الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار: رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء السابع والثلاثون)

الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار: رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء السابع والثلاثون)

الجزء السابع والثلاثون
وكأنها في لحظة حلم لا تريد ان تستفيق منه أيعقل ما ترى أيعقل بأن الحياة قصيرة وأن ترامت أطرافها ؟ ، أيعقل بأن الحياة صغيرة وأن تعددت أيامها ؟ ومزقت كل الظروف ، وكلما ضاقت الدنيا باليأس أتسعت السماء بالتفاؤل ، ولكن ماذا تفعل صديقتها في هذه القاعة واقفة على المنصة قرب الإستاذ تحاوره وهو ماسك إستمارة الحضور يجوس فيها متأهباً للخروج ، وما هي إلا خطرات حتى خرج الإستاذ وتعالت الأصوات التي كانت صامته ودبت الروح في السكون والكل يريد الخروج من الباب ليذهب لشأنه عداها التي بقيت تقف قرب النافذة واضعة يديها خلف ظهرها ، ثم أدخلت يدها في جيبها وإخرجت نقالها وراحت تنظر فيه وكأنها تتفقد الإتصالات الواردة بحسب ما يعتقده الناظر إليها ، وراحت تصوب أنظارها في أجزاء القاعة وصولاً الى الباب وحالما رأت أيار واقفة ترنو إليها عن كثب أهتزت مشاعرها وترقرقت عيناها وإرتعدت فرائصها من هذا اللقاء المحفوف بالمخاطر من وجهة نظرها وكأن البرد ثلج أطرافها وهي في شهر تشرين الأول ، ماذا تفعل غير الإقتراب بضع خطوات صوبها فاتحة إليها صدرها ويديها دون ان تنبس بكلمة وحالما رأتها أيار مقتربة تناست كل ما كانأغرورقت عيناها بالدموع وأنكفأت عليها كالموجة وغاصت في ثناياها بالعناق وكأنهما الطفل وأمه كلاهما الطفل وكلاهما الأم ، وأمتزجت دموع اللقاء الباردة بدموع الفراق الحارقة لتتعادل ، فمسكت أيار يد سبأ وكأنها تريد أن تضعها في قلبها وتوجهتا صوب نادي الجامعة القريب من الكلية .
وبعد تطور النقاش دون سابق إنذار شعر خالد بالإهانة ولم ينم ليله وصدى صوت الدكتورة يتردد على أسماعه ويزيده تأثراً وتوتراً ، مما قاده الى إتخاذ قرار غير عقلاني يثأر به لنفسه من وجهة نظره على الرغم من حاجته الماسة للمبلغ الذي يتقاضاه من العمل في العيادة ، وراح يحسب الساعات لتطلع الشمس ويبرىء ذمته من هذا العمل ، ومع بزوغ الفجر كبس عليه النوم دون ان يعلم كيف بعد ان أقض مضجعه السهر ، ولم يستيقظ إلا الساعة التاسعة صباحاً على غير عادته على صوت والدته التي أفتقدته على طاولة الفطور اليومية ، وبعد إن أستيقظ شعر بالكسل وكأنه قضى ليلة في زنزانة انفرادية وبالفعل وقبل ذهابه الى السوق ركب دراجته الهوائية متجهاً الى منزل الدكتورة وفي نفسه رغبة عارمة للصراخ على أي شخص يراه أمامه ليفرغ الألم الذي بداخله ، وعندما أقتربت الدراجة من باب المنزل ترجل منها وكأنه يريد ان يلقي التحية على الباب وعلى الجدران وعلى العيادة وعلى كل طابوقة شيدت هذا المنزل ، شعر وكأنه يريد تقبيل المقبض الذي يجده مفتوحاً بثقة الوالدة التي قالت له سأترك الباب لك مفتوحاً أدخل وأقترب من المطبخ ونادني ، ولكن لابد أن يثأر لنفسه ولذاته التي مسحتها الدكتورة بحسب وجهة نظره ، ولكنه هذه المرة لن يدخل من الباب ويعرف بإنه مفتوح ووضع يده على المنبه وقلبه يرتجف بين أضلاعه ، وبعد التحية .
الوالدة مبتسمة : أهلاً أهلاً ولدي خالد كيف حالك … تفضل ظننتك .. بائع الغاز …
خالد مرتبكاً مستخرجاً المفاتيح من جيبه : خالتي … هذه مفاتيح العيادة … أعطيها للدكتورة .. لأني سأسافر الى بغداد لأمر عائلي خاص .
الوالدة مستغربة وقد غارت إبتسامتها : ماذا ؟؟ ومن سيدير العيادة بعدك ؟ ولماذا ستسافر خير إن شاء الله ؟ ولماذا لم تخبرني سبل ؟ وكم يوم ستبقى ؟ وكيف سنجد من ينوب عنك … إلخ وأسئلة أخرى شعر وكأنه لم يسمعها لشدة الحزن الذي خالجه عندما سلم المفاتيح وكأنه سلمها روحه وليس مجرد قطع معدنية ، وقد أعتاد كل يوم على هذا المكان والعيادة والحوار .
خالد مكتئباً : خالتي … أعذريني … فهو ظرف عائلي طارىء … وداعاً … ثم صعد دراجته وأرسرع وكأنه محلق في طائرة نفاذة الى موقع عمله في السوق وحالما وصل الى موقع عمله ، وبعد ان ركن دراجته إستخرج نقاله وراح يكتب … بعد التحية سيدتي الدكتورة أكتب لك هذه السطور .
بسبب كلماتك التي قلتيها لم أذق طعم النوم أبداً في الليل الذي جعله الرب سباتاً ، وشعرتُ وكأنك فجرتي في إذني ثورة كانت لديناميت الشك كفات فلم أعد أعرف إن كنت الآن في العمل حياً أم ميتا ، وأصداء صوتك تلاحقني كل حين وشعرت بالآسى على نفسي ، قد لا يكون لي الحق ان أتكلم هذا الكلام في حضرة السيدة الطبيبة وأنا العامل عندها وأن تركت العمل في عيادتك ، فأماكني معروفة ومحددة سلفاً أما في سوق البقالة أو في سوق الحمالين أو في سوق الأساكفة ، هذا هو قدري وقـَدري ، لكنك لن تجديني في سوق النخاسة ، والحياة القاسية تطول الأظفار دائماً وتملأها بالطين،لكن العقل يبقى ذاته والقلب الطيب يبقى ذاته ، أعذريني لا أستطيع الإستمرار في العمل في العيادة،وقد سلمت المفاتيح للوالدة وأخبرتها بأني سأسافر الى بغداد ، وأخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وبعد أن مسكت أيار بيد سبأ وتوجهتا صوب نادي الجامعة القريب من الكلية ، طلبت منها سبأ عدم الدخول في النادي وأن يذهبا بعيداً عن أنظار الطلبة لتتجاذب معها أطراف الحديث .
أيار رفعت يدها موحية لها بعدم فتح الملفات : أرجوك لقد عفوت عنك وأتأمل بفتح صفحة جديدة بعيدة عن الملفات الأليمة والذكريات القاسية المنغصة ، المهم الآن إبلغيني ماذا تفعلين هنا في القسم وفي القاعة بالتحديد عندما رأيتك تتكلمين مع الإستاذ وهل باشرت الدوام في كلية الزراعة .
سبأ متنهدة : لا عزيزتي … لابد لك أن تسمعيني أولاً ولا يجوز أبداً غلق الملفات دون نقاشها ،وكأني مذنبة بحسب وجهة نظرك وقد عفوتي عني لابد أن تسمعيني لأنك ظلمتيني بقسوة متناهية ، وبعدها سأقصُ عليك سبب وجودي هنا اليوم كما رأيتيني .
أيار بوجوم : يعني أنا الآن ظالمة وقاسية … وماذا بعد ؟؟ وبينما هي تتكلم أتصلت فجر فتجاهلت إتصالها .
سبأ : أسمعيني … أرجوك … ولك القرار في وصف نفسك أو وصفي ، لقد أخبرتك سلفاً قبل بدأ الإمتحانات النهائية بأني سأجلب معي الكاميرا ونلتقط صوراً تذكارية في أخر يوم من الإمتحان ، ولفرط حبي لك لم ألتقط ولا صورة حتى أراك خرجتي من الإمتحان وقد كانت الكاميرا بيدي ، وأنت تعرفين بالبلهاء عندما تصرُّ بتطفل وعفوية على شيء معين ، وعندما تركت الكاميرا بيدها ووقفت تحت الشمس أنظر الى صفك منتظرة مجيئك ، أقسم بالله الذي خلق السموات والأرض بأني نسيت وجود هذه الصور في الكاميرا وقتئذ ، ولم أتقصد البته إظهارها أمام أية طالبة ولا حتى أمام الرائعة أنصاف … أقسم وبإمكانك التأكد منها وهي صادقة .
أيار متنهدة : أتقسمين برب السماء والأرض يا سبأ ؟؟ وقد أعترفتي وأمامي بأنك متقصدة أيعقل كلامك هذا ؟
سبأ وقد أحمرّت عيناها وقد تكسّر صوتها : سبحان الله … وكأنك تتكلمين عن موقف حدث في ظروف طبيعية ، ولم تشيري حتى الى الهجمة الوحشية للمجموعة الماكرة لا بارك الله فيها ، وكيف أستغلت الموقف البريء لضربي وخطأي الوحيد وقتئذ هو إني فقدت أعصابي ولم أعِ لما قلت ، المهم أني أشفيت غليلي وكلمتهم باللغة التي يستحقونها ، وقلت نعم لقد تقصدت … ووالله … لم أتقصد … ولكن …
أيار متأثرة : ولماذا فقدتي أعصابك … ولماذا تكذبين على نفسك … كان بإمكانك الدفاع عن نفسك بصدق .
سبأ وعيناها مترقرقتان : توترت منك أكثر من توتري من المجموعة الماكرة ، تمنيت لو إنك دافعتي عني وسفهتي الأمر ولم توليه أهمية قصوى بقولك الذي ذبحني من الوريد الى الوريد وصفقت له حتى الشياطين ، وأنت تقولين : الكتاب يُقرأ من عنوانه ، ولماذا تستمرين في قتل البسمة على شفاهي ؟، ولماذا تعاقبيني على حبي الصادق لك؟، ولماذا هذا الدور الدرامي المباغت وأنا الغبية صدقّت أنك تنتظريني،وعبارتك التي لا أنساها أبداً ما حييت التي قلتي لي فيها دون رحمة بعواطفي : أن الذي كان بيننا لم يكن حباً نزوة عابرة ، وهذا فراق بيني وبينك وسلام على الدنيا يا سبأ .
أيار وقد أغرورقت عيناها بالدموع : أرجوك أمسحي دموعك لا أحتمل رؤيتها … لأنك البسمة على محياي وعندما سلمت على الدنيا بعدك ذلك لأنك نافذتي الجميلة إليها ، ومن حقي أن أعتزل الدنيا بأكملها أن أعتزلتك ، قلبي لا يحتمل أرجوك أمسحي من ذاكرتك هذا الألم الذي لم يبارحني طوال هذه المدة التي فارقتك فيها .
تكيفت عائلة سراج الدين مع طفلهم الجميل تسنيم لاسيما وقد غابت ترانيم الأطفال في بيتهم من عمر أنس لذلك الكل يتوق لحمله وتقبيله وترديد ترانيمه عندما بدأ السنة الأولى من عمره ، وحتى جده راح يتوق لحمله ومداعبته ، ولكن مُعاذ يشده دائماً الى أدواته الموسيقية الجميلة ، فراح الطفل تسنيم يتعلق بمعاذ بحركاته الجميلة ورقصاته البريئة وهو يُشير الى كيتاره الذي يحمله بشكل مفهوم .
سراج الدين : كم أتوق الى رؤيته وهو يسوق الدراجة الهوائية .
أميمة : ستراه حبيبي … ستراه … ولكني أحب أن يكون جالساً في أحضاني دائماً .
أيار : لا أعرف كيف … يفهم لغة مُعاذ .. وكيف تعلق به بمجرد ان يراه .
سراج الدين : ومن قال لك بأن الطفل لا يفهم ، لديه ذاكره خالية … المهم لديه مخزن للذاكرة وما عليك سوى تخزين المعلومات في هذه الذاكرة وستجدينها محفوظة بدقة متناهية والطفل يمتلك لغة الإشارة ولعله تعلق بالموسيقار مُعاذ لأنه يُشير له بأنامله .
أنس : أتعرفين يا أمي أن أنثى الكنغر تحمل ولدها في بطنها .
أميمة ضاحكة : أوه … يا له من وصف غير دقيق … ولكني حقيقة أغبطها لأنها تحمي طفلها من أي مؤثرات خارجية وأن خرجت للتنزه فلديها حقيبة طبيعية .
سراج الدين مبتسماً : يبقى طفل الكنغر في الحقيبة الطبيعية لمدة ستة أشهر الى أن يكبر ويعتمد على نفسه في التغذية دون الإعتماد على والدته .
أيار ضاحكة : وأن أرادت أن تمنعه من الخروج ستغلق عليه الحقيبة .
أميمة : قلب أم رؤوم .
أيار : حتى وأن كانت أم يجب أن لا يكون حبها لأولادها امتلاكي لابد ان تسمح له بالإختلاط مع الأخرين والتعرف على أقرانه والتمتع بالحياة والطبيعة .
قتيبة مبتسماً : تقصدين الكنغر أم وجهة نظر عامة .
أيار : لا بل عامة … أكيد … وتعليقاً على كلام والدتي فالحب الإمتلاكي غير محبب .
مُعاذ ممازحاً : وأنت يا أيار في كل مرحلة دراسية تعيشين قصة حب والآن قصة حب جديدة مع سبأ ضاربة الأخريات في الزمن الماضي عرض الحائط … فيا لها من طاقة مرنة تتكيف مع الجديد الحديث .
أميمة بعدم رضا متنهدة : وأنا أتوقع بأنها تُحب سبأ … أكثر مني … لشدة دفاعها المستميت عن العلاقات الإجتماعية خارج حدود العائلة … ورفضها وشجبها لكلامي ووصفها غير المتعقل بالحب الإمتلاكي .
سراج الدين : لم تقصد أيار ذلك … ولكنه تعليق ووجهة نظر .
أيار مستغربة : أمي … كيف يمكن لك قول مثل هذا الكلام .
أميمة : أبنتي وأعرّفك جيداً … هذا هو قصدك .
أيار منزعجة : لا … أمي ليس هذا قصدي … ولا يجوز لك ان تقوليني ما لم أقل .
مُعاذ متباهياً : بالنسبة لي … فعلاقاتي كثيرة … ولكنها ليست بذات تأثيرعليّ فالمعجبون كُثر .
وبينما د.سُــبل في المستشفى خارجة من غرفة الحسابات تحمل مرتبها في يدها اليمنى وهي تلفه بإحدى الصحف القديمة التي وجدتها في غرفة المحاسب ، خالجها شعور وهي ماشية الى غرفتها بأنها ستعتذر لخالد اليوم عندما تسلمه راتبه الشهري عصراً في العيادة وتوضح له بأنها تريد صالحه ولم ولن تتقصد الإساءة إليه ولابد عليه أن يستفيد من ملاحظاتها لأنها أكثر منه خبرة وتجربة في الحياة ، وأن يأخذها بروح رياضية ، وأن كلام مروة صحيح فالرجل لم يخطىء وتبادل معي أطراف الحديث ، ولكني من اليوم وصاعداً لن أتحاور معه وريثما انتهي من المرضى سأخرج مباشرة ، نعم هذا أفضل من النقاشات التي تجلب الهم ، ولكني أشعر بالراحة النفسية وأنا أتحاور معه وكأني تعودت وجوده معي في العيادة ، لكنه في الحقيقة مجد وكفوء ومحترم وله ثقافة حديث وحوار تمتص غضب بعض المراجعين عند الإنتظار ، نعم خالد يستحق وقد وعدته بأن أعطيه اليوم أجراً مضاعفاً لأعينه على إكمال دراسته الخارجية ، تتمشي وتتحدث مع نفسها الى أن وصلت الى غرفتها ، سحبت الدرج الموجود في مكتبها واستخرجت حقيبتها لتضع راتبها ، وبعد ان وضعته ، سحبت النقال لترمقه بنظرة سريعة فإذا هي تلاحظ وجود رسالة ، وبعد أن جلست فتحت الرسالة وبادىء الأمر فرحت بإبتسامة شقت شدقيها لأنها من خالد وراحت تقرأ مقدمتها الإستهلالية وبإمعان تام الى أن وصلت الى مربط الفرس وقد غرات الإبتسامة وتحولت الى تجهم وهو يتهمها بأنها أساءت ولاسيما في عبارته : لن تجديني في سوق النخاسة ، لقد أساءها كثيراً ما قرأت ولاسيما عندما قرأت كلمات الوداع والرحيل .
كان للرسالة وقع سلبي كبير جداً وكأنه صفعة مباغته على وجه غير منتبه ، لم تكن تتوقعه ولم تستطع حتى إخفاء علاماته متظاهرة بالصداع أمام زملائها ، وبينما هي كذلك إتصلت والدتها لأنها قلقت على خالد الذي أعتادت عليه وعلى خدماته اليومية ..
الأم : سبل .. هل لديك علم بالذي جرى اليوم … بأن خالد سلمني مفاتيح العيادة ، ويقول بأنه سيسافر الى بغداد ولكنه لم يذكر لي كم يوم سيبقى ولماذ ؟؟ لكنه كان عابس الوجه ، وغادر مباشرة ..
سبل بهدوء : نعم لقد أخبرني ، أمي لا تهتمي … أرجوك … لدي عمل الآن عندما أعود سنتناقش في الأمر .
الأم : كيف لا أهتم … ومن سيفتح العيادة .
سُـبل وكأنها نسيت هذا الأمر متنهدة : ها …. أرجوك سنناقش الأمر عند العودة ليس لدي أي أجابة الآن ، أمي الى اللقاء عندي عمل ، الى اللقاء … وبالحال … شعرت وكأنها لا تستطيع إن تواصل دوامها … فحملت حقيبتها وتوجهت بالحال الى مسؤولها المباشر لتستأذن منه وتخرج الى البيت متظاهرة بأنها تعاني من صداع شديد باغتها والذي يراها يتيقن تماماً بأن كلامها صحيح ، وعندما استأذنت وخرجت من المستشفى اتصلت بمروة وسألتها هل لا زالت الآن في الجامعة … على الرغم من أنها تعرف بأنها اليوم في الجامعة .
مروة مبتسمة : أسعدني سماع صوتك حبيبتي نعم أنا الآن في الكلية وقد أنهيت محاضراتي.
سُــبل : أنا في طريقي إليك … إنتظريني … أرجوك .
مروة بقلق : ماذا … ؟؟؟ وفي مثل هذا الوقت هل أنت بخير ولماذا صوتك متعب ؟
سُــبل : لا شيء أنا بخير .. والساعة الآن الثانية عشرة ظهراً وليس عصراً حتى تستغربي .
مروة : لا لا حبيبتي … ليس هذا قصدي … ولا سيما اليوم عندي دوام مسائي وسأبقى في الكلية سأنتظرك ، أنهت مروة الإتصال ولكن القلق داهمها ، مما قادها الى التوجه بالحال الى باب الجامعة الرئيس سيراً على الأقدام وعلامات القلق بادية على ملامح وجهها ، تسير وكل فكرها مع سُبل وبينما هي هكذا ، كان منذر قادماً قبل موعد الدوام داخلاً الى الجامعة ومباشرة في وجهها وقد فرح كثيراً عندما رأها من بعيد ، وحالما أقترب منها ألقى التحية عليها والإبتسامة تشق شدقيه ، ولكنها لم ترد عليه التحية مستمرة في سيرها ، وفي الحقيقة لم تسمع وكأن في أذنيها وقر ، فلحقها ماشياً بجوارها ولم يصدق وفي نفس الوقت مستغرباً لأنها عادة لا تخرج سيراً على الأقدام وإنما تركب السيارة من داخل الجامعة ومن أمام الكلية مباشرة ، مما قاده الى مناداتها : استاذة مروة : وحالما سمعته بالحال استدارت إليه وهي مستمرة في مشيها وهو يمشي بجوارها وراحا يتحاوران وهما ماشيان .
منذر : خيراً … أستاذة … أراكي تلهثين …حتى إنك لم تردي عليّ التحية .
مروة مبتسمة : أهلاً منذر كيف حالك … ولماذا تناديني استاذة أولاً … نحن أقارب .
منذر فرحاً : يسعدني ذلك لكنك في موقع عمل … أرجوك أخبريني هل من خطب ؟
مروة : عفواً لم أرك أعذرني لا شيء بالطبع … فأنا ماشية للباب فقط أنتظر الدكتورة سُبل ستأتي لزيارتي … وأحببت أن أستقبلها عند باب الجامعة هذا كل شيء .
منذر : الحمدُ لله رب العالمين … أن أحتجتي الى مساعدة … فأنا بالخدمة … وما عليك سوى الإتصال .
مروة ضاحكة : أشكرك .. أحتفظ برقمك … وبينما هي كذلك حتى نزلت سبل من سيارة التكسي وحالما رأتهما مع بعضهما فرحت كثيراً وإرتسمت ابتسامة على محياها بعد وجوم ، وبعد التحية … قالت : يسعدني أن أراكما ، كيف حالك وأحوالك يا منذر في الكلية .. راحا يتبادلان التحايا وهم داخلين الى الجامعة .
منذر مبتسماً : أنا بخير أشكرك … كيف حال العيادة … هل التجهيزات كاملة .
سُـبل : والله أنا ممتنة لك … يا منذر … وأتمنى أن أقدم لك خدمة لقاء الخدمات الكبيرة التي قدمتها لي ، فلك مني كل الشكر والتقدير والإمتنان ، والعيادة بخدمتك .
مروة متمازحة : أقلعي له سنين بسعر واحد … فضحكا على هذه القفشة حتى وصلا الى الكلية ، ومنذر راح لشأنه ، والصديقات توجهن الى نادي الكلية .
سبل : الله كم أنا مشتاقة لك وكأني لم أرك منذ سنين .
مروة مبتسمة : ولكنك تقولينها … بدون إبتسامة وعلى غير عادتك … والله أنا فرحة بوجودك فرح لا يوصف ولكنك في الأصل لا تُحبين المفاجآت ، حتى تفاجئيني بهذه الزيارة ، أقرأ الكلام في عينيك … تكلمي فكلي أذان صاغية لك … تكلمي .
سُبل وفي يدها نقالها : حقيقة أفكاري مشوشة ولا أعرف من أين أبدأ … ولكن من الأفضل أن تبدأي بقراءة هذه الرسالة الموجودة في النقال ( بالإشارة الى رسالة خالد ) ، ثم بعدها نتحاور وأسمع رأيك ، فتناولت مروة النقال وهي مبتسمة وراحت تقرأ بصوت خافت … نص الرسالة .
سبأ متنهدة : وكيف بحالي … وأنا عبثاً أتصل بك لأبرر ولكن دون جدوى … والحصار القاسي الذي فرضتيه عليّ دون رحمة بقلبي ، وقد غيرتي كل عناوينك الإلكترونية التي توصلني بك ، أيعقل بأنك كرهتيني لهذا الحد الذي لم أتوقعه يوماً في حياتي ، وكيف لك تحمل عدم سماع مبرراتي ، تحكمين علي حكم عرفي لمجرد أني دافعت عن نفسي وعن عواطفي ، ألم تنتبهي لنفسك وأنت تصدقين كل كلمة من المجموعة الماكرة تجاهي ، وكأنك تريدين إرضائهن بهجراني بهذه الطاقة القاسية التي لا أعرف من أين أتتك ؟ لم أذق طعم النوم ليلاً أبداً طوال كل هذه المدة وأنا أشعر بالظلم والجفاء الذي لا أستحقه ، وأنت تعرفين بأني لا أستطيع أن أشتكيك إلاّ لنفسي ووسادتي التي تغرق بالدموع كل ليلة أتعزى بها ، والى من أشتكي وأقول بأن الصديقة التي أعلنت أمام الملأ بأنها ستكون صديقة العمر تهجرني وتُجافيني ، لقد كتبت لك كثيراً وكأني أتكلم معك وأحاورك أناجيك وأعاتبك وكأني قربك ، حتى تكاد المسودات في نقالي الخلوي أن تمتلىء من شدة ما أكتب لك ، وقد بلغت نفسي التراقي ؟ بهجرك ولم أستطع حتى البوح بهذا الأمر حتى أمام أخواتي أطوار وأنهار ، اللاتي يسألنني عليك وعن أخبارك وعن كليتك وأنا أقدم لهن الإجابة بحسب ما تراه عواطفي ، والطريف بأنه كلما أتصلت بي أنصاف أو أنا أتصلت بها أخبرهن بأن أيار ترسل لكن التحية … فأنت مخطئة يا صديقتي .
أيار شدت على يدها متنهدة : لم يكن حالي بأحسن من حالك وقد أضناني الشوق لرؤيتك وراح لساني يتلذذ بذكرك ، وقتها شعرت بأني سأنفجر كقنبلة موقوتة إن لم أتحدث مع عمتي مروة حولك ، فحدثتها عن الأمر كله دقه وجله من الألف الى الياء ، علماً بأن لديها معلومات مسبقة عن المجموعة وقد نصحتني بالإبتعاد عنهن رويدا رويداً دون أن يشعرن لئلا أفتح على نفسي جبهة قد لا أستطيع مواجهتها لاسيما إذا كان الطرف الأخر لا يعرف الحياء ، لقد قتلني الشعور بالإستغفال فأنى لي أن أعرف بأنك غير قاصدة وأنت تعترفين بملء فيك ، وأنا القوية التي لم تبكِ على نزاع ، بكيت وبكيت أمام عمتي ، نعم بكيت من الشعور بالفشل والإستغفال ، وبكيت من شدة الشوق الذي برح بي ولكن لم أستطع مهاتفتك ، لشعوري بأنك تستخدميني لتصفية حساباتك مع المجموعة وتضربيني بهم ، فأنت مخطئة ولا يجوز لك مطلقاً بدافع الغضب أن تتصرفين هكذا ، ذكراك يسكن روحي أينما ذهبت تلتبس فروة جسدي ، لم أستطع الفرار منها وعزائي كذلك بالرسائل التي أكتبها لك كل حين في مسودات النقال كذلك ،فأنت مخطئة يا صديقتي ولندع هذه التجربة في أرشيف الذاكرة دون رجعة ، ولكن المهم أن نستلهم منها الدروس والعِبر ، ولتكن صداقتنا كعقدة الحبل كلما شدها الطرفان إزدادت قوة ،وأرجو منك أن تلتمسي لي العذر وأن كان لي حق فأنا أعتذر سامحيني .
سبأ : كنت أراك في كل مكان وفي كل شيء ولكن الشعور بالظلم لا يُحتمل وأجمل ما يذكرني بك صوت الماء ، وكنت دائماً أتخيل نفسي معك تحت المطر والزخات تداعب خصلات شعرنا وتتخلل مساماتنا وتملأها سعادة ورضا ، وعندما أغرق في سرحاتني الذهنية التي تُقربني إليك أتمنى أن لا أستيقظ منها وأبقى أراك كل لحظة بمجرد أن أغمض عينيّ وأضع رأسي على الوسادة ، المهم الآن إلتقينا من جديد وقربتنا الأيام بعد أن فرقتنا شر فرقة ، فلابد أن نسجد لله شكراً لأن السجود من أجمل تجليات العبودية والتجلي ما تكشف القلوب من أنوار الغيوب ، وأرجو منك يا حبيبة قلبي أن تلتمسي لي العذر وأن كان لي حق فأنا أعتذر وأرجو أن تسامحيني.
وبعد أن شربن عصير الليمون البارد اللذيذ وجفت دموع الألم الساخنة بأخرى باردة عززت الثقة وجددت الحب وقوّت الأواصر الروحية لترتقي الى علياء كبريائها ، وقد أنطفأت أهات الحزن البركانية التي كادت ان تودي بحياة هذه الآصرة الروحية المتوأمة بفقاعـة زعـل ، فإستخرجت سبأ نقالها وراحت تنتقي مما كتبته وتقرأ وأيار ترنو إليها بإعجاب تام وبإبتسامة تشقُّ شدقيها : وهي تقرأ ما كتبت في الأيام الخوالي وتارة أخرى بعد مودة ولقاء نتشاجر على صغائر الأمور ، وبالحزن نتشاطر …لا نعرف كنه المشكلة وكيف تمر كعود ثقاب يشتعل ويدمر …كل منا يستغرب لماذا التوتر لماذا القلق وحبنا وعشقنا وشوقنا يملأ الأفق … لِمَ بين المحبين الشدُّ يظهر ؟ لِمَ التنائي لما التوتر ؟ ثم تبدأ الروح بالشوق تأتلق ألا يا ليت فقاعة الزعل تنفلق … فضع يدك الكريمة في يدي ولنتعاتب على الخلق المحمدي … ولنتصالح ونتناصح بكل خير كما جاء في القرآن إن الصلح خير … يا صديقي أعتذر عن غير قصد لذنبي وإعتذر أنت لي لسوء الظن بي ولشد مرير أقسى من العلل … وألم يذيب الجبال في المقل … فليجعلنا الله إخوة مؤمنين نظفر ولنلتمس لبعضنا ألف عذر … من جديد روحي تشتاق لروحك فهل سمعت حنين النداء روحك .
أيار مبتسمة : الله … والله رائع … أحسنت ، ثم أستخرجت نقالها من جيبها وقالت لها : دعيني أقرأ لك جزء مما كتبت لك ، أسمعي أرجوك : صديقتي لشد ما أقاسيه من سوء ظنك قررت إلى الأبد أن أنساك ِطوال كل هذه الأيام لم ولن تفهميني ، وسوء الظن يملأ جوك ومقلتيك ِكنت معك كالماء الفرات السلسبيل القراح والروح الشفافة التواقة لرضاك ِكم حاولت الوصول لثقتك ِ وكم مددت من جسور وسلالم لسماك ِ فالصداقة التي تجمعنا محط إعجاب ومحبة في الله حباني بها وحباكِ وكم من دساتير وقعتها لكِ ، وكم عهود ومواثيق أُقرت لرجاكِ لكني اليوم فشلت في الوصول إليكِ وقررت أن أهاجر بعيداً بيداك ِأتعبتي عيوني التي لم تبكِ ، وأوجعتي خافقي الذي يهواكِ اليوم هجرتك المقل في النهار لكن الروح تكابد في غسق الدجى تذكركِ ، والآن تعودين تارة أخرى لكن يا سيدتي عودي لمخدعك عودي كفاك ِفراحت الأيام تجرُّ أذيالها وأنا أحاول أن أمحو من ذاكرتي ذكراك ، لكنكِ تغزين حياتي في يقظتي وفي منامي ، كيف اهرب من رؤياكِ أوصد الباب بوجهكِ وروحك تسكن روحي وأفلاكي فما كانت الأيام تمحو صورة ، بل تمحو الزعل وتذوّب صدى جفاك ِما أجمل صوتك السيمفوني ، وما أجمل البسمة المرسومة على محياك ِتعالي صديقتي لقد قبلت اعتذارك تعالي إليّ أسرعي خطاك ِ، نسيت ما بدر منك ولا أتذكر سوى مزاياك وسأنكفئ عليكِ كالموجة عندما أراك ِقبلت اعتذارك صديقتي … تعالي حياكِ الله وألف حياكِ ثم أستطردت قائلة : لكن أجمل ما كتبته عنك الآتي :
إلى الصديق الذي كرمه الرحمن في سورة النور من القرآن جمعه الرب مع الأهل على المائدة مع الأعمام والأخوال والإخوان ، فطوبى لمن نالوا هذه الكرامة إخوة مؤمنين على أرائك الجنان الحب والإخلاص لله مآربهم فلنصل ِعلى من علمنا الحب والحنان ، بدر التمام محمد خير الأنام فالفؤاد والروح شكراً لله يسجدان … على صديق ولد من رحم الحياة تشتاق الروح لروحه وان نأت وتذكره بظهر الغيب على مر الزمان فالمرء وأن ساد في الوجود يبقى قليلاً بنفسه كثيراً بالإخوة والخلان ، وبينما هي تتكلم اتصلت فجراً فتجاهلتها ، ثم استطردت قائلة : والآن يا عزيزتي … تحدثي … ماذا كنت تفعلين في قسمنا اليوم .

.. يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *