محمد حسين الداغستاني : مكابدات فعل الأمرفي نصوص الشاعر العراقي سلمان داود محمد (ملف/20)

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

مكابدات فعل الأمر
في نصوص الشاعر العراقي سلمان داود محمد …

محمد حسين الداغستاني

ماهي الأعمال التي تعاد قرائتها ؟ يتساءل جورد مونان والجواب حتما ً : هي تلك الأعمال التي تتوفر على ” فائض معنى لا ينضب ” و ” قوة إحتياطية ” قادرة على الصمود أمام تقلبات الأذواق والوقائع …
الشاعر احمد حاذق العرفي / تونس
ــــــــــــ
أعترف بأني أعدت قراءة نصوص ” سلمان داود محمد” لعــدد من المرات ، وأقر بأنني وجدت بعض الصعوبة في إسـتكناه غموض وإبهام توليفة مفردات منها ، لكن المحنة لم تكمن في ذلك بل في كيفية تجنب الإحسـاس المثير بعامل الزمن , وباللهيب المنبعث من الكلمة ومـن إنسـيابية المعاني التي حشــدها الشاعر بحيث أحالها الى ألغـام موقوتة تتشظى في نـواة الوقـت وبالأخص في ثنايا أفعــال الأمـر التي جاءت عصــارة إرادة الرفض لمعاناة وجوع الإنسـان , ونشـر غسـيل هذا العالم المرعب المصاب بفقر الـدم , وفضـح من يديـر ظهره للنبل عبرتوتر العبارة وشحنها بعاطفة كبيرة وبالكثير من الإنفعال الذاتي والنفسي … وكمن يقفز بين الأشواك الملفعة بوهج الجمرة , متجها ً نحو السطوع الأحمر المنثال على مفردات البيت الشعرى , يطّل سـلمان داود محمد علـى الحياة وهو يرهق الذاكرة الشــعرية بدفق من الأفعال في صور تكتظ برهاوة , لتشـحن الضـمير بدفعـة كبيرة من النفاذية , سالكا ً الطريق الشائك الوعر الى ينبوع الخلق , ومستخدما ً الضمير ( أنا) للتعريف بسلمان الإنسان ,والباحث عن الذات ,والشاعر الذي يحصي أنفاسه بنفسه :

أنا مشبوه كالغيم
كلما ترنو المظلات إلي
أهدد الحقول بالجفاف
مولع ٌ كسواي بإزالة النقاط من الشـذى
وكشراع يحبل بالريح
أتوحم بالجاليات (1(
..
و( أنا واحد لا يحصى
حارس عورة الممتلكات بأحلام ” كثة ”
أنا حاصل ضرب ( الشحّة × الهدنات ) (2)
..
و ( أنـا إبـن أصابـعي
والحشــد يعين الأباطيـل علــى
الإنبثاق ) (3(

ومنه الى الآخر ، حيث الإنسان يجسـد إرادة الخالق في خلقه ، وحيث العقـل ينير الطريـق بالقرارات الحاسمة ، تقفز الذات الى المجابهة ، لأنها مكمن القوة والفعل ولأنها تعويذة الخلاص عبر تلك الجملة ( الناقصة ) التي تطعن فـي صحة الفرضيات شـبه المؤكدة والقناعات البالية لهذا :

فتوكل عليك إذن
وإستعن بأشباه الجملة على النظريات
فمن أجل الإطاحة بالأرانب
وهي تتلصص من ثغرة في رأسك
دجج رؤاك بباء الثعلب وإهتف بالعفونة آمين ) (4(

هكذا الحال عندما يتفاقم الحدث في صيغة الأمر أيضا ً ليُنهي القصيدة ذاتها بفعل ٍ مضارع حيث لا مناص من تحقيق الإستمرارية في رؤيا مشـتركة لبيئة الفعـل المبتدئ بفعل الأمر فيقول :

فأصـمت لتفز
ولا تنس أن تســتحم كثيرا ً
فالإكثار من الجسارة
يجلب الإتساخ

إنـه يدرك تماما ًأن النقاء يتناسـل من الثبات , وأن الركون الى التسليم بالرضوخ الى الضعف يعني في النهاية خسارة ..
وبذات الزخم يميل سـلمان داود محمد في قصيدته الموسـومة بـ ” خروف العلة ” وليس حروف العلة ، إلى إسـتخدام أفعال الأمـر( دع ، إحـذر، قـل ، إسترسـل ، دحرج ) في تداع متدرج ليمنح المتلقي فـن الإســـتلقاء تحت فيء الأماني المزوقــة وحماقة المتطلعين الـى مسـتقبل لا يأتي بالكثيرمن الرخاء دون أن يتجشـم الإنسان نفسه عناء الرفض فيقول :

دع أنفاسـك تنفض أختامها وإسترسل : ما حال الأيام لديك ؟

و( دع شؤونك في شأنها ودحرج القنفذ
نحو أفاعي النهايات(
..
و (إحذرأن تغفر للمشمش حماقة المنتظرين
قل لهم أن ينصرفوا
فلا طاقة للسيد ” لوط ” على الكلام
أو الرجوع الى وظيفته القديمة ..(

لكن سلمان داود محمد كما أرادنا أن نعرفه , متدفقا ً كتيار الدم, هو الذي يشعل الحرائق في تلك الجمر المتوهجة تحت رماد الكلمات لتتحقق على يديه الصدمة, فهو يدعو ـ للمزيد من المفارقة الآخاذة ـ إلى إطفاء النيران بنار أشد وأعتى :

تنرجس ْ كيفما تشـاء
إدحضْ ما توهج في كربلاء العجين
وإردمْ حفر الأفواه بجثمان الوعود
إشـجب رقصتي فـي
مدفن المعجـزة
وبـارك الرفعـة بعراء فضـفاض
إتلف المحبة بإزدراء شـجي
ودع الرضاب لإخماد الحرائق … (5(

إنه التفاعـل الحاد المستمر الذي يقيمه الشاعر بين الفترات اللاحقة للزمن , ليكون لفعل الأمرالمكابد المحترق الأثرالنفسي كوقع الرمح ، وليبقى هناك ودائما ًما يعود إليه ويكتشفه في ضجيج القصيدة المكتـوم , إنه أسلوب خاص للتغلغل الى الدخيلة ، إنه فن النفاذ الى بقاع الظـلام في النفس لتحركـه من الداخل بإتجاه النضارة :

إلبسي قناع الوقاية أزاء النشيد
فما كان ليعلو كل هذا السخام
لولا صباح يستبدل الشموس بالإرتباك (6(

إنه الفعل يطـّل من بين فجواته وشـقوق الزمن ، ثم إنه الديناميـة والتأرجـح والعنـفوان والبحث عن الخـلاص ، لكننا كما يأمرنا سـلمان داود محمد ـ شاعرنا المبدع ـ خيرٌ لنا أن ندع الرضاب لإخماد الحرائق ، وتلك أمنية ( كما تعلمون ) غير قابلة للتحقق دوما ً !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصائد :
(1) : إزدهارات المفعول به (2) هبوط (3) هديل مستعمل (4) ماراثون إنفرادي
(5) أنت بكسر العين (6) شروع في قتل النص .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *