الرئيسية » نصوص » شعر » عبد الستار نورعلي : سجلْ أنا كردي

عبد الستار نورعلي : سجلْ أنا كردي

سجلْ أنا كردي
عبد الستار نورعلي

(رسالة الى السيد فيصل القاسم)

هذا أنا ،
افتحْ عيوني !
أشرع الأبوابَ تحتَ الجلدِ،
وانظرْ !
سترى الجبالَ والوديانَ والسهولَ والحقولَ تزهو
وبيوتَ الطينِ والقصبِ وأهوارَ الجنوبِ
والنخيلَ والأنهارَ تجري في شعابِ الروح ،
هذا دجلةُ الخيرِ، الفراتُ، الزابُ،*
هذا بردى ينسابُ من بين العواصف يلتقي الليطاني والأردنَ،
والنيلُ يضمُ شعريَ المنثورَ كالأضواءِ وسط الماءْ
يوم اشتدَّ في سيناءَ ضربُ النارِ، فاهتزَ الفضاءْ،
فتهاوى الخطُ وانسابتْ على الرمل الدماءْ،
عندها حقَّ الغناءْ،
وهنا …..
ذاك سفينُ النارِ يحكي قصةَ الأوراس، *
وهناك …..
تلك صحراؤكمو الكبرى تناغي ضلعيَ المكسورَ
في القدسِ وفي صبرا شاتيلا
وحلبجه.

هذا أنا ،
افتحْ ضلوعي تجدِ التاريخَ لوناً واحداً
منْ وهجِ الشمسِ ،
ومن آدمَ يومَ انكشفتْ عورتهُ
حينَ استباح حرمة البستانِ والأمرِ
فتاهَ في عراء هذا الكونِ ،
قابيلُ وهابيلُ توالى نسلهُمْ في الأرضِ ،
هذي الأرضُ
خذْها بصراخ الصوتِ !!!!
ماكان صراخُ الصوتِ ارثاً ،
قالها الروحُ:
فطوبى للوديع الطيبِ البريء فهو الوارثُ الأرضَ ،
فلا السيفُ ولا العرشُ بباقٍ
فوق سطح الكرة الأرضيةِ الواسعةِ الأحداقِ والأشداقِ،
لا الكرهُ رغيفٌ في فم الجائعِ والحافي
ولا زيتٌ يصبُّ النورَ في الظلمةِ ، والبهجةَ في الحرفِ وفي الانسانِ!
طوبى لنزيل الجنةِ العظمى سليل الأنقياءْ ..!
طوبى لغسيلِ الروحِ من أدرانها !
طوبى لكلامِ الحبِ والصدقِ كلام الربِّ في عليائهِ !
طوبى للذي أوقدَ في ظلمةِ هذا الليلِ شمعاتِ المسرةْ!
طوبى للذي يحفرُ في القلبِ موداتِ براءاتِ الطفولةْ!
طوبى لنبيِّ الرحمةِ الصادقِ والأمين
والناثر في الأرجاءِ اشراقَ الجبينْ !
طوبى للذينْ
لا يوقدون النارَ والحريقَ في أرجاء هذا الكون !
طوبى لكلامِ الحبِّ والألفةِ والغار على جبهتنا المحترقةْ!

هذا لساني
ملحماتُ الصوتِ، والوجهُ بانوراما على الأرواحِ
أقداحُ نبيذٍ من فمِ الأرضِ تروّي ظمأ النسلِ
إلى قارورةٍ من صدرها الملآن بالجمرِ وباللسعاتِ،
بالدفء
فنقطفها معاً …

اشبكْ مواعيدي مع الوعد القديمِ: لافرقَ بينَ…!
وبينَ الوجهِ والوجهِ،
واسمعْ ….
نبضَ الفؤادِ في خريرِ ماءِ الشرقِ
وهو يصبُّ خمرَ العشقِ في كأس الهواجسِ
علَّ فؤادكَ المكلومَ يُلغي النارَ
يحضنُ إلفَـهُ في القمةِ الشماءِ
حيثُ الريحُ تصفرُ في صخورِ الهَمِّ،
سيزيفُ يعيدُ أسطرَ التاريخِ والقصةَ
منْ أولها
حتى التحام الإلفِ بالإلفِ
وحتى يستريحَ القلبُ من صخرتهِ المثقلةِ الآمالْ ….!

* * * * * *

هذا أنا،
رحتُ أديرُ الصوتَ في الآفاق:
إني ما رسمتُ صورتي بيدي
وما لوَّنتُها يوماً
وما أطَّرتُها،
فهو المُصوَّرُ والملوّنُ والمؤطّرُ في الأعالي!

هذا أنا،
أيقظني في لحظةٍ ذاك الصدى
في حضنها
وفرحةُ الأصواتِ في الأرجاءِ
في اللوحةِ
في الوجهِ
فكانتْ صرخةً أولى
وكانتْ لغةً أولى
فمارستُ لسانَ الحبِ
عاشرتُ لهيبَ الشمسِ
داومتُ صهيلَ الوجدِ في الأزقةِ المعروقةِ الأوجهِ
نازلتُ نزيفَ القُبلةِ الأولى
رحيقَ القِبلةِ الأولى
دبيبَ القمةِ العاريةِ السفحينِ،
سجِّلْ
لغةً أخرى
كتاباً
أسطراً مشرقةَ الأحرفِ
أقراناً
زقاقاً
شارعاً
مدرسةً
مكتبةً
مقهىً
وهذا الثمرَ الجنيَّ
من مزرعةٍ مسحورةِ الظلالِ،
والجنانُ حبلى عسلاً،
خمراً من الأنهارِ.
سجِّلْ ….!
قد رأيتُ الناسَ مشدودينَ
منزوعينَ
عن صاريةٍ بينَ شعابِ الجبلِ المرتدِّ
والمعتدِّ،
والألغامُ
والأسلاكُ
والنيرانُ
في الأقدامِ،
والأطفالُ
والأيدي
تخوضُ الصخرَ والطينَ
واشلاءٌ عرايا.

هل رأيتَ الشوكَ في صدر صبيه
وشظايا
وعرفتَ الرعبَ في الأفئدةِ العذراءِ
أفواهَ المنايا ؟

فتحتُ بابَ الكتبِ الأولى،
قرأتُ أنَّ الحبَّ في الجذورِ يروي أفرعَ الأغصانِ
أنَّ النبعَ لا يجفُّ إلا في صحارى المدنِ المغلقةِ الأبوابِ
إلا في اقتلاعِ الخيمِ والديوانِ
في أروقةِ الأطلالِ والقوافلِ المدججةْ.
والشاعرُ المنفيُّ والمهجورُ والحادي
ينادي:
إنني صوتُ القبيلةْ،
جذرُ الأصيلةْ،
حتى وإنْ كنتُ على قائمةِ الشيوخِ مولىً
مارقاً
مرتزقاً
فأستحقُ أبشعَ العقاب !؟

سجِّلْ!
أنا كرديّ …
لاقيتُ صلاحَ الدينِ في القدسِ
وفي تكريتَ
في دمشقَ
في القاهرةِ الظافرةِ المنتصرةْ !
رأيتُ في عينيهِ جمراً صارمَ الحدينِ
فوقَ رأسهِ خوذتهُ
في كفه السيفُ
وبينَ صدرهِ الكتابُ والهلالْ
وخلفه الخيولُ والرجالْ.

يا ايُّها الموصولُ في الأعراقِ
في الأحداقِ
في التاريخِ يروي بذرةَ المأمولِ
والمجهولِ
والدائرِ ما بين جبالِ الثلجِ،
طارتْ ريشةٌ منْ جنحكَ الخافقِ
فوقَ الغيمِ في هوليرَ *
لم تهبطْ على العينينِ
لم تلمسْ هوى القلعةِ
بل ظلتْ تدورُ في سماءِ الظلِّ
في بطنِ سحابِ الكتبِ المحصورةِ الأبوابِ
ما صارعتِ الرقصةَ في الأشباحِ
تهوي في جذورِ البئرِ فوقَ تربةٍ تغفو على
جمراتِ كانونٍ لحدادٍ يقودُ الأخوةَ الأبرارَِ *
نحوَ القمةِ السوداءِ
يرويها ضياءاً منْ لهيبِ النارِ
والمطرقةُ الحمراءُ في الأيدي مسلةْ……..

يا ايُّها الموصولُ في الأعناقِ ،
في مقهىً على ناصيةٍ بينَ ربى الوديانِ
بينَ الثلجِ والخريرِ تحكي قصةً
للبطلِ الذي ارتدى عباءةً، كوفيةً،
ولم يقلْ: سجِّلْ أنا كردي ..!

سجِّلْ …!
أنا كردي …
ما ارتديتُ يوماً صورةً بالزيتِ والألوانِ
أو ساريةً ترفعُ أعلامَ الحواريينَ في شوارعٍ
تصطفُّ في أبوابِ أهواء الشيوخِ والملوكِ
والأئمةِ الساهينَ عن صلاتهمْ !

سجِّلْ …..
فإني ما ارتديتُ علبةً زخرفتُها
زيَّنتُها
لتصبحَ الوجهَ القناعْ ..!

سجِّلْ ….
فقدْ أعلنتُها بينَ الوجوهِ السمرِ والشقرِ
وقدْ أعلنتُها فوقَ رؤوسِ الأخوةِ الأشهادِ
والأعداءِ
إني ما ارتديتُ جبةً،
عمامةً،
عباءة،
أو صولجانْ ….!

هوامش:

* القصيدة في الأصل كتبتْ في 2000.02.14 رداً على أحد المثقفين الكردستانيين البارزين حين انتقد وبحدة في مقابلة على فضائية كردية في حينها الكتابَ الكرد الذين يكتبون بلغة أخرى غير لغتهم ولا يكتبون بلغتهم والى حد الاتهام بالخيانة، وكان يقصد الذين يكتبون بالعربية أوبالتركية أوبالفارسية. وبما أني أحد هؤلاء المقصودين بالاشارة لأني أكتب بالعربية فحسب أحسست بغصة ألم عميقة، انزويت بعدها في غرفتي وكانت الساعة تشير الى منتصف الليل تماماً لأبدأ في الكتابة حتى الساعة الرابعة فجراً فتولد القصيدة.
* نشرت القصيدة في مختلف الصحف ومواقع الانترنيت الكردية والعربية في حينها. لكن المقطع الأول اضافة جديدة بدأتها بتاريخ الأربعاء 28 نوفمبر 2007 بعد قراءتي لمقالة فيصل القاسم (ليس دفاعاً عن العملاء الصغار … ولكن) على موقع دروب بتاريخ 27 نوفمبر 2007 ، وأنهيتها الثلاثاء 15 يناير 2008.
* الزاب: اشارة الى النهرين الشهيرين الرافدين من روافد نهر دجلة ، يجريان في أرض كردستان العراق وهما: (الزاب الأعلى) الذي ينحدر من جبال شرقي تركيا ويلتقي بدجلة جنوب مدينة الموصل على بعد حوالي 45 كم ويبلغ طوله حوالي 230 كم، و(الزاب الأسفل) ينحدر من شمال غرب ايران ويجري بمسافة 402 كم داخل العراق ويصب في دجلة الى الجنوب من مدينة الشرقاط بحوالي 40 كم.
* سفين: من اشهر جبال العراق، يقع في محافظة أربيل، وعلى سفحه تغفو مدينة شقلاوة الشهيرة بالسياحة.
*هولير: هو الاسم الكردي لمدينة أربيل.
* الحداد: اشارة الى (كاوا) الحداد في الرواية القديمة، وهو الثائر الكردي الذي قاد الناس ضد الملك الجائر (الضحاك) وفي الأصل الكردي (ازدهاك)و (زهاق) الذي كان يجند أبناءهم في حروبه العبثية الكثيرة ضد الامارات المجاورة حيث يلاقون الموت والهلاك، فاحتلوا قصره فوق قمة الجبل وأشعلوا النار فيه بعد مصرع الضحاك. لكن الحكاية الشعبية الاسطورية تروي أنه كان في كتفي الضحاك رأسا أفعيين يعتاشان يومياً على مخ شابين، فكان يأمر بقتل شابين يومياً ليقدم مخاهما الى الأفعيين. وقيل أنهما كانا نتوئين يشبهان رأسي أفعى لاشفاء منهما ومن آلامهما الا بمسحهما بمخي شابين يومياً. وكان للحداد كاوا عدد من الابناء قتلوا جميعاً ولم يبق منهم غير واحد وحين جاء جنود الملك لأخذه ثار كاوا وحمل مطرقته وخلفه الناس فتوجهوا الى قصر الملك فقتلوه وأحرقوا القصر لتصبح النار في قمة الجبل اشارة لانتصار الثورة وبدء يوم جديد فسمي هذا اليوم بـ (عيد نوروز) ونوروز معناها بالكردية (اليوم الجديد).. ولذا تقاد النيران سنوياً على قمم الجبال في الحادي والعشرين من آذار ذكرى هذه الثورة ، كما تنار بيوت الكرد بالشموع في كل بلدانهم وأصقاعهم وهم يحتفلون فيغنون ويرقصون ويلبسون أزهي الملابس وينصبون أفخم الموائد، فالحادي والعشرون من مارس/آذار هو عيد الكرد القومي.
* للكرد دور بارز وفعال في الثقافة والروح وفي مختلف أوجه الحياة العربية الاسلامية فبرزت أسماء كبيرة ذات أصول كردية أضاءتها بكل ما يشرق من ابداع وانتاج وفعل تاريخي. وهناك الكثير من الكرد الذين شاركوا والذين قدموا دماءهم عن قناعة راسخة وايمان عميق في المعارك التاريخية العربية والاسلامية قديمها وحديثها. منهم المشاهير ومنهم مجهولون. ومن المجهولين المرحوم قاسم موسى ملانزر الذي شارك في حرب فلسطين مع الجيش العراقي ومتطوعاً في صفوف (كتائب المجاهدين)، وهو ابن عم الشاعر، وعبد الجبار كريم ابن أخته الذي استشهد على أرض الضفة الغربية في حرب الخامس من حزيران 1967 .

عبد الستار نورعلي
السبت ، الأول من ديسمبر 2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *