تابعنا على فيسبوك وتويتر

أضواء على أدب أل facebook – الحلقة الثالثة
إستعادة الماضي ، أم استنساخه في أقاصيص جاسم خلف فلحي ؟
ليث الصندوق

لا يجد القاريء في صفحة الكاتب جاسم خلف فلحي على ال facebook تعريفاً به أكثر من أنه عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق ، وهذا التعريف المقتضب كافٍ للقراءة النزيهة التي لا تتطلب موجهاً خارجياً أكثر من هذا التعريف الذي يدعمه نتاجه الكتابي ليشيرا معاً إلى أنّ القصة القصيرة جداً أو الأقصوصة هي خياره الإبداعي المفضّل ، أو بالأحرى خياره الوحيد على ال facebook تحديداً ، وخارج هذا الموقع فالرجل ، وهذا ما أعرفه عنه من زمن بعيد هو في الأصل كاتب قصة قصيرة ، وقد نشر العديد منها في الصحافة الورقية المحلية ، وفي بعض المواقع الالكترونية ، وله فيها مجموعة منشورة نشراً خاصاً .
تتوفر أقاصيص جاسم خلف فلحي على المادة الحكائية ، وهي في الغالب مادة تقليدية تتوخى توصيل رسالة اجتماعية ذات بعد أخلاقي ترى إمكانية التغيير بالمواعظ والنصح . ولكنها تبدو أحياناً أخر وكأنها تفتقر إلى المزيد من العناية بآليات وتقنيات التوصيل ، وإلى العناية بالقوالب الشكلية ، ويتجلى ذلك باستعانة الكاتب بتقنيات مندثرة كالاستهلال بالصيغ ( الماضوية ) المتوارثة ، وهذا ما سنأتي عليه لاحقاً ، إضافة إلى اقتصار الأحداث على فاعل أو بطل واحد والاستغناء عن الفواعل الآخرين ، أو تحييدهم ليتحولوا إلى مجرد ديكورات تزيينية . وهذا الإبتسار لصالح الفرد ساهم في بناء نظام علاقات متقلقل وغير مستقر في ظل تحول أغلب الأقاصيص إلى خطاب فردي الصوت ، أو إلى مونولوجات البطل أو الفاعل الفرد ، وانتقلت الأحداث من الواقع إلى الذاكرة لتكون اجتراراً ذهنياً لأحداث ماضية ، تتجلى في صورة أحلام أو خيالات او تأملات .
اغلب أبطال الأقاصيص هم شخصيات معلّمة بالفعل والوظيفة فقط ، وعدا هاتين العلامتين فهم شخصيات من دون أسماء ، ولعل تلك بالعموم إحدى ملامح القصص القصيرة جداً ، أو الأقاصيص إذ يزهد كتابها بأسماء شخصياتها ، ويجدون فيهم فضلة قابلة للحذف ، ولا يشذ كاتبنا ولا أقاصيصه عن هذه القاعدة . وعدا تلك الأقاصيص التي لا تُعلمنا بأسماء أبطالها – وهي قليلة بالعموم – يتخذ الكاتب من سعدونوف شخصية محورية في أغلب أقاصيصه ، وعبرها يتم تبئير المشاهد الخارجية التي تعرض له ، بينما يتكفل الراوي المفارق بتبئير الشخصية من داخلها ، فهو ينتمي إلى صنف الرواة فائقي العلم ، يخترق باطن الشخصية ، ويتكفل نيابة عنها بإيجاد تفسيرات للظواهر التي تُرهقها ، وبتسويغ ردود أفعالها ، والمواقف الضدية التي تتخذها للإفلات من الضغوط الخارجية .
وبالرغم من أن الكاتب لم يفلح في تحديد أبعاد شخصية سعدونوف بوضوح ودقة ، إلا أن ذلك لم يمنع من تشكّل نواتها الأولى من خلال بعض الملامح الشكلية الخارجية ، إضافة إلى البعض الأقل من ملامحها السلوكية والذهنية ، وبفضل تلك الملامح تمكن سعدونوف من اللعب على النقائض وتوظيفها لصالحه ، سواء كانت نقائضه هو أم نقائض الآخرين ، ليحول في النتيجة نقاط ضعفه إلى نقاط قوة . وإن ظلّ البؤس المادي للشخصية السعدونوفية ، وافتقارها لأي شكل من أشكال القوة والدعم ، يمثلان أهم ملامحها ، كما يُشكلان بالنسبة لمبغضيها المعطيات الأساسية التي بموجبها يتعاملون معها . إلا أنّ قوة سعدونوف الخفية ممثلة بعقله الراجح ونظرته الفاحصة للأمور وقدرته على التخطيط لقراراته المقبلة ، هي التي تُكسبه النصر على مناوئيه في النهاية . وما هذا النوع من الإنتصارات إلا تأكيد على صحة المقولتين المأثورتين اللتين ترجحان انتصار العقل على القوة ، والحق على الطغيان .
ومع هذا فشخصية سعدونوف ما زالت رجراجة و غير مستقرة الملامح ، فهي تتباين ما بين قصة وأخرى وكأنها شخصيات عديدة لا يجمعها مع بعضها سوى تشابه الأسماء ، أنها بحاجة إلى المزيد من الدرس والإنضاج بما يحولها إلى شخصية واحدة ، وليست إلى شخصيات عدة متناقضة أحياناً مع بعضها . وفي هذا الصدد ينبغي ملاحظة أن التركيز ينبغي أن يكون على ترسيخ وتثبيت ملامح الشخصية ومواصفاتها الخارجية الشكلية ، إضافة إلى الداخلية السلوكية ، واقتصار التغيير عدا ذلك على جانبها الوظيفي ، أي الأفعال . فالحالة العقلية والمواصفات الجسدية مظاهر ثابتة ، وليس من المقبول تعريضها للتغييرات المستمرة ما بين أقصوصة وأخرى . أما تثبيت الأسماء وتغيير ملامح وأوصاف أصحابها ، فذلك لا يقنع القاريء بان كل تلك الأقاصيص هي عن شخصية واحدة بعينها ، لأن الأسماء المتشابهة ليست دليلاً على تشابه وتطابق الشخصيات ، إذ كثيراً ما تتشابه أسماء الناس في الواقع .
تتسم أغلب صيغ الإستهلالات بنمطيتها التقليدية التي تُذكر بصيغة ( كان ياماكان ) بعد تطويعها لحاجات راوٍ آخر ليست فيه ملامح من شهرزاد ألف ليلة وليلة لتكون ( كان ) أو ( كانت ) أو ( كانوا ) أو ( كُنّ ) . وهذه الصيغة ليست مجرد ابتداء من نقطة ما من الماضي ، بل هي ترتهن الأحداث التالية للزمن السابق عليها ، فأي انطلاقة باتجاه الحاضر لم تفلح بتحرير النصوص من حاضر أحداثها ووضعها على مشارف حاضر القراءة ، أو حتى حاضر الكتابة ، فهي ستبقى في كلّ الأحوال أحداثاً مستعادة من مدونات المحكيات الفولكلورية ، أو من ذاكرة التاريخ الشعبي ، فهي تُذكّر بقصص الجدّات وعوالمها السحرية والغرائبية ، وما يرشح عنها من تقاليد بدائية وعلاقات تراتبية غير متكافئة ولا تصلح للحاضر . وفيما يلي أمثلة استهلالية لبعض الأقاصيص :
– كانت منحنية تتوكأ على عصا – أقصوصة ( زمن يزحف )
– كان عنيداً متجبراً – أقصوصة ( سحر )
– كان لا يهتمّ لتوصيل بعض الأصدقاء – أقصوصة ( إغفال )
– كان ضعيف البنية – أقصوصة ( قسوة )
– كان يدرك أن حرب الأفكار – أقصوصة ( أفكار )
– كان سعدونوف يطالع دروسه – أقصوصة ( رياح )
– كانت الليالي ثقيلة وصعبة – أقصوصة ( شجرة )
وحتى إذا ما تجاوز الإستهلال هذا التنميط ، فهو تجاوز ليس في الزمن ، بل في الصياغة ، لا يعدو أن يكون شكلياً ، إذ تبقى الأحداث مستقرة في كينونتها ( الماضوية ) :
– ذات الطريق كان قد مرّ به – أقصوصة ( الطريق )
– في ثنايا أمانيه وأحلامه كان ثمة ما يزعجه – أقصوصة ( أللوحة )
– حين اقتيد سعدونوف إلى وحدته …. كان يردد – أقصوصة ( مواجهة )
– حين نشبت الحرب …. كان يدرك – أقصوصة ( الصدفة )
وقد تتكرر صياغة الماضي ب ( كان ) على مستوى الأقصوصة الواحدة بشكل لافت ومربك ، وكمثال على ذلك أقصوصة شجرة التي اختيرت عشوائياً :
– كانت الليالي ثقيلة وصعبة
– كانت هناك غرفة صغيرة
– لم يكن مسموحاً له استخدام الضوء ( قلب دلالة الزمن بأداة الجزم والنفي والقلب )
– كان يراقب ما حوله
– كانت هناك بعض الوديان
– رأى حيوانات لم يكن يتوقع رؤيتها ( قلب دلالة الزمن بأداة الجزم والنفي والقلب ) .
– كانت الأجواء والمكان يساعدانه على التأمل
– الكثير من الأشجار كانت منتشرة
– كان ذلك مصدر إعجاب وراحة له
– كان ماراً قرب تلك البقعة
ويبدو أن تقييد الاستهلال إلى نقطة ما من الماضي ، والاختتام في نقطة أخرى من الماضي أيضاً يوقع الكاتب في تنميط زمني من نوع آخر ألا وهو التقيد بمسطرة الزمن الكرونولوجية ، وعدم الإجتراء على تهشيمها ، أو خرقها . وهذا التنميط يقسر كل الأقاصيص – دون استثناء – على حركة زمنية واحدة دون الأخذ بالاعتبار الاحتياجات الفعلية لكل نمط من الأحداث إلى حركة تناسبه . ومع ذلك فلا تخلو بعض الأقاصيص من التوجه نحو الحاضر ، وإن كان هذا التوجه محدوداً وخاضعاً لضغط الماضي وسطوته كما في قصة سراب ، إذ يبدو حاضر البطل مرتهناً لسطوة ذكرياته البعيدة ، والذكريات في أبسط تفسيراتها هي المظهر المجازي للزمن ، بل هي – حسب ما تقدمه تأويلات النص – المظهر المجازي الملموس للزمن ، وتلك مفارقة أن يكون لتيار الزمن مظهر ملموس ، خصوصاً عندما تقدم الأقصوصة الذكريات في صورة جحافل جيش غاز ( جحافل الذكريات تغزوه ) . وحركية هذه الجحافل تتجسد بصياغات فعلية مستقبلية ، فهي كما سبقت الإشارة ( تغزو ) ، ثمّ ( تكبر ) و ( تكثر ) وهي ( تأتي بغتة ) و ( تنضح تفاصيل ) وهي أيضاً ( تحتوي ) صاحبها . وتتوالى أفعال الحاضر من دون أن تشير إلى حاضر أو مستقبل حقيقيين ، لأنها مرتهنة للماضي بشكليه المعاش والمسترجع . ولعل من الإشكاليات التي كثيراُ ما تتكرر في أقاصيص الكاتب ، بل وتتكرر مع سواه من كتاب الأقاصيص هي هيمنة الخطاب وطغيانه على السرد ، وهذا ما تسبب في تحويل أقصوصة سراب إلى مقطوعة إنشائية مسطحة بلا أحداث ولا تفاصيل ، عدا أنها خطاب أخلاقي موجه ضد الفاسدين وسرّاق المال العام .
وربما تقدم أقصوصة ( رياح ) واحداً من الملامح النوعية المهمة لشخصية سعدونوف والتي ينبغي ترسيخها وتعميقها في أقاصيص لاحقة لتنضمّ إلى خصيصة الذكاء الفطري وتصبحا معاً من ضمن العلامات المميزة لهذه الشخصية . فبالرغم من ان الجو العام للقصة لم يُمكّن من رسم صورة واضحة لشخصية سعدونوف . إلا أن نزوعه الأخلاقي متمثلاً بصراعه النفسي الثلاثي الأطراف ما بين قيمه الأخلاقية من جهة ، وبين حاجاته المادية من جهة ثانية ، وما بين الثروة التي هبطت عليه فجأة والتي تعود لغيره من جهة ثالثة ، وحسمه لهذا الصراع بانتصاره لقيم الاستقامة والأمانة والتي جاءت في النص بصوت الجماعة ، أو بندائها ( نحن ننادي ) يؤكد نضوج الوعي الأخلاقي لديه ، كما يؤكد التزامه بالقيم الإجتماعية التقليدية النبيلة .
في أقصوصة القطة خرج السرد عن الطابع الأخلاقي الذي ميز أقصوصة الرياح ، ودخل في إطار نفسي جراء تراكم مخاوف الماضي وضغطها على الذاكرة . تلك المخاوف ترافق سعدونوف منذ طفولته حتى كبره ، وقد تطورت على مراحل حتى صارت مرضاً نفسياً يلازمه على شكل كوابيس تقلق مضجعه ليلاً . وبذلك انشطرت حياته إلى نصفين ، ففي النهار يختزن صور العدو / القط ومواءه وهو يستعدّ للوثب عليه ، وفي الليل تستعيد أحلامه ما اختزنت ذاكرته من صور يقظته وتحولها إلى كوابيس مفزعة . هذا الإنشطار النفسي ما بين الليل والنهار ، وما بين اليقظة والنوم في حياة سعدونوف ، والذي تسبب به عامل خارجي هو القط ، أو الخوف المرضي من القط ، كان قد سبقه انشطار آخر ، ولكنه ليس انشطاراً نفسياً ، بل هو انشطار سردي تسبب في شطر صورة واحدة تجمع ما بين ( سعدونوف الطفل + والدته + القطط الصغار + أمهنّ ) إلى صورتين متضادتين تعودان إلى طفولة سعدونوف الأولى ، وإلى بداية تشكّل عقدة الخوف من القط . ألصورة الأولى لسعدونوف الطفل ومعه أمه تبعده عن مصدر ذلك الخوف ، والصورة الثانية للقطط الصغار المولودة حديثاً مع أمهنّ التي تدافع عنهنّ من الخطر الداهم الذي يشكله عليهنّ سعدونوف الطفل ، ويمكن التعبير عن الصورتين بالمعادلتين :
– المعادلة الأولى :
سعدونوف / الطفل + أمه = تراجع
– ألمعادلة الثانية :
ألقطط الصغار + القطة / الأم = هجوم
وكما يبدو مما سبق أن التوتر الناجم عن تنافر طرفي المعادلتين والمعبر عنه بحالة تضاد و تناقض ما بين فعلي التراجع الدفاعي / البشري ، وهو تراجع واعٍ أرادت منه الأم طمأنة قلق الطفل الخائف . في مقابل الهجوم / البهيمي ، وهو هجوم غريزي عمدت منه القطة الأم الدفاع عن صغارها . هاتان الصورتان المتضادتان رافقتا سعدونوف عبر السنوات ليعيد منهما في كبره تشكيل صورة ثالثة ، تمتلك عنصري توترها ( التراجع و الهجوم ) ولكن مع تبادل الأدوار ، إذ يتحول سعدونوف هذه المرة إلى الهجوم ، ولكنه هجوم غير واعٍ لأنه يشنه خلال نومه بحركات غريزية متشنجة وعنيفة يوجهها عقله الباطن المرعوب ضد قطة تسللت إلى فراشه وهو نائم . أما الدور المتراجع ، فستؤديه القطة المسكينة التي خسرت حياتها في معركة النوم ضد سعدونوف . ويبدو أن هذه الصورة ( الثالثة ) هي صورة مقلوبة عن الصورة السابقة / ألمعادلة الأولى ( سعدونوف وأمه ) ومتوافقة مع الصورة الأخرى / ألمعادلة الثانية ( القطة وصغارها ) . وما هذا التعارض وذاك التوافق إلا نتيجتان من نتائج غياب الوعي واستحكام سلطان الخوف في حياة سعدونوف .
على عكس الصورة العُصابية المذعورة من عدوّ خارجي ضعيف كما في القصة السابقة ، يعود الكاتب في أقصوصة مواجهة إلى شخصية سعدونوف الظريفة بعد أن يستعدّ لتلك العودة بتنقية الشخصية وتطويرها لتكون أكثر ذكاء لإدارة معاركه بنجاح مع من هو أقوى منه سلطة وخبثاً ، مفكراً بحلول مسبقة لما قد يتعرض له لاحقاً من أخطار المواجهة المقبلة . وتلك ميزة أخرى بالإمكان توظيفها جيداً في أقاصيص لاحقة ليكون الجمع ما بين الظرافة والذكاء هو عماد البنية الناضجة لشخصية سعدونوف فيما لو قدمها الكاتب في إطار أكثر نضجاً ، وبعد تلافي الهفوات اللغوية والأسلوبية والاستغناء عن الحشو والزوائد التي ترهق السرود ولا تغنيها .
تُجسد اقصوصة مواجهة حالة صراع خفي ما بين جندي وعريف في وحدة عسكرية ، ولكل طرف من الإثنين أسبابه لهذا الصراع ، ولكنها في الحقيقة ذات الأسباب مقوّمة على وفق منظورين مختلفتين ، فالعريف يكره الجندي لعدم انضباطه ، والجندي يكره العريف لإستخدامه سلطته لفرض شروط هذا الإنضباط . ومن أجل أن يكسب كل طرف من الأثنين الصراع فعليه اللجوء إلى قوى ساندة داخلية وخارجية ، ومن الطبيعي أن الطرف الأقوى ، وهو العريف قد اكتسب قوته من دعم وإسناد طرف ثالث هو آمر الوحدة العسكرية يستمد منه القوة والدعم ، بينما الطرف الأضعف في هذه المواجهة هو الجندي سعدونوف ، وضعفه متأت من عدم وجود أية سلطة خارجية تدعمه وتسانده ، ولذلك سيلجأ إلى الإسناد الداخلي متمثلاً بالحلول العقلية التي تعبر عن ذكائه الفطري . وهذه القوة الساندة الداخلية / العقل هي التي ستمكّن الجندي المجرّد من أية سلطة من كسب جولة الصراع ضد الخصم الأقوى / العريف ، والمفارقة أنّ القوة الساندة الخارجية التي كان العريف قد ضمن مسبقاً دعمها له ، هي التي ستخذله ، وتنتصر لسعدونوف ، وبمعنى أكثر رمزية هي التي ستخذل القوة ، وتنتصر للعقل ، وذلك تأكيد آخر للمقولات المأثورة التي سبقت الإشارة إليها والتي تحاول الأقاصيص مقاربتها .
وفي حين ظلت الشخصية المحورية تستأثر بكثير من الأقاصيص ، ظلت الموضوعة المحورية الأكثر تكراراً هي موضوعة الحرب وأهوالها . وبالرغم من أن الكاتب تخلى عن شخصيته المحورية في بعض أقاصيصه لصالح ابطال لم يُسمّهم ، كما تخلى عن موضوعة الحرب في أقاصيص أخرى ، إلا أن ملامح الحرب أو تبعاتها ، أو لوازمها – إن جاز التعبير – ظلت مرتسمة في مواضيع لا علاقة لها بالحرب كأجواء المعسكرات ومقابر الضحايا ومعاناة عوائل الأسرى . كما ظلت ملامح الشخصية المحورية ، أو القليل الذي رشح عنها ، ظل مرتسماً في ملامح الأبطال في الأقاصيص التي خلت من الشخصية المحورية . واقصوصة حثالة أبطال تقدم نموذجاً لهذه الحال ، فلا الحدث فيها هو حدث الحرب ، ولا البطل هو سعدونوف ، ومع ذلك فالمقبرة في الأقصوصة تحيل إلى الحروب وإلى ضحاياها بغض النظر عن طبيعة تلك الحروب ، والجهات المتورطة فيها . فصفة البطولة التي الصقت بالموتى لا تُمنح عرفاً لمن يموت حتف أنفه ، أنها تمنح حصراً للضحايا الذين واجهوا الموت ونازعوه وجهاً لوجه ، ومع ذلك فبطولات هؤلاء ، كما يقول البطل أو كما يتهكّم ( بطولات وهمية ) ، وتوهم البطولة له دواعيه ، فمن بين هؤلاء من :
– ضاع في بطولات وهمية
– أو قُتل في معارك باهتة
– ومنهم من قتلته الخمرة
– وأبطالها ( القرية ) مندحرون بلا معارك
– وحكماؤها ( القرية ) باهتون بلا رأي
– وفرسانها ( القرية ) يبحثون عن أمجاد زائفة
– ومؤمنوها ( القرية ) يخالفون ما يحثون عليه
اما عن سعدونوف الذي غاب أسماً في هذه الإقصوصة ، ولكنه حضر متلبساً شخصية البطل الذي أبقاه الكاتب من دون أسم . فابرز ملامح سعدونوف التي رشحت – على قلتها من الأقاصيص الأخرى مثل نشاته المعدمة في بيئة ريفية فقيرة ، وشخصيته المتهكمة الناقدة للظواهر المتهافتة والسلوكيات المفتعلة وغير الأصيلة . تلك المواصفات تكاد تنطبق على بطل أقصوصة حثالة أبطال ، ولكن في ضوء انطباق المواصفة الأولى ما بين بطل الأقصوصة وسعدونوف ، تراجعت إنتقادية سعدونوف المتهكمة بحكمته المعبر عنها بلغة تتسم بالظرافة والتفكه ، لتحلّ محلها في ( حثالة أبطال ) انتقادية البطل المجرد من الأسم ، وهي انتقادية أخرى مغايرة ، فهي انفعالية ومتشنجة ، لا يكتفي البطل معها بالكلام فقط بل يستخدم قدميه ليركل بهما قبور الموتى إمعاناً في التعبير عن الغضب وعدم الرضا .
هذه الإنتقادية المتشنجة التي تجد مسوغها في بطل مجرد من الأسم في ( حثالة أبطال ) تُحال في قصة ( حلم سعدونوف ) إلى سعدونوف نفسه ، ولكنها مع ذلك لا تُحسب عليه لأنها ردة فعل غير مقصودة لعقله الباطن ، وليست انتقادية عقله الواعي ، إذ أنه يعبر بواسطتها عن غضبته على أخطاء الواقع بشكل لا إرادي بينما هو يغط في سبات حلم عميق ، وبذلك يكون الإنتقاد بصورتيه الثنتين ، سواء المتهكمة الظريفة ، أو الغاضبة المتشنجة هو سمة الأقاصيص سواء نُسبت إلى سعدونوف أم إلى سواه .
وتبدو أقصوصة حلم سعدونوف وكأنها تقدم الصورة النظير لما في أقصوصة حثالة أبطال :
– فالبطل المجرد من الإسم في حثالة أبطال تحول إلى سعدونوف في حلم سعدونوف ، سواء بحيرته واندهاشه من طرق تعبير البعض عن الحقيقة بالوهم ، أو من تحويلهم الخلل إلى مثال .
– ألمقبرة في حثالة أبطال تحولت إلى نصب الأبطال التذكاري في حلم سعدونوف
– ألقرية التي في حثالة أبطال تحولت في حلم سعدونوف إلى ( إحدى الدول )
– اسماء الأبطال الوهميين في مقبرة حثالة أبطال تحولت في حلم سعدونوف إلى ( أسماء الأبطال الذين ضحوا من أجل بلدهم ) .
ومع ذلك فيبدو أن هناك فارقين ما بين الصورتين المتناظرتين :
ألفارق الأول : ان المقبرة في حثالة أبطال تنتمي إلى البطل ، فهي جزء من قريته ، ومن ذاكرتها المنخورة بالبطولة الزائفة والأوهام ، وارتياده إليها هو كشف للحقيقة المزيفة التي لا تخفى على إبن القرية ، فعلاقته بها هي علاقة تماس ومعايشة . بينما النصب في حلم سعدونوف هو صورة في كتاب ، فهو ينتمي إلى حقيقة أخرى بعيدة عن متناول يده ، وعلاقته بها هي علاقة نظر عن بعد ، أي أنه المثال الذي يتمناه سعدونوف دون أن يتمكن من بلوغه .
والفارق الثاني : أن المقبرة في حثالة أبطال هي لأبطال وهميين وزائفين ، وهي نوع من التورية أراد عبرها القول أن مصير الزيف هو الدفن والمواراة بصورة تنمّ على الإهمال ( تحت منحوتات متساقطة وأحجار بائسة ) . بينما النصب في حلم سعدونوف هو نصب لأبطال حقيقين ضحوا من أجل بلدهم ، وما المهابة التي أضفتها على النصب الساحة الكبيرة التي يتوسطها ، وأسماء الأبطال المكتوبة بخط مذهّب إلا مظهران رمزيان يعبران عن البطولة الحقة ، وتقدير أهل المدينة لها .
ومع ذلك فالأحلام كفيلة بقلب الصورة ، وهذا ما حدث لسعدونوف ، إذ ما كاد ينام ليلته حتى رآى في حلمه النصب وقد تغيرت دلالته عما هي في الواقع ، فإذا به نصب لأبطال وطنه المزيفين من اللصوص والفاسدين ، وبذلك لم تعد الصورتان متناظرتين فحسب ، بل هما متطابقتان تماماً ولكن بحسب رؤية سعدونوف التفسيرية للرمز / المقبرة أو النصب .
هذا التناظر ربما يكون نوعاً من تناص نصوص الكاتب داخلياً مع بعضها ، لكن هذه الفكرة تصطدم بحقيقة أنّ نقطتي الإفتراق في الأقصوصتين السابقتين واللتين أوحتا باستقلاليتهما عن بعضهما ، تقف في مواجة نقاط التناظر والاتفاق التي كانت الأكثر ، وتلك الكثرة ساهمت في ترجيح فكرة أن الأقصوصتين ربما كانتا أقصوصة واحدة أخضعت للانشطار ، أو ربما توحي الكثرة بأن الكاتب يستنسخ نفسه . وهذا الإنطباع ليس مقصوراً على هاتين الأقصوصتين فحسب ، فقد أشرنا سابقاً إلى تكرار موضوعة الحرب في عدة أقاصيص ، ولا بأس من التذكير لها ولسواها من الموضوعات على سبيل المثال وليس الحصر :
– ربما يكون تكرار موضوعة الحرب ولوازمها العسكرية والتسليحية والتدريبية هو الأكثر من بين الموضوعات الأخرى كما في الأقاصيص ( قسوة ، هروب ، مركبة ، شجرة ، مواجهة ، موسيقى الوداع ، خدعة ) .
– تكرار موضوعة السحر وعوالمها الماورائية بما تحفل به من الأشباح والجن كما في الأقاصيص ( ألفنجان ، سحر ، حجرة المقبرة ، عقاب )
– تكرار عوالم الرعب باستحضار شتى صنوف الحيوانات المفترسة كالذئاب والأسود والتماسيح والحيتان والأفاعي كما في الأقاصيص ( حلم نهار ، في البحر ، ألطريق المختصر ، الغوريلا ، عقاب ، حفرة ) .
– تكرار عوالم الأحلام والخيالات والتأملات كما في الأقاصيص ( حلم سعدونوف ، حلم نهار ، بلا نهاية ، ألحجرة ، أللوحة ، أفكار ، ألخلاف ) .
– بل أن هناك تكراراً واستنساخاً حتى لمسرح الأحداث ، وهو في أغلب الأقاصيص ما زال مسرحاً بسيطاً وبدائياً ، ولم يخضع للتطوير السردي والتعقيد البنائي ، وظلّ مقصوراً على فضاء القرية وحقولها ومروجها الخضراء وربواتها ووديانها وتلالها وأشجارها وسواقيها كما في القاصيص ( قوة ، إيثار ، مراجعة ، خيبة ، عواصف ، أللقاء الأخير ، حفرة ) .
– إضافة لمسرح القرية هناك فضاء مكاني آخر يتكرر باستمرار ، وهو المقبرة كما في الأقاصيص ( حثالة أبطال ، ألخلاف ، حجرة المقبرة ، كلام صامت ، بلا موعد ، عتمة الليل ) .
– ومن أجل اكتمال المشهد القروي البسيط والضيّق بنموذجه ( الماضوي ) لا بأس من استكمال متطلبات الإستنساخ الأخرى باستدعاء شخصية تقليدية تُكرّس النصوص في فضائها القروي ( الماضوي ) ، وليس هناك أفضل من شخصية الشيخ التي تجاوزتها السرديات المعاصرة ، كما في الأقاصيص ( سلاح ، قوّة ، أوراق سعدونوف ، عزف ممل ) وتكريس الماضي عبر هذه الشخصية هو تأكيد آخر على صحة ملاحظة التزمين واحتباس النصوص في الماضي التي سبقت الإشارة إليها والإصرار على المضي بها حتى النهاية .

( مرفق بنماذج من أقاصيص الكاتب )
1 – رياح :

كان سعدونوف.يطالع دروسه.تحت ظل شجرة عملاقة في أحد أطراف القرية ، وهو يستعد لخوض الامتحانات.وبعد وقت شعر بالحاجة لأن يتمشى ويحرك أعضاء جسده الراكد.نهض بلا كتاب.وعلى مسافة قريبة شاهد ورقة نقدية فئة الدينار تتلاعب بها الريح.فكر مع نفسه.:كيف وصلت هذه الورقة هنا ؟ تأمل حوله.لم يشاهد أحداً.حطت عليه الحيرة.وأنتابه العجب.لكن المؤكد أنه شعر بالفرح والسرور.فما حصل عليه سينفعه.ثمة ما يحتاجه.ويعوزه المال.وظروف والده لا تسمح ان يطلب منه.الأن جاءه المال. أقترح العودة للشجرة وأخذ كتابه.ومضي لداره. دون أن يخبر أحداً بما حصل.بل سيتصرف بسرية تامة.كانت الريح تشتد.كان يسير باتجاهها.وهو يتحسس ورقته داخل جيبه.وقبل دخول القرية.صادفته فتاة كانت تبكي.كانت دموعها على خديها واضحة.سألها سعدونوف.: _ لم تبكين.؟
_ جارتنا ارسلتني أشتري لها وأرجع الباقي وأعطتني دينارا فضاع مني.
صمت سعدونوف.وأخذ يتأملها. لقد أدرك أن الريح هي من جاءت بالدينار إليه.وهو قد ضاع من الفتاة.ظلت الفتاة تنتظر رده.عسى أن يجد لها الحل.وظل سعدونوف يصارع أفكاره.لقد حصل على ما كان يعوزه. أيفرط به بهذه السهولة.؟ لكن مهما يكن الأمر أنه ربما أختبار.فنحن ننادي بالأستقامة والأمانة.يجب أن نفعلها أولا.قبل قولها.وأبتسم.كأنه فاز في مباراة صعبة وقاسية.أبتهج لأن نفسه راضية وضميره فرح.قال بصوت لطيف ومعبر.:
_ خذي الدينار..لقد دفعه الريح بعيدا..وأنا وجدته.
أبتسمت الفتاة. مسحت دموعها تناولت الدينار .عادت مسرعة.بينما عاد سعدونوف إلى شجرته.فهو فضل البقاء هناك لوقت أخر.يستعد للأمتحان.

2 – قطة :

كان صراخ القطة قويا.لقد جفل سعدونوف.وظل ساكنا بلا حراك.عادت به الذاكرة لذلك اليوم البعيد.حينما كان طفلا.وقد زحف إلى مجموعة قطط صغار قد ولدتهم أمهم للتو.وحرك يده بأتجاه إحداهن.فنهرته بشدة.وتقدمت إليه مهددة.حينها علا صوت بكائه.وتلقفته أمه مبتعدة به.لكن ذلك ظل يكبر معه.ولا يبارح مخيلته.حتى وأن غدا رجلا وقد كبر أولاده وتزوجوا. كان يتعجب.لكن لا يملك أي تفسير.لما يعاني.لم يقل لأحد عن ذلك.أنما يعيشه مع نفسه.بصمت وعجب.ومهما حاول تحاشي الأمر فأنه يجد صعوبة يشعر ويعترف بها.فالكوابيس تأتيه بين حين وأخر.تتركه أياما لكنها تعود بأيام أخر مترادفة. أخذ يتلفت.قفزت القطة مبتعدة.بعدما كان يطاردها هر ضخم.أحتوى القلق سعدونوف.كان عليه التهيؤ للكوابيس التي ستحط عليه حتما.لأنها أخذت تناور حوله.تعيده لبعيد الأيام.وكأن صرخة القطة أيقظت مشاعره.و أحاسيسه.وفي الليل بدأ الصراع يحتويه.يدنيه من ميدانه الغامض.المغلف بالأسرار.كان يعتقد أن هناك قطة تحاول مزاحمته أو أخافته.نهض ونكث فراشه.لم يجد شي.ألا أنه حين عاد.عاد أليه القلق.حاول طمأنة نفسه.وبالكاد غط في نومه.فوجد نفسه في صراع عنيف مع قطة تحاول التقرب منه.كانت كبيرة الحجم.وعيونها مفتوحة بنظرات مخيفة.أخذ يرفس برجليه بقوة.وكان ذلك مصحوبا بصراخ عال.لقد أمسك القطة وضغط عليها بقسوة.حين صحا بعدما دخل عليه أحد أبنائه.كان يفرك عينيه.وحين رفع الغطاء وجد أن قطة ميتة تحت رجليه.ومع نفسه.أزداد قلقا.لأنه شعر أن الصراع. مع القطط.سيبدأ من جديد ولن ينتهي.

3 – مواجهة :

حين أقتيد سعدونوف إلى وحدته.التي كان هاربا منها.فأنه أبتأس وتذمر مع نفسه كثيرا.أخذ يشعر بالعداء لكل من حوله.كان يردد :أن خدمة الجيش مذلة و مهانة.لأنهم لا يعترفون بالجندي ألا وقت الحرب.ولأيام عدة كان العريف يتضايق منه.فهو أما متأخر عن التعداد او غير حالق لحيته.وحاول أن يمهله بعض الوقت.لكنه تمادى.كان هناك نفس عدائي بينهما.أخذ يزداد بحيطة وحذر.فالعريف سمع الكثير عن سعدونوف وتمرده.وسعدونوف كذلك سمع عن كره العريف للجنود.وسرعة الايقاع بهم.معاقبون من قبل الآمر. ومن ذلك الحذر كان سعدونوف يفكر بالمواجهة وأنها ستحدث لا محال.وحين رآه وقد أزداد غضبا.لأنه لم يحلق لحيته.أبتكر خطته لتلك المواجهة بطريقة ذكية.أذ أنه خبأ ماكنة الحلاقة في جيبه.كان من عادة العريف.المشي أمام الجندي الذي يأخذه للأمر. ومن هنا بدأ سعدونوف بحلق لحيته سريعا.وحين وصلا الآمر والذي أقترب من سعدونوف.توقف قليلا.يتأمله.ثم ينظر للعريف. قال.:أن لحيته.محلوقة.كيف تقول العكس.؟ نظر العريف.فوجد ذلك صحيحا.ظل واجما.بماذا يرد.؟ عندها غضب الآمر وقال.:تأكد من الموقف قبل عرضه علي.وخرج سعدونوف منتصرا. ..وبقي العريف حائرا.

4 – حثالة أبطال :

كان ينظر لتلك المقبرة القابعة خلف الجدار المتهرىء.يتأمل أسماء الأبطال والتي بدت منحوتاتها متساقطة من أحجارها البائسة.كان يحدث نفسه.: يالهم من أبطال..منهم من ضاع في بطولات وهمية.أوقتل في معارك باهتة.وفيهم من قتله الخمر بعدما أفرط في شربه..يالهذه القرية المسكينة.حتى أبطالها مندحرون بلا معارك.وحكماؤها باهتون بلا رأي.وفرسانها يبحثون عن أمجاد زائفة.و مؤمنوها يخالفون ما يحثون عليه.لقد وقف وسط تلك المقبرة.يواري أمانيه الثرى.ويزيح أوهاما خلفها أؤلئك الأبطال.أن ما يراه لا يمكن أغفاله. فأذا كان وجودهم عبثا فكيف بالقرية وهي خالية منهم.؟ ومن بعيد رأى جحافل من الحمير.وهي محملة وجحافل من الأبل كذلك.كانت تتوزع هنا وهناك.. لا يهم لقد عرف أنها حصة الوجهاء.من الخيرات.ولم يتبق ألا القليل للأهالي.والذين تاهوا في متاهات الألم والعجب.وأبتعد قليلا.كان بوده ركل كل قبر بطل بقدمه.لأنهم كانوا أسباب أندحارنا. ومجىء هؤلاء جبابرة السرقة والأنحلال.

5 – حلم سعدونوف :

كان سعدونوف مندهشا وهو يتابع صفحات الكتاب الذي بين يديه.كان ثمة صورة أعجبته كثيرا.فهناك نصب تذكاري لأبطال أحدى الدول.وهو يتوسط ساحة كبيرة.كان فيه أسماء الأبطال الذين ضحوا من أجل بلدهم.وعملوا كل بطولة وتضحية.كانت الأسماء بارزة.بخط مذهب.ضمن لوحة.محددة.لكل بطل.يذكر فيها أسمه وأسم مدينته وما قام به.كان نصبا رائعا بحق.لكن سعدونوف حينما نام ليلته.جثم عليه ذلك النصب.فرأى نفسه كأنه في أرض مقفرة ولم يكن يشاهد شيئا اﻻ ذلك النصب.ألا أنه يختلف في الأسماء والمعنى.فهنا كل شي يختلف.كانت الأسماء من بلاده.وكان مكتوبا على مقدمة النصب عبارة::نصب سراق الوطن.كانت على شكل لوحات.كثيرة .وكل لوحة فيها.أسم السارق وأسم مدينته.ومقدار ما سرق.كان متعجبا.وقد أنغمس بتأملاته.ألا أن صوتا سمعه كان مدويا.وله رجة قوية.ونبرة واضحة.وكأنه يهدد:::سعدونوف أنها أسماء سراق الوطن.وضعت هنا.في هذا النصب لتعرفها الأجيال اللاحقة.ويصبوا عليهم اللعنات.وأفاق سعدونوف من حلمه.ودون ما رأه في مذكرته. فقد رأى فيه شيئا حسنا.لأنه يفضح هؤلاء السراق الظلمة.وأنهم لن يفلتوا من لعنة الأجيال والتاريخ.
6 – اللوحة :
كان خياله يعج بأفكار متواصلة.كأنه ينطلق من الماضي ليغوص في الحاضر.ترى أين الجبابرة والحكماء والفلاسفة.أين فرسان الميادين والاباطرة ؟ كان يتخيل أنه الأن بين قبورهم.كلهم يرقدون هنا بصمت.يحولون السكون إلى همهمات خفية.لغتها تدخل الروح بغرابة.كأنها شي ليس له جذور.أنما يمتد ويتفرع.كان يتصور أن معهم ثمة مجانين.قد يسخرون منهم.بعد أن كشف الموت بؤسهم. وربما الصمت الذي يحتويهم.هو من أخمد الخلاف فيما بينهم.و ألا لكانت الحرب هنا أشرس وأقوى بل حتى أفظع.أستمر بتجواله وقد أنسجم مع السكون فغدا مطواعا لتأملاته.أذ ربما أعتبروه واحدا منهم.مع أنهم ميتون.هؤلاء أصحاب القبور ودعاء وأبرياء.تنازلوا عن الضغائن وما عادوا يتخاصمون.أو يتشاجرون.وهذه القناعة وهذا الصمت.كانوا يفتقدونهما على الأرض.ربما لأنهم الان يسكنون الأفق أللا محدود.وليس به ملك لأحد.ومن أي نوع.ولكن أن عادوا للحياة ثانية فهل يتخاصمون.؟ نعم ذلك ما سيحدث. لأن ثمة خصاما دفينا وقع بينهم.في ذلك العالم البعيد.ربما هناك من أمتاز بمسارات وتوجهات.وقد حرم منها الآخرون. الويل أذن. أينما نذهب نجد خلافا وأختلافا. لكن أن عادوا ليحكموا العالم.ألا تكون امبراطوريتهم مثالية.؟ فكيف السبيل إلى لم شمل كل هؤلاء الفلاسفة والمحاربين والحكماء.؟ ربما يطل الأختلاف بينهم.فلا سبيل لتجاوزه. وبغتة شعر بالخلاف مع نفسه.فعاد أدراجه.كان يفكر بالوصول إلى غرفته.يضطجع على سريره.فهذه الرحلة ستقوده إلى غيرها.وعليه ان يكون مستعدا.لما يأتيه.
7 – مغامرة طائشة
كانت بالغة القسوة.لا أحد يجرؤ على فعلتها.ربما أرادت دخول مغامرة ما.وهي لا زالت خالية الوفاض.فلم يدخل قلبها حب بعد.حين انتبهت إليه وهو البعيد عن كل شي. خطر لها ذلك الخاطر.بأن توهمه بحبها.وبعد ذلك تنسحب.لترى أثرها عليه.وتعرف أن هناك من يتألم بسببها ويعاني من لسعة جمالها.كان يدرك جيدا أن لا فتاة تود الاقتراب منه.بل يبتعدن فرارا. فهو عديم الوسامة.فاقد لأي مسحة جمال.خال من أي جاذبية.منذ تعرض لحادث تلك الليلة حين أندلع الحريق في بيت الجيران.وقد جازف كثيرا.كان همه أنقاذ أطفال الأسرة.وفعلا نجح بذلك.حتى أنه أخر الأمر تعرض لبضعة حروق. تمرست آثارها في أعضاء جسده.فبدا بهذه الصورة
التي لا ترغبها الفتيات قطعا.وابتدات مغامرتها.فكانت لا تصفع الباب بوجهه حين يمر كما تفعل الأخريات. بل تظل تنظر بأبتسامة خلابة.من هنا بدأ يفكر ويفكر.ثم تطور الأمر لبضعة كلمات.ونظرات متبادلة.بعدها تأكدت من أثرها.فقد بعث بضعة رسائل بأسطر عاشقة.مضت الأيام و غدت شهورا. كان أمله مع نفسه.وحبه بحضن مشاعره.لقد تغير فيه الكثير.حين عاد ذات مساء.كان الشارع الذي يقطنه مليئا بالحركة والمركبات.وهناك أهازيج يسمعها بوضوح.حين سأل.قالوا : اليوم زفاف بنت زيد. كانت فتاته.عاد في لحظات كما كان أول مرة.فما أصعب ذلك عليه.دخل غرفته متألما.بات يشعر قسوتها.فقد خلفت جرحا لا يندمل.ظل لا يبارحه. حتى تعمق الزمن بذاكرته وتحول بعدا ثابتا.كأنه متوقف

8 – زمن يزحف :

كانت منحنية.تتوكأ على عصا بائسة.حين تأملها رآها عجوزا هرمة. لكن رغم ذلك.أنتبه لمسحة جمال كانت واضحة.توحي أن هذه الملامح عاشت زمنا في جبروت الحسن والفتنة.ظل يتأمل.بينما أفترشت الأرض غير عائبة بشي.تريد أراحة جسدها الذي يبدو منهكا.أشعل لفافة دخان.ثم نظر للشجرة التي يجلس تحت ظلالها.في تلك الحديقة الكبيرة. كان يود أن يكلمها.لكنه يعرف صعوبة ذلك.لقد راى فيها أمرأة عنيدة.وخمن ربما قسا عليها الزمن أو هي عاندته. من هنا كان تواقا لمعرفة أي شي.وأستمر يتأملها. بينما مضت هي بهدوئها. فجأة أنتبه لشخص ينادي عليه.فأذا به صديق قديم.ودار بينهما حوار متشعب.أدرك صديقه أنه ينظر للمرأة طويلا.فعرف رغبته بمعرفتها. أبتسم له وقال.:

_ أتريد معرفة شي عنها.؟
_ أنا تواق لذلك.
_ هذه العجوز.كانت أمرأة متجبرة. تزوجت رجلا أرملا.لديه أبنة جميلة.فكانت تكرهها بشدة.بلا سبب.وأخذت تكيل لها التهم والأكاذيب.لم تتحمل الفتاة فوقعت صريعةالمرض.وماتت بعد أشهر.لم يغير ذلك في هذه العجوز والتي تمادت في عدائها حتى لأبنها.خاصة بعد وفاة زوجها.كانت سباقة في الأنحلال والفوضى.كان ابنها يحاول أعادتها لجادة الصواب.لكن لم يفلح.ذات يوم عادت من أحدى سهراتها.فوجدت مجموعة من الناس أمام دارها.فقد أنتحر الأبن.بعد أن سخر منه الأخرون بسببها.في تلك اللحظات.ظلت واقفة واجمة. حتى لاحظ من كان موجودا .أنها بدأت تكبر وتتغير ملامحها.لتبدو كعجوز واهنة القوة.ولم تعد للبيت أنما ظلت في الشارع كما ترى.

‏‏


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"