير الموت فلا عجب أن يهدي القاص مجموعته إلى بلد ميت ولاشك أن الموت هنا أعمق مما نفهمه عادة من الموت. إنه انهيار الإنسان وانهيار حضارة.
ولعل من الأنساق الجدير ة بالتحليل نسق العنونة.

نسق العناوين : عناوين القصص :

عناوين طويلة ، أطولها يتكون من ست كلمات.,
سيميائيا تحيل إلى علامات شخوص( شارلي شابلن –كلكامش-ليلى-سليمة مراد –شهرزاد – عبد الحليم حافظ-بتهوفن -الضابط )
الأفعال والمصادر :(يموت – رحلة –إعلان وفاة -حقيقة –يغني-باسقة –يبيع )
العنوان فيه لفظة الموت ،و القولة الشعرية فيها الأحزان والإهداء فيه لفظة الموت وأول عنوان في قصص مجموعة (شارلي شابلن يموت..) فهذه العلامة صارت رمزا عميق الدلالة.
قصة :شارلي شابلن يموت وحده :قراءة .
بنى المؤلف هذه القصة انطلاقا من عالمين متناقضين،:
عالم الابتسامة والفرح والأمل والحياة ومعانقة العالم . وعالم الحزن والموت والتفجير ،والخوف والأشلاء.
والعالم المهيمن الذي يسمع صوته هو عالم الحزن والموت.
ويوظف القاص هذا التناقض ليفجر عبوة السخرية انطلاقا من جدث لم يكن متوقعا فتتبلور المفارقة..
ف” يو م من دون سخرية يوم ضائع” ص7
ويلعب السارد بلفظة عاطل فسـأل صديقه (أنت عاطل أم الجهاز “) ص8
وفي مشهد ساخر سخرية سوداء نقرأ:( خرجت من ورشتي بعد انتهاء الانفجار أركض مثل شارلي شابلن لكن دون ما عصا في جو ملؤه الفوضى والصراخ والدم والقتلى والجرحى والأشلاء تملأ السوق..) ص9.
نسق المفارقة :
الناجون ظنوا يحيى المنغولي هو مفجر العبوة /بيد أن حمله لجهاز التحكم عن بعد هو ما أودى بحياته..إذ مات ضربا .
فهو كان يبحث عن الحياة مثل أولئك الذين أكل الرعب قلوبهم ..لكن الموت ترصده.
تعليق:
شارلي شابلن يموت وحده ،أي يموت الرمز الذي كان حيا في نفسيته وهو الفرح،وتموت البسمة، والأمل ، والفرح،
وفي الواقع نسأل من سيضع القناع للآخر ؟
نسق الرمز / الشمس:
التحولات الرمزية للشمس،يجعل المؤلف الشمس عنصرا مشاركا في بناء الحدث والدلالة، فعلي السباعي يتقن التعبير برمز الشمس عن الأحوال النفسية للشخصيات وكذا إضفاء الدلالات على المواقف والأحداث.
1- شمس تموز
2- شمس الضحى القاسية
3- ابتسمت الشمس العسلية
4- غربت شمسه ..انطفأت شمسه
فالشمس تكو ن قاسية قساوة الواقع وحلوة عسلية حين يتذكر السارد شيئا أو يعيش حدثا فيه راحة مؤقتة.

نسق اللغة الشعرية:
لعلنا نفاجئ القارئ بتفسير اسثتنائي لظاهرة زهد الناس في قراءة الشعر، ويظن الكثير أن الشعر انفضت سوقه ،وهجره محبوه، والحق أقول :الشعر ماكر جدا ، لا يرضى بالهزيمة ،كان له سلطان على النفوس، وصولجان في المحافل ، يرفع من شاء ويخفض من شاء،.وحين زاحمته الرواية في ملكه واحتلت بجواريها وحشمها وخدمها قصره ،فكر ودبر ،وأعاد وكرر ، فوجد أن الأخيلة دمه وماؤه، لا يكون إلا بها ، والتلوين العاطفي صنعته ،والجرس النغمي أنينه وحنينه وغناؤه ونشوته،تسلل إلى جسد الكتابة وبأدب جم عاد له نصف ما كان يملك ..والنصف ليس بالأمر الهين.
فالقراء يعشقون تلكم المقاطع المموسقة التخييلية وهذ ا البوح العاطفي:
وسنمثل لهذا الكلام ب عبارات من قصة (( شارلي شابلن يموت وحده))
1- (…لرؤية الألوان الفاتنة تطرز حياة الناس ) ص7
2- (…للربيع يلامس قلبي …) ص7
3- (…مر قت فوقنا سحابة قريبة غطت عالمنا القاسي)ص10
4- (…وهامات النخيل اكتوت بدم القتلى والجرحى..) ص9
5- (…في تلك الحظة غربت شمسه،..ألقت غبارها على قلبي .)..
يتم استحضار شخصيات علمية وفنية كأقنعة ،ليتمكن السارد من نسج الصور السردية التي يتقصدها،وليستطيع تشكيل الكون الجمالي الذي يريده ،فمن جهة وضع الكاتب المجموعة القصصية عندما عنونها ب (مسلة الأحزان السومرية) في سياق حضاري عنيف الدلالة،كأنمما يفزع إلى التاريخ المبرز لقوة الشخصية هروبا من واقع ضعيف ومهين ومذل،يمكن النظر إلى معجم يقوي هذا الطرح:( مسلة – السومرية- كلكامش –أور-..) إضافة إلى العتبة ص6 إذ يورد مقطعا شعريا لشاعر سومري.
هكذا تحيط قوة البعد الحضاري المجموعة القصصية بالأسطورة والتاريخ والشعر وأخصب هذه العلامات بعلامات أخرى لها سحرها ومعناها:(شهرزاد-عبد الحليم حافظ – سليمة مراد – بتهوفن..وليلى)
فكأنما أحال على الأبعاد الشاملة للهوية العراقية:
1- بعدها الحضاري السومري
2- بعدها الوطني :سليمة مراد – ………….
3- بعدها العربي (ليلى /شهرزاد/ حليم)
4- بعدها العالمي :بتهوفن

مسلة الأحزان السومرية:
نسق التناص
قصة إعلان وفاة ليلى ص21.
بالقرآن:
• والقمر إذا اتسق
• والليل وما وسق
• وأغطش ليلها واخرج ضحاها
• والصبح إذا تنفس
• هلوعا جزوعا-ملوما مدحورا

يلاحظ أن النصوص التي تم التفاعل النصي بها ،تحيل على معطى زمني (الليل – ليلها –ضحاها – الصبح .) باستثناء النص الأخير الدال على صفات في الانسان .
بالشعر:
 أمل دنقل ص23(سيعودون ،فلا تبكي
فما يرتضي
المحبون أن تبكي الحبيبة )
الشاعرة منال الشيخ:(قولة ص 25/26.)
فرانسوا مورياك:ص26.
شاذل طاقة ص26

 يقولون ليلى بالعراق/قيس بن ذريح ص22
 بالحكمة: ص22
 غوغول ص24.

ماذا يحقق التناص للقصة؟
في واقع الأمر يمنحها خلفية سياقية عميقة،ويضيءالأحداث إضاءات إيحائية فله خصائص عديدة وأبعاد مختلفة ،وقف عند بعضها الناقد جاسم خلف إلياس في مبحث خصصه للتناص ف((فضلا عن أبعاده الجمالية وخصائصه الكشفية وما يمنحه للنص من غنى وخصب وانفتاح على كوى عديدة من الاحتمالات والرؤى)) ص166..فله في قصص علي السباعي دور في خفظ الذاكرة.
نسق الموت و الحزن:
الموت
جثة هامدة 21
وافته المنية ليلا ص21
أعايش موت الناس يوميا ص23
أقلب صور موتانا العشوائي ص23.
الحزن:
يتكرر لفظ الحزن 14 مرة.
ألفاظ قريبة الدلالة مرادفاته عدد تردد لفظته
الحرائق – الضياعات- موجعة كئيب ص22
بائسا ص22 14

(…وكم موجع حزن الناس في هذه الحياة،كانت ولا زالت حياتي مجموعة كاملة من الحرائق والضياعات حيث أعيش بائسا منكسرا حزينا مثل أي واحد من العراقيين مثلهم مقهورا ومحبطا وكئيبا..) ص22.
هذه هي العلامات اللفظية والإحصاءات العددية
،والنص القصير الدال على كثافة الدلالة دلالة الموت، والحزن …هذه كله تعطي صورة سوداء عن واقع صارت فيه الحياة على جرف هار،أو على صفيح ساخن ،التفجيرات في كل مكن والعبوات الناسفة أقرب مننسمة الهواء.
نسق الذاكرة والذكريات:
( كانت وزوجها يعيشان ببغداد يوم كانت سلاما) ص21.
(لم يبق لليلى سوى ذكريات الماضي ص25″””)
المأساة
زوج يموت،وولد يفقد عقل،تتعرض لعبوة ناسفة،يلزمها بتر أطرافها،
الموت.سلسلة من المآسي تبدأ من موت زوج ليلى،فإصابة ابنها بمرض نفسي(بعد انفجار سيارة مفخخة في مكان قريب جدا منه )ثم يفقد عقله…..وفاة ابنتها بسكتة قلبية مفاجئة..تفجير الدكان الذي به ابن آخر لها وإثر إصابتها في التفجير سيضطر الأطباء بتر أطرافها.
ماذا بقي لليلى كي تموت؟
إن ليلى ماهي إلا العراق يتحدث عنه القاص ويراه في مأساة ليلى.وفي الخلفية قصيدة مجنون ليلى قيس بن الملوح العامري،تفيض حبا وعشقا ،وتربط الحبيب بالعراق.
نسق الرمز
التحولات الرمزية للشمس :
شمس ناضجة ص21
والشمس…قاسية وصلفة ص20(عقب فقدان ليلى لزوجها )
شمس تتألق ص22
في رأد الضحى شمس بغداد النحاسية عنيدة تصبغ الحياة بضوئها النحاسي القريب من لون النار ص24( عقب وفاة ابنة ليلى)
الشمس تهبط ص27.(بعد سرد وفيات الزوج والولد والبنت)
لقد تبين لنا أن القاص يعبر بدلالات الشمس ورمزيتها عن معان مقصودة يغلفها برمزية ساحرة.
يعرف الرمز تعريفات شتى لكنه و”في نظرية الأدب يبدو من المرغوب فيه أن هذه الكلمة يجب أن تستعمل بهذا المعنى:كموضوع يشير إلى موضوع آخر،لكن فيه ما يثؤهله لأن يتطلب الانتباه أيضا إليه لذاته.
)
قصة :رحلة الشاطر كلكامش إلى دار السلام
عتبة العنوان:
يقول ليو هوك في تعريفه للعنوان:
هو (مجموع العلاقات اللسانية التي يمكن أن ترسم على نص ما ،من أجل تعيينه ومن أجل أن تشير إلى المحتوى العام وأيضا من أجل جذب القارئ)
العنوان يخبرنا برحلة شخص إلى مكان.
فنحن أمام المكونات التالية:
الراحل: الشاطر كلكامش
المقصد:دار السلام
المضمر في تكوين العنوان مايلي:
البعد الملحمي الأسطوري: كلكامش
التناص: مع حكاية شعبية حكاية الشاطر حسن
البعد التخييلي: مجئ كلكامش من عصره القديم إلى مكان معاصر
ونطرح أسئلة:
لماذا سيرحل كلكامش إلى دار السلام؟
لماذا وصف بالشاطر؟
لماذا لم يرحل إلى مكان آخر.
هذا عنوان القصة الثانية من مجموعة :”مسلة الأحزان السومرية)) وهي من أطول القصص إذ تستغرق10صفحات.
الأنساق التي ستدرس:
نسق التناص: يوظف علي السباعي زخما ضخما من النصوص التي يجري تفكيكها وامتصاصها أو تضمينها فقط.( إنك من الخاسرين،واقصص ما جرى لك في دار السلام ص11)فالتناص السابق تناص تم مع القرآن.
(إنا خلقناه من طين لازب)
وهناك تناص آخر بنص تاريخي من خلال تضمين نص من كتاب (بغداد مدينة السلام) للسرخسي،
وتناص باستحضار مقطع من أغنية إلهام مدفعي:(موطني ..)
وتناص باستحضار نص شعري لشاعر سومري ،هو دنجي رامو
وتناص بذكر قصة لوحة جيرنيكا-بيكاسو والضابط الألماني
وتناص بإيراد حكمة ( الطائر الذي يلوذ بعشه.لا خطر عليه من الصياد.)
وقصة أيروسترات)
وتناص مع قصة النحات فايق حسن.
وهذه النصوص والتفاعلات النصية تقوية للذات المنهارة بفعل التفجيرات والحرب،يعود القاص بهذه النصوص لتشييد القوة النفسية،فيصف بغداد بدار السلام حنينا إلى أجواء الفخار،ويعود إلى شاعر سومري ليقبس من قوة شعره قوة الرؤيا..وقد استحضر اسم فايق حسن وخالد الرحال وجواد سليم…كرموز تذكره بالعراق الحي لا العراق الميت الذي يراه أمامه.
نسق الكائنات:
ذكر الكاتب مجموعة من الكائنات في هذه القصة رامزا بها إلى أشياء وحالات ودلالات كالنعامة والقرد والحمار والأسد والعصفور والحمامة ..فقد يسرت له إيصال دلالات الخنوع والخوف والغباء زغيرها..مما يحيل على صور اجتماعية ينتقدها.
نسق الألوان:
الكلمة الدالة على اللون لم تعد تحيل على اللون في ذاته ،وأضحت تحيل بفعل الانزياح إلى مدلول ثان له طبيعة شعورية وانفعالية..
تكاد تضج القصة بعدد الألوان المذكورة ،والموظفة توظيفا رمزيا،
أصفر-أسود- أحمر –الزعفران- البنفسجي…………
فاللون الأحمر الدال في سياق موظف على الدم يجعله في هذه الصورة(…ستمطر مطرا مترعا بشقائق النعمان،..)
(فأبصرت لون السماء كان بنفسجيا خالصا وتارة ليلكا أوزعفرانيا)
إنه الخوف المزمن من العبوات الناسفة ،وقد كاد يموت ضربا لأنه وضع كيسا أصفر اللون خلف مقعد السائق فظنالسائق كما ظن الناس أنه قنبلة ،وهو في الحقيقة حزمة كتب !!
نسق التكرار:
التكرار اختيار فني وملمح أسلوبي تتجلى فيه الأبعاد النفسية لمنتج الخطاب والأبعاد الدلالية والإيقاعية والتركيبية اللاحمة لبنية النص، فضلا على امتداداته نحو التلقي والتداول،وكما للتكرار غايات وأبعاد فله محل وصور يتخذها كتكرار الأصوات كالحروف مثلا،أوتكرار الألفاظ أوالرموز أو البنى التركيبية صغرى كالإضافات وأشباه الجمل،أوكبرى كتكرار الجمل والصور.والتكرار منتج للعلامات السيميائية التي تكتسب من خلال السياق دلالات حافة جديدة.
يكرر السارد أسماء ذات أثر كبير في نفسه:
زليخة – حديقة الملك غازي – جواد سليم- النعامة- فايق حسن..الهام المدفعي
أو تكرار جمل…..تكرار الحكمة :( الطائر..)…تكرار( نصب الحرية)
تكرار اسم المغني العراقي إلهام المدفعي…تكرار لفظة الشمس
تكرار اسم فايق حسن وجواد سليم…سبق تفسير نسق التكرار ودلالته التأكيدية ..ودلالاته الوجدانية .
نسق الذاكرة :
وقد اتبعت حكمة أبناء قريتي ص11
كنت أحب المطر فرائحة المطر تذكرني برائحة من أحب، زليخة ص12.فتذكرت اليوم الذي مات فيه أستاذي جواد سليم ص13.
فتذكرت ما قرأت ص13.
يذكرني بلون الطين ص19.
إن الذاكرة تهجس بالمحافظة على صورة الوطن من المحو وهذا ما درسناه سابقا في كتابنا (( السرد ومرايا الذاكرة)) لما تعرضنا لتجربة القاص علي السباعي.

قصة (( كلكامش يغني لسليمة مراد)) ص 31.
تفتتح القصة مسارها ب “الظلمة” وتنتهي ب “العواء” لذلك فغناء كلكامش مناحة !ّ! ألم يضع الكاتب في بوابة هذا الكتاب قولة الشاعر السومري القائل: ((كتب على هذه الأرض أن لا يقال فيها سوى المراثي والمناحات

)) ص6.؟؟
يصير تأويل العنوان كما تبدى لنا: كلكامش يغني لسليمة مراد- العراق ينوح …
تتحول الأغاني الجميلة في ذاكرة السارد وكأنها مناحات،..لا يفسر هذا الشغف بذكر الأمكنة وتكرار ذكرها ،والغوص في تفاصيلها سوى مقاومة المحو محوها من ذاكرة بغداد والعراق ككل فنسق الذاكرة من أوثق الانساق في الكتابة القصصية لعلي السباعي:
ذاكرة المكان:
رصيف شارع أبي نواس مستمتعا بهواء دجلة.
الكرادة
الزقاق الضيق المظلم المقوس
فالأمكنة (شارع أبي نواس،دجلة؛الكرادة؛الزقاق) تشكل جانبا من حرص السباعي على إضفاء الحياة على قصصه فلا يوجد مكان دون هوية في قصصصه اللهم المقبرة.
ذاكرة الغناء:
يدندن بأغنية سليمة باشا مراد التي لحنها الفنان الراحل صالح الكويتي.(( على شواطئ دجلة مر ..)) ص31.
وصل مترنما بأغنية الراحل ناظم الغزالي (( يم العيون السود ))
أغنية (( هذا ماهو إنصاف منك )
نسق التخييل:
حلت الظلمة شعرها الناعم
كلكامش ببذلته الأنيقة يسر على رصيف شارع أبي نواس
فوجيء بالحجر عبارة عن رأس كلب
تلفت حوله كعصفور تحاصره النيران
وجه القمر البغدادي يتكئ مسترخيا على وسادة من غيوم بيض.
أنسنة الظلمة وجعلها أنثى تحل شعرها بإثارة وفتنة،والقمر البهي صار إنسانا له متكأ يتكئ مسترخيا على وسادة من غيوم بيض، وهذه وساداته ،وهذا القمر /الإنسان الذي تعشقه الظلمة والتي ما من شك حلت شعرها لأجله ولأجل بهاء وجهه،هذا القمر بغدادي ..فالسباعي يريد أن يسجل بريشة السرد كل الذاكرة الجمالية لبغداد.

الخصائص المعنوية والفنية للكتابة القصصية لدى علي السباعي


ومن خصائص كتابة علي السباعي القصصية التي شغلت النقاد في تجربة علي السباعي القصصية ،مع اسنتاجاتنا بعد قيامنا بتنقيح قراءتنا لقصة ” عرس في مقبرة” وهي إحدى قصص مجموعة :” إيقاعات الزمن الراقص,”.لقد كانت
مقاربة “مسلة الأحزان السومرية” كشفا عن توظيف التفاعل النصي واستنبات القصة وسط أحراش عدد متنوع من النصوص حتى تكاد التقنية تصير عرفا ثابتا لدى علي السباعي ،ومعلوم أن التناص يعطي للمعاني سبلا أخرى ومسارات . للتأويل،أضف إلى ذلك:
• الاحتفال بالموضوع الواقعي
• الانشغال بالحياة العراقية
• لغة السباعي لغة موحية متمردة ..لغة بوح وجنون..
• أسلوب ينم عن ثقافة واطلاع
• كتابة قصصية تخييلية تجريبية
• تتصف قصص السباعي بتوظيف الأسطورة والرمز والتفاعل النصي.
• إشراك القارئ في التأويل والرؤية والخيال
• لقد تداخلت التناصاتوامتزجت . والتحمت بالقصة
قلب علي السباعي خزان كبير لاحلام متعثرة .. يغمس قلمه في قلبه ليرسم لنا حكاياته , سماوات مكتظة بالاحلام يكتب علي السباعي قصصه بصدق, صدق الإحساس ,وخفة الحلم, وكأنه يحصي خسارته التي هي خسارتنا.
هذه العلامات أضف إليها (خيول فائق حسن المنطلقة في الفضاء اللامتناهي وعيونها التي تحاكي عيون الفنان وترميزات جواد سليم النابضة بالثورة والحياة ووجه – مريم – الملائكي الذي تغتاله الغفلة.”…..) وشبيهاتها تحضر أيضا في المجموعة لقصصية “مسلة لاأحزان السومرية ” حتى صارت مكونا راسخا له مقصديته.

خلاصات واستنتاجات:

1- استقينا مجموعة من الخلاصات انطلاقا من تأويلات وفهوم النقاد ،فكتابة علي السباعي كتابة تجريبية ،ذات تكنيك جديد،كتابة تغرس وجودها في الأفق الآتي،إنها تنزاح عن المعايير الجامدة وعن المعتاد وتقترح لغة سردية مضفورة بالوجع ..تلقائية وعنيدة ..ومستلهمة امتداداتها من الرمز والحلم والأسطورة،وتحاور الغرائبي والعجائبي وتجعل بالخيال منه أقنعة تمكنها من التعبير الفني عن قضايا العراق والإنسان.وهي كتابة تفيض بالمشاعر الإنسانية يطعم يشبه مرارة الواقع ،الذي خبره لي السباعي جيدا فهو شديد الاطلاع على الثقافة عميق الإحساس بالفن والجمال ،عاشق لبغداد مدرك لقيمة العراق الحضارية مؤمن بالرسالة التي عليه أداؤها .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"