الرئيسية » ملفات » وجدان عبدالعزيز : الشاعر سلمان داود محمديعيش بذبذباته الإنسانية (ملف/19)

وجدان عبدالعزيز : الشاعر سلمان داود محمديعيش بذبذباته الإنسانية (ملف/19)

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

الشاعر سلمان داود محمد
يعيش بذبذباته الإنسانية

وجدان عبدالعزيز

محاولة الدخول الى تجربة سلمان داود محمد الشعرية ، لهي محاولة شاقة تستوجب معرفة ضمنية باللغةالنقدية، كونه لاعباً ماهراً باللغة الشعرية من حيث تحميلها بالكثير مما تتحمل، حتى بات التأويل والوصول الى المعنى، ليس المعنى المطلوب بعينه، أو كما يقترحه الشاعر أو كما يتبدى للمتلقي، وهذا الأخير لا يستقر على حال ، بل يعطي احتمالات الوصول .. يقول الناقد الغذامي : (والنص الكتابي هو النص الحديث الذي يدعو اليه بارت وهو نص يمثل “الحضور الأبدي” والقارئ أمام هذا النص ليس مستهلكاً وانما هو منتج له، والقراءة فيه هي اعادة كتابة له، وهذا النص هو حلم خيالي من الصعب تحقيقه أو إيجاده، ولكنه مع ذلك مطلب سام للأدب، انه ـ في كلمات بارت ـ الشعر بدون القصيدة والأسلوب من دون المقالة “ولعله أراد بذلك ما أراد دريدا من الأثر”)، ويُنقل عن الشاعرة سلفيا بلات في إحدى قصائدها، كيف أن حياتها بين نارين (نار الجحيم وهي نار عذاب ونار السماء وهي نار تطهير)، والتساؤل المثار انها تعيش احتراق دائم حتى انتحرت في آخر المطاف، لكني هنا أقلب المعادلة مع الشاعر سلمان داود محمد، لأجد احتمالية انتحار المتلقي في توالد المعنى داخل المعنى الآخر، وقد انحاز وأنا في كامل قواي العقلية الى مقولة : ان الأدب هو نص وقارئ، فمبدع النص يضعه على الورق بعد عسر ويسر ويأتي المتلقي الذي عليه التسلح بالقراءة الشاعرية، تلك التي تسعى الى كشف ما هو في باطن النص، ويعكس هذا الدور استجابتين : الأولى استجابة ذاتية، وتمثل المسار من القارئ الى النص، وتحتاج الى الإستجابة الثانية الموضوعية التي تعني الإنطلاق من النص الى القارئ، حيث سيبقى المسار مفتوحاً في الأخذ والمنح من النص .. وحماية النص من القراءة المتطرفة، يستوجب الناقد الغذامي هنا ان يتحلى النص “بالسياق” ، باعتبار ان شفرة النص، تنبعث من سياقه، وهنا نعطي للقارئ حرية مقيدة، أي حرية تفسير الشفرة داخل السياق .. وبما أن الشاعر سلمان داود محمد داخل سياق الشعر .. اذن علينا أن نعيش أجواء الشفرة الشعرية حصراً، والتحلي بكثرة الإستغفار ، كي لا نصل الى حالة الإنتحار ونهاية ضجيج طلقات النص الحامل بتوأمة المعاني أي بكثرة التأويلات والإحتفاء بمواليد المعاني .. وحسناً فعل الشاعر ، حينما أصدر مجموعة من دواوينه بمجلد واحد ، قد يليه مجلد آخر وهلم جراً .. وحسنات الجمع اقتضت جمع الصور الشعرية أمام المتلقي، لإختبار تجربة الشاعر في مساراتها المتعددة، وفي حكم التأكيد على تجربته المنفعلة والفاعلة في تعاطيه لآثار اللذة والألم في حنايا الحالة الإنسانية المنفعلة .. وهذه التجربة الرؤيوية ، سيكون الإنسان المبدع دائب المسعى في اتجاهها، كي يحقق حالة تنبؤية في ذات المسعى، وبالتالي سيكون ذا أثر في نفس المتلقي .. (فالكلمات تتضمن غياب الأشياء تماماً مثلما أن الرغبات تمثل غياب المرغوب فيه)، (ومن هنا يأتي “الإختلاف” في النص الأدبي كقيمة أولى من حيث اختلاف لغة النص عن لغة العادة، واختلاف الحاضر منها عن الغائب، كاختلاف الحياة عن الموت والحلم عن الواقع، ويكون الإختلاف في النص كمساحة من الفراغ تمتد بين طرفي عناصر الحضور وعناصر الغياب، وعلى القارئ أن يقيم الجسور فيما بينها ليعمر هذا الفراغ، وذلك هو التفسير وهو فعالية القراءة الأدبية، التي تهدف الى تأسيس هذا المعنى المفقود الذي يدعم كل المعاني ويجعلها ممكنة)1، و(لابد للكلمة في الشعر من أن تعلو على ذاتها، أن تزخر بأكثر مما تعد به، وأن تشير الى أكثر مما تقول، فليست الكلمة في الشعر تقديماً دقيقاً أو عرضاً محكماً لفكرة أو موضوع ما، ولكنها رحم لخصب جديد . ثم أن اللغة ليست كياناً مطلقاً، بل عليها أن تخضع لحقيقتنا التي نجهد للتعبير عنها تعبيراً كلياً، فهي اذن ليست جاهزة بحد ذاتها، ذلك أن الكلمة في الشعر ليست مجموعة متآلفة من الأصوات تدل اصطلاحاً على واقع أو شيء ما، وانما هي صورة صوتية وحدسية، والعلاقة بين معناها ولفظها تقوم اما على اقتران الصوت بالشيء، واما على اقترانه بالحدس. واللغة العربية بنوع خاص شعرية بالدرجة الأولى، أي شخصية الى حد كبير : تفلت من المصطلحات والتحديدات المنطقية وتنبجس وتتفجر في حركة الأعماق، وفي الإبداع الشعري يصل غنى هذه اللغة الى أوجه وتصبح غابة شاسعة كثيفة من الإيقاع والإيحاء والتوهج لا حدّ لأبعادها، فتفرغ الكلمات من معانيها الموضوعة، الموجودة مسبقاً في المعاجم أو على الألسنة، وتتنوع دلالاتها، وتختزن ممكنات من المعاني تكثر أو تقل بحسب سياقها وترابطها بغيرها وترابطها بغيرها وارتباطها بالحدس الشعري)2، ولهذا أجد أن الأعمال الشعرية من (غيوم ارضية) و(علامتي الفارقة) الى (ازدهارات المفعول به) مدرج من المفارقات التي تقدم حالات من الغرائبية ، لكنها تبقى ضمن السياق الشعري .. تقول الدكتورة بشرى موسى صالح : (ان المعيار الذي تنتقل به المدركات والأفعال المألوفة الى الوصف “المغرب” أو غير المألوف هو غير محدود، وقائم على أفق مفتوح لتراكم الخرق، ولا نهائيته واندغامه بالأسلوب الذي غالباً ما يؤثر على طبيعة الإدراك ومنظوره ، عبر وسائله الخاصة الخاضعة لامكانات التجريب المفتوحة.)، وبهذا ومن خلال الدراسات الأسلوبية ، تأكد لنا بأن الإنحراف من أهم الظواهر التي ميزت الأسلوب الشعري وبدوره ميز اللغة الشعرية ومنحها خصوصية وتوهجاً، ليجعلها لغة خاصة تختلف عن اللغة العادية، وذلك من خلال الإنحراف والمفارقة، وهذا يعطيها بُعداً جمالياً وايحائياً، يتمثل في رصد حالات الإنحراف والمفارقة عن الأنساق المألوفة والمتواضع عليها، وكما يسميها الناقد جون كوهين الإنتهاك، وبالتالي يعتبر هذا الإنتهاك هو الأسلوب .. وهذا يجعلنا نشير الى تنبيه شكلوفسكي حول الموضوع وجعله خارج الفن ولا يدخلها إلا عبر تغريبه وجعله كشكل لا نظير له في الواقع من خلال الإنحراف والمفارقة عما تواضعت عليه الذائقة الجمعية .. واعزو الأمر الى عالم الإنزياح ، وبعد القراءة المستمرة لنتاج الشاعر، وجدناه قد استثمر التراكم المعرفي لديه، أي انه استعمل التناص بوصفه (تفاعلاً نصياً داخل النص الواحد، وهو الدليل على الكيفية التي يقوم بها النص بقراءة التاريخ والإندماج فيه)3، من هنا سنكتشف مسارات سلمان داود محمد الشعرية ، وهي تتلاقى مع المسارات الإنسانية حاملة رسالة وتجربة ..

الشعر رسالة وتجربة ومشروع لايكتمل :

يقول الشاعر في قصيدة (تنبيهات الناقوس الخشبي) من الكتاب الأول :

(واسوأتاه
لقد خانتني شراهتي الفائقة نحو الآثام
وصرت أحبكِ
حيث الأخطاء الجليلة
تقاتل بلطف زاهر
مباهجي الراسخة في الإيذاء الجميل …)

في الأعمال الشعرية بكل كتبها الثلاثة ، استعمل أسلوب الفصل الرقمي الذي ينهض على دلالة سيميائية عامة، تفترض حالةً شعرية، تقوم على النمو والمضاعفة وتصعيد الحس التكاثري لعناصر التشكيل الشعري بين مقطع وآخر، واستعمال الفراغات .. يقول ادونيس أن قصيدة النثر : (هي مجموعة علائق تنتظم في شبكة كثيفة ذات تقنية محددة وبناء تركيبي موحد منتظم الأجزاء متوازن، تهيمن عليه إرادة الوعي التي تراقب التجربة الشعرية وتقودها وتوجهها، إن قصيدة النثر تتبلور قبل أن تكون نثراً، أي أنها وحدة عضوية وكثافة وتوتر قبل أن تكون جملاً وكلمات.”.)، وهذا ما نلاحظه على الشاعر سلمان داود محمد، الذي قاد ثورة انفعالية واعية ضد ما تحيطه من قبائح الحياة ، فهو يضع الكلمة بوعي ويخفي المعنى الآخر المتصل بالكلمات الأخرى ، وهذا يعطي صورة من الوحدة العضوية في القصيدة أو في الديوان الواحد (الكتاب) ، أو في الأعمال الشعرية -1- وهنا أضع مفهوماً للقصدية التي تعني محل اشتراك بين النص ومبدعه ومتلقيه في مجالاتها الأدبية ، ففي اللغة نجد أن عناصر هذا الموضوع تتعلق بمنشأ الحرف والتعاقبات الصوتية وما تنتجه من ألفاظ على وفق تسلسل معين وعلاقة الدلالة بالمدلول .. الخ ، وهنا لاتوجد عصمة للنص، فالتطابق بين “الدلالة والمدلول” وهو جوهر “القصد” في اللفظ بكل ما ينتج عنه من قواعد تضبط فهم اللفظ وبالتالي العبارة وانطباق مفهوم “النظام” القصدي على النصوص لا يمكن أن يطبق بحذافيره إلا على نص معصوم لإنتفاء الذاتية مطلقاً في كل الموضوع ..إذن يمكن للآلية القصدية أن تعمل في هذه النصوص بكل هدوء وذلك لاكتشاف الحكم الموضوعي في أي نص معصوم، حيث أن أحد طرفي المعادلة ثابت وهو انتفاء الذاتية في النص وقصدية النظام الواحد في مجمل النصوص المعصومة الشريفة، فليس على الباحث القصدي إلا التأكد من نفي ذاتيته في اكتشاف الحكم الموضوعي في القضية التي يتناولها النص.. من هذا التوصيف قد أجد نفسي في مأزق نفي الذاتي وهو ظاهر ، لكن في الباطن أجد الذاتي ، قد ترفع وجعل ذاتيته ممزوجة بالموضوعية ، وهذا يعكس حالة أخرى وهي أن الشاعر كلما حاول ان يحيّد ذاتيته لايستطيع ، ولهذا نجد ذاتية ممزوجة بالموضوعية في تكوين رؤيته الخاصة ..
يقول في قصيدة (شروع في قتل النص) من الكتاب الثاني :

(أيها النص
ابناؤك البور اعتصموا بالصدأ
مسحوا عطش المنطفئين بسراج مالح
وناموا على مقربة من خسران …
شراعك الباسل متكيء على رياحي
ورنيني مدبب …
ساثلم أعيادك بطفل يحدق في مطحنة
وستسعى في تأبين هلالي
بساق وحيدة
وأخرى تلوذ في الألمنيوم ..)

واستمر الشاعر يعيش المحيط المر الذي يحاصره ، حيث المزج بيت الذاتي والموضوعي في قدرة راقية ، لتكوين رؤية خاصة به .. يقول الدكتور عناد غزوان : (لاشك في أن شقاء الإنسان في هذا العالم المضطرب يعود الى ادراكه أن ذاته سجينة حبيسة وأن طاقاته الحيوية تتبدد عبثاً اذا هو لم يستطع أن يبلورها في إطار فكرة واقعية نابعة من حقيقة وجوده عنصراً انسانياً فعالاً. والأدب بوصفه ظاهرة اجتماعية وانسانية ، هو الجانب الوجداني لهذه الفكرة وذلك الواقع، أي بعبارة أخرى أن الأدب شخصية مسؤولة وواعية ويجب أن تبقى تلك المسؤولية واضحة وذلك الوعي ظاهراً في كل ما تقدمه لنا العملية الأدبية من تجارب، مهما اختلفت أشكالها وتبانت أهدافها وتفاوتت بيئاتها، يجب أن تفوح منها “رائحة الإنسان” عبقة تخلق من دمنا وخيالنا وفكرنا احساساً وجدانياً متوهجاً منطلقاً من واقع تلك الحقيقة التي نسميها “بالحياة الإنسانية” وقد صدق سقراط عندما قال : “ان الحياة التي لاتخضع لاختبار لاتستحق أن يحياها الإنسان” والأديب الذي لايشعر بهذه المسؤولية ولايقوم بها انما هو أديب كلمة لا أكثر ولا أقل. ونحن في واقعنا المعاصر هذا بأمس الحاجة الى هذا الأديب المسؤول والفنان الملتزم)4 ، وجذّر الشاعر رؤيته في الكتاب الثالث ، وجاء مكملاً لما سبقه بقوله في قصيدة (ازدهارات المفعول به) من الكتاب الثالث :

(كنت شريفاً بالسخرة
أنسجُ من فقراتي القطنية سروالاً لعصا
وأغربلُ الدموع لأجني الحدقات …
عود ثقاب يبحث عن معبودات من أصل خشبي ـ هذا أنا
وما تبقى أشباه دفوف تقدم الوجوه اعتذاراً لهطول الأكف
فجراً تنام المعاجم أصفاراً في شمالي
وفي المساء استنبط لغة من خرس يستطيل
هكذا :ـ أخوضُ في عفن الأبواب وأطرقُ “ما”
فترد العرصات كعادتها “كو”
“ماكو” .. أي لا “يوجد” ما يصلح للهضم
كي تحتاج الى دورات مياه)

ثم ثبت في نهاية أعماله الشعرية (دليل غير سياحي لقارئ عابر)، عرف من خلاله بالأشياء المحيطة والتي تنافذت الى أعماله الشعرية وأخذت حيزها من تشكيلات المعنى .. يقول الناقد اسماعيل ابراهيم عبد : (فالشعرية هي جمالية الأدب التي بعناصرها، مكونات الجمال الفني اللغوي، تحفز على الإنفتاح الدلالي الذي ينعكس من النص الى البؤر الإجتماعية، ثم العودة ثانية من البؤر الإجتماعية الى النص الأدبي، مما يؤجج رغبة القراءة، ونديتها بمستويين أفقي وعمودي. بينما الشاعرية هي جزء من الشعرية التي تمثل رؤية الشاعر المتأتية من تفاعله مع ذاته المجربة، ومع المجتمع ومع الإرث التاريخي واللغوي، فيصير بهما النص ذا اقنعة وأقبية.)5، وبهذا قد أصل الى نتيجة تحتاج للكثير من القراءات لأشعار سلمان داود محمد المثيرة لمشاق التلقي والتحصيل ، كونها حملت تجربة حياتية ، قد تكون قريبة من الحنظل في مرارتها وها اني أعيد ما قاله سقراط: “ان الحياة التي لاتخضع لاختبار لاتستحق أن يحياها الانسان” …

مصادر البحث :
1 ـ كتاب (الخطيئة والتكفير) عبد الله الغذامي /المركز الثقافي العربي الطبعة السادسة 2006م ص
2 ـ كتاب مقدمة للشعر العربي) ادونيس /دار الساقي/بيروت ـ لبنان /طبعة منقحة ومزيدة 2009 ص115ـ116
3 ـ كتاب (علم النص)جوليا كرستيفا/ترجمة فريد الزاهي ـ مراجعة عبدالجليل ناظم ـ دار توبقال ـ المغرب 1991 ص29
4 ـ كتاب (أسفار في النقد والترجمة) د.عناد غزوان ـ دار الشؤون الثقافية العامة بغداد ط1 لسنة 2005م ص23
5 ـ كتاب (الأدنى والأقصى : طفولة وثقافة) اسماعيل ابراهيم عبد/مديات ثقافية /دار الزيدي للنشر والإعلان/الطبعة الأولى 2014 ص5
6 ـ كتاب (الأعمال الشعرية “1”) للشاعر سلمان داود محمد/دار ميزوبوتاميا الطبعة الأولى 2012

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *