تابعنا على فيسبوك وتويتر

أوكسانا (1)
حكاية اسطورية من شبه جزيرة القرم

نقلها من اللغة الروسية: أ. د. حسن البياتي

اوكسانا، أوكسانُچكا، هيه – هيه، بُنية حُليوة… وهل كثير قولُك: جميلة؟!.. إن الجمال هذا لايتطلب كلمات كثيرة. الجمال لا تتحدث عنه باللسان، بل أنظر اليه بعينيك. والعيون ستوحي أبداً. لكنْ ماذا عليها أن توحي به هنا؟ إن الأمر واضح بغير ذلك…
هيه – هيه، أوكسانا، أوكسانُچكا، ممشوقة، قوية. لا أحد في وسعه القول أنه شاهد، وإنْ مرةً، الدموع في مقلتي أوكسانا. الدموع من سمات الواهنات.
إن القوزاق ذوي الشوارب السود لم يكونوا يبدأون الحديث معها فجأة. لا لأنهم كانوا يخافون بعض الخوف، بل لأنهم كانوا حذرين. ماذا حلَ بذلك الرنين المعدني في صوت القوزاق؟ لقد رقَ حدّ الاستعطاف.
كانت أوكسانا تعيش وحدها، مثل سحابة صغيرة بيضاء. الشبابيك الصغيرة في مسكنها مطهرة بالماء، السطح المطعم بالقش مشذّب، ومثل فارس عند جواده كانت جرارها المعدنية تتألق تحت اشعة الشمس. كان كل شيء واضحاً: لم تكن يدا أوكسانا تلامسان الأوساخ، إن الأوساخ نفسها كانت تنصرف من تحت أناملها البتولية الحاذقة. سواء على السطح أو عند السياج ذي الاغصان المجدولة، كانت أوكسانا تدير الأمور كما ينبغي.
في اليوم القائظ، يلف الهدوء القريةَ. كل يبحث عن البرودة، يهرب من القيظ. أما أوكسانا، فلا. تحمل فوق كتفيها النبّوت مع الأقمشة الكتانية الى النهر، لكي تقصرها. الأقمشة الكتانية رقيقة، طويلة وبيضاء اللون، لماذا اذن يصار الى تقصيرها؟ تريد أن تصيّرها بيضاء كبياض الثلج. لكن العذراء واضحة مهما حاولتَ أن تخفيها. يبدو، انه يؤرقكِ، يا أوكسانا، التفكيرُ في كيف تبدأين بخياطة وتطريز القمصان، لك ولفتاك الحبيب.
هيه – هيه، أوكسانا، أوكسانُچكا، لو كنت تدرين، لو كنت ترين، لما ذهبتِ، في ذلك الوقت، الى النهر لتقصري القماش الكتاني. لَما ذهبتِ، لو كنت تدرين أن البلية تزحف من السهب البعيد.
كما لو ان رعداً قد بدأ يقصف. تلفتت أوكسانا فرأت أن السماء صافية. من أين اذن يأتي الرعد؟! لكن البلية كانت تتحرك زاحفة أقربَ فأقرب. من السهوب البعيدة انقض قطيع من قبائل القرم الرحل على القرية الآمنة الراقدة في اغماءة هادئة. ارتفع الأنين والعويل، وبعدئذ ظهرت آثار حرائق.
لا تفكري في الجري الى الوراء، نحو القرية، يا أوكسانا!.. لن تقع أقمشتك الكتانية في الأيدي المتوخاة، لن ترتدي، ولن يرتدي حبيبك القمصان البيض. وهل الأقمشة وحدها، ياترى؟ أنت نفسكِ ستطالك الأيدي القذرة، عنوة. وهذا ما حدث. منحنية قليلاً، مطلة بحذر من وراء الشجيرات، انقضت على الفتاة فجأة زمرة بكاملها. آه، كيف أخذت تدافع عن نفسها أوكسانا، كيف راحت تعض الأصابع القذرة!.. لم تصرخ باكية، كلا! سوى أنها شرعت تزحر من بغضٍ عاجز. وبعد ذلك مضت، مربوطة اليدين بشريط جلدي غير مدبوغ، مشدودة الى رقبتها، مضت الى حيث سحبت. كانت صامتة. آه، ما كان يحق لأمثالهم أن ينظروا الى وجهك، في عينيك، يا أوكسانا !
ابتهجت زمرة النهابين، لقد وقعوا على غنيمة ثمينة، سيدفع لهم التجار لقاءها كثيراً من النقود. رفعت أوكسانا بصرها فإذا بها ترى أفراد الأسرة المجاورة لمسكنها في وضع مأساوي: الأبناء مضرجون بالدماء وقد ضُربوا ضرباً مبرحاً. لقد التفت الأنشوطة حولها بمهارة من الخلف، ليس من السهل عليها الآن أن تفلت. العجوز اوستاپ القوي كشجرة البلوط. اقتربوا منه، خبطوا على صدره الضخم، وراحوا يتمطقون وهم يرون كيف أخذت خُراجات العجوز اوستاپ تطفر متحركة، إثْرَ هذا الخبط، نحو الخدين. مربوط بالوثاق، لكنه غير مذعن. والخالة؟ ماذا ستقول، وقد رعرعت أمثال هؤلاء الأولاد؟ ضمت اليها آخر العنقود، طفلة، تسير الهوينى في آخر الركب، حافية القدمين، دون أن تمسح دموعاً…
في المقدمة، مسالك الطرق رهيبة، قرى قد تحولت الى رماد، مسارب ملطخة بالدماء. تلتفتُ خلفك، تبصر أكواخاً تحترق. تحترق السعادة البشرية، يحترق شرف الفتيات العذراوات – كل شيء يحترق. الطاحونات وحدها، ليس إلا، ترف بأجنحتها، كما لو انها تتوادع. عجلات العربات تبعث صريرها، تنقل السبي، تنقل القمح، والمحاصيل الاخرى. يالها من ثروة !
راح اوستاپ يخطو، أخذ يرنو أمامه دون أن يطرف له جفن، كأنما كان يريد أن يرى هناك، في البعيد، مصيرّه، أن يقول له كلمته.
ها هي ذي كافا، المدينة اللعينة. الباحة الواسعة، المحاطة بجدار شاهق، البوابة الكبيرة، الموثقة بالحديد. آه، كم من الناس قد مروا عبر هذه البوابة، كم من الناس تلفتوا حولهم بهمّ وحسرة عندما كانت توصد، باعثة صريرها! ها ستمضي الآن المساومة. ويكفي أن تباع أسرة واحدة ليس إلا. فليس الهمّ هماً، هاهنا. هنا سيتمكن اوستاپ من أن ينقل قوته كلها، أن يدخلها أجزاءً في كل قلب من قلوب البنين والبنات. نظر الى المرأة العجوز نظرة وعيد، لكي لا تخور عزيمتها، سيؤازر الجميع، سيغطيهم، كشجرة البلوط بأوراقها، سيلّم الجميع تحت ظله، سيأخذ كل شيء على عاتقه. ملاحة أوكسانا – اليتيمة الغريبة – واحلامها وتأملاتها البتولية – سيحمي كل شيء، فقط أن تكون مجتمعة.
هاهو ذا المالك، والى جانبه الطواشي ذو الوجه الممتقع قد وصلا معاً الى سوق النخاسة. انتزعوا من الأسرة أكثر الصبايا رهافة، أكثرهن روعة، وبلا حياء، مزقوا قميص الصبية، متفحصين بهاءها البتولي، دونما أي خجل، تباً لمعدومي الضمير!.. اندفع الأشقاء المحكمو الوثاق ليدافعوا عن شقيقتهم. إيه، ولكن كيف؟ سقطوا، مضرجين بدمائهم، عند قدمي شقيقتهم. القوة وفيرة لدى العجوز اوستاپ، تحطم الأصفاد. فليكن الموت! .. انه خير من الاهانة ومن هتك الجسد.
مغطيةً بالتنورة صغرى بناتها، لم يكن أمام الأم العجوز سوى البكاء. كانت عبراتها ناعمة. لكنَّ ينبوع الشجن الأمومي لم يكن يكفي الجميع.
المزايدة في سوق تجارة الرقيق جارية. وها هي ذي فتاة ثانية عارية حتى صدرها. أما اوكسانا فلم تظهر على وجهها وإنْ تصعيرة خدٍ. بقيت واقفة، كجلمود صخر، رائعة في غضبها الحزين. كانت على مستوى من الروعة جعلت حتى اولئك المتاجرين بالأجساد البشرية تلتصق ألسنتهم بحلوقهم. لا ينبغي الثناء على هذه البضاعة، لا ضرورة الى ذلك، فهي نفسها تعلن عن نفسها. مثل هذا الجمال لم يكن له وجود من قبل. مثل هذه القوة، هذه القيافة لم يسبق لأحدٍ أنْ وقع بصره عليها.
بحذر شديد راح الطواشية يتنقلون هنا وهناك. جريئة – أخذوا يعبرون عن احساسهم – لن تستطيع أن تخلع، عن مثل هذه، قميصاً. وظلت واقفة، ساحرة الجمال بغضبها الذي جعل الناس كما لو ان في نفوسهم رغبة تحدوهم الى أن ينقشوا مظهرها في أذهانهم الى الأبد. وبدأوا يغمضون عيونهم.
ودون أن تنكس رأسها، دون أن تنظر الى أحد ما، بل مصوبة بصرها الى مكان ما، بعيد – بعيد، هكذا كانت واقفة أوكسانا. الى أي شيء كانت تنظر. لم يكن الأمر مرئياً لأحدٍ. وكان ثمة شيء ترنو اليه أوكسانا، بعيد عبر البرية كلها. لقد شاهدت ذاك الذي كانت تتوخى أن تراه.
لم يتفق وجود (پاڤلو) في القرية أثناء تلك اللحظة المشؤومة. أين أنتَ يا قرنفلة حبي، أين أنت يا حبيبي القوزاقي؟! حتى وإن لم يستطع الناس أن يقولوا أين انا، من قُتل، من وقع في السبي. لكنْ هل القلب القوزاقي صامت، ياترى؟ ألا يقول لك شيئاً، ياترى؟ (پاڤلو) سيسمع، (پاڤلو) سيعرف… إنه سيأتي، في كل الأحوال. فقط أن لا يمسني أحد، فقط أن لا يلوثوا الشرف البتولي. إن (پاڤلو) سيتلقى أبراحنا. أٌّيٌّ هو؟ تعرف أوكسانا. تعرف روح حبيبها القوزاقي. غضبه عظيم، مقلتاه ناريتان، عريض المنكبين، قوي الساعدين !.. تعرف أوكسانا: ان هذا الغضب سيقوده عبر السبل المحروقة. ما عليها إلا أن تنتظر قدومه.
لم تكن أوكسانا تلاحظ كيف كانت المتاجرة تحتدم أكثر فأكثر، كيف كانت مقلتا المالك تلتهبان نهماً فوق نهم، كيف كان يفرك يديه ويطويهما معاً، تقريباً. كان يتنقل حواليها ويشير من بعيد فقط باصبعه، دون أن يلمس الفتاة. لم يجرؤ…
ها قد بيعت أوكسانا. غاب عنها أثر العجوز اوستاپ ومعارفها جميعاً. حشروا الرقيق داخل عربات نقل مسقوفة. أخذوا يدفعونها هي الاخرى الى هناك أيضاً. حاولت أن تقاوم، فضربوها. لو رأيتم كيف أخذت تحرك كتفها أوكسانا حين ضربت أول مرة في حياتها. لن تضرب ثانية!.. هذا ما قالته أوكسانا بكل كيانها. فتوقفوا عن ضربها.
أوصلوهم الى مدينة غريبة، غامضة. موحلة، مغبرة – كما لو انهم قد كسحوا النفايات من جميع الجبال الى هذه الحفرة. سوى أنه كان يلوح للأنظار في مكان واحد مبنى حسن المنظر لم تكن أوكسانا قد شاهدت مثله من قبل. لكنها لم تكن تبدي أي اهتمام بأيما شيء، لم تظهر أي فضول. بقيت هكذا جميلة جامدة، كجمال صخرة جامدة، لم ترفع نظرها. أوصلها الخدم الى مسكن مكتظ بالنساء. لم تكن أوكسانا تفهم لماذا جمعوا في مكان واحد مثل هذا العدد الكبير من النساء، دون الرجال.
فجأة راحت ترنو اليها من وراء باب كبير عينان بتوليتان: زرقاوان، صافيتان وبالغتا الحزن الى حد جعل فؤاد أوكسانا كما لو ان أحداً ما قد دفعه بيده. آه، أيتها المحرومة، آه يا ابنة أرضنا الاوكراينية!.. وظلت العينان الزرقاوان تتعقبانها بإلحاح. وهكذا راح الحديث يجري بينهما طويلاً بالمقل وحدها. واحدة تسأل، وأخرى ترد. كان الحديث طويلاً وثقيلاً. لم تقل العيون أي شيء حسن. وبأية حال، لم تستطع العينان السوداوان أن تحركا أي أمل. تكلمتا، تكلمتا ثم انكمشتا.
لقد تصادقت الفتاتان. روت ذات العينين الزرقاوين كثيراً من الأمور العصيبة حول الحريم، حول الرق.
– لماذا أنتِ بيضاء هكذا؟ – راحت أوكسانا تسأل صاحبتها – لماذا لا تلاطف الشمس وجهها أبداً؟ لماذا هي تتوارى عنها؟
– أنظري أين أجلس، أخيط، – أجابت ذات العينين الزرقاوين – هو ذا المنول، هي ذي الأرضية الترابية، هي ذي النافذة الصغيرة خلف الشبكة، هو ذا الطواشي، هو ذا منول آخر. من المرجح أنهم سيجلسونك، أنت الأخرى، خلفه، ستكونين مثلي أيضاً، تطرزين صور السناجيب، تتذكرين أوكرايينا الحبيبة. وها أنت ذا، مثلما أنا، سوف تحلمين: ستمخر قادمة السفينة – النورسة، فتبحرين معها بعيداً، عبر الدنيپر، الى موطنك، ربما الوالدة مازالت على قيد الحياة، ربما سيقول الوالد شيئاً.
لم تقل أوكسانا أي شيء. لكن كان يبدو أنها لن تخيط، لن تجلس في هذه الحفرة، خير لها أن تقطع حلقومها، خير لها أن تهشم رأسها على هذه الجدران، إنها لا تعرف بعد ماذا ستفعل… إنها ستخنق كل من يحاول لمسها.
لم يلمس الطواشية أوكسانا ولم يذهبوا بها الى الخان. كانوا ينتظرون أن تضعف عزيمتها، أما الجسد فلم يحاولوا الإساءة اليه. (( سوف نطعمها طعاماً لذيذاً، نلبسها ملابس جميلة، باطلٌ تحطيمها، لم يكن من ديدن مأوى الحريم تدمير مثل هذه.)) – هكذا كانوا يفكرون.
غير أن أوكسانا، المرتدية ملابس فاخرة، كانت تجلس صامتة. كان الطواشية يتنقلون على مقربة منها وهم في حالة هلع. كان يسألها العونَ كل الضعفاء، كل المنهوكين، كل المحطمين. كما القلعة كانت أوكسانا داخل بيت الحريم. الى مثلها لن تصل يدٌ، على مثلها لن تطلق صرخة.
مرت الأيام – كئيبة، مملة، الواحد يشبه الآخر. بم ستنشغل أوكسانُچكا، التي ألفت الرحاب السهوبية الواسعة، الشمس الساطعة؟ كم من الهدايا كانت الطبيعة والحياة قد وهبتاها لها!.. الآن فقط قد قدرتها حق قدرها: القرية الحبيبة القريبة الى قلبها، وأشجار الصفصاف الهادئات، المياه النقية والنجوم الساطعة، الضحك البتولي والأغاني الايقاعية الرخيمة…
وماذا عن (پاڤلو)؟!.. خير لها أن لا تفكر فيه. هذا يجب أن يخبأ عميقاً جداً، هذا يمكن أن يقصم. أوكرايينا، هيه، هيه، أيتها الأرض الحبيبة!
لكنّ أوكسانا لم يكن أحد قد رآها باكية، قط. ثمة قوة داخلية هائلة كانت تسند الفتاة، فظلت هكذا، حازمة مثلما كانت. ومثل أم عظيمة كانت تجول بين السبيات الصغيرات، كانت لهن السلوى والسند.
كل شيء يمكن أن يحدث على وجه الأرض. فجأة يحب المرء، فجأة يكره، فجأة يولد، فجأة يموت. كل شيء ممكن.
جلب الطواشية، ذات مرة، الى بيت الحريم امرأة مسنة، ساخطة، طويلة القامة، تحمل بضاعة أجنبية مجلوبة من وراء البحار. كان ثمة غزل رفيع معمول بمهارة فائقة، قطع من الخز ناعمة جداً. وثمة مخرمات لم ترَ العيون مثلها من قبل، وثمة أيضاً ديباج قميصولي(2) ناعم مثل نفحة هواء، وثمة حجاب أسود اللون، أصفر وأزرق. آه، أية مهجة نسوية تستطيع أن تحتمل!.. البضاعة راحت تلامسها العيون والأنامل معاً. باحتراس، أخذت النسوة تنحي، كل واحدة وما يروقها. أما أوكسانا، فلم تضع جانباً أي شيء من البضاعة. سوى أنها قد دُهشت فجأة، شيء ما قد إختلج في داخلها. ضخمةً كانت العجوز، شاملٌ حجابها، وجهها لا يرى، لكنّ عينيها ليستا بعينَي إمرأة عجوز، سريعتان. نظرت أوكسانا الى هاتين العينين بإمعان، وإذا بها تحس فجأة بأن شيئاً ما بدأ يتحرك بصعوبة في صدرها. پاڤلو! ها هنا الآن. أما الموت لكليهما أو الحرية.
بسطت التاجرة كل ما لديها من بضاعة، قدمتها جميعاً. عندما فرغت السلة الكبيرة حتى قعرها، أعطت الإشارة الى أوكسانا بعينيها ليس إلا: سيري، أيتها الفتاة، ورائي، سأعطيك أعزَّ ما لديّ. قرر الطواشية: فلتذهب هذه الحجرية، ربما ستغري العجوز قلبها البتولي بشيء ما، ربما سنبتاعها، في نهاية المطاف.
سارت أوكسانا تابعةً الحورة الشاهقة. سمع الطواشية، أولَّ مرة، كيف أنها بدأت تضحك، تنفسوا الصعداء: (( إيه، سيهون الآن علينا الأمر، – فكروا،- لن تغضب بعد الآن))…
بالآه والأنين وضعت العجوز السلة على كتفها، متحجبة بمنديل عتيق، انسلت، رويداً رويداً، الى الشارع. لم يعترضها أحد ولم يرفع حجابها أي شخص – إنه لإثمٌ عظيم!
من يدري كم من الجهود بذلها پاڤلو، وكم هي المساعي التي بذلها اصدقاؤه في سبيل الحصول على البضايع المختلفة، قبل أن يتمكنوا من التغلغل في عاصمة الخان والوصول الى قصره. كان قلب پاڤلو يقوده عبر طرق مجهولة، لقد أوصله الحب الى وكر الزنابير ذاته. هنا كان يمكن أن يلقى عليه القبض ويُجلس على الخازوق. ولكنّ هذا لم يحدث.
متجمعةً، جلست أوكسانا في السلة، وقد كتمت أنفاسها. آه، كم بدت أوكسانا ساخطة على نفسها، على جسمها الضخم، على طاقتها القوزاقية. تمنت أنْ لو كانت جد نحيفة، فلربما ما التوى، عندئذ، كتف الفتى القوزاقي مثل هذا الالتواء.
أخيراً، وصل بالسلة الى زقاق بعيد، وضعها مسندة الى الحائط. شيء واحد فقط همس به لأوكسانا: تسيط، تسيط. وماذا كان يمكن أن يقال لها، إنها لم تكن قادرة حتى على أن تتنفس.
بالصريخ والضجيج مرقت، عبر الزقاق الخالي، مجموعة من الفرسان. ثلاثة فرسان انفصلوا. تتر… غير أن اللغة ليست تترية، اللغة حبيبة، أنيسة، سلسة.
هيه – هيه، أوكسانا، أوكسانُچكا. ها هي ذي على صهوة جواد، السلة مرمية، ماذا حل بقطعة القماش؟ معتدلاً في قامته الجبارة، وثب پاڤلو الى صهوة جواده، فانطلق به الجواد. اوكسانا في الوسط، الفرسان يحيطون بها مثل حلقة متراصة، يجرون بسرعة، بسرعة. كان يبدو ان كل واحد منهم قد نقل قوته الى جواده. هيا، أَسرع، أَسرع، أَبعد، أَبعد!.. هيا، الى هناك، خلف الجبل الشاهق، خلف الغابة الخضراء. أسرع، ثم أسرع ! .. راحت أوكسانا وهي ملتصقة برقبة الحصان تدعوه بأعظم الكلمات حلاوة وحناناً: حبيبي، عزيزي، أيها الحبيب الغالي، هيا بسرعة أبعد !..
خرجت حاملةً الجميع قوةٌ مقحامة، جرأة بطولية. حملت الجميع جياد قوزاقية وفية. ها هي ذي السهوب الحبيبة اللامتناهية، ها هي ذي المياه النقية والصباحات البهية…
بعيداً الى الوراء بقيت الأسوار العالية لقصر الخان، الحراس القساة لعنابر الخان، غضب الخان الذي لا يرحم وجبروته الهائل. كل هذا، بل حتى الموت نفسه، قد غلبه الحب القوي، الحب النقي والصداقة القوزاقية.

1- أوكسانا: تعكس هذه الأسطورة الكفاح التاريخي للشعب الاوكراييني ضد تتار القرم، الذين كانوا يشنون الغارات الجائحة على الاراضي الاوكرايينية – الطبعة الروسية ص242-
وهي واحدة من مجموع اربع وثلاثين اسطورة مترجمة عن اللغة الروسية، آمل أن تجد سبيلها الى النشر
– المترجم –
2- القميصول (Camisol) : سترة نسوية قصيرة. أو لباس نسوي تحتاني قصير من غير كمين. المصدر قاموس المورد الانكليزي – العربي. – المترجم –


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"