الرئيسية » ملفات » عادل كامل : في رواية فاضل العزاوي: “آخر الملائكة” حكاية شعب يذهب إلى المجهول (2/1) (ملف/9)

عادل كامل : في رواية فاضل العزاوي: “آخر الملائكة” حكاية شعب يذهب إلى المجهول (2/1) (ملف/9)

إشارة : 

احتفاءّ بمسيرة إبداعية ثرة ومعطاء، شعراً ونقداً وسرداً، ودور تجديدي صادم في الثقافة العراقية، يسرّ أسْرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر ملفها عن المبدع الكبير “فاضل العزاوي” متمنية على الأحبّة الكتّاب والقرّاء إغناءه بالمقالات والصور والوثائق. وسوف يكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية على عادة الموقع فلا زمن يحدّ الإبداع العظيم. تحية للمبدع الكبير فاضل العزاوي. 

في رواية فاضل العزاوي: “آخر الملائكة” حكاية شعب يذهب إلى المجهول
عادل كامل

[1] مدخل

    استمد فاضل العزاوي رمزية عنوان روايته [آخر الملائكة] (1) من الوعي الجمعي لمفهوم: الخلاص، وإلا لكان بإمكاننا استبدال العنوان بآخر، مغاير، ليرجعنا إلى مكوناته.

واقصد ـ كي لا اذهب ابعد من الالتباسات السائدة وصعوباتها ـ ان هناك فهما (ما) جمعيا ً للمعضلة وقد تحولت إلى رواية: سرد.

  مثال على ذلك ان نشأة الكتابة لم ترافق ظهور الآلهة، بل رافقت العمل، وأدواته، وتقسيماته، فاقترنت الآلهة بالشغل، وفي الوقت نفسه بزغ السؤال الذي لم يفقد ديناميته، وحضوره، السؤال الخاص بعلاقة الصفر بالعدد، والخلود بالعدم.  فثمة ضرورة حتمت هذه المزاوجة/ المفارقة، بين الوعي الجمعي/ الشعبي، والوعي المغاير له؛ ليس الفردي، الذاتي، الشخصي، بل الذي يحفر في المستحيلات.

   ومثال آخر سمح  لهذه المزاوجة/ المفارقة، بمعناها الجدلي، ان تنج نسقا ً موازيا ً لها كما لدى (دانتي) ـ ولدى شكسبير أو حتى دستويفسكي ـ حيث كسبت جمهورا ً عريضا ً من المتابعين، مع عناية من المتخصصين في شتى المجالات: اللغات، المعتقدات، الايكولوجيا، وباقي الحقول المعرفية.

  ومع ان الرواية ترجمت إلى الانكليزية/ الألمانية، إلا إنها كانت وليدة ثقافة شرقية، وكتبت باللغة العربية. فالملائكة ـ بالجمع ـ كالإجماع العام الذي يمنح الألوان دلالاتها المشتركة، رمزيا ًـ يمثلون نزعة (فطرية) و (مكتسبة) ، متداولة ومستحدثة، لمفهوم الخلاص (الجنة/ الفردوس)، معادلا ً بين الشقاء الأرضي، والأبدية كمكافأة له. لأن البحث عن المعنى لم يمت، رغم تحول المثل، ذاتها، إلى سلع، بالمفهوم الهيغلي، ورغم تحول القيم المثالية إلى أشياء، بالمعنى الماركسي، وتحولها إلى شقاء، وفق موت الإنسان، وتفكيكه، واستبعاد الميتافيزيقا عنه، بحسب فوكو.

   فالكاتب اختار ـ وفق لا وعيه ووعيه المتطابق مع تجاربه وثقافته ـ الملائكة، كما اختار دانتي تصوير الجحيم والمطهر والفردوس، كمفارقة شيدّت على نزعة افتراضية تكاد تكون خارج دائرة الشك. هل هناك خلاص …، عند دانتي، وهل هناك خاتمة سعيدة عند شكسبير، وهل هناك ملائكة عند فاضل العزاوي في روايته التي اقترنت بها..؟  هنا يحتم الجدل إعادة بناء ديمومته قائمة على المفارقة، لكن مادام لا احد اختار ولادته…، وبنيته الفسيولوجية، فانه سيجد مصيره محكوما ً بالحفر في المستحيلات. فالحياة برمتها لم تحسم برد أو إجابة أخيرة، لا عند السحرة، ولا عند الأنبياء، ولا عند الزعماء، ولا عند الفلاسفة، ولا عند الشعراء، ولا عند المجانين ..الخ: مادامت الحياة قائمة على بقاء أو حضور كل ما هو قيد الغياب، مما يمنح المتلقي ـ الجمعي أو المتخصص ـ عنوان الرواية ـ مع أحداثها المستمدة من مدينة ومن شخصيات محددتين مكانا ً وزمنا ًـ تمرينا ً للارتقاء بالجحيم إلى ذروته: إلا إنها ذروة ممتدة، كأنها تطبيقات لمفهوم الدورات، التي تحدث عنها فلاسفة سومر، وفلاسفة الهند، بالوحدة المتكاملة السلاسل، أي الدورات، مقدرة من لدن الآلهة أو مقيدة بالقوانين الكونية، الوضعية، لكنها تمتلك شروطها المنطقية، والموضوعية. فالأسباب تسبق النتائج، كالنهايات لا يمكن عزلها عن مقدماتها، إنما شاعرية فاضل العزاوي ـ الشبيهة بمواهب كتاب مراثي أور ومراثي أكد ـ لا تجعل من (المأساة) ملهاة، ولا تستبدل الرداءة برداءة حسب، وإنما تتكون بوعي يجري جراحات بالغة التعقيد للوعي ذاته. فالروائي يبني معبده (المهدم) الذي يماثل عمل الاثاري وهو يعيد إنشاء حضارة توارت، وكالفيزيائي يرجعنا إلى أزمنة لم تترك إلا إشارات لا مرئية تحولت إلى أشكال، والى ومضات.

  مثال ثالث ـ وأنا أتخلى عن القاريء العام ـ يذكرنا برسومات جيروم بوش (2): كيف صوّر وقائع محاكم التفتيش، والعصور المظلمة، حتى لو كانت لديه الأدوات الحديثة للتصوير…، عندما يحكم الإنسان بالتنكيل، والعقاب، كوجود آثم، ومحكوم بالشقاء، بطرق شتى: كالحرق، أو الموت بالخازوق، أو الدفن حيا ً. لقد ذهبت ملايين الأرواح، واندرست، واستبدلت الخرائط بخرائط أخرى، بحسب نتائج المذابح، لكن نصوص الرسام بوش مازالت تحكي سؤال ملائكة فاضل العزاوي:  أيحدث هذا للإنسان حقا ً، وهل على البشرية ان ترضخ للجور كعدل، وللأمر الواقع كحرية، وان تتحول اللا شرعية إلى نظام وسلوك وأعراف؟ (3)

     ربما نجد نقدا ً لاذعا ً بحجة (الفنتازيا) إزاء نصوص فاضل العزاوي التي تخلت عن الانحياز، ونسق المواعظ، والأحادية، أو المحاكاة المباشرة، ولكن الفنتازيا  شبيهة بما يجري فوق الأرض تماما ً، وليست فرية، أو بدعة.  وان فاضل العزاوي استمد واقعيته منها، كأستاذ بنّاء لعالم ممسرح، وكوميدي للرثاء، قائم على أمثلة استبدلت الشرعية بالقسوة، والعدالة بالتعسف، والحياة بالخراب…؟

   آخر الملائكة، هنا، لا تصوّر إلا جحيما ًشبيها ً بما يجري عند نهايات الحضارة، التي لم تترك إلا انثلامات أو أطياف آثار دالة على نسق قائم على العنف، والتدمير حد محو الأثر.  ولكن هذه الحقيقة ـ بأرقام ضحاياها ومختلف ضروب الخسارات والخساسات والرداءات ـ لا تتوقف عند: التعبير، ولا تحوله إلى مشاهد سوريالية، بل إلى كوميديا، ولكنها ليست من اجل التسلية، أو إضاعة الوقت، بل كي لا يكون المتلقي خارج القفص، أو بعيدا ً عن دوره  كمرتكب للآثام.  فليس ثمة أبرياء، ولا ملائكة، كي نتساءل: ما هذا الشيء الذي لا يقاوم…، المستديم، الذي شغل دستويفسكي وأرعبه، وهو يجد الشر يزدهر بالتقدم البشري ـ وليس الحضاري، فلا صدام بين الحضارات، كما ذهب صموئيل هانتغتون….، وإنما هو صدام سفاكي دماء، ومتوحشين، فالإنسان، بحسب فرويد، لم ُيعد لصنع الحضارة ـ وان المواعظ لا تدحضه، بل تعيد إنتاجه، على نحو أقسى، وبلا مبالاة، متخذة من الشعارات تمويهات تجعل حفلة الحياة شبيهة بما يجري في مستنقع آسن، أو سجن معزول، أو مصح للمنفيين، تضافرت فيه عوامل نشأة بذور الخلق الأولى…، كي تبلغ درجة: الملائكة! وهي درجة الذين يتحكمون بأسلحة الفتك، ومكائد الحصول على الثروات، وهو دور رؤساء الشركات، وهم يعيدون إنتاج نظام الغاب: الصياد ـ الطريدة، أي التحكم بالمصائر، لكن هذا كله لا ينتهي نهاية، كالتي اختارها كافكا ًفي القصر أو في القضية، أو في سور الصين العظيم، بل ثمة إضافة لهذا الاتجاه تجعل النهايات بنية تتكون فيها بذور الواقع الذي يستمد ديناميته من هذا (الغائب/ المشفر) الشبيه بالمرئي كأصل لعدمه أو للصفر، والذي يماثل النسق المكون لمحركات للزمن، وليس للمسافات، والحركة.

   فاخر الملائكة، لا تقود للقبول إلا بما يماثل من نذر مصيره للحرية، فيلقى حتفه، مثلما تتلاشى مجرات تمحو بعضها البعض الآخر، كي تولد مجرات بأشكال جديدة تعقب زوالها.

[2] علامات

   تحافظ رواية “آخر الملائكة” على النظام ذاته الذي لم تجر تعديلات عليه، لا قبل ان تبدأ الرواية، بحادث طرد موظف من شركة النفط التي يعمل فيها، ولا عبر أحداثها المتصاعدة، ولا بعد ان بلغت ذروتها بحدث طالما تكرر، في العراق، وهو ـ هنا ـ استبدال النظام الملكي بجمهوري، كي تحافظ على ديمومة عالم (الملائكة)، من غير مس يذكر.

      إنها تسلط الضوء على المحركات اللا مرئية للشخصيات، بمختلف انتماءاتها، وقومياتها، وأديانها، بحثا ً عن (الخلاص). فالتاريخ ينتج نفسه: التصادم، بقسوة، حد المحو. فما حدث في العصور المظلمة، يحدث في نهاية الألفية الثانية، وفاتحة الألفية الثالثة أيضا ً: ضرب من الإعادة، من المأساة، في الأولى، إلى الكوميديا، في الثانية، بحسي ماركس. فالتاريخ لا يمتد، ولا يتقدم، ولا يتراجع، بل يغدو شبيها ً بسيزيف، لا الصخرة تتخلى عنه، ولا هو تخلى عنها.

   ولأن الرواية، ككوميديا سوداء، مرة حد فقدان مرارتها، قائمة على المفارقات، فان (الملائكة) يدوّنون، يحفرون، ويمحون تاريخهم من: الصفر إلى الصفر.

   فالروائي يرصد النظام المتكامل الذي لم تجر عليه إلا تغييرات ظاهرية، بالرغم من حدث اكتشاف النفط، في مدينة كركوك، حدثا ً ميز زمن الرواية، لكن الخراب الروحي للشخصيات مكث يتصاعد، ويتكرر، تبعا ً للنظام الذي أنتجه، وقيده بأصوله، وأنساقه. فالنقد الموجه إلى سلوك الشخصيات، يؤكد مدى قوة هذا النظام وهو ينتج ديمومته؛ فليس هناك اختلافات تذكر بين الشخصيات، في سلوكها، وأعمالها، وأفكارها، ومخيالها، عدا إنها كانت حريصة على حفظ نظامها هذا تماما ً من التغيير، أو الدحض. لم تنته الرواية عند دخول الغرباء، الذين يبشرون بإقامة دولة (الملائكة)، ولكن بنية الرواية، عبر مائة عام، كانت قد غاصت في تفكيك تماسك بنية التكرار: تكرار العنف، وما أفضى له من دمار، وخراب، أو من تهجير، ومنافي، أو الاستسلام للأمر الواقع، والقبول بالموت، حتى لو كان حرية مقدسة، أو  رمزية.

   لا تنفرد مدينة كركوك بالتنوع السكاني، فهناك العديد من مدن العالم، ومدن العراق، تتفوق عليها بالتنوع: الديني/ القومي/ الثقافي، إلا ان حدة الصراع، عبر الدورات الزمنية، تخمد كي تنفجر، وتنفجر كي تخمد، بانتظار انفجار اكبر.

    مسلمون، مسيحيون، ويهود، قوميات مثل العرب والكرد والتركمان، فقراء وأغنيا، سكان المدينة إلى جانب الغرباء، متنفذون وحثالات …الخ، ولكنه خليط، يتجانس تارة، ويشتبك حد الموت تارة أخرى. فالرواية تبدأ بحادث عابر…، لكنه عمل عمل شرارة النار، كي تنتهي الرواية بأزمة شبيهة بما سيحدث للمدينة، بعد 70 عاما ً، من فاتحة أحداثها. لكن الكاتب لم يلفت نظرنا إلى وجود الغرباء، من مليشيات أجنبية، لإقامة دولة (الملائكة) إنما الرئيس الفرنسي، هولاند، صرح بوجود أكثر من ألف متطرف، من سكان عاصمة الحداثة، باريس، تطوعوا للقتال فوق الأرض العراقية، الموصل، كركوك، والمدن المجاورة، إلى جوار الأرض السورية. لم يلفت نظرنا لأن الرواية تنتهي في خمسينيات القرن الماضي، عمليا ً، لكنها لا تتستر عن امتداد نظامها الذي أنتج شخصياتها فوق الأرض، فالمستقبلية عند فاضل العزاوي ستمثل استشرافه للقانون ذاته العنيد الذي لا ينتج إلا ماضيه.

   فإذا كان الروائي قد أوحى لنا بمتابعة مسارات (الملائكة)، فانه عمليا ً تحدث عن مسار ينتهي بأقدم حادث (عنف) مدوّن، موازيا ً بآخر النكبات التي ستضرب المدينة، وتضعها فوق بركان. فالنظام الذي أنتج أقدم فعل للقتل، قابيل وهابيل، سيبلغ ذروته باستقبال (ملائكة) جدد، صنعتهم عاصمة مثل باريس، إلى جانب (ملائكة) من عواصم دول أوربية ذات أنظمة ديمقراطية …، إنها إشارة غير مباشرة تسمح للمتلقي ان يعيد كتابة النص الروائي، لكن ليس بوصفه منتجا ً له، بل بوصفه متورطا ً في ديمومته أيضا ً.

    إنها إشارة تجعل (الأنظمة) معراة من تمويهاتها، ليس لأن العنف، نتيجة فحسب، بل لأنه يمتلك أصوله السابقة على ما سينتجه. فهل تنغلق الرواية أو تغدو امتدادا ً شبيها ً بما يحدث في مستعمرات الجذام، أو في حفلات الإبادة الجمعية، عبر تقدم التقنيات، والحداثات، أيا ً كان شعارها أو غايتها، مستبعدة أي أمل للانعتاق، أو الخلاص، أم إنها رواية حرصت ألا تقع في كمائن أي (ملاك) كان يود، بسبب بنيته (الأصلية)، ونظامها، أي بسبب برمجته، للخروج من المأزق، حيث (العرض) سيبقى محكما ً بين علله (الحقيقية/ والظاهرة) وما أنتجته، من علامات، في نهاية المطاف..؟

      الرواية لا تمتلك عقدة كي تمتلك حلا ً، فهي لا تمتلك بداية كي تمتلك خاتمة، بالرغم من توفر شروط الرواية فيها، إلا إنها راحت تحفر في (المعنى) بوصفه الحياة ذاتها؛ المعنى وقد تأسس على استلابه، تدميره، وغيابه في الأخير.

[3] قراءة كولن ولسن

    ربما نحن بحاجة لمن يفك لغز معرفة الغرب بحكايات ألف ليلة وليلة، مع ما ترجم من المقامات الأدبية، وعدد من نصوص المتصوفة، إزاء الغبار الذي غطى المنجز الفكري والأدبي والفني، كي تأخذ تلك النصوص مساحة اكبر في الانتشار.

   إشارة كولن ولسن حول رواية (آخر الملائكة)، في عام 2007، تلفت النظر إلى نص ينتمي إلى تراث قائم على مجموعة من العناصر، شديدة التداخل، حد استحالة حصول تطور يذكر فيها، يقول ولسن ” ما يعرفه معظمنا عن العراق يبدأ مع الغزو الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية في العام 2003، وكل صورنا الذهنية عن هذه البلاد هي عن سجن أبو غريب، العنف الطائفي، والأفلام الإخبارية التي تنقل صور أولئك المصابين في تفجيرات القنابل, “آخر الملائكة” تتيح لنا ان نعيش أجواء عراق مختلف عن ذلك”.(4)

كولن ولسن

   انه اختلاف في النوع، وفي المظاهر، وليس في (البنية)، فثمة سبعة قرون عاشها العراق خارج التاريخ، وعبر أزمنة متواصلة من الظلمات، وخارج إرادة سكانه. وعندما تبلغ أحداث الرواية ذروتها بقتل الملك (1958)، فإنها تسلط ضوءا ً على هذه القرون الحالكة، وليس على قرون من الثقافات،  كما ذكر كولن ولسن، ولكن هذا ليس إلا تأكيدا ً على المعنى ذاته الذي تحمله الظلمات ـ الثقافات.! فالانجاز الثقافي لهذه القرون يتم استعراضه عبر الرواية، نتيجة منطقية لبناه التحتية، والعاملة، برسوخ نادر.

 يلخص الكاتب الكبير رؤيته للنص الروائي، على النحو التالي:” تدور أحداث الرواية في بداية الخمسينيات في حي اسمه جقور في مدينة كركوك التي يتميز المجتمع فيها بالتعددية الثقافية: هناك نلتقي عربا ً وتركمانا ً وأكرادا ً وبدويين وغجرا ً، فضلا ً عن شخص من أصول افريقية. معظم الأبطال مسلمون، على الرغم من ان العديدين منهم لا يقصرون في احتساء الكحول. المسيحيون واليهود حاضرون أيضا ً، ولكن في الغالب على هامش الأحداث.”

  الكاتب يمسك بلغز الرواية، فبعد ان بتحدث عن المحلة التي تدور فيها الأحداث، الزاخرة بالأشباح والموتى الأحياء والملائكة الصغيرة المتنكرة، والانكليز الذين يديرون صناعة النفط المحلية، وتناقضات وجهات نظر شخصيات الرواية، يلفت النظر إلى ان الرواية مصممة على أساس كونها (كوميديا) اجتماعية تدور بصورة خاصة حول عبثية سلوك النخبة في مدينة صغيرة. فالكوميديا ـ يقول كولن ولسن:” تلقي بظلالها هنا على مشاهد الصراعات الاجتماعية لتمهد الطريق لحكايات عن عالم روحاني آخر.

    فإذا كان حدث أو محور الرواية يبدأ بمشروع يخص شركة النفط التي يسيطر عليها الانكليز وهو شق طريق يخترق المقبرة، حيث ينفجر الأهالي في مظاهرات غاضبة، مما يؤدي إلى إطلاق الشرطة السرية النار عليهم فيقتل حلاق زنجي ويدفن بعد تشييع شعبي هائل لجثمانه، في الليلة التالية تقع المعجزة؛ فينفتح ضريح الحلاق ليتدفق عمود ضوء يغشى الأبصار ويرى الناس الميت يرتفع إلى السماء في طريقه إلى الفردوس، على ظهر البراق، الفرس الخاصة بالنبي، ثم يعقب ذلك ظهور طيور أبابيل سحرية في السماء تلقي بحجارة من سجيل على الشرطة الذين يلوذون بالفرار.

   ثم يختتم الكاتب إشارته: ” تتغير نبرة الكتاب في الفصول الأخيرة، حيث يقدم الكاتب وصفا ً لانقلاب 1958، الذي أدى إلى تشكيل الجمهورية العراقية، في النهاية يخرج بطل الرواية الشاب إلى المنفى ثم يعود ثانية إلى المدينة بعد سنين طويلة.

   لكن كولن ولسن يستنتج، بعد ان وصف الأحداث القائمة على النسق الأسطوري/ الخرافي، الكوميدي الأسود، بان الرواية ترينا أكثر من أي عمل آخر قرونا ً من (الثقافة) العراقية المتجذرة عميقا ً في القدم، فهل هذه هي الثقافة هي التي تجسدت عبر الفتن، والاضطرابات، والقسوة، في هذا المجتمع، أم إنها تحمل مفهوما ً آخر للثقافة..؟

    إنها إشارة ملغزة، ربما مفتاحها يحتفظ بعمل القفل، وليس بعمل الإيضاح، أو حتى التأويل المنطقي، فالغنى الثقافي، المأساوي حد الفكاهة، لا يرجعنا  ـ مثلا ًـ  إلى ابعد من سبعة قرون عاشها العراق في الظلمات، والتي وصفها ولسن تحديدا ً بالغنى الثقافي ـ الدال على الفقر ـ الذي شكل أجواء الرواية ومحركاتها التحتية، لأن التاريخ الأقدم ـ الأقدم من الليالي، التي عرفها الغرب، مختلف بوصفه نتيجة أنظمة قائمة على السلطة المركزية، الثيوقراطية، في الغالب، في حين تدور رواية آخر الملائكة بعيدا ً عنها، أو بغيابها،  لتمثل بنيتها نهاية تاريخية للقرون المظلمة، بعد الحرب العالمية الأولى، وبعد دخول (النفط)  رمزا ً للمحرك أو بديلا ً عن السلطة المركزية، حيث الرواية تمثل نهاية لعهد، وفي الوقت نفسه، فاتحة لعهد آخر، قائمة على منطق الخرافة، ومتمثلة بالقسوة والعنف، وهي خاتمة منطقية ليس للغنى الثقافي، ولا للتعددية، ولا للتنوع السكاني، أثره، بل العكس هو الصواب، أي لفقره، أو غيابه.

  وإذا كان كولن ولسن قد ذكر أخيرا ً ان الكثير من القراء سيجدون الإلهام لمواصلة الكفاح من اجل وضع نهاية للحرب، فانه لم يغفل ما حدث للعراق، بعد الغزو، وبعد الاحتلال، من دمار شاركت فيه مختلف الفصائل السكانية، حيث (الغنى الثقافي) عكس إدقاعا ً، وخواء ً، تمثل في مشروع الفوضى المهلكة، والمفككة، والهدامة،  وليس لبناء العراق الجديد، بعد 2003.

      إنها رواية (رائعة) بحد ذاتها، يقول كولن ولسن، وهذا حكم يقود إلى قراءة لا تسلط الضوء على (الثقافة) بل على غيابها، وعلى شبح العنف الذي سيبلغ ذروة مضافة، باحتلال أجزاء من كركوك، التي دارت فيها أحداث الرواية، بعد 9/6/2014، لكن ليس من لدن الولايات المتحدة الأمريكية، بل من لدن فصائل تسعى لتأسيس دولة الخلافة!

… يتبع

*عن موقع سومرينت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *