الرئيسية » نصوص » سلام إبراهيم : صديقي الشاعر “زاهر الغافري”

سلام إبراهيم : صديقي الشاعر “زاهر الغافري”

المبدع سلام إبراهيم وصديقه الشاعر العماني/العراقي زاهر الغافري – كوبنهاغن

صديقي الشاعر “زاهر الغافري”
سلام إبراهيم
في أمسية أدبية بمدينة “مالمو” وقع نظري عليه أول مرة. كان ذلك في منتصف تسعينيات القرن المنصرم. كان يجلس في الصف الأول بوجهه الأسمر وكأنه رغيف خبزٍ تعطل قليلا في التنور، يحملق بعينين ذكيتين متابعاً وأنا أقدم صديق مسرحي ليحاضر عن طقوس المسرح، وحقيقة الأمر أنه ألح عليّ كي أعبر معه إلى مالمو، وقتها لم يكن الجسر قد أشيد، فأخذنا المركب. في الجلسة التي أعقبت المحاضرة أقبل نحوي وعانقني، لم يقدم نفسه، فبقيت حائراً بم أناديه، وخاض معي حديثاً متشعباً وغنياً عن الأدب والعراق ونصوصي التي أنشرها في الصحافة العربية، إلى أن حانت فرصه فسألت الجالس إلى جنبي من الجهة الأخرى وكان الروائي “جنان جاسم حلاوي” فحملق بيّ باستغراب وقال:
– سلام هذا “الشاعر “زاهر الغافري” أكو واحد ما يعرفه زوج أثمار!.
وأثمار فنانة عراقية “ممثلة” معروفة كانت حاضرة معنا.
كانت الجلسة محتدمة وبها خليط من مثقفي ومبدعي العراق، من هاجر مبكرا ومن خاض تجربة الثورة في الجبل ومن مَضّهُ الجوع بالحصار فهاجر، وقتها كانت النقاشات محتدمة وكلها تتعلق بالمواقف. وكان “زاهر” شديد الحماس، شديد الإنصات، يشارك بتعليق مكثفٍ خاطف. وكنت كشأني مراقباً أنصت وأحلل، ظننت أول الأمر أن “زاهر ” عراقي بالرغم من أن لهجته فيها إيقاع لهجة أخرى، فسمعي شديد الحساسية باللهجات، لكن ما يرتسم في تقاسيمه السمراء الناصعة كماسةٍ من أنفعالات متوهجة وما يصيب نبرة صوته من تهدج وكل ما يدور حول العراق والمواقف جعلني أتيقن بأنه “عراقي”.
أصرَّ ليلتها، فأخذنا إلى شقته التي لا أتذكر الآن بعد كل تلك السنوات كيف وصلنا إليها، ما اتذكره الصالة الواسعة، وأحاديثنا الساخنة الودود عن الشعر والنثر والعراق والمواقف، وكنا خمسة؛
زاهر وزوجته أثمار وأنا والمسرحي د. فاضل السوداني، والروائي جنان جاسم حلاوي، لكن باب الشقة قُرع ليأتي الشاعر “نصيف الناصري” بقامته الغارعة ووجهه المرتبك ونظراته المستريبة فحّول الجلسة إلى جلسة ساخرة وهو يروي لنا طرائف وقت الحرب ومواقف الأدباء والشعراء مداحي الدكتاتور، وروى لنا طرائف الشاعر “كزار حنتوش” حينما علم أنني صديقه ومن الديوانية، سرد بفكاهة قصة زواجه من الشاعرة رسمية محيبس، وكنا نغرق بالضحك، إلى أن قرع باب الشقة ليدخل شاب قصير القامة وزوجته التي كانت أيضاً قصيرة القامة. كانا جيران “زاهر” كما سيعلنا وسمعا بوجودنا فأحبا اللقاء بنا، ثم عرفّ الرجل بنفسه كونه مسرحيا ومخرجا وأسمه “كريم” لا أتذكر أسم أبيه، ولا أدري كيف تحول الحديث إلى حوارٍ حول الموقف من الدكتاتور وأسباب الهجرات، ليتصاعد حينما ساوى نصيف الناصري وكريم مواقفهم بمواقف فاضل السوداني وجنان جاسم حلاوي وكاتب السطور، فعلقت ساخراً على ما كانوا يرونه من مسيرتهم في مؤسسات البعث، ناكرين كونهم بعثيين فقلت:
– إذا أنتم مو بعثية، يمكن أحنه اللي تشردنه بالدول والجبال وحملنا سلاح كنا بعثية!.
فضج زاهر وجنان وفاضل بالضحك، مما جعل نصيف وكريم وزوجته ينسحبون.
من يومها توطدت علاقتي بـ “زاهر”. بقينا على أتصال، نتخابر ونتراسل، وفي المرات التي عبرت فيها إلى “مالمو” كان يبتهج ويصّر على أستضافتي في بيته محضراً عدة الجلسة فنغور في أحاديث ليس لها مرسى تتعلق بالحياة والوجود والعراق والمواقف. ليس هنا بيت القصيد، ليس الأحاديث والحوارات هي ما يربطنا..لا، ما يشدنا خيط خفي يتجسد في الأصابع حينما تتلامس، انفعال القسمات، ود العيون الودود، والشعور بالراحة والإسترخاء حينما نجلس جوار بعضٍ. وتلك النقطة التي يتكثف فيها الحب فيتحول كل حديث مهما كان مهما أو ثانوياً تفصيليا مبعث راحة وأهتمام، فسحة المحبة الصافية التي لا يبلغها إلا من كان قلبه نقياً كوردة جورية بيضاء.
كان لنا حكايا وقصص وطرائف في المرات التي حلَلتُ فيها في بيته بمالمو. وكنت سعيدا به جداً، لكن الحياة في كل التجارب تعاقبني تأخذ أصدقائي الحميمين مني سواء موتاً أو بعداً، إذ فجأة أخبرني في مكالمة هاتفية بأنه وأثمار قررا هجر الحياة في السويد والعودة إلى بلده –عُمان- وكأن أحدهم ضربني بحديدة على أم رأسي قلت مع نفسي “فقدته يا سلام” وله:
– زاهر متأكد من صواب قرارك!.
– نعم سلام لم نعد نحتمل!.
وغابت أخباره، ثم تواصلنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكن مشكلتي مع الأصدقاء الذين احبهم بشدة لا تكفي وسائل التواصل في إرواء شغفي وشوقي بل تزيدها أستعاراً، فلا شيء يعوض اللقاء الفيزيقي المباشر هو الحياة والبهجة.
في مساء يوم شتوي قارص وجدت رسالة مكثفة في بريدي من زاهر تقول:
– سلام وصلت مالمو قبل يومين مع أثمار لزيارة بناتنا بكرى الصبح أني عابرلك لكوبنهاكن!.
تكاتبنا وأتفقنا ان يكون الموعد مبكراً لأنه رفض المبيت عندي، فأتفقنا على الساعة العاشرة صباحاً.
أيه ليلة سعيدة قضيت. أستيقظت مع أول خيطٍ للفجر وأستمتعت به يشب ويكبر ويشيب مع الشمس، مثل مشاعري هذا اليوم، وضعت أخر رواياتي في حقيبتي الجلدية وخرجت إلى الشارع مثل صبي يعشق المدرسة. حملني السلم المتحرك إلى باحة المحطة، وتحت الساعة وسطها رأيتهما بوجهه الأسمر وسدارته الجيفارية التي لم ينزعها كل العمر وجواره أثمار باسمة تكاد تطير من الفرح. تعانقنا بشوق وشدّة وكأننا نلتقي أول مرة، كنا على حافة الحادية عشر صباحا، قلت لهما:
– أي مكان تودان الذهاب إليه؟
تبادلا النظرات والتفتا نحوي مبتسمين:
– سلام بكيفك أحنا بكوبنهاكن!.
ضحكت وقلت:
– يعني نروح متاحف!,
وأدري أنهما يودوان الكلام وليس غيره. ضحكا ونظرا نحوي بعيونٍ أفهمها. قلت:
– هيا بنا!.
من المحطة إلى ساحة البلدية فشارع المشاة غارقين بالحديث المنفلت دون تخطيط، وفي منتصف الشارع أشرت نحو مطعمٍ فخمٍ وبار أرتاده كلما حاصرتني الوحدة قائلا:
– أنجلس هنا ونتحدث!.
أجتزنا الباب المفتوح وأخترنا طاولة تشرف على الشارع، كان المطعم شبه خالٍ، نبّ “زاهر”:
– لنبدأ بالنبيذ!.
انفجرت ضاحكاً:
– زاهر من الصبح نبيذ
– لا سلام يا صبح راح يأذن قريب ال 12
فغرقنا في الضحك!.
يا إلهي ما أجمل الأصدقاء.
كان “زاهر” يجلس جواري بينما جلست “أثمار” قبالتنا. وأنغمرنا بالأحاديث عن الأولاد والأحفاد، فلدى زاهر وأثمار خمس بنات بعضهن تزوجن فصار لهم احفاد، ولدي بنت وولدين وستة أحفاد، عببنا من النبيذ والجعة من أول الصبح حتى المساء، وكان زاهر الجميل يتفحص البشر وذهب لسيدة مع صاحبها تجلس في مقاعد خارج البار مغطاة بغطاء بسبب البرد وأصرّ بعد أن نشنش قليلا أنه يوما رأها في أمريكا عندما كان يعيش فيها ومتزوج من أمريكية وذهبت معه أثمار وصورتهم أي زوجة رائعة هي الفنانة “أثمار عباس” الجميلة. وهي تبتسم لشاعرها المجنون الذي يتخيل المحيط مثل ما يشاء ويتصرف حسب ذلك وتنساب معه مثل خيال.
في هذه الفسحة قررت أن أعرف سرّ تعلق “زاهر” بالعراق سر ذلك الحب الطاغي في سلوكه وهمه، فسألته حال عودته من تهويمته الأمريكية خلف زجاج المطعم المشرف على الشارع:
– زاهر ما تقل لي شو قصتك ويه العراق؟!.
وحتى يكون ما قصه علي زاهر واضحا، زاهر من مواليد 1956، لدية أخوة ثلاثة أو على ما أتذكر، تيتّم مبكراً، وكان أخوه الأكبر متزوجاً ويعيش في الأمارات، ولما لم يكن لديهما أحدٌ في عُمان أنتقلا إلى أخيهما الكبير في الأمارات، لكن صعوبة الحياة دفعت بأخيه إلى بعثهما في منتصف ستينات القرن الماضي إلى العراق الذي كان يقدم وقتها مأوى لفقراء الخليج العربي يجد لهم عوائل ترعاهم إلى سن الرشد فينتقلون إلى أقسام داخيلة ويكملون تعليمهم. وبذا أنتقل “زاهر” وأخوه ليعيشا في بغداد صباهما وتفتحهما وليكملا دراستهما، أنفرد “زاهر” بقربه من اليسار العراقي وشملته الحملة على القوى الديمقراطية والشيوعيين إذ تعرض للمسائلة والتحقيق والحجز مما أضطره إلى الهجرة من العراق ليعيش تجارب بيروت وباريس وأمريكا والمغرب وووووووو وليضيع في العالم ليرسوا على ساحل “أثمار” العراقية ويعود إلى وطنه “عُمان” شاعراً عربياً معروفاً وعميقاً وإنسانا مصاغاً من خلاصات الحس والمعاني.
أنغمرنا في الحديث والنبيذ ولم يعد الوقت يعني لنا شيئاً، صباح نبيذي مكتظ بالأشواق وفكرة كوننا نلتقي هذي المرة وقد لا نلتقي، فقد حكى لي “زاهر” بعطب كبده وقال لي ضاحكا أن أخاه المتدين رفض إعطاءه قطعة من كبده لكن لديه أخاً سكّيراً وحمد الله لوجود هذا الأخ قال له أعطيك كبدي كله.
أنغمرنا وشربنا أكثر من خمس قناني نبيذ أحمر ولم نحس بالوقت كنا بوقت المحبة نطوف ونطير ونحط ونغور ونسبح ونغرق ولا ندري.
يا إلهي لم لا تجعل أحبابي حولي
ليش؟
ليش؟
في المساء غادرنا البار المطعم، وترنحنا في شارع المشاة المكتظ نود عناق الناس كل الناس… كل الناس
شعور مبهم لا تفسير له
عناق البشر كلها
وهذه الرغبة مستحيلة
إذ يُساء فهمها
ندرك ذلك في الصحو والنشوة
ندرك
وهذا ما جعلنا نندمج مع لحن عازف شارع عابر فرقصنا على إيقاع العزف بصمتٍ رقصنا قبل الوداع
في محطة قطارات كوبنهاكن أفترقنا
وصرنا مجرد أحلام وخواطر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *