مهدي شاكر العبيدي: الأدب العربي في العصر العثماني

المعروف أنَّ الدَّولة العثمانية التي دانتْ لها شعوب متباينة الأجناس واللغات والطوائف والأديان بالإذعان والخضوع والامتثال لكلِّ ما تلجأ له من تدابير وإجراءات أو ترتئيه من نظم وتشريعات في أنحائها ودياراتها المتباعدة والممتدَّة في قارات ثلاث من العالم ، قد واجهَتْ طوال سني حكمها كثيرا ً من المشكلات والصُّعوبات لا سِيَّما بالنسبة لاستتباب الأمن وإحكام السَّيطرة والحيلولة دون قيام نفر وآخر من مواطنيها أو رعاياها بالتمرُّد وإثارة القلاقل وانشغال الحُكـَّام المتعاقبينَ بقمعها وإعادة الأمور إلى مجاريها ، وكان ذلك على حساب إهمال المرافق العامة وعدم المباشرة بتنفيذ المشروعات الإصلاحية وإنعاش حياة السُّكان ، ناهيك بالتدهور الصِّحي الذي عمَّ مختلف الأمصار ورافقه عدم اهتمام ببناء المدارس لنشر التعليم والعناية بتربية أجيال الناشئينَ من بين شتى العناصر والقوميات التي تسري عليها أو تنفذ بحقها الأحكام والقوانين والأوامر الفوقية من دفع ٍ للضَّرائب والرُّسوم أو الاستجابة لمشيئة المتنفذينَ والمتسيدينَ في دعوة بنيها للانخراط في الجندية ، فقد قرَّ في أخلاد المجتلينَ والدَّارسينَ أنَّ ذلك لا بُدَّ من أنْ يشمل الواقع الثقافي والمستويات الأدبية وأنَّ الزَّمن الذي كانتْ فيه المواهب والملكات معنية بالازدهار الأدبي والثقافي ويمضي أربابها قدما ً في ابتكارهم وابتداعهم للأخيلة والتشابيه والأساليب والقوالب والصِّياغات مع تجاوزهم لما كان مألوفا ً في بيئآتهم من هذه الصُّور والأنماط وتطلعهم لتجديدها ، قلت يُخيَّل لذوي الأفهام أنَّ ذلك الزَّمن قد انحسر وتوارى وولى ، وأنَّ أيَّة صلة ورابطة لمرحلتنا هذه به كي تأخذ بقسطها من الإبداع في الفنِّ والسُّمو في الأداء قد بُتِرَتْ أو انبتتْ .

وقبل سنوات كنتُ استمع ـ من طريق الإذاعة ـ لمناقشة أو مساجلة نخبة من أساتذة الآداب العربية لرسالة كتبها واحد من طلبتهم كي يجيزوه ويمنحوه الشَّهادة الجامعية العليا بعد أنْ يثبتَ لاعتراضاتهم ومؤاخذاتهم على بعض ما خلص له من تخريجات واستنتاجات ويدلل على صحَّة ما استدلَّ به من منطق وركن إليه من حجة وتوخَّاه من قصد مع توسله لذلك بالعبارة المقبولة المسوغة وغير المتكلفة والمنمَّقة ، وكان موضوعه المدروس والمنصب مجهوده عليه هو أغراض الشِّعر العربي والبيان عنه في القرن السَّابع عشر الميلادي أي في زمن العثمانيينَ المنشغلينَ بالفتوحات والحروب ، فكان استغرابي من مجازفة الدَّارس بتخيُّر موضوع كهذا وإفراغ طاقته وجهده عليه ليصير إلى نتائج وتوصلات وآراء علـَّها تضفي بعض التغير على ما استقرَّ في ألبابنا ووجداننا من هذه الانطباعات واللمحات التي لا تشهد لهذه الحقبة بأيِّ تفوق في نسج معطياتها وحبك نتاجاتها ، وأنـَّها تندرج في نطاق ما درجنا على تسميته بـ ( الفترة المظلمة ) التي أظلتْ هذا الرَّجأ من الدُّنيا غبَّ زوال حكم العباسيين واجتياح المغول لبغداد ، وما عند ذويها من نصوص وقوالب أدبية وفكرية أو برعوا في تصويره وتجسيده من فنِّ الإنشاء لا يعدم إيغال أصحابه في زخرفته وتنميقه وتوشيته ، وإسرافهم في تكلفه وانتحاله ، هذا إلى أنـَّه تنتفي منه الآراب السَّامية والمقاصد النبيلة والعواطف الإنسانية الشَّريفة التي يختلج بها وجدان أيِّ أديبٍ حرٍّ يتوق إليها ويجعلها قبلته ، وما تبقى منه وفيه لا يعدو الإعراب عن العادية والابتذال والهبوط جريا ً وسمات العصر وخصائصه ، غير أنَّ الدكتور عمر موسى باشا الذي كان أستاذا ً لآداب اللغة العربية بجامعة دمشق يجانب بنا عن هذا الحكم ويباعدنا عن هذه القولة ويحملنا حملا ً على تغيير نظرتنا لها وتبديل اقتناعنا بشأن غلبة الرّكة والإسفاف على الصَّيغ والتعابير في مدوناتها وشواهدها ولقياتها من الشِّعر والنثر ، فنعترف لأعلام الرَّأي والتنوير والثقافة بغزارة إلمامهم وعرفانهم بعناصر ما يبغون الإفصاح عنه وتصويره من واقع الحال هذا المحفوف بالفجائع والأهوال ومكاره الحياة ، وإذا عنَّ لنا أنْ نمحو من تاريخنا ما يكتنف هذه الحقبة من مآس ٍ وخطوب ونحن نذعن لسلطة الأتراك وهم من غير الأرومة العربية وإنْ أدنتنا منهم رابطة الإسلام مع إخلالهم بتبعاتهم نحونا وتفريطهم بما يلزم لتحسين معيشتنا وإسعاد حالنا ، دلالة حيدتهم عن العدل وميلهم للإجحاف والغبن وتماديهم في تفضيل جنسهم وتوخي ترجيحه علينا في كلِّ شيء يخصُّ الخدمات العامة ، قلتُ إذا راق لنا أنْ نلغي هذه الحقبة من التاريخ والحياة اليومية الجارية فقد لا يتأتى لنا ذلك بسهولة ، إذ لا نجرؤ بحال على شطب أسماء ، أمثال :ـ ابن معتوق ، وعبد الغني النابلسي ، ومنجك اليوسفي ، وابن النقيب الحسني ، ويوسف البديعي ، والبهاء العاملي ، والمحبي ، والتهانوي ، وبدر الدِّين الغزي ، وعشرات الأسماء ممَّن التمع نبوغهم وجادَتْ ملكاتهم بمتنوع العطاء ، فكانتْ جياد القصائد المصبوبة بأساليب وصيغ تحكي الجدَّة وتجاوز ما ساد بعض الوقت غبَّ اضمحلال حضارة بني العباس من ركة وقصور وتهافتٍ في التأدية سرعان ما نفذنا منه إلى تجديد عهدنا بالقوَّة والثقة بأنفسنا والاعتداد بكبريائنا ومن ثمَّ استئناف ألفتنا للإشراق والتأصيل والتعمُّق .
وما أفقه سرَّ تلقيب الأستاذ الدكتور عمر موسى بالباشوية أجاءته بالوراثة بنتيجة قيام أحد الولاة القدامى الذين حكموا دمشق وساسوا أمورها بمنحها لفردٍ من الأسرة شهر بنبوغه وألمعيته فتداوله الأبناء والأحفاد من بعد ، أم هي مستحدثة لصقتْ بهم في هذا الوقت أو قبله ؛ المهم ما يعنينا أنْ نشوم فيه موضوعيته وتناهيه في الإنصاف ونقطع في إيثاره المعدلة وتحاشيه المفاهيم الغريبة وهو يرسل تقييماته وأحكامه على نتاجات أدباء العصر العثماني من الشِّعر والنثر ، فقد حذر من تجريد المبدعينَ من عصرهم وانتزاعهم من مرحلتهم و ” تقويمهم بميزان النقد الحديث ومفاهيمه المستحدثة ” ، ففي ذلك من الغبن والإجحاف والظلم للشَّاعر ولعصره ما فيه ، ويسري هذا الحكم الفصل بالنسبة للناثر أيضا ً ، ” فلكلِّ عصر موازينه النقدية النابعة من طبيعة الحياة الأدبية والاجتماعية والسِّياسية ، ومن الجور كلّ الجور أنْ تطالبه بما يطالب به الشَّاعر في العصر الحديث ” .
ذاك ما أفدته من استنتاج مجمل وخلاصة دقيقة لعموم صفحات كتابه الموسوم  ( الأدب العربي في العصر الملوكي والعصر العثماني ) المقرَّر للتدريس بجامعتين ِ في سوريا ، وبين يدي الجزء الثاني منه الخاص بالعصر العثماني وهو فترة زمنية استغرقتْ خمسة قرون ونصف القرن ” عدَتْ فيها على الأمة العربية عاديات الزَّمن ولم تزدها الخطوب إلا قوة وتماسكا ً من خلال محافظتها على تراثها العربي وحضارته الإسلامية ” .
وكذا استطرد إلى سيرة الأعلام من الكـُتـَّاب والشُّعراء وأشاد بنزوعهم وجهاديتهم ” لصون اللغة والأدب وحفظهما من الضَّياع والاندثار ” ، وإكباب جمهرة من الناثرينَ على إعداد المصنفات والتآليف الموسوعية دلالة على تشرُّبهم الحسَّ الإنساني فيما ينزعون له من إنجاد الأجيال المتلاحقة على امتداد التاريخ بزاد من المعرفة الهادية والفكر المنوِّر .
فيغدو شاعر مثل ابن النقيب الدِّمشقي صورة أصيلة في العصر العثماني ،      و ” قد استطاع بعبقريته الخاصة أنْ يعطينا أجمل صورة عن دمشق في مختلف مظاهرها الطبيعية والاجتماعية ” ، هذا إلى تميز شعره عموما ً بالرِّقة والانسجام والجزالة ، وليسَتْ هذه المفردات تساق ارتجالا ً وكيفما اتفق بدون تثبُّتٍ وتدقيق وتوثيق بالشَّواهد والحيثيَّات الدَّالة ، ممَّا أسهب فيه الباحث المؤلف في تضاعيف دراسته ، مع انَّ نقطة الضَّعف فيها أو ممَّا يروق لنا أنْ نؤاخذه عليه ، هو فرط اقتصاره على تناول رعيل الكتاب والشُّعراء والعلماء وأقطاب الفلسفة والبيان والحكمة في الشَّام فقط وإنْ تطرَّق إلى الأوضاع والأحوال السِّياسية والاجتماعية والثقافية السَّائدة في البلدان العربية الأخرى من خلال رحلات بعضهم إليها لغرض التزوُّد بالمعرفة أو لقصدٍ آخر من آن ٍ لآن .
فنحن نتفق مع المؤلف ونشاطره رأيه في أنَّ القرن السَّابع عشر الميلادي يزخر بطائفة من رجال الفكر ودعاة الحقِّ والاستنارة والنضال والذياد عن حياض الأمة من المكايد والشُّرور والتنبُّه على ما ينزله بها الحاكمون المجنـّبون من الإرهاق والخسف والذل ، فكان لا بُدَّ من تضافر جهود المتميزينَ بمواهبهم العقلية من أبنائها للتمسُّك بموروثهم المعرفي واللغوي والتشبُّث به للبرهنة على وجودهم وبقائهم رغم كلِّ شيءٍ ، أوَنغفل شاعرية ابن معتوق وعفويتها وتلقائيتها وتحاشيها الصَّنعة والتصنيع أو نغضَّ النظر عن صوفية الشَّيخ والقطب الرَّباني عبد الغني النابلسي الذي امتدَّتْ حياته إلى الرُّبع الأوَّل من القرن الثامن عشر الميلادي وتضمينه لقياته الشِّعرية ومواجده وأشواقه الصُّوفية في أرشق بيان وأسلس ديباجة ؟ .
وأخيرا ً حسب هذا الطور من عمر الثقافة العربية فخارا ً أنْ كان من صفوة نبغائه وأعلامه وأدلهم بموضوعيته وتقصيه في سيرة عبقري العرب الشَّاعر المتنبي واستخلاص حكمته وفلسفته وكفاحه في سبيل المنى والرَّغائب وإربائه في نسج شعره وإحكامه ومساماته للرَّصانة والقوة ، ألا وهو يوسف البديعي الذي ما يزال مصنفه ( الصُّبح المنبي عن حيثية المتنبي ) في متناول الدَّارسين المحدثين لا سِيَّما أنـَّه انتهج في تأليفه أسلوبا ً حديثا ً خاليا ً من التنميقات والتزاويق حتى لكأنـَّه ألـِّفَ في عصرنا .
فكيف لم يهتدِ بعض الكتبة لعهدنا في الوقت الحاضر للسَّداد والصَّواب ؟ ولمَ تمادوا في امتهان الأدب العربي في العهد العثماني وبخسوا شأنه من التألق والتسامي ؟ .
إنَّ كتاب الدكتور عمر موسى باشا الباحث المستقصي مصادر الأدبي العربي في العهدين ِ المملوكي والعثماني له أرجحيته واستحقاقه في الانتشار والذيوع والتداول ، لا أنْ نُهَوِّنَ ونُضَائِل من قيمته كونه كتابا ً مدرسيا ً ، ألا يجدر بنا أنْ نرفد أذهان نابتتنا وعقولهم بكلِّ رصين ٍ وثر ٍ وموثق ٍ من الحقائق الأدبية ؟ .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.