د.ثائر العذاري : المكاشقة الأخيرة (ملف المتوالية القصصية – الحلقة الأخيرة)

المكاشقة الأخيرة
د.ثائر العذاري

ردا على مقال د.نادية هناوي (المتتالية – التوليفة- المجموعة- الزووم( في المدى الغراء ٩/٤/٢٠١٩
اختلاف الرؤى في الدراسات الأدبية أمر طبيعي، فليس في هذا الميدان حقيقة مطلقة، لكن هذا لا يعني أبدا تعمد تسفيه الرأي المخالف وتعمد الإساءة إلى صاحبه كما تفعل د.نادية هناوي منذ عام ٢٠١٧ حين كتبت مقالا بعنوان توريطات نقدية افترت علي فيه يومها أني ادعيت أن المصريين هم رواد المتوالية القصصية ووصفتني بالجهل والوهم، وما كنت أتمنى أبدا أن تستمر في نهجها هذا حتى اضطررت إلى الرد. والحقيقة أني لا أفهم ما الذي يجبر د.هناوي على تتبع مقالاتي والرد عليها خاصة أنها في كل رد تكتبه تقع في أخطاء فادحة وعندما نكشفها تغير اتجاه النقاش باتجاه آخر، فتجهد نفسها لإيجاد مقولات لفلان وفستان، وتشغلني عن عملي البحثي لأني أجد نفسي مضطرا للرد لتصحيح المفاهيم.
وفي مقالها الأخير في المدى الغراء، جاءت بتهمة جديدة هي أني لا أسير على هدي نظري، وعند هذه النقطة قررت أن أكتب هذه المكاشفة التي أنوي أن تكون الأخيرة لأني لن أنشغل بعدها بأي رد على الزميلة التي ما زلت أحمل لها كل التقدير.
منذ بداية اهتمامي بموضوع المتوالية القصصية عام ٢٠١١ كنت ألتزم برؤية نظرية واضحة، وكل ما كتبت متاح على الشبكة، وإذا ما تصفحها القارئ الكريم سيجد أنها تسير على نهج واحد من غير تناقض ولا ارتباك مع وضوح في القصد، وبمرور الزمن كنت أطور هذه الرؤية وأجعلها أكثر دقة ووضوحا اعتمادا على الدراسات الكثيرة التي كتبت في الموضوع واجتهادي الشخصي.
في المقابل يمكن الرجوع إلى مقالات د.هناوي لكي نكتشف بسهولة تشوش رؤيتها وتذبذبها وعدم وضوح مفهوم التوالي في ذهنها ما يوقعها في تناقضات كبيرة ليس بين مقال ومقال حسب، بل في المقال الواحد نفسه فنجد عجز المقال يناقض صدره، وبينهما حشو كثير بعيد كل البعد عن الموضوع، كما في حشرها لقضية الشكلانيين وتراجع بعضهم عن مبادئ الشكلانية وعلاقة الأدب بالمجتمع، ولم أستطع أن أفهم علاقة هذا الإسهاب بموضوع المتوالية القصصية، على أن المقال ينطوي على أمر خطير هو ما يجعلني أتوقف عن الرد مستقبلا على ما تكتبه.
ليس هناك مرجع لدراسة المتوالية القصصية باللغة العربية سوى مقالة روبرت لوشر التي ترجمها الصديق د.خيري دومة ونشرها في كتابه المهم جدا (القصة الرواية المؤلف) ومقالاتي التي أنشرها منذ سنوات، أما المهم من الدراسات وهو كتب ورسائل وأطاريح وأبحاث ومقالات فكله مكتوب بالانكليزية، وهذا أهم أسباب التشوش في رؤية د.هناوي فقد أثبتنا في مقالات سابقة أنها لا تقرأ بلغة ثانية فتعود إلى الترجمات، وحين لا تجد تحاول الترجمة اعتمادا على القاموس أو على ترجمة google، كما حدث معها حين كتبت عن كتاب إنجرام وكتاب جنيفر سميث اللذين لم تقرأ سوى فهرسيهما ومقدمتيهما، كما بينا في مقال سابق، وللتذكير فقط فقد كتبت جنيفر سميث كتابها ٢٠١٨ لإثبات تجنيس المتوالية القصصية عبر مدخل جديد حيث سمتها (الجنس الذري Atomic genre) ووضحت التسمية في الفصل الأخير بأنها ترى وجود القصص في متوالية قصصية يشبه وجود الذرات في الاندماج الذري الذي سيولد طاقة هائلة تتحول عبرها المادة إلى مادة أخرى تماماً، إن عدم قراءتها باللغة الانكليزية هو ما يوقعها في الغلط، فمن المعروف أن لكل علم معجمه الخاص الذي غالبا ما لا يذكر في القواميس وهو ما يسميه الانكليز (Slang). وهذا يفسر عدم ذكر د.نادية للدراسات الخاصة بالمتوالية القصصية إلا بعد أن ترد في مقالاتي.
كنت قد كتبت في المقال الذي ترد عليه الدكتورة رأي (شكلوفسكي) في أن التوالي هو أصل الرواية، لكني وجدت أنها تكتبه أربع مرات في مقالها (شلوفسكي)، مما جعلني أظن أنها تتحدث عن ناقد آخر لا أعرفه خاصة أنها كتبته بالحروف اللاتينية بصيغة غريبة جعلتني أمضي يومين كاملين في البحث عن هذا الناقد فقد كتبته Shlovskij. وفي النهاية توصلت إلى السبب، فهي تقصد شكلوفسكي نفسه لكن هناك ما خدعها كما سنبين.
تقول د.نادية: (وشلوفسكي هو الذي اعترف في مقدمة كتابه (نظرية النثر 1925) بتأثير الظروف الاجتماعية على الأدب والقصور عن رصد علاقات الادب المتشابكة بالظواهر الثقافية والاجتماعية المختلفة، قائلا:” لقد شغلت في دراساتي النظرية بالقوانين الداخلية للادب واذا كان لي ان استخدم عبارة ماخوذة من المجال الصناعي فانني كنت مثل من لا يشغل بوضع القطن ومنتجاته في الاسواق العالمية والسياسة الاحتكارية المتبعة فيه وانما يركز اهتمامه على مشاكل الغزل والنسيج من الوجهة الفنية” حتى جاء كتابه (المصنع الثالث 1926) محاولا التوفيق بين نظرية الادب من جانب والبحث الاجتماعي والنفسي من جانب اخر وهذا يدلل على معاناة شلوفسكي الروحية والمنهجية.)
إن الاقتباس من كتاب شكلوفسكي نظرية النثر هو ما جعلني أجزم أنها تتحدث عنه لا عن غيره، ومع ذلك أجهدت نفسي بالبحث لأن العبارة المقتبسة لا تستقيم مع طبيعة الكتاب. فقد بنى شكلوفسكي كتابه على فرضية تقترب من فكرة الديالكتيك، فهو يرى أن الأجناس الأدبية في كل عصر تتصارع لتعطي في العصر التالي جنسا جديدا يختلف عن المتصارعين، وهكذا تتكرر هذه الدورة في كل عصر، وهنا مفارقة غريبة، فشكلوفسكي على الرغم من مشاركته في ثورة أكتوبر لم يكن شيوعيا، بل إنه أسس جمعية مناهضة للبلشفية عام ١٩١٨ واضطر للتخفي بسبب ملاحقة السلطات له ثم الهجرة إلى أوربا بعد أن أُعدم أخواه للسبب نفسه. وكتابه شكلي صرف لا علاقة له لا بالاجتماع ولا بالاقتصاد فكيف يصدره بعبارة يتبرأ فيها منه؟ فضلا عن أن كتابه (المصنع الثالث) هو كتاب سردي يقترب من السيرة الذاتية يسرد فيه شكلوفسكي تحوله من الأدب إلى السينما ولا علاقة له بنظرية الأدب.
إن أسوأ ما يمكن أن يرتكبه الباحث هو السطو على جهد الآخرين ونسبته إلى نفسه والأسوأ من ذلك أن يكون ما ادعاه لنفسه مغلوطا ويأخذه من غير تمحيص.
لقد أخذت د.نادية النص الذي اقتبسناه برمته من كتاب عنوانه (تحليل الخطاب الأدبي) لكاتب سوري اسمه (محمد عزام) في الصفحة ٤٤ وأوهمتنا أنها قرأت كتاب نظرية النثر وكتاب المصنع الثالث، والنص فيه ارتكاب لخطأ علمي جسيم يصل حد التدليس والكذب وأنا هنا أتحدث عن عزام ولا علاقة للدكتورة به سوى إغارتها على النص دون تمحيص وتثبت.
اللافت أن عزام يقول هذا الكلام من غير توثيق فضلا عن أن الكتابين لم يردا في قائمة مراجعه، بل هو لم يرجع إلى أي مرجع أجنبي، وهو من أوهم د.نادية باسم شكلوفسكي لأنه كتبه شلوفسكي، مع إنه Shklovsky أما صيغته اللاتينية كما كتبتها هي فهو من عندياتها ولا وجود له إطلاقا.
واقتبس هنا نص الفقرة الأخيرة من مقدمة كتاب نظرية النثر بترجمته الانكليزية ليتبين القارئ الكريم ما توقعنا به الترجمة أحيانا من قلب للمفاهيم فهو يختتم مقدمته القصيرة جدا بالقول:
“As a literary critic, I’ve been engaged in the study of the internal laws that govern literature. If I may bring up the analogy of a factory, then I would say that neither the current state of the world cotton market nor the politics of cotton trusts interests me. One thing alone concerns me: the number of strands that make up the cotton plant and the different ways of weaving them. For that reason, this book is devoted in its entirety to a study of the changes in literary form.”
وترجمتها الصحيحة: “أنا بوصفي ناقدا أدبيا مهتم بدراسة القوانين الداخلية التي تحكم الأدب، وإذا كان لي أن أستعير لغة الصناعة، فسأقول لا حالة أسواق القطن الآن ولا سياسة اعتماد القطن تهمني، شيء واحد أنا مهتم به هو عدد (التيلات) التي تؤلف نبتة القطن والطرق المختلفة لنسجهاً ولهذا السبب كرست هذا الكتاب بكامله لدراسة التغيرات في الشكل الأدبي”
ويستطيع القارئ الكريم أن يرى أن المعنى مضاد تماما لما كتبه عزام فقد أضاف كلمات من عنده قلبت النص رأسا على عقب بحيث يبدو أن شكلوفسكي يتبرأ من كتابه في مقدمته.
أخيرا أود أن أقول للدكتورة، اعتبريني واهما كما يحلو لك، لكن عليك مناقشة عشرات الكتب التي تعاملت مع المتوالية القصصية على أنها جنس أدبي ابتداء من إنجرام وانتهاء بجنيفر سميث، وأضيف لك هنا دراسة أخرى لم تتوقف عند تجنيس المتواية القصصية حسب بل راحت تبحث في أجناس فرعية داخلها، وهي كتاب الناقد السويدي البروفيسور رالف لندن The United Stories of America.

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *