الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار :رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء السادس والثلاثون)

الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار :رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء السادس والثلاثون)

الجزء السادس والثلاثون
سبأ تعزي نفسها دائماً بصوت الماء ، ولاسيما سقي الحديقة حتى وأن كانت لا تحتاج الى السقي تمسك أنبوب الماء وترش بقوة على المزروعات وتعيش سرحاتها الذهنية في عالم الخيال الذي يجلب إليها أيار ، ذلك الصوت الذي سكن روحها حالما نزل من السماء ، في داخلها مونولوج يتكلم بصوت عالٍ دون هواده ، وعندما يحل المساء تضع رأسها على الوسادة قبل أخواتها … وتمسك النقال الذي تعدُّ حبل الوصل وتكتب فيه الآتي : ليت العصافير تطير مجتمعة حولك وتخبرك بشوقي الأعمى إليك ، ليت السماء تمطر الآن في شهر تموز وتخبرك بحنيني الصادق ، ليتك تسمعين صوت الماء ، وتشعرين بنبضات قلبي الناطقة بالوفاء … وأنين روحي الظمأنه للقاءك … أشعر الآن وكأني صائمة في شهر تموز وقد أظناني الظمأ … ولا أعرف أين أجد الماء ، لم أكن أتوقع منك كل هذه القساوة تجاهي ، والله إني متعبة جدا أكثر مما تتصورين ويا ليت ربي يعجل في إستلام أمانته لأرتاح ، لأني لا أطيق شهراً ثانياً حتى أراك في الجامعة ، وا.. أسفاه … لقد تساقطت أوراقي الغضة الندية بنظرك ولم يبق مني غير الشوك ، وبما أن الألم حبر الكتابة الساخن ، سأكتب لك كل يوم وأن تعكر مزاجي وتحطمت روحي وتعلعلت صحتي ، سأكتب لك مرغمة على استخراج رفات الكلمات من أجداث الماضي الأغبر الأشعث سأكتب لك التوضيح الذي يفتح الملفات التي لا تسمن ولا تغني من جوع ، غير أنها محض دلائل وبراهين على براءتي من مواقف خالية من أي مآرب هدامة ، وسنرى فهل بعد أيات الإهتداء بيننا والحجة نكون بعد كل هذه السنين ضللنا في المحجة ، أين المواثيق والأدلة القاطعة ، أين براهين الصدق التي كانت ساطعة ، واليوم تبدو صورتي بهذه الهيأة الغريبة وكأننا كنا نمثل وإنتهى الدور التراجيدي ، تجعل الدموع تنهال من العيون كالمطر وفي النهاية تسدلين الستار بقولك سلام على الدنيا يا سبأ .
فإذا كنتِ رقيقة من زجاج فلن أكون الحجر ، وإنما سأكون الأزاهير المتناثرة على ثناياك لأنك أحب لي من نفسي ، وأعشق البسمة على محياك ، لم تلهني مشاغلني عنك يوماً أبداً ، لأنك تعيشين معي في دمي ، ووالله بأني أتكلم معك دائماً ، وحتى عندما أضع رأسي على الوسادة ، استلم النقال لأختلي بخيالي معك وأحاول أن اكتب لك … لكني أنام والنقال في يدي قبل أن تكتمل الرسالة فتذهب غير مكتملة إلى المسودات … فلا يخالجك الشك في حبي ووفائي وإخلاصي لك … لأن الدنيا كلها عندي في جهة وأنت في جهة ، ولكن تذكري على الرغم من الشد والجذب والمد والجزر تواصلنا لسنوات وزاد ديمومتنا خطاباتنا وأصواتنا وكأننا لم نبتعد في أجسادنا ، وكأننا نستطيع في كل إتصال طي تضاريس الأرض والأيام ، وكلانا كان يرى الأخر في صورة البدر وسط السماء ، نتراسل نتكلم والسعادة ملء أفواهنا … نعم … يا أيار … نتكلم كما تعودنا حتى ينتهي الرصيد ونحن طالبات ومصروفنا محدود ندخره لنشتري الرصيد ، والمضحك نرى بأننا لم نكمل الحديث بعد ، فالحديث طويل أن بدأ لا ينتهي … وعن ماذا نتكلم لا ندري ؟؟؟ فالحديث يولد ويكبر ويتشعب ويتفرع ، نتبادل الأراء والنصح ووجهات النظر ، وكأننا نعيش مع بعضنا البعض ، متفقين في معرفة خطة الحياة وبنودها وأجنداتها ، والجميل عندما تأتي عطلة نهاية الإسبوع نودع بعضنا وكأننا سنفترق وننتظر العودة الى المدرسة ، لكن اليوم يكتمل البدر ويختفي مرات عديدة وأنت غائبة ومُغيبة ، ولا أعرف أين أنت مني الأن ؟ أقريبة فأناجيك أم بعيدة فأناديك وقد تلاشى صوتك ، وأمسينا لا نعرف عن بعضنا غير أننا على قيد الحياة ، والله يا أيار إني لأقدر زعلك الذي يقض مضجعي وقراراتك المتسرعة الظالمة القاسية ، ولن أكلفك ما لا طاقة لك به ، واليوم أقول لك يا صديقتي الصدق طمأنينة وخلافه ريبة ، ولم تعهديني إلاّ صادقة ، وقد شط لساني وزل بسبب الغضب ، بالله عليك كم بدر مر وهو منطفئ ولم يثر حتى إنتباهك ، والسؤال الذي يطرح نفسه الأن وكيف يمكن لك أن تتحملي تجاهلي ، وكيف تجافي إتصالي وأنت تعتبريني كذويك بحسب قولك !؟ أم إنه زخرف قول خالي من الروح وليد لحظة !؟ أم أنا لا زلت في ضلالي القديم ، ولا أعرف السر ، وهل أحصيت الأيام التي مرت أو تعرفين حتى بعددها ، قد تكون عندك دقائق أو ثوان … وكيف تفرطين بهذه الأيام من حياتنا القصيرة الضيقة ، ان كان لها معنى عندك ، ولا أعرف ماذا ترجمتي زلتي وكبوتي ، أصدقيني القول ورحم الله أمرؤ عرف قدر نفسه ، وياليتك تفتحين نقالك ، وتقرأين هذا الغيض من الفيض والفضفضة التي ضاق بها صدري وخلجات نفسي ، وكم من مرة إتصلت بك طوال هذه المدة وأرجع بخفي حنين ، سكنتني الحيرة وخيم الشؤم في أركان حياتي منذ شهرين ولم أسمع صوتك بها ، وأعرف سلفاً بأننا كنا في أحلك الظروف وأقساها نتهاتف نتعاتب نتشاطر بيننا الهم ليصغر كما تعودنا لأن حبنا في الله معقود ، وأخوتنا لا تنتهي ولا يفرقنا إلاّ الموت كما كنت تقولين لي آنفاً ، أتذكرين … ذات يوم اتصلت بك في عيد الحب لأهنئك وأنا مبتسمة … لكنك رفضت التهنئة وتظاهرتي بالوجوم مما أثار استغرابي ، فقلت لك لماذا تردين على التهنئة بهذا الأسلوب ، أتذكرين ماذا قلتي لي أنذاك ؟؟ قلت لي أسمعي يا سبأ … لا أريد يوماً واحداً للحب وأنما أريد الحب كله ، أريد كل الايام التي تجمعني بك حبا ، لكنك اليوم تثبتين لي عكس ذلك وأحوالك تخالف أقوالك.
فيا …. أيتها الزعالة … لا تنحري الحقيقة في عجالة …
هدي طود الهموم السادر … واقلعي ديجوره الجائر …
فالعتاب دوحة واسعة الأفياء … يلوذ بظلها الأصدقاء الأوفياء …
لكني سأنتظر مجيئك حياك … لأرى البسمة على محياك …
لتعود المياه لسواقيها من جديد … لنحتفل باللقاء وكأننا في يوم عيد …
إنتهت السفرة وعادت أيار وهي تحمل إنطباعات جميلة ورائعة قصتها لعائلتها وشحذت رغبتهم في التنزه في شمال العراق للتغيير والإستجمام ، وهي تعدُّ العدة لحياة جامعية جديدة خالية من الألم بحسب قرارها الذي قطعته على نفسها ، وقد لاح بالأفق … بصيص الأمل … وظهرت قبولات الجامعات ، عبر النت والكل جالس وأنظاره متسمرة على النت … وقد ظهرت الآن … سبأ في كلية الزراعة كما رغبت ، ولم تكن الأرض تسعها من السعادة وهي تصل الى هذا اليوم الذي تمنته ، كم قاست وكأنها قطعت مسافات شاسعة بالسير على أقدامها في صحراء جرداء خالية من الناس ، والأجمل والأروع بالنسبة لها بأنها عرفت الكلية التي ستلتقي فيها أيار التي ظهر أسمها في كلية الآداب لأن معدلها لم يؤهلها لدخول كلية القانون ، وفريال في كلية الإدارة والإقتصاد ، أما مُعاذ فقد نجح بأعجوبة وقد ظهر أسمه كما تمنى في كلية الفنون ، وراح يعزف ويرقص محتفياً بذلك … أما أنصاف فلم يؤهلها المعدل للجامعة وكان قبولها للمعهد التقني .
ولم يقتصر أسلوب الكتابة على سبأ فقط وإنما شمل أيار التي كلما شعرت بألم الشوق تمسك النقال وتكتب ، فراحت تكتب الآتي : على الرغم من أصالة الماضي وعبير ذكرياته الأخاذ الذي يلامس الروح كل حين يبقى الحاضر هو الأقدس والأوثق ومن الخطأ رؤية الحاضر بعين الماضي وكثيراً ما تعودت على تمزيق بعض الصور في ألبوماتي القديمة التي تلاشى تأثيرها وغاب سحرها ، كما عودت نفسي على رمي الأشياء القديمة تدريجياً في مكبات اللاشيء التي احتفظت بها لسنوات عديدة في صناديق غصت بها الغرفة ، واليوم أطبق هذه السياسة على جميع الرسائل لئلا أتعلق بحبال الماضي وأتشبث بخيوط العنكبوت الوهمية ، أمحوها إيماناً مني بأن رسائل الماضي كالدم الجامد لا حياة فيه ، ورغبة أخرى في أن يحل محلها دم حار لرسائل اليوم التي يجسدها واقع الحال في حله وترحاله كأزهار تتفتح في أوانها ، وذلك لأني رحت أؤمن بالتغيير وتقلب القلوب وذلك لأن الأرواح جنود مجندة والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ، فراحت يدها تكتب بالنقال …
لن استسقي غيثك … وأن أجدبت إليك روحي …
ولن استجلب طيفك … وان بالشوق عظمت جروحي …
فالحب ليس لقمة يلوكها أيّ لسان … ولا لوحة مزاجية بريشة فنان …
بل لغة روح تجسدها المشاعر … لا يفقه ترجمتها إلاّ من كان بها شاعر … وخوافق للصدق ظوامىء … تهيم في فراديس الشواطىء …
لا أستسقي غيثك لأنك الملامة … ولك في القساوة علامة …
ظهرت نتائج القبول رسمياً وبادر جميع الطلبة بالتسجيل كل بحسب جامعته وكليته وكانت أيار قد تم قبولها في قسم الإنكليزي بحسب نصيحة عمتها الإستاذة مروة ، ولكن المفاجآة التي أفرحت مروة كثيراً فرحة لم تُصدق بأن منذر قدم الى الدراسة المسائية في قسم الإنكليزي ولم يأخذ رأيها حتى في الأمر ما دامت تنظر له بصمت بأنه دون مستواها العلمي وأن لم تنطق بالأمر إلاّ أن تصرفاتها توحي له بذلك بحسب أعتقاده،وما هي إلا بعض أيام حتى أنتظم الدوام في الكليات وأيار أعتادت على الدراسة الإنكليزية التي لم تكن تهويها البته ولكنه المعدل يأتي بالمفاجآت ، وأشدُّ ما أعجبها مرافقتها مع الإستاذة ذهاباً وإياباً فضلاً عن كونها معيناً في توضيح أي مادة يعب عليها فهمها ، والكل قد عرف أسمها أيار سراج الدين أبنة أخ الإستاذة المتآلقة، وكان الأمر يجعلها تبدو كالطاووس المغرور حينما ينفش ريشه الجميل المتآلق قاطعة على نفسها أن تبقي على صداقتها لعمتها أسلم لها من مغبة الوقوع في دهاليز الطالبات المظلم التي تركت في نفسها الأثر العميق لعدم الإخلاص والوفاء والإحترام .
نعم قالتها في نفسها وعينيها متسمرة في كتابها يظنها الرائي تقرأ ، جالسة على كرسيها الجامعي الجديد المستقل في الصفوف الأمامية كما كانت ولاسيما بأن أسمها في القائمة يحمل الرقم واحد في شعبة الألف ، وراحت تتكلم في منولوجها الداخلي : ولن أُخضع قلبي من جديد لقيود الأسى والحزن والألم من جديد وأنا في الأصل لا زلت أعاني الأصفاد الثقيلة التي خلفتها لي سبأ في عدم وفائها وأن كابرت ولم أفصح دائماً ، ولن أعيش التوحد والوحدة ستكون علاقاتي طيبة مع الجميع ولكن بحدود الزمالة فقط نعم ولا أجعلها تتطور أبدأ ، وأنا قوية وقادرة على تحقيق كل ما أخطط له والكل يعرف أيار التي يصفق لها الجميع ، سأثبت جدارتي بكل معنى الكلمة وسأتحفظ على رقم نقالي فأكيد ومؤكد سيأتي كل الطلبة ويتقربون مني لأكون حلقة وصل أو جسر يوصلهم للإستاذة ولكني أعرف كيف أقيس الأمور وأزنها بالقسطاس المستقيم ، ولاسيما الأولاد الذين همهم الحقيقي اللهو بمشاعر البنات وأنهم سيتقاتلون ويتبارون ليفوزوا بصحبة طالبة لينالوا الرهان من بعضهم كما نرى في الأفلام ، بل وكما أرى في أخي مُعاذ الذي سيصادق مئة من كل كلية ، وهو في حقيقة الأمر جذاب وله مقدرة عجيبة في النقاش الذي يسمعه للوهلة الأولى يظنه بالفعل يحمل الذكاء كله دقه وجله ، ولا يُصدق بأنه نجح بأعجوبة كانت لتودي بحياتنا جميعاً من شدة الفرح ، وكأن الكهرباء العالية القوة صعقتنا وجعلتنا نتهستر غير مصدقين تارة نضحك وأخرى نمسح الدموع الهاطلة ، وبينما هي في سرحتها الذهنية ألقى عليها التحية مجموعة من زملائها مبتسمين واقفين أمامها قائلين : ستُضعفين عينيك من القراءة قبل أوانها وستستخدمين النظارة الطبية وتكبرين بسرعة وتتقدمين في العمر وأنت جالسة في نفس المكان تقرأين ، معنا أخرجي معنا الى التنزه لنتعرف على فضاء الجامعة وأماكن الكليات ومعالمها ، فهنا جامعة وليست إعدادية سنذهب في جوله فهلا رافقتينا ، وسندعوك الى الكافتريا الجميلة الرائعة القريبة من الكلية ما دامت هذه الساعة إستراحة ، فراح كل واحد منهم يُعرفها بأسمه كما توقعت وقد ألحو عليها ، وأمام هذه التوسلات أشفقت عليهم من وجهة نظرها وقبلت الدعوة لرؤية معالم الجامعة فقط ، وليس الذهاب للكافتريا حتى لا يتولد بينهما علاقة تعارف وكما يقولون خبز وملح .
بدأت مروة دون سابق إنذار تهتم لأمر منذر دون أن يطلب المساعدة منها وعلى الرغم من عشقه وشوقه لها إلا أنه قرر أن ينأى بنفسه عنها ظاهرياً ، لأنه يرى فيها مكابرة لا يراها الآخرون والفرق العلمي واضح بينهما لذلك قرر المغامرة في هذه الدراسة التي يراها الآخرون خطاً أحمر وصعب المنال ، ولن يخسر شيء مجرد محاولة تجعله يراها كل يوم ولاسيما وهي تلقي المحاضرة كأستاذة ، ولعله يستفيد من رسائل القدر التي توزع على الناس بشكل مباغت والأهم من ذلك تم قبوله في قسم اللغة الإنكليزية على الرغم من الإختبارات ، وأن أهم إرشادات فريال أن يُشكل له مجموعة من الزميلات عسى ولعل أن تثير الإنتباه ، وبالفعل سرعان ما كون مجموعة والغالب على طلبة الدراسات المسائية من الموظفين والموظفات لذلك وجد سهولة ويسراً في التعامل والإنسجام معهم ، مما دعا إلى أن تتساءل مع نفسها لماذا تغير منذر تجاهي ، نعم كنت مُصيبة في الأمر فلو كان جاداً معي على الأقل لتقدم ويرى هل سأوافق أو أرفض ؟ أما يبقى ملمحاً لإقامة صلة تعارف خارجة عن المآلوف أمر لا يوجد في قواميس حياتي البتة ، لذلك عندما لمس مني عدم التجاوب نأى بنفسه ، ولاسيما وهو في الكلية الآن وأمام عيني وكأنه لا يراني ، كم كنت غبية عندما ظننته معجباً بشخصي وشخصيتي ، والمشكلة بأن سُــبل تقول لي بأنه متيم بي ، يا فتاة أنا أعيش في الكلية منذ سنين وعلى مرأى ومسمع تجري أساطير الحب على شاطىء الحب الجارف الذي يجف عند التخرج ، ولكن لا أعرف لماذا أثار انتباهي هذا الأمر ، شيء لا يصدق أيعقل بأني أحب أن أسخر كل الناس حولي وأجعلهم ينظرون لي فقط ويصفقون لي دائماً ؟ ، وبينما هي كذلك … أنتبهت من سرحتها الذهنية … وإتصلت بالحال بُســبل وهي تعرف بأنها الآن في المستشفى .
سُــبل مبتسمة : يسعدني … سماع صوتك الجميل … صباح الحب .
مروة بهمس : أحتااااااجك .
سُــبل : لا تُخيفيني … هل لديكم حالة طارئة … فمستوصف الجامعة قريب منكم .
مروة ضاحكة : أولست طبيبة … فأنا أحتاجك … جداً … أشتاق لك .
سُــبل مبتسمة : الله … كم أحتاج الى هذا المهدىء… أعيدي ما قلت لأسمع صوتك .
مروة : ماذا ماذا ؟؟؟ يُعالج الناس وهو عليل .
سُــبل مبسمة : ومن قال لك بأن الأطباء ملائكة ، تعالي الى السلك الطبي وسترين العجب ، أتعرفين أن المخترع ميخائيل كلاشنكوف ، أي مخترع رشاشة الكلاشنكوف بعد ان فرح بهذا الإختراع في شبابه عاش طوال عمره مكتئباً وهو يرى ثمرة جهده تستخدم لإراقة الدماء .
مروة متنهدة : لم أفهم قصدك … ولكني أريد أن أراك … حقيقة أشعر بأني أحتاجك كثيراً فلا تتركيني هذه المدة ، ولا تقولي نتواصل بالهاتف … فالهاتف جهاز للتعزية … لا يُعوض عن اللقاء البته .
سُــبل : حبيبتي … أنت تعرفين … مواعيد وقتي وبالظبط … وأنا الآن أتحاور معك … أشاروا لي أكثر من مرة وتعرفين الواجب في المستشفى … انساني قبل ان يكون عملاً ، في الصباح هنا … وفي العصر في العيادة … لكن حددي لي الموعد الذي تريدينه … وسأكون أمامك … حتى وأن تلقيت عقوبة التغيب .
مروة : لا لا … أبداً لا يُرضيني ذلك أنا سأحدد الوقت الذي يناسبك وسآتيك بنفسي .
وأثناء تجوال أيار مع مجموعتها الجديدة من الطلبة والطالبات ، في داخل الحرم الجامعي رأت مُعاذ من بعيد وسط عدد من الطلبة في حديقة كليته الجميلة وهو يعزف على الغيتار ، والكل ينظر له بإعجاب فإبتسمت وتجاهلت الإتجاه صوبه ، وأثناء تجوالها رأت أنصاف فطارت فرحاً عندما رأتها فإنعزلت بالحال عن المجموعة منفردة بالجلوس على أحد المصاطب وكأنها وجدت كنزاً فقدته ، وكذلك أنصاف التي فرحت بها وترقرقت عيونها من شدة الفرح .
أيار : والله يسعدني رؤياك … كيف حالك … أخبارك وماذا تفعلين هنا أشتقتُ لك .
أنصاف مستغربة : ماذا ؟ أفعل ؟ أنا في دوامي .
أيار : رأيت قبولك على النت في المعهد التقني …
أنصاف مبتسمة : ها … صحيح … ولكني الحمد لله سجلت في الدراسات المسائية كلية الإدارة والإقتصاد ، ولكني أداوم مع الدراسات الصباحية … يعني أدفع القسط السنوي ولا أدوام معهم ، كم عتبت عليك … وأنت تغلقين نقالك أو بالأحرى غيرتي رقمك وصفحتك على النت وإيميلك .. فعن أي شوق تتحدثين يا أيار .
أيار : إعذريني … لقد تلقيتُ ضربة قوية وقاصمة ممن وثقت بها … جعلتني أفقد الثقة حتى في نفسي وقد رأيت بأمُّ عينيك ما حدث … وبالكاد فقت من الأزمة الآن … لقد خيبت ظني بها … سأعطيك رقمي الآن .
أنصاف : والله … الأمر هيّن وليس بمستوى التهويل الذي وصفتيه … ولو كنت لم تتواري عن الأنظار بقرارك الصارم المتسرع غير المتأني لرأيتي … خطأ قرارك … الذي همشها … وخيب ظنها بك .
أيار منزعجة : للأسف لا زلت كعادتك تدافعين عنها على الرغم من إعترافها أمامك .
أنصاف : لن أدافع عنها ولا عنك وأعتقد بأني فشلت في التقريب بينكما وأن كل منكما لم يفهم الآخر ، ولن أتعب نفسي تارة أخرى … ولو كان بينكما توافق روحي لما تفرقتما لسفاسف الأمور … وعليه أنأى بنفسي عنكما وعن مشاكلكما التي جعلتني أدور في دوامة لا أعرف في أي إتجاه تقف ، ولكن الذي أريد أن أقوله لك ولتاريخك القادم مع الصداقات … لا تهربي من المواجهة … ولا تتخذي الحكم جزافاً على أي شخص … وأنا أحبكما .. وأتمنى لكما الخير … وكلتاكما صديقتاي … ولكني لا أخاف جفاءها لأنها رومانسية رقيقة صادقة المشاعر ، ولكل فعل رد فعل ، ولا تنسي مجموعتك الماكرة التي دقت آسفين الفرقة بينكما ، وكيف جعلتها تعيش في جو مكفهر بسبب قربها منك حتى أن علاقتها بدأت تتأرجح ما بين شد وجذب منذ بداية ولادتها .
أيار بفتور : وكأنك تلقين عليّ اللوم … وتبررين خطأها … ولكن كيف حالها … الآن … أتمنى لها كل الخير ولم أرغب بفرض نفسي عليها ما دامت تستخدمي كأداة لضرب المجموعة أو غيرها .
أنصاف : حالها كحال أي شخص مقعد الفكر … لكني قلت لها في إتصال ، تكيفي مع حياتك الجديدة في كليتك التي تمنيتها والأيام كفيلة بالنسيان … وقلت لها لو كانت أيار تهتم لشأنك كما أنت تهتمين لها… لما هجرتك .
أيار ترقرقت عيونها حالما سمعت ذلك : لقد جرحتني جرحاً عميقاً … ولكن لا تظلميني في وصفك .
أنصاف نهضت مستعجلة وهي ترنو لساعتها : لم ولن أظلم أحداً في حياتي ولكن للأسف أنتهى وقت الإستراحة ردي لي رقمك بسرعة ، سيحين وقت المحاضرة أنا في قسم الإحصاء … الى اللقاء .
أقتنع خالد برأي الدكتورة سُـــبل بالدراسة الخارجية وإستثمار الفرص لأنها تمر كالسحاب والعمر يسرع كذلك الى نهايته ، وبالفعل أكمل إجراءات التقديم في مديرية التربية وقد هيأ لنفسه مستلزمات الدراسة كافة وهو مسرور بسرد هذه المعلومات للدكتورة بعد أن أنتهى أخر مريض .
الدكتورة مبتسمة : هذا خبر رائع … وأريدك الآن أن تبدأ بالدراسة بإهتمام .
خالد : أخشى أن لا يسمح لي الوقت بالدراسة .. فمستقبل أخوتي العلمي الآن أهم شيء في حياتي … ولا أريد لهم الشعور بالآسى على حالهم أو حالي .
الدكتورة بغبطة : يا خالد أترك نبرة رثاء الحال هذه … وتوكل على الله تعالى فأن كان لك نصيب في شيء ستناله ويُعجبني أن أستشهد بحكمة رائعة : ( لو عرض الله تعالى على أبن أدم أن يختار قدره بنفسه ، لما أختار إلا القدر الذي كتبه له ) .
خالد مسروراً : أتمنى أن أكون عند حسن ظنك .
الدكتورة : أنت ستحاول وفي المحاولة مغامرة والمغامرة خطوة شجاعة للأمام وهذا لا يعني بالضبط ان يكون الطريق معبداً ومُحاطاً بالزهور … قد تتعثر .. المهم … المواصلة … والعزيمة … والإصرار … وإلا لما تم فتح الدراسة الخارجية ولو تطّلع على عدد الطلاب المتقدمين لهذه الدراسة لا تُصدق العدد ، ولكن هل كل هؤلاء حققوا النجاح ؟ طبعاً لا … وليس بالضرورة أن يحقق الجميع النجاح فلا يسقط من الغربال إلا المصفى ، أتمنى أن تكون منهم … المهم الآن … أبدأ … في الدراسة … ولا تستعجل الغيث … ولكل حادث حديث .
خالد متنهداً : أسأل الله تعالى أن يبدد مخاوفي ، سأبدأ بالدراسة اليوم وأبرمج وقتي القليل ليتناسب مع الإلتزامات الجديدة … وكفى … وكما يقال أشعل شمعة صغيرة خيراً من لعن الظلام .
الدكتورة : وأنا من جانبي … أدعمك بزيادة مرتبك الى الضعف … فالخير وفير … والزبائن كُثر … وأنت تستحق لأنك تؤدي هنا أكثر من مهمة ووالدتي أعتادت عليك .
خالد بغبطة عارمة : أنا عاجز عن الشكر والإمتنان ووالله لكم جميعاً مكانة كبيرة في قلبي ، ولاسيما والدتك الكريمة الرائعة التي أحبها وأحترمها كوالدتي ، ولكن دكتورة أنا لا أريد البته أن أشق عليك وأنت ما زلت ترزحين تحت وطأة إلتزام السلفة ، ومسؤولياتك الأخرى .
الدكتورة قاطعته مبتسمة : لا داعي للشكر فهذا إستحقاقك وبكل جدارة والسلفة أمرها سينتهي قريباً جداً ان شاء الله … وأشكرك على فكرتك الرائعة التي أزاحت عن كاهلي ثقلاً كبيراً … أتعلم يا خالد … أنا أتفهم شعورك الأخوي الرائع تجاه أخوتك ، وهذا لا يعني البته إهمال نفسك ، وأنا كذلك أفكر بأخوتي التوأم وهما كما تعرف الآن في المتوسطة ، نشئا يتيمين وكانا يريان فيّ مثلهم الأعلى وكان لدينا راتب والدي التقاعدي ودكان صغير مستأجر ، وقد إستطاعت والدتي من خلال تنظيم الميزانية بالمبلغ المحدود من المصدرين أن تسد الإحتياجات الضرورية فقط ، وتزرع في نفوسنا القناعة دون أن نفكر بطلب المزيد وان فكرنا بالكماليات نتراجع بالحال لأننا نعرف مستوى الميزانية مسبقاً ، وعندما كنت طالبة كنت أستخدم أردىء أنواع الورق وأرخصه ، بل والأكثر من ذلك كنت استخدم سجلات بعض الدوائر المهملة التي تجلبها لأمي إحدى قريباتها بحجة أنها تستخدمها في التنور الطيني الموجود الآن في زاوية دارنا ، تقول لها أحتاج الورق لأحرقه في التنور مع الحطب ، وفي واقع الحال أنا من أستخدم هذا الورق وكما تعرف بأن دوائر الدولة تستخدم صفحة واحدة للكتابة ويبقى ظهر الورقة فارغاً ، ويأتي دور الحاجة هنا (كأم الإختراع) ، أتناول السجل وأستخدمه بالمقلوب وأكتب في الجزء الفارغ من الورقة ولم يطلع أحد قط على هذا النوع من الورق سوى صديقة العمر مروة التي كانت تتآسى على هذه الحالة وتحاول أن تعرض علي المساعدة بتوفير كل ما أحتاجه من قرطاسية ، ولكني أخبرتها أن أرادت الإحتفاظ بصداقتي فعليها الإعتياد على هذا الأمر وأن تحترم وضعي كما هو ، لأني لم أشكُ من أمكانياتي المحدودة وحالنا أفضل بكثير من أحوال الالاف من الناس ، ثم إني أشعر بالقناعة الكافية والكاملة بما موجود لدي ، لذلك الذي أريد أن أقوله لك بأن الفقر ليس عيباً والحاجة كما تقول الحكمة أم الإختراع ، فلأننا نشعر بالحاجة لابد أن نفكر ونتفنن في طرق الحصول عليها والعمل أرقى أنواع الكسب الحلال ولكن كما تعرف حتى العمل فيه درجات ومستويات ومؤهلات دنيا وعليا ، والراتب الضمانه الوحيدة للإنسان التي تكفل له الطريقة المريحة المنظمة التي تفيده ان واجهته متاعب الحياة وتقلباتها المفاجئة ، ولا نكترث للماضي وإنما لابد من التفكير بالحاضر ، أفضل لك من عمل السوق وتسمية البقال … ستتغير نظرة المجتمع لك من بقال الى موظف … أو حتى الى عامل في معمل .
خالد منزعجاً : أتقصدين أن أعمل في إحدى دوائر الدولة … وأتقييد بقيود الوظيفة وبراتب لا يكفي عائلتي .. ثم من يوظفني بشهادة المتوسطة … ومن قال لك أن مهنة البقال مهنة السوقى من المجتمع ولكن حاجة الناس هي التي تقودهم الى البيع والشراء … وهناك الكثير ممن أعرفهم يعملون في السوق وهم يحملون شهادة البكلوريوس ولم يلتحقوا بدوائر الدولة للتعيين ، فلا أعرف لماذا تنظرين للفقراء هذه النظرة الدونية …
الدكتورة مستغربة ومنزعجة : يا خالد … لا تجعلني أندم لأني كلمتك عن نفسي … ثم خاطبته معاتبة … أنا بنظرك … أنظر الى الفقراء نظرة دونية … ولماذا لأني … تمنيت لك حال أفضل ؟ ولكني أكيد مخطئة في كلامي ، ولا أعرف كيف ولماذا بالأساس كلمتك عن نفسي وخصوصياتي ، لتأتي وتعطي لنفسك الحق في مثل هذا الكلام الكبير والجارح … أنا أعتذر لنفسي أولاً ثم أعتذر لك … لأني تدخلت في أمور بالفعل لا تخصني ولا تهمني ولكني قلتها من باب النصح والإرشاد ليس إلاّ .. وأنا بالفعل مخطئة وأعدك بعدم تكرار هذا الخطأ ، فسحبت حقيبتها الطبية لتهم بالإنصراف ، لكنه وثب على الحقيبة كما أعتاد كل يوم يحملها ويوصلها الى بابها ويسلمها الى أخيها علي الذي يكون عند الباب بالإنتظار .
خالد شاعراً بالخجل : أرجوك يا دكتورة لا تفهميني خطأ … والله لم أقصد أبداً إزعاجك بأي رأي لكنه محض حوار وهذا ما خرج من لساني بعفوية مطلقة ، لأني شعرت بالآسى على نفسي وأنت تتكلمين بالدونية لمهنة البقال مقارنة بالموظف .
الدكتورة منزعجة : قلت لك بأني مخطئة من رأسي الى أخمص قدمي ، وما دخلي أنا بك أو بوظيفتك سواء كنت موظفاً أو بقالاً أو إسكافياً ، ثم أنه من الخطأ الفادح الذي لم أنتبه له هو بقائي في العيادة بعد أنتهاء الزبائن ، لأتبادل معك أطراف الحديث وأنت تعمل عندي … كم كنت مخطأة … ثم إنصرفت بسرعة .
مرّ على دوام أيار ثلاثة أيام وقد أعتادت بسرعة على نفر كبير من الطلبة ولاسيما فجر الطالبة اللصيقة التي إختارت الكرسي القريب منها وأخبرت الجميع بعدم الجلوس على هذا الكرسي وأن تأخرت عن المحاضرة ، وان رأت أحدهم جالساً عليه تطلب منه إفراغ المكان ، لأنه مكانها مما يثير شعور أيار بالزهو لأن الجميع يتمنى الجلوس قربها بحسب رؤيتها بسبب قرابتها من عمتها أستاذة الأدب الإنكليزي التي تدرس المرحلة الثالثة في القسم ، فضلاً عن تميزها في الكثير من المواد وحفظها للكثير من المصطلحات التي ترد في المحاظرات ، إلا أنها وعلى الرغم من هذه الحياة الجديدة وتزاحم وتسارع الأحداث لم تنفك عن الشعور بالإضطهاد الذي لحقها في الأيام الماضية شعور بالألم لا تستطيع وصفه ولا تريد البوح به لئلا تشعر بالضعف ، ومنولوجها الداخلي حي لا يموت ما دامت حية ، كلما أختلت بنفسها في جامعتها أو غرفتها يبدأ حوار الحنين العارم الممزوج بنكهة المطر وتبدأ إرجوحة الذكريات تداعب خصلات شعرها المسترسل ولاسيما بعد لقاءها بأنصاف وكلامها الذي علق بالذاكرة وجدد الأوجاع التي كانت متوارية عن الأنظار ، وراح صدى كلماتها يتردد في خلواتها ولاسيما بعض العبارات مثل : ( ولو كان بينكما توافق روحي لما تفرقتما لسفاسف الأمور ، ولكن الذي أريد أن أقوله لك والتاريخ القادم مع الصداقات … لا تهربي من المواجهة … ولا تتخذي الحكم جزافاً على أي شخص … ) ( ولكني لا أخاف جفاءها لأنها رومانسية رقيقة صادقة المشاعر ، ولكل فعل رد فعل … ولا تنسي مجموعتك الماكرة كيف جعلتها تعيش في جو مكفهر بسبب قربها منك ) .
يعني تقصد بأني هاربة الآن من المواجهة وحكمتُ عليها جزافاً بدون إصدار مذكرة قضائية ولم أسمح بالدفاع عن نفسها أو توكيل محامي ، ولكني سمعت إعترافها الكامل ، وان كانت قد كلفت هيأة الدفاع عنها لفشلت ولخسرت القضية ، وقد أنتهت ثلاثة أيام ولم تفكر حتى بمجرد السؤال عني لو نفترض جدلاً بصحة كلام أنصاف ، ولو كانت مخلصة وصادقة لبحثت عني أو لسألت عن طريقها ، أو على الأقل مهاتفتي على رقمي الجديد ، نعم أنا لست مخطئة وأن كنت طوبائية ، ولم أظلمها نعم طوبائية أنا … لا أفقه لغة الزحام إمرأة من زجاج تعيش لحظات الوهم ، تجافي الواقع أحياناً وعلى سمفونية الروح ترقص ، حيث لا يسمعها الآخرون ، وبعد الفاصل تصفق لنفسها جذلى وتسدل الستار أرأيتي مثلها … وحيث توجد جذوة الأحلام تأتلق نيرانها لتنير الظلام ، مرت ليالي دهماء قاصفة بتراشق حبات البرد الرائع على النوافذ لتنعم بصباح منعش لذيذ بنكهة البرد الجميلة التي لا يمدحها إلاّ من حرم منها وتحت سياط الشوق تنساق المشاعر الخالية من اي مآرب ، مع ريح الصبا الى من أعتبرتها جزء من حياتي ، لكن هذا الجزء أصابني بالذهول ووقفت عاجزة على عكازة الصبر ولو كتبت موسوعة ، أشعر انها تبتعد عن الهدف والمقصد … ولكن عمتي تقول لي دائماً بأنه من الخطأ رؤية الماضي بعين المستقبل ، والمهم الآن أن أتعافى ، لأنها لا تستحق مني لحظة تفكير واحدة ، لأنها هي من حددت طريق الفراق ولم تحترم إخلاصي ولا وفائي ولا حبي الجارف الذي كان ينهال عليها كشلالات نيكارا وقد أخبرتها بذلك ، فكيف تفرط بهذا الحب وهذا الإخلاص إن كانت صادقة ، ثم إن أنصاف بطبيعتها تعمل جاهدة بالصلح بين المتخاصمين أذن لماذا تسحب نفسها الآن ؟! فالكتاب مقرؤ من عنوانه ، فلا داعي الى شعوري بالألم البته لأني على حق دائماً وواثقة من كلامي ومتمسكة بأرائي وأن خالفها الجميع .
بسبب تزاحم الأحداث وتشعبها راحت مروة ترجىء لقاءها الإسبوعي مع زكية غير مكترثة ، وبينما هي تنتظر لقاء سُـــبل وجدتها أحوج منها للمساعدة ….
مروة مبتسمة : أراك لم تحددي موعدا للقائنا ؟ أولم تهتمي لدعوتي الروحية ؟
سُـــبل بفتور على غير عادتها : أعذريني حبيبتي … أشعر بالتعب أكيد سأزورك .
مروة بقلق وبرقة متناهية : سبل … ما الأمر … لماذا كل هذا الحزن في صوت.
سُـــبل متنهدة : لا شيء … لا شيء مهم لا تشغلي فكرك الأمر لا يستحق.
مروة بجدية : أرجوك أن كنت لا تريدين التحدث عن الأمر فلماذا تعلنين عنه ، من البداية عن الإشارة ، ومن هو الذي لا يستحق على كل حال أنا لا أجبرك ان أردتي عدم التحدث ، أنت حرة ولكن هل المشكلة في المستشفى أو في البيت أو في العيادة ؟
سُـــبل متنهدة : لا … في العيادة .
مروة منزعجة : وهل سيجري حديثنا بطريقة التحقيق والسؤال والجواب … أم ماذا ؟؟ لا توتريني رجاءً وأنت تسخرجي الكلمات كالذي يستخرج الحصى من عنق الزجاجة ، ماذا دهاك ولماذا لا تريدين التحدث بطلاقة عن المشكلة وكأنك ألتقيتيني صدفة على قارعة الطريق …. سُـــبل … أنا مروة … تحدثي أرجوك … ماذا حدث لك في العيادة هل أخفقتي في علاج أحد المرضى .
سُـــبل : لا تقلقي حبيبتي … فالأمر ليس مشكلة .
مروة متوترة : حسناً ليس مشكلة وقد غيرتي رأيك ما الأمر ولماذا أنت منزعجة ؟
سُـــبل : أنا منزعجة من نفسي أيما إزعاج ، لأني أوليت خالد أهمية أكثر من حجمه ونسيت بأنه عامل عندي بالدرجة التي وصفني بها بأني أصف الفقراء بالدونية بعد أن دار بيننا حوار (كيت وكيت ) .
مروة : وأنت لماذا تتبادلين معه أطراف الحديث بعد أنتهاء أخر الزبائن .
سُبل : أقد يأتي مريض في هذه المدة التي نتحدث فيها بحدود ربع أو نصف ساعة
مروة : أعلمي يا صديقتي … بأن الحديث … لغة تحتاج الى طاقة … والطاقة لا تُشحذ إلا بين من تآلفت أرواحهم ، هذا يعني بأنك ألنتي جانبك تجاه خالد مما جعله يتحدث إليك بعفوية لأنك أنت من فتحتي الباب لتجاذب أطراف الحديث ، وأعلمي بأني وعلى الرغم من كثر علاقاتي مع الناس لا أرتاح إلا بالحديث معك ولا تُشحذ طاقتي إلا لأجلك لذلك ، وعليه تجديني أتعامل بخطين للإتصال واحد أستخدمه في العمل وأغلقه عصراً كل يوم ، وواحد مع أهلي وأنت من ضمنهم وهو الذي أكلمك منه الآن ، لذلك أن كان هناك خطأ في هذا الأمر فهو خطأك ورأي خالد بديهي لأنك أعبتي ولو بشكل غير مباشر على عمله .
سُـبل متأثرة : أنا أردت نصحه ولم يفهم ذلك الجاهل المتخلف،وقبل أن أنصحه تحدثت عن وضعي سابقاً وحتى مسألة الأوراق لئلا يشعر بأني أتعامل معه كما تصور .
مروة : ولماذا ؟ هذا الخرق السافر لخصوصياتك أيتها الدكتورة لماذا ؟ يكاد عقلي يقف ولا يصدق ما تفعلين بنفسك ،ولا تثريب البته عليه فهو معذور وأنت الملامة .
بدأ الإسبوع الثاني للدوام الجامعي وأيار تتواصل بكل جد وعزيمة ومثابرة ولم يغفل عن بالها قراءة الكتب الخارجية وأن أول مكان قصدته هو التعرف على مكان المكتبة ، والإطلاع الأولي على الرفوف وما تحويها من كتب وأول كتاب رشحته لها عمتها قصة الشيخ والبحر الرائعة بنسختيها العربي والإنكليزي وكانت تقرأ وكأنها تهتم بالكم قبل النوع لسرعة انتهائها من القراءة والبدء بأخر المهم أنها تُعلن عن بداية يوم جديد لموضوع جديد لدرجة أن الكثير ينظرون إليها نظرة إستغراب ممتلئة موحية بعدم التصديق ، في زمن قل فيه القراء للكتب وإتجوا نحو الكتاب الإلكتروني مباشرة من على شاشات الحواسيب ، لكن لا يجرؤ أحداً على مناقشتها بالأمر ، لأنها أكيد من وجهة نظرها بأنها ستفحمهم من خلال إسترسالها في الكلام بالشكل الذي يقودهم الى الإستسلام والتراجع في الدفاع عن أرائها كما أعتادت ، وأنها قررت اليوم الهرب من زميلتها فجر حال إنتهاء المحاضرة مباشرة وبعد أن تتوارى عن أنظارها تموه في المكتبة وتغوص في الكتب لتستفيد من الوقت ما دام الوقت التالي ساعة إستراحة ، وبالفعل وبعد ان كانت متهيأة خرج الإستاذ قبل خمس دقائق ، وبالحال خرجت خلفه وكأنها تريد ان تتكلم معه ماشية خلفه متوجهة صوب المكتبة ، وقد تلاشت صورتها وسط زحمة الطلبة في الممرات المؤدية لدرجة لم تعرف فجر أين أختفت ولم تألف الأماكن بعد ، وكانت أنظار أيار مصوبه الى النوافذ الزجاجية في أبواب القاعات وهي مبتسمة وفي نفسها رغبة لرؤية عمتها داخل إحدى القاعات المتآخمة لقاعتها لتتفاخر بها كعادتها ، لكنها رأت عجباً في قاعة رقم ثلاثة أهتزت له روحها وكادت أن تفارق جسدها ، وتسارعت ضربات قلبها فوق التصور فتسمرت قدماها لدى الباب وكأنها فقدت الحركة وشلت بالكامل فغرت فاها وأتسعت حدقتاها وهي تنظر ناسية مقصدها .

… يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *