د. نادية هناوي : التّجنيس في القّصة القّصيرة بين المتوالية Sequence والدورة Cycle (ملف المتوالية السردية/14)

التّجنيس في القّصة القّصيرة
بين المتوالية Sequence والدورة Cycle
د. نادية هناوي
لعل أحد أهم مقومات البحث العلميّ الدقة في المصطلحات التي تمنح الباحث السمة الموضوعية التي تمكنه من تحقيق مراميه الأكاديمية، بدلًا من الركض وراء مزاعم قد تغدو خطيرة لا لكونها توصل إلى كرسي العلمِ؛ بل لأثارتها لتقليعات قد تُوهم بعضهم أنها من خبايا العمل البحثي وخفاياه. ومؤخرًا صرنا نلمس تزايدًا في التقليعات التي تستجلب لصاحبها امتيازات، ولا يهمه بعدها إن كان يغالط في تلك التقليعة العلمَ أو لا، أو كان بها يسدل الستار على المعرفة التي ينبغي أن تظلّ أضواؤها برّاقة بلا أستار.
ولا شك أن التقليعة بابتكار منهج أو نظرية هي منزلق خطير إذا لم يكن المبتكر على قدر من الأهلية التي تؤكد ما يدعيه من الابتكار. وفي مقدمة سمات الأهلية التوطن الاصطلاحي لما يروم الباحث أن يبتكره، فيشخِّص من دون التباس، وينحت بأناة وروية، تجعل أي احتجاج مدحوضًا سلفًا، مع التجرد من أهواء الاشتهار ومصالح الذات الضيقة التي تبعد الطارئية عن ذلك الابتكار وتعطيه الأصالة والامتياز.
ولا سبيل للابتكار في مجال النظرية الأدبية؛ إلا لمن أوتي من التفقه ما يحصِّنه من الفوضى الاصطلاحية والتضبيب في الرؤية. وما عدا ذلك يغدو ادعاءَ الأحقية في الابتكار مغلوطًا ومتشرذمًا. ولا خوف على حقيقة علمية إن تكاملتْ لها الأصول والفروع، وتحققت لها الديمومة المعرفية ؛ وإلا كيف يرضى باحث أن يكون آلة تستنتسخ ميكانيكيًا ما ترى، وترصد فوتوغرافيًا ما تعتقده مرئيا.
ويظل المحك في تميز الأبحاث العلمية دقتها وموضوعيتها التي هي سلاحها لتوسم بالاكاديمية، وليعترف لها بالأصالة والفاعلية التجديدية التي بها يكمل اللاحقون ما عمله السابقون من الباحثين المنهجيين، وبديالكيتية تتسم بالتغيير وليس الاجترار والانبهار بحثًا عن تقليعة تُخضع العقل للموضوع بدل أن تُخضع الموضوع للعقل.
والدفاع عن فكرة مبتكرة في مجال التجنيس السردي محفوفة بمخاطر كثيرة، كون السرد يمتلك خاصية لا تمتلكها سائر الفنون النثرية الأخرى، هي خاصية التمرد على النوع والانفلات من القواعد التي بها يستطيع منافسة مختلف الأشكال الفنية، ممتلكًا المرونة في الشكل، والانسيابية في الجوهر. والسّرد في الأساس حركة لها طاقة تجعلها متموضعة في كيفيات ومصوغة في حيثيات، لا تُحدُّ ولا تُحصى، فيتداخل الشعر بالرواية ـ والغنائية بالسرد ..الخ.
ويظل الحبل على الغارب في اجتراح التداخلات وابتكار التجنيسات التي تهشم مقولة النوع الأدبي، مزيلة الحواجز جاعلة عالم السرديات عالمًا مبعثرُا ومتفككًا. وهذا سر ديمومة السرد ولب جماله، الذي يجعله يماشي الحياة ويوازيها؛ فإذا كانت الحياة متواترة متتابعة، كان سردها كذلك، وإذا كانت الحياة متبددة ، سايرها سردها في ذلك التبدد أيضا.
وهذا الافتراض الأخير مثلته الحياة الأمريكية في بدايات القرن العشرين, الأمر الذي انعكس في الكتابة السردية عنها والتي اتخذت منحى يتبدد في شكل رواية تتوزع في قصص تتخذ شكل دورة أو حلقة متداخلة أمّا بالثيمة أو بالشخصية أو بالمكان.
والتكرار فيها هو الذي يجعل السّرد يتكرر، وكأنه يراوح في مكانه، فكلما تقدمنا في القراءة وجدنا أنفسنا عند المشهد الأول ، حتى أنّ من الصعب تلخيص الرواية في هكذا شكل قصصي تدويري أو حلقاتي، نظرا لوجود الاستقلال في كل قصة عن الأخرى .
وعلى الرغم من الارتباط بين القصص والتشابك معها بترسيمة دائرية؛ إلا إنّ الحبكة تتبعثر في حبكات متسلسلة ومتراكمة مؤلفة دورة القصة القصيرة التي جرّبها الساردون الأمريكان مطلع القرن الماضي. وانشغل بها الباحثون الامريكان ايضا في أواخر القرن نفسه. وعلى الرغم من عدم ثبات رؤيتهم نظريًا عند صورة ما لهذا التجنيس المتشظي؛ إلا إنهم اتفقوا على أنها سردية مماثلة لرؤية حياتية عاشتها الأسر الامريكية آنذاك، وصدى واقع معيش ومفروغ منه يعجُّ بالاحساس بالتشرذم والتشتت ، سببه هذا الهجين الناجم عن تباين أعراق المهاجرين إلى هذه الأرض البكر.
ويعد فورست انجرام من أوائل الباحثين المنتبهين إلى هذا التماثلية بين الحياة في سرعة ايقاعها المتبعثر في هويات وجنسيات وأعراق شتى، وبين السرد في قصر حبكاته ودوريته. ولهذا أطلق مفهوم ( دورة القصة القصيرة ) وتابعه عليه الباحثون من بعده، وذلك في كتابه( تمثيل دورة القصة القصيرة في القرن العشرين: دراسة في نوع أدبي) الذي هو في الأصل اطروحة دكتوراه من إحدى الجامعات الامريكية وقد وطَّن فيها مفهوم “دورة القصة القصيرة short story cycle وليس مصطلح المتوالية القصصية The narrative sequence .
وقد قنن انجرام في هذا الكتاب فاعلية ( دورة القصة القصيرة) بوصفها مجموعة من القصص المرتبطة بعضها ببعض، يوزعها المؤلف بطريقة متوازنة ضمن وحدة معينة، في شكل مجموعات أو سلاسل، ولكل قارئ أن يقوم بتعديل تجربة ما من تجارب الآخرين.
والكتاب يبدأ بمقدمة هي عبارة عن تمهيد نظري حمل عنوان( النظرية والمنظور) تناول فيها انجرام التعاريف للدورة والانقسامات حول نوعها السردي، مقدمًا مقترحات لمنظور تاريخي لدورة القصة القصيرة، ثم أتبع المقدمة بدراسات تطبيقية وصفها بأنها مقاربات نقدية لدورية القصة القصيرة في القرن العشرين، ومن الكتّاب الذي درسهم فرانز كافكا ووليم فوكنر وشيروود اندرسون، مرّكزا على التكنيكات المشتركة في هذه الدورية مثل الراوي والشخصية المركزية ومسائل ثيماتية تتعلق بالمغادرة والمغامرة والتعطش والحلم. وختمها بدورانية التطوير النفسي التي درسها في ثلاثة مباحث هي ( النار والريح) و(ايماءة ) و( الضبط)
ومنذ المقدمة يقرر انجرام أنَّ نقاد دورة القصة القصيرة يعرفونها في كثير من الأحيان بالشكل الذي يتناسب مع أغراضهم الخاصة، لكن فاته أن يغوص في المناحي الثقافية التي حملت النقاد على هذا الاختلاف وهو ما قامت به جينفر سمث في كتابها( دورة القصة القصيرة الامريكية)
وكانت سوزان فيرغسون وهي أكاديمية من جامعة كيتس ويسترن ريزيرف في أوهايو، والمتخصصة في نظرية القصة القصيرة وتاريخها، قد ذهبت إلى أن نقد النوع في القصة القصيرة هو بمثابة مشكلة، واجدة أن ( دورة القصة القصيرة) هي صدى التشظي في النوع( Short Story Cycle: the Ethnic Resonance of Genre) .
وعموما لا يخرج حديثها عن دورة القصة القصيرة short story cycle في بحثها الموسوم ( نقد النوع الادبي : الدورات التسلسلات الروايات المركبة القصة القصيرة) والمنشور في مجلة القصة القصيرة باللغة الانجليزية خريف 2003 العدد 41 ص103ـ117 عن حدود ما طرحه انجرام، من وجود انقسام وتشرذم بين مسميات مختلفة هي بمجموعها تدلل على قصص متداخلة قد تكون في شكل سلاسل وقد تكون مناهضة للسلاسل. وتنهي بحثها بتأكيد مائعية السلاسل والدورات في القصة القصيرة. وأنَّ الأمر يحتاج إلى معالجة القضايا المراوغة في هذا من النوع في الكتابة القصصية بالشكل الذي يجعلنا نفهم هذا اللون من الكتابة، وبطريقة لا تعترينا بعدها مخاوف التفسير .
وهذا ما تواجهه أيضا كرستين اريك بيترسون في تعريفها لدورة القصة وأنها رواية القصص في الحياة اليومية أو بعبارة أدق أداء السرد في الحياة اليومية. ولقد أوصلها بحثها في إستراتيجية القصص التي تكون في شكل سلاسل أو عوائل كانت قد عرفت في بداية القرن العشرين، إلى وجود رابط بين تشظي النوع الأدبي وتشظي استراتيجيات المجموعات المحلية الصغيرة الهوية القومية والعرقية وتبعثرها بين مشاكل اخلاقية وقانونية واجتماعية كالطلاق والحضانة والرعاية والاجازات وحقوق الوالدين والعنف الاسري والانجاب والاجهاض والهجرات والعولمة والرعب وفقدان القيم العائلية ومشاكل سبرانية السياقات العالمية وغير ذلك مما يتصل بالحياة الأمريكية. وهو ما سيتم تناوله بشكل أوسع في اطروحة جينفر سمث.
والمحصلة لكل ما تقدم هي مائعية هذا الشكل التي لن ترتفع بالقصة إلى مستوى الرواية، كما لن تنزل بها إلى مستوى القصة القصيرة. ومن ثم تظل السيولة سمة هذه الكتابة القصصية الدورانية، وليس الثبات الذي يمشكل القصة في قالب صلب، وعندها يصلح أن نعد هذا التمشكل نوعًا أدبيًا.

شاهد أيضاً

وعد الله ايليا: مازلتُ أبحثُ عن تفاصيل وجهك…!!!
الى/ روح الصديق الراحل الحاضر الغائب الفنان التشكيلي الكبير لوثر إيشو (ملف/18)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

في ذكرى رحيل الفنان لوثر ايشو.. شقيقه بولص ادم يقول: اللوحة وطن والوطن لوحة، مفتاح فن لوثر
حاوره: سامر الياس سعيد (ملف/17)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

 الطوب احسن لو مكواري دور الاهازيج باشعال الحماس بين الجماهير
مريم لطفي (ملف/3)

تعرف الاهزوجة على انها نوعا من الاناشيد الشعبية الغنائية، وهزج المغني  اي ترنم في غناءه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *