الرئيسية » نقد » ادب » جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(3) قال لي بورخس

جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(3) قال لي بورخس

إشارة :
كتاب (جيم جديد – قصّ) للمبدع جابر خليفة جابر الذي ينشره موقع الناقد العراقي في حلقات هو واحد من أهم الكتب الثقافية التي صدرت بعد الاحتلال. فبالإضافة إلى أنّه يتناول مفاهيم وأحداث وشخصيات ثقافية وفق نظرة جديدة وبعضها يُطرح لأول مرة ، فهو أيضا تشريح لمعضلاتنا الثقافية ومحاولة طرح حلول لها بدلا من النواح والتشكي. أمّا أسلوبه السردي الهادىء و “الحياتي اليومي” فقد أزال عنّا التباس وصفه على الغلاف بأنه “قص” لأول مرة. وللأسف لم يحظَ هذا الكتاب المهم بالمناقشات المطلوبة التي نتمنى أن تثيرها محاولة نشره هنا. تحية لجابر خليفة جابر.

(3) قال لي بورخس

ثمة من يقول ان بورخس شخصية مختلقة لا وجود لها ، واستدلوا على قولهم بقرائن عديدة أرى إنها – القرائن – هي المختلقة وليس بورخس كشخص أو قاص عظيم من كتابة وقراءة ، ولاشك عندي إن صاحب هذه الفرضية ليس أكثر من مستنسخ جديد لأفكار مرجليوث المستشرق الفرنسي المعروف أوائل القرن الماضي والتي تضمنتها مقالة له نشرت عام 1924وملخصها إن الشعر الجاهلي أختلق فيما بعد الاسلام ولا حقيقة له من قبل ، والتي أخذها طه حسين (عميد الأدب العربي البصير) بعد عام واحد فقط وأعاد نشرها أو قل إستنساخها – من دون بحث أو تبصر – بمقالته الشهيرة وكتابه حول الأدب الجاهلي .
لاشك عندي ان كلتا الفرضيتين حول إختلاق الأدب الجاهلي وحول وهمية بورخس تفتقران الى الصدقية العلمية وتخبئان من الغرضية المموهة الكثير..
ليس هذا حسب ، بل انني اؤيد النظرية التي تقول بأن بورخس لم يمت ،نعم أؤيد هذا، وأؤكد إنه ما زال حيا يقرأ !
فكل ما حدث إنه غادر الغرب اللاتيني وفارق الكتابة فقط ليسكن الشرق الذي احبّ واغترف منه ، شرق الف ليلة وليلة والسندباد وبن يقظان .. فقد رأيته شخصيا ، نعم رأيت بورخس ، واستطيع ان اقول انه رآني ولم يكن كما يقولون فاقدا لبصره ، كان بصيرا !
ليسخر مني الكثيرون أعني المقولبة مخيلاتهم ، وليعودوا الى موائدهم ويعاودوا تبادل الاخبار عن عناوين الكتب وكتابها والوان اغلفتها ودور الطبع وما شاكل من اهتمامات ، لهم ذاك ، ولا يعنيني سوى ان أؤكد رؤيته قبل ايام فقط وهو يقف بين رفوف مكتبة صغيرة في شارع علي بن يقطين في البصرة القديمة ،رأيته يلوح لي برواية لباولو كويلو
( حاج كمبوستيلا) وكان صاحب المكتبة قد وضعها جانبا لشدة احتفائه بها.. لقد رأيته ، صدقوني ، وسمعته بأذنيّ يقرأ النسخة المترجمة من الرواية بعربية سليمة وواضحة ، مثلما قرأناها نحن الادباء والمثقفين العراقيين!
قال لي : على المرء ان يعرف كيف يقرأ ، اكثر بكثير- يا صديقي- من ان يعرف كيف يكتب!
مد لي يده بالكتاب واتجه الى التلفاز، إجلالا له اخذت خطوات قلائل مبتعدا عنه لأجاور باب المكتبة ، و ، وبدأت القراءة كما علمني !
الحاج الذي كتب عنه باولو كويلو روايته قطع مئات الاميال من جنوب فرنسا عبر جبال البيرانس الى ضريح القديس سانت ياغو على ساحل الاطلسي شمال غرب اسبانيا. هناك قامت مملكة استورياس ومنها ، من صخرة بلايو ملكها الاول انطلقت حروب الاسترداد ، احد ملوكها روّج لرؤيا بأن القديس سانت ياغو الميت في القرن الاول للميلاد والمدفون في فلسطين بعث من جديد وأنه كان يحضر المعارك ضد الاندلسيين ويشبعهم قتلا بسيفه ، فسموه بذباح الاندلسيين وكانت صيحة الحرب عندهم يا سانت ياغو! تماما كما نصيح نحن يا الله أو يا علي.
أمرُّ بقراءتي على غرناطة عام 1492 /حي البيازين/ سوق القيصرية / جبال البشرات / اتجنب النظر الى فستقيات الحمراء ، وأرى حشود المطرودين الى البحر عام 1609 ، سأرى جثثهم على ضفاف الدروب الطويلة وبين امواج المتوسط ، وبينهما سأرى محاكم التفتيش وحرائق البشر والكتب، وبطريقتي الجديدة في القراءة سأتابع في عام 2010 السلسلة البشرية التي شكلها أحفاد الموريسكيين وأصدقاؤهم في مدريد من الكنيس اليهودي الى كاتدرائية الكاثوليك الام ، وهم يطالبون خوان كارلوس ملك اسبانيا بالاعتذار لهم كما اعتذر لليهود ، وكان الزمان عام 2010 أيضا حين كنت أتسمر أمام الشاشة الصغيرة وأشاهد الروائي امين معلوف وهو يتسلم جائزة اسبانيا الكبرى للأدب / جائزة أمير استورياس..!
علمني بورخس كيف أقرأ !
كتب باولو كويلو رائعته عن حاج واحد مشى مئات الاميال من جبال البيرانس الى ساحل الاطلسي وكان بورخس يشاهد على القنوات العراقية عشرات الاف الزوار العراقيين وهم يحجون مشيا مئات الاميال الى الحسين المقدس ، أبصرت مخيال بورخس الهائل يشع بغرابة ودارت عيناه المبصرتان تمطرانني بالاسئلة ، بل تمطرانني بالسهام ..
من سيُكتبُ عن هؤلاء المشاة الاف الروايات ؟ ومتى ؟
هل تنتظرون باولو كويلو ام تنتظرون بورخس؟!
ولأني كثيرا ما تبجحت أمامه بشعر مظفر النواب:
((عراقي هواي وميزة فينا الهوى خبل))
سدد لي سهامه اللاذعة تلك، سددها لي انا شخصيا ،وربما قصد اخرين، ربما كان يستهدفكم ايضا – اصدقائي الادباء ،لا ادري، لكني وكأي عراقي لم يتعلم القراءة جيدا، سأتحمل واحدا من سهامه فقط ، ربما اثنين ، لا اكثر ، ولن أحجب عنكم الاخريات .
شكرا لبصائركم !
=====

تعليق واحد

  1. جابر خليفة جابر

    نحن الكتّاب الأغرب من بين كتّاب العالم ، وأعني الأغلبية طبعا فثمة استثناءات ، نحن لانتفاعل مع مقاومتنا للاحتلالات ولا نتفاعل مع عادات شعبنا ومجتمعنا وتقاليده بغض النظر عن موقفنا منها او اعتراضنا عليها ، ونعرف عن اوربا وامريكا أكثر مما نعرف عن أهلنا ! فهل نحن مبدعون حقاً أم مجرد نسّاخ ؟ وحتى في النسخ لم نفلح الا بما يراد لنا او ببما مسموح لنا نسخه!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *