الرئيسية » نصوص » سلام ابراهيم : العراق ولّاد رغم الخراب.. ينبض شعراء: الشاعر “كرار ناهي”

سلام ابراهيم : العراق ولّاد رغم الخراب.. ينبض شعراء: الشاعر “كرار ناهي”

إشارة : هذا النص
هذا النص الذي أتحفنا به المبدع سلام إبراهيم هو شهادة على ملحمة مدينة تموت، مدينتنا الديوانية الطيبة المعذّبة، برغم أنها قدّمت للعراق باقة من خيرة مبدعيه: شاكر السماوي، عزيز السماوي، علي الشباني، عناد غزوان، ضياء الخزاعي ، كاظم نوير ، عاصم عبد الأمير ، وسلام ابراهيم.. وغيرهم الكثير. لكن النص هو شهادة بشارة أيضا على جيل يحفر في صخرة الحياة بأظفار الإبداع برغم الموت والخراب. وهذه هي معادلة العراق الصعبة التي جعلته عصياً على الموت: أرض الجحيم التي يغرس فيها الإنسان الجبار سنابل الإبداع. تحية لسلام ابراهيم ودعوة للمضي في هذه السلسلة المهمة من المقالات.

العراق ولّاد رغم الخراب.. ينبض شعراء: الشاعر “كرار ناهي”

(هذا النبيُّ المقطوعُ من أوتار
الله
جاءَ بجماجم الغيب
ليقرأَ طالعَ أيَّامي
أوَّلَ ما رَمى أحجارَهُ في البئر
نزَّت الدُموعُ في أطراف
أصابعي)

كرار ناهي

بالرغم من بؤس مدينتي الديوانية المتفاقم زيارة بعد زيارة منذ الاحتلال الأمريكي 2003 الذي نصّب حفنة لصوص وعملاء تبرقعوا بأسم الدين والقومية والأثنيات على رأس الهرم السياسي فيما يسمى بالديمقراطية على المقاس الأمريكي.
وبالرغم من تفاقم الفاقة والبطالة وأنتشار الكذب والأحتيال والشعوذة وخراب الأمكنة والمرافق كلها، المدارس، المشافي، الدوائر، الشوارع والبشر. هذا الخراب المقصود والمنظّم والذي عمقته سلطة الأحزاب الدينية الشيعية الحاكمة في مدينتي بإشاعة ثقافة الطائفة وطقوس تعذيب الجسد والنفس والعمى الطائفي الذي يبخس قدر الإنسان ويعلي رموز طائفة السراق والقتلة والعملاء، رموز أثبتت ذلك عملياً في بحر الخمسة عشر عاماً من تغلغلها مثل أخبطوط في مناحي الحياة وتفاصيلها وتخريبها بإشاعة كل القيم القذرة في الإنسان ؛ الأحتيال ، السرقة ، الرشوة ، والفساد الأخلاقي. يجري كل ذلك بإطار ظاهري من الفضيلة والورع الشكلي.
هذه المدينة التي ودّعتها سراً أنا وزوجتي في أوج الدكتاتورية والحرب في مساءٍ باردٍ من مساءات شهر شباط 1985 ملتحقين بالثوار في الجبل فنجونا من اعتقالٍ أكيد وموتٍ أكيد. هذه المدينة تركتها بحالٍ مزدهي زاهر بالرغم من الحرب والدكتاتورية، على الأقل تحس أن هنالك سلطة وأمان وشوارع معبدة ومجاري ومدارس نظيفة وتعامل إنساني عند مراجعتك للدوائر . لا رشوة ولا سرقات ولا كذب ولا أحتيال (هنا أتحدث عن سلوك المواطن وليس السلطات) وجدتها في أول زيارة نيسان 2004 خربة وأزدادت خراباً عاما بعد آخر.
كل عام أقضي شهراً أو شهرين أبحث وأنقب فيها بعين تسبر التاريخ الشخصي والعام وتحاول تلمّس ما يجري تحت الظاهر بعمق للوصول إلى رؤيا مستقبل أبناء جلدتي الذين أفنيت عمري في النضال من أجل حياة أفضل لهم.
كتبت سلسلة مقالات عن تلك الزيارات جمعتها ككتاب – بورتريتات – ينتظر دوره في الطبع، وأصدرت رواية – حياة ثقيلة – تفحصت فيها خمسين عاما مضت وأدت لهذا الخراب المكين والشامل. وفي كل زيارة تقريباً أقمت أكثر من ندوة أدبية تتعلق بما أصدرته من روايات، وندوات تتعلق بالنقد الأدبي وأخرى تتعلق بالشعر الشعبي فقدمت محاضرات عن أصدقائي رواد ومجددي القصيدة الشعبية العراقية علي الشباني، وعزيز السماوى وطارق ياسين، وقدمت كذلك محاضرات إنسانية عن حياة رفاقٍ لي أفنوا حياتهم في النضال سواء في زنازين الدكتاتور أو في الحركة المسلحة في الجبال 1979- 1989، وفي هذا الخضم وفي السنوات الأخيرة نشأت لي علاقة بجيل أدبي من شباب مدينتي، جيل مختلف تماماً عن الجيل التقليدي الذي عايش زمن الدكتاتور وظل حذرا، يتصرف في حدود غزيزة المحافظة على الوجود الفيزيقي في سلطة تقتل أي معارض بسهولة، وكل ما يستتبع ذلك من سلوك حذر، كلام حذر، فالشرطي بالرأس تمكّن من الذات وصاغها، وعاد من الصعوبة التخلص منه، ويختلف كذلك عن جيلنا الذي تمردّ فهاجر أو إلتحق بالحركة المسلحة. جيلٌ ولِدَّ مع الحصار والجوع وبداية تدهور الوضع الاجتماعي والأخلاقي للعراقي، ليشهد في أول مراهقته احتلال العراق وظهور الأحزاب الدينية من ظلام القرن حيث أشاعت ثقافة أدت إلى حروب أهلية وقتل على الهوية لم تهدأ إلا قبل سنة وهي قابلة للأشتعال من جديد في أية لحظة.

المبدع سلام ابراهيم عند نهر مدينته الحبيبة الديوانية مُحاطاً بمجموعة من الشعراء الشباب وإلى يمينه الشاعر كرار ناهي – 2018

هذا الجيل الأدبي في السنوات الثمان الأخيرة توطدت علاقتي به جداً، بعد أن نسجت على مهلٍ، فقد كنت أراهم وهم شباب يافعي الطلعات لامعي العيون في الندوات التي أقمتها في منتديات ومقاهي الديوانية، يتحلقون حولي بعد أنتهاء الندوات ضاجين بالأسئلة والتمرد والحياة تائقين في حماسة إلى صنع غدٍ أخر ينفض عنه الخراب، وفي يومٍ دعاني صديقي “مرتضى تومين” وهو شاب حيوي، قاد شبية الديوانية وأصبح أصغر عضو محلية في الحزب الشيوعي العراقي في الديوانية في التوهج الثوري المؤقت عقب الاحتلال، لكن كما هي العادة تاريخياً تطرد طبيعة التنظيم الستاليني التقليدية العناصر الفعالة والمُبتكرة لصالح العناصر الجامدة والخاملة، فترك الحزب وراح ينشط في منظمات المجتمع المدني ولديه كازينوا على شاطئ النهر الصغير، يجتمع فيها الشباب. دعاني للقاء مع مجموعة من شعراء العامية، فجلسنا في ليل الديوانية الساحر على الشط مرتع نشأتي وطفولتي، ومثل مسحور استمعت إلى أولئك الشباب الذين كانوا وقتها بأعمار تقل أو تزيد قليلا عن العشرين، ومن أول جلسة أستماع أندهشت دهشةً شديدة لبعث روح صديقيَّ الشاعرين الراحلين (عزيز السماوي 1944 -2001 ) و (علي الشباني 1946 – 2011 ). فيما سمعته من أشعار، فقد تمثلت أشعارهما الصعبة والعميقة في صياغة البيت الشعري وبناء القصيدة بوعيٍ بدا ناضجاً جداً. تكررت اللقاءات الليلية الساحرة في زياراتي السنوية لمدينتي الحزينة المُترِبة البائسة وتشعبت لتتحول إلى علاقات صداقة ومحبة وتفاصيل، عمّقتها قراءاتهم العميقة لرواياتي، فكانوا يتحدثون بوعي نقدي دقيق عن خرق نصوصي لكل التابوات وسياحتي في الأسرار وكشف ما يبطن البشر في محيطنا الاجتماعي، وإطلاعي المنظم على قصائدهم الجديدة التي أسمعها في تلك اللقاءات، ثم أتابعها في صفحاتهم الشخصية في الفيس بوك عند عودتي إلى الدنمارك.
في أخر ست سنوات ما ان يسمعوا بِحِلوليَّ في الديوانية حتى يهرعوا إلى بيت أهلي فنجلس جلسات حوارٍ وحديث في الثقافة والحياة، وكنت كعادتي أعلق تعليقاتي الداعرة والمكشوفة والصادمة بالنسبة لهم فنضحك طوال الوقت، وقليلا.. قليلا أكتشفت أنهم ورثوا سلوكنا القديم، فوجدتهم يشتركون معنا في نهم الكتب، ولذة سرقتها من المكتبات بسبب البطالة وفقر الحال، كحالنا في مقتبل العمر، فكنت أهديهم الكتب التي أشتريها أو نذهب معاً إلى مكتبات السوق القديمة والحديثة، وفي مرة أو مرتين أشتريتُ لهم، لكنني حينما اطلعت على طرقهم المبتكرة في خطف الكتب وتوفيرها قلت لهم ضاحكاً:
– بعد عليمن نشتري يا شياطين!.
وصاروا هُم يهدونَ ليَّ الكتب، وَلَدّيَ في مكتبتي الآن العديد من الكتب؛ روايات، كتب فكرية، دواويين شعرية أهدوها ليّ بفرحٍ بعد مشقة أخفائها والتسلل بها خارج المكتبات. أعرف جيداً هذه اللذة العجيبة التي ليس لها مثيلٍ فقد جربّتها وتذوقتها، وصورّتها بكل أبعادها في واحدة من رواياتي غير المنشورة. فسرقة الكتاب بالنسبة لقارئ أو شاعر نهم للمعرفة وغير قادر مادياً على الشراء، لا مثيل لها جربتها في أوائل سبعينات القرن المنصرم وكّونتُ مكتبة كبيرة من الكتبِ المسروقة والتي تركتها فتَبددتْ في العراق.
في زيارتي الأخيرة وفي أول يومين خرجت إلى مركز المدينة فتسكعنا في قلبها والتقطنا صوراً على شاطئ نهر طفولتي الصغير، كنت سعيدا جدا بهم فقد أحاطني شبَان أدباء، ثلاثة منهم شعراء يكتبون العامي والفصيح، كرار ناهي، علي نجاح، وزيدون الرائي، وناقد لامع وهو لم يزل طالباً في كلية الهندسة “أحمد الزيادي”، والشاب “عمر” كان عسكرياً محباً للأدب والثقافة والفن أضطر بسبب فقر العائلة والبطالة إلى التطوع في فرق الجيش العراقي الخاصة التي خاضت اشرس المعارك مع دولة داعش، ومحامي شاب جميل قارئ نهم وعميق وإنسان جميل، وشاب ملتحي مرح جميل مهتم بالثقافة وقارئ “حسين شعلان”. انا وسطهم وكأنني في سنهم وهم يصغرونني بأكثر من ثلاثين عاماً، لا حاجز بيننا، والأدب والثقافة توارت من حديثنا حينما أستحكمت الصداقة وطابت لنا اللقاءات والأحاديث عاماً بعد عام.
ليس أسعد مني إنسان في العالم عدا كزار حنتوش صديقي الشاعر الذي أعلنها صارخاً ووضعها عنوانا لديوان اخير له.
ليس أسعد من كاتب وهو يدلف خريف العمر ويتواشج مع جيلٍ شاب مبدع من مدينته يتدله بما كتبه من قصص وروايات ويمحي فارق العمر في الكلام والسلوك، ويعود به إلى أيام الشباب الأولى حيث يصبح التسكع عصراً في المدينة هدفا. هذا أفتقده منذ أن دخل في الجد وأنتاج الكتب والدراسة المكثفة اليومية في برنامج عمل ليس له حدود مثل عالم المعرفة. وهو في هذه الصرامة الحياتية التي دونها لا تُنتج الكتب، يجد نفسه وسطهم في نهر طفولته وشوارع نشأته ينكت ويضحك ويبتهج معهم كأصدقاء حميمين دون أدب وكتبٍ، بل كبشر ومحبة.
هكذا أشعروني أحبتي جيل فتيٌ من مدينتي الديوانية، دفعوني بمحبتهم إلى خطوة أعمق في الغبطة والسعادة بفيض أرواحهم التي تنفّستْ الهواء نفسه، وسارت على التراب نفسه، وسبحت بنفس ماء النهر، ورسمت وجوهها نفس تضاريس “الديوانية” التي لم تتقدم كملامح ومكان خطوتين للأمام.
الأسعد من كل شيء هو الإبداع المدهش لهذا الجيل الذي ظهر من رماد أيام العراق الشائكة، دكتاتور، قمع، حروب، احتلال، قوي ظلام تسيدت، مليشيات عبارة عن قطعان عمياء ليس لها علاقة بالوعي والعقل، مجرد غرائز طائفية يديرها رجال دين لصوص ومشعوذين، حروب اهلية، بطالة، مرارة، ظروف ليس فيها أبسط مستلزمات الحياة المعقولة يرزح تحتها الفقير المدقع ومتوسط الحال والغني أيضا، لا كهرباء ولا ماء نظيف، لا شوراع مبلطة، لا تشجير، عواصف ترابية ومدن خربة، ومن وسط هذا الخراب كله ظهر هذا الجيل، فأي جيل مصقول قاوم في هذا المحيط ليتألق بإبداعٍ تميّز بالجمال والدهشة.
أبقى أفكر طويلا وعميقاً، كيف كتبوا مثل هذه القصائد وبهذا العمق، وبهذي الصور المدهشة بالفصحى والعامية بنفس المستوى. وهذا الأمر حاول الجيل الرائد في الديوانية تحقيقه، فكتب “علي الشباني” دفاتر أشعار فصحى وأصدر ديواناً، وحاول عزيز السماوى ذلك ونشر قصيدة فصحى في مجلة الحزب الشيوعي العراقي “الثقافة الجديدة” في تسعينات القرن المنصرم، فكتبت له رسالة خاصة مبدياً رأيي بعدم التورط في هذا المشروع فقد بدت قصائد أصدقائي الفصحى كانها قصائد شعبية مفصحة مما أفقدها الإيقاع والموسيقى فبهتت الصورة والمعنى، وظهرَ الفرق واسعا وكبيراً لديهم بين مستوى القصيدة الشعبية المذهل والجديدة التي كتبوها، والقصيدة الفصحى المركبة والمشغولة بعناء بالرغم من معقوليتها، وهنا لابدّ من الإشارة إلى الصديق الشاعر والقاص “كريم عبد” المقيم في لندن الآن هو الوحيد من ذلك الجيل الذي كتب القصيدة الشعبية والفصحى بنفس المستوى الفني الرفيع، لكنه أحجم عن نشر شعره الشعبي الذي وجدت به تجديدا مضافاً للقصيدة العامية وقتها، ولم ينشره لحد الآن، ولا أعرف الأسباب.
قد يكون الشاعر “كريم عبد” الجذر الديواني العميق لظهور هؤلاء الشعراء الشبان المذهلين في قصائدهم الشعبية والفصحى.
أول مرة تقع عليه عينايَّ في “كازينو مرتضى تومين” على الشط مقابل محكمة الديوانية كان ليلاً شفيفاً وكنت وسط الشباب في أول تعرفي على مناخ أدبي ولدَّ وتكون وأنا في منفاي الدنمركي، أقترب مني بوجهٍ خجولٍ ووجل وهمس بأنه يودّ الخوض معي في موضوع مهم يخص الشعر، فانفردنا في ركنٍ بعيدٍ عن الضجيج، فأخبرني بمقالٍ أو رأيٍ أبداه “مرتضى تومين” بأشعاره كونها متأثرة جدا بأشعار “علي الشباني” وهو يرفض هذه الفكرة أصلا ويعتقد بأن ما يكتبه شعر يخصه كـ “كرار ناهي” وقتها لم أطلع بعد على أشعاره، قلت له:
– كرار لازم أقره أشعارك حتى أقدر أقدّر هل رأيي “مرتضى” دقيق ام لا؟!
في تلك اللحظة تذكرتُ مشكلةً مشابهة في أوائل سبعينات القرن المنصرم حينما كتب الروائي “سعدي السماوي” مقالا نشره في جريدة “الراصد” عن كون أشعار علي الشباني الشعبية لم تخرج عن دائرة مظفر النواب” والتي جعلت علاقة الشباني به باردة حتى الممات. قلت مع نفسي:
– يبدو أن القصة تتكرر وشاعر جديد يولد بعد قرابة نصف قرن وفي نفس المدينة والأمكنة!.
في الأيام التالية لتلك السفرة قرأتُ قصائد “كرار” العامية فأصابتني الدهشة والغبطة وأنا أجد روح “علي الشباني” ونبضه تحلّ في شاعر شاب ذهب بأشعار “علي” وتجربته إلى نواحٍ إنسانية أعمق وفي ظرف تاريخي مختلف أكثر سوء وعنف أفظع ضاع فيه يقين “علي الشباني” الثوري المتجسد في أشعاره وأحلام مدينة ماركس الفاضلة. هنا أشعار تعبر عن روح الإنسان العراقي المخرب والمحطم وتصرخ بلسان ضميره المغيب. أشعار جديدة يلذُّ لي إعادة قرائتها بنفس الأنفعال والدهشة. قلت له إحساسي ورأيي بصراحة فأنتعش قلبه مثلما رأيت ذلك على ملامحه المنحوتة بدقة والخجولة.
ستقام لي أمسية في نفس الكازينو على شط طفولتي الذي غرقتُ به وأنقذوني ثلاث مرات تحدثت فيها عن حياتي وقناعاتي وكتاباتي وفلسفتي ورؤاي وقرأت فصلا من رواية مازلت أشتغل عليها كان عام 2013 وكان قد حضر “نائب رئيس مجلس المحافظة” وكان يود أن يقدم درعا تكريميا لي، وكنت ألحظة وأنا أحاضر ينظر إلى ساعته بين دقيقة وأخرى وحمايته واقفة خلف الحضور الشبابي المكثف، فأعلنت رفضي لدرعه وتكريمه وقلت له:
– أتكرم حينما توفرون الخدمات لأبناء مدينتي!.
فترك الأمسية على الفور. كرار ناهي وشعراء أخرين قرأوا قصائد في أستراحات بين فقرات المحاضرة الفكرية.
ومن ذاك التاريخ دأب صديقي “كرار ناهي” على اللقاء بيّ مع أصدقائه المبدعين من هذا الجيل الذي أراه أمتداد روحي لنا في المستقبل، والضوء ليل العراق الكثيف والمستمر منذ أن ولدنا وحتى المشيخ، كرار لا يتحدث عن حياته الشخصية ولا تفاصيل عن يومياته، نلتقي فيتكلم عن رواياتي والكتب والجنون، وفي السنوات الأخيرة لا أجده في الديوانية فاسأل عنه، فيخبرونني بأنه يشتغل في مدينة أخرى وسمع بوجودي وسيأتي وهو يأتي فعلا ملهوفا يعانقني بحنان ومحبه وود يخفف كثيراً من عناء عيشي في المنفى الدنماركي البارد وعزلتي، يعانقني وهو يلهث وكأنه قطع مسافة طويلة وموشك على البكاء وفي تقاطيعه الحزينة أمل. ولما كان مغلقاً أستعنت البارحة حُصِرتُ بدفق الكتابة عن هذا الجيل الحي الذاهب في مستقبلٍ نكون فيه قد حللنا في العدم، أستعنت بشاعرٍ لا يختلف في شيء عن “كرار” شاعر مهول يكتب العامي والفصيح ، كتبتُ عنه قبل أشهر “علي نجاح” وهو خريج كلية الأداب قسم اللغات –ألماني- فأخبرني، بأن الشاعر “كرار ناهي” مواليد 1990 لم يكمل الثالث متوسط بسبب ظروف تلك الأيام، وحينما أخبرني بأنه قارئ نهم وصادق وحقيقي، وموهوب، قلت له “علي” هذا لا يفسر كل شيء، فالقراءة وحدها لا تكفي، أريد المحرض الاجتماعي لهذا الكيان، فأخبرني “علي نجاح” بأنهم جميعا وكرار أيضا تتلمذوا مبكراً عقب الاحتلال بمنظمة الشبية الديمقراطية وهي واجهه من واجهات الحزب الشيوعي العراقي ونوّه إلى أن علي الشباني الشاعر سعى فيها وأنهم تتلمذوا على يديه، وليس كما هي الآن مفرّغة خاوية، فادركت أن هؤلاء الشباب وبالرغم من الخراب وجدوا فسحة في الوضع كي يستقلوا ويكونوا جيلا أدبياً “بالمناسبة هم من فعالي المظاهرات المناهضة لسلطة السراق والقتلة والسفلة الحالية” ليس مثل جيلنا الذي انحسر ، ولابد من اللجوء للحزب الشيوعي الذي أستولى ويستولي ويفشل كل حركة ديمقراطية مستقلة على مر تاريخة.
وأخبرني كذلك بأن “كرار” لا يخجل من أي عمل يدوي، ودائم التنقل بين المدن، فتارةً يعمل عاملاً في مخبز، حمالا في علوة خضار، عامل بناء، يجوب مدن العراق ليعمل في زمن شحة العمل عارفاً أن ليس أمامه سوى العمل من أجل كسب لقمة العيش وهو الذي بلا شهادة
يعمل ويقرأ ويتنقل ويكتب شعرا
“كرار ناهي” قرأتُ له نصّين نثريين جميلين في الفيس بوك أعددتهما ونشرتهما في قسم سرد وقص الذي احرره في مجلة الكلمة قبل سنوات
كرار ناهي الشاعر والإنسان صديقي عناق ومحبة
طوبى لك
2 – 2 – 2019
دنمارك

الشاعر كرار ناهي وصمّونة شاخنة على نهر الديوانية

من أشعار “كرار ناهي” الفصحى والعامية

1- غريق

أنا الغريقُ الوحيد
الذي خَرج من قاعِ البحر حيّاً
يجرُ جثّتَهُ خلفهُ !
لم تَكُن جُثّتي في البحر،
لقد كان البحر داخل جُثّتي!
لهذا كُلّما:
يدورُ بيَّ الدَّوار،
أو أسمعُ كلمةَ ( ماء ٍ) من فم
النَّهر
تقفزُ من خاصرتي للأرض سمّكةٌ يابسة.

2- شجرة تنبح

المرأةُ التي قَطَف ثمارَها
الصيّادون
تحوّلت إلى شجرةٍ تنبح!
قبل أن تُفكّر في فمِ المسدس
أخذت تهزُ نفسَها كإلهٍ
مُحترق
و تَركضُ نحوَ المجهول
بقدَمين مبتورَتَين
كمحاولة أخيرة..
لإسكات العصافير الميَّتة برأسِها!

3- طفلة داخل غيمة

جُثَّة تأكُل في لحمِ الفجيعة
طوالَ اللَّيل،
الذي يَئنُّ من مرضِ النَّهار
جُثَّةُ ميّتة
آكلُ في لحمي المُرّ
ومن فرطِ وحشتي،
أجرَحُ السكاكينَ بأطراف
أصابعي!
الريحُ لا تفتَحُ
في يدِ الغيبِ شبَّاكاً للخَلاص
الماءُ تَيبَّس!
والوردةُ تسمَّمت في الإناء
في عَينيّ صورٌ ميّتة
وفي رأسي،
تَغتَسلُ الشّظايا من براءةِ
القتلى!
من قدمي،
تنحتُ الغربانُ طريقاً للمَقبرة
وفي نهاية الشارع
صحيفةٌ فارغةٌ
وتحتَها قطٌ أعمى،
يَلعقُ في دم فجيعتي اليابس !

4- وَحيُ الجنّ

هذا النبيُّ المقطوعُ من أوتار
الله
جاءَ بجماجم الغيب
ليقرأَ طالعَ أيَّامي
أوَّلَ ما رَمى أحجارَهُ في البئر
نزَّت الدُموعُ في أطراف
أصابعي
لَم أعرفْ
أنَّهُ سَيُشعلُ الأنهارَ في
الذاكرة!
أردتُ منهُ،
أنْ يأتيَ في شجرة الأيَّام.
لأُحدّقَ فيها جيّداً
وأعرفَ
كم طيراً مريضاً،
سيكسَرُ منقارُهُ في رأسي ؟!

3- عملُ اليدِ الثالثة

في أصابع يدكِ الثالثة
التي لقنتْ الطيور
سرَّ الأقفاص
قرأتُ الماء
وتحدثتُ مع الغبار
قلتُ للشجرة:
أركضي!
وغيرتُ أتجاهَ الريح
غسلتُ قمرَ الليلِ
بماءِ النعاس
فنزلَ على نهديكِ
كقطٍ وديع وغفا!

4- طريقةُ رسمٍ

إلى: أوليفيا ماتيو

إذا أردتِ أن تَرسمي شيئاً
مُدهشاً
أو تُصوّري حالةً
خارجةً عن حدودِ الحواسْ
مثلاً:
سمكة تُدخّنُ الجسرَ
شظيّة تسبحُ في الهواء
دُخَان مُتجمّد في الذاكرة
ما عليكِ سوى أن تُؤمني
إنَّ الشجرةَ تنبحُ،
ويمكنُها أن تطير إلى النَّهر!
ومِنْ ثمَّ تُطْفئينَ حواسَكِ
وتُغْرِقينَ غُرَفَ رأسكِ بالمياه
حتّى تتأكدي إنَّ اللوحةَ الحقيقيّة
هي التي حينما تَسْقطُ من الجدار،
تتركُ مكانَها بقعةُ دمِ!

5- تكوين

إلى زيدون الرائي

يسقطُ اللّيل من دائرةِ الظلام
جثّة سائلة!
حين يمرضُ النَّهار،
تهربُ الأميالَ من الساعاتِ
جنود يحتضرون
والريحُ في الأفقِ
تعوي
عقرب كبير يمرُ بجانب القمر!
وجرسُ البابِ
يدخلُ في اليد،
طير أعمى
تنطفئُ الشَّمسُ في الجوابِ
رماد
وتنغرزُ في قيامةِ السؤال
طفلةً ميّتة!

6- مطر ميت

إلى علي عوين، جرح عمري

ليمته تموت بچفوفي ورد
مسموم، ومرايات مكسوره؟
وعلگ صافن بچه نذوره
جستك نهد توه رجف
لگيتك واگف بدمي طفل
مشلول!
ودرب يمشي عله ثيابي
گالولي: تجي
وتترك أثر عالحيطان كل ليلة
وتظل صافن ضوه أبابي
شفت وجهي بسؤال الريح
طيرة خوف
وأثر دمك عله ثيابي
شفت گبور عشره بطرف
أصابيعي بچت دخان!
وخفت مني
شلون تخاف من حبك؟
يا أول طفل مذبوح
العلم يوم الخميس بساحة
الطلاب دمه يسيل من كتبك!
لو ما صعد وجهك عالنجم دم
طير
چا طايح وجه ربك!
ولو لو طاح وجه الله
چا ما كبرت بينا الجوامع
موت وبدمنه الذبح صَلّه
ذكرتك
والندم سال إعله أصابيعي
وشربني الماي
وتهت بالگاع
بچت بيه المحطات الغريبة
بكل قطار وداع
أخذني بظلمة عيونك
أخذني بريحة ثيابك
أريد أوگع مطر ميت وأغسل
كل تعب عمري بضوه ترابك
أريد أجري نهر دخان يم بابك!
ـــــــــــــــــــــــــ سؤال الريح

7- جرس دخان

نشدت الفيّ عن أسرار
الوجوه, بچه الحيطان
تبللت ذاكرتي شوارع من
مشيت
أنطبع خلگي بدين الشوگ,
دكة باب عالبيبان
جست الماي, نز الطير!
فز وجه النهر من وجهي
عرگان
ركض بالدم طفل مشلول!
صعد طير الحزن بالروح
نجمه وعاند الدخان
جست الخنجر بدمي
جست الخوف بثيابي
مثل ما جاست الغيبة الروح بالبيبان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *