د. حميد نعمة عبد : نص من روايتي (ذات السوار) (2)

نص من روايتي (ذات السوار )

دوى انفجار ..
صوت غريب ،رغم تكرر سماعه ،مكتوم، مكبوت ،حاقد وكأنه ضغط لأعوام ..
لأعوام ، وهو يستجمع الكراهية والمأساة والقوة الرهيبة ، التي لاتقوى عليها قلوب وجلود ومشاعر البشر …انتظر حتى يتجمع ويجتمع الشحاذ والمعوز والمعيل والموظف ،والسيارات، والأطيار تحت الظلال وحول النافورات ….انتظر حتى يشتد لهيب الشمس وسياطها على الشارع والأجساد ..ودمدم بتلك اللغة التي تحمل الموت والدمار والأشلاء والدم .
أذعنت كل قوة لقوة الانفجار. وكل صوت إلاصوت التأوه والأنين والتمزق والفرقعة والقرقعة والهزيم ،وروائح اللحم المحروق . لقد تساوى اللحم المترف والجلد العاري والعظام ، كما أمتزجت الدماء الدافئة ،المتخثرة الحمراء ، السوداء القانية ، المتجلطة اليابسة …
أشجار شبت في قلوبها النار ..دكاكين ومحلات إمتدت من أفواهها ألسنة اللهب ،وفي داخلها يشوى البشر،ولا سبيل إلى الاقتراب منها …حرفيون وشحاذون وباعة شاي وقناني ماء ….اختفت الاصوات:
سيكاير ،ماء ،جرائد ،اخبار مهمة، قرارات لمجلس النواب ، تصريح لرئيس الوزراء، أعطني مما أعطاك الله ….صدقة ياإخوان ، لا أملك قوْتي والله ، والعباس قتل أبي في الفلوجة ، بجاه النبي أعيل عشرة أخوة ، أطفالي عراة ،الله وأكبر..
تلك لحظة ثأر ..من الحياة والفقراء، من الكسب الحلال والحرام، من زقزقة عصفور وأنين فاختة ،من أم تنتظر ، زوجة مترقبة وأطفال حالمون.. وقف ذلك الصوت حاجزا بين من في الشارع وبين بيوتهم وأطفالهم ، ليعلن لحظة الانفصال الأبدي بين الأعضاء،بين الرأس والجسد ،بين الأحياء والحياة.، بين حياة وحياة ، بين الرغيف والفم، إنه صرخة الموت الرهيبة، صرخة حقيقية مدمرة لا تعرف المهادنة او التراجع ، الصرخة التي تتجرد من أية مشاعر ، من كل مايرتبط بالحياة.
لا وقت للفيروزيات والجمال والأصابع الرقيقة التي تنقر على مقود السيارة . والصغير الذي استبشر بورقته النقدية إختفى، ربما ذاب بين الأشلاء.شوي جسده وأحترقت ورقته النقدية أو قذف فوق أية عمارة أو شجرة أو وسط أية كتلة ملتهبة .هي لحظة فخر وسعادة عند من وضع تلك العبوة ….فرح ينمو فوق أكتاف الحزن ،ونصر يغترف من المأساة. تلك هي حقيقة الصراع على السلطات،الصراع على المال ، حرق الفقراء والأبرياء . تلك بيادق الشطرنج التي تحركها عقول تقف بعيداً عن الآلام والمأساة ، حصتها ما ينتج من صراخ أطفال وعويل نساء،واكتئاب شيوخ ، اضافة عوائل مشردة وشحاذين إلى الشارع ،زحام إلى الزحام، ومأساة إلى المأساة الكبرى.ستستبدل العاصمة الشحاذين بآخرين أكثر بؤساً. فتلك إحدى الطرق المهمة لتسوية الخلافات الفكرية السقيمة ، ولتفنى نصف الكائنات من على وجه الأرض ، من أجل أن تخيم راية الرعب .فقد ولى زمن القتل بالسيف .وضاقت أرض الله بما رحبت . فصفة العصر هي القتل بالجملة ،وبالطريقة التي تبدو مضمونة وسهلة وفتاكة ،عبوة ،مفخخة ،حزام ناسف ، كيمياء فيزياء، جغرافيا، تأريخ، اسم لايحمل صفة طائفتك أو دينك … كلها عوامل تدعو أو تساعد على ديمومة القتل. فالقاتل على حق، والمقتول على حق،والكل يرى الحياة في ظل الآخر جحيما وكفراً. لايعرف أحد أي المبادىء أو الأديان تلك التي توحد وتحمي البشرمن أنفسهم ؟ فأنت مسلم وأنا مسلم لكني سأقتلك ،لأنك لا تفهم الإسلام كما أفهمه، وأن لم تكن مسلما فسأقتلك أيضا.. أنت أخي ،ابن آدم، لكني سأقتلك ، ياللعنة الأفكار ويالغضب السماء ..سلطة لا يبغضها إلاّ من لم تقع في متناوله، وإن تمكن منها فعليه قتل أبناء جلدته على الأقل أن يساعد على القتل ، يوجه القتلة، فمن يؤيد القتلة قاتل ،ومن يقتل القاتل قاتل ، ومن لايقتل القاتل قاتل، وكلها قتل في قتل،وقتل على قتل .الكل قتلة ومقتولين. وهذا ليس بالغريب ، فهو أمتداد لأفكار لا تلبث أن تطفح بين حين وآخر .أما متى وكيف يستنشق عباد الله هواء العدالة ،والتنعم بما وهبتهم الطبيعة من مفاتن. فتلك مسألة غاية في البعد أن لم تكن في الاستحالة .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| شروق حمود : “عن المعاناة” للشاعر: شو جيانغانغ.

المعاناة شاعر يمشي على الطريق الشائك متلفحآ بصليب المعاناة صلاة الشاعر اليومية قبل العشاء شكرآ …

حيدر الحدراوي: الشعوذة والموروث الشعبي

توارثت الشعوب عادات وتقاليد اعتبروها بديهيات مسلم بها ، لا يحق لفرد نقدها او مناقشتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *