الرئيسية » مقالات » أ. د. صادق المخزومي : قراءة في دراسات عنيت بالنجف وخططها

أ. د. صادق المخزومي : قراءة في دراسات عنيت بالنجف وخططها

قراءة في دراسات عنيت بالنجف وخططها
أ. د. صادق المخزومي
جرت التقاليد الأكاديمية أن تعنى في تقاسيم مشروع البحث بالدراسات السابقة ومناقشتها، لتبيان أهمية البحث المزمع إكماله، وهو لا يأنف من الاطلاع على المعرف السابقة والآراء الجديدة فيه، ويتجشم قراءتها بحجم مناسبتها لمشروع التأليف؛ لا مندوحة من الاطلاع على الكتابات السابقة عن النجف، عندما اضطلعت بالكتابة في عنوان “خطط النجف: الجغرافية الاجتماعية” وكانت عديدة، أشملها كتاب المفصل في تاريخ النجف للدكتور حسن الحكيم، إلا إنه على الرغم من نيافته على الأربعين جزءًا، ودراسته الحياة الاسياسية والاجتماعية والثقافية في النجف، إلا أنه لم يمر على البنى السكنية، ومفردات الحياة في العكود والدرابين، إلا مرور الذكرى.
ثمة كتاب الدكتور عباس الترجمان (1925- 2008) “معالم النجف” عبر- بحق- عن معالم مختلفة للمدينة، فهو عبارة عن مقالات شتى، كتبها بين طهران وبيروت، وأزمنة بين 1406- 1415، تنتقل بالقارئ من معلم الى معلم، بحسب: (الأسواق، الأزياء، الصناعات، الزورخانة، اللهجة، الأرجوزة) والمبحث الأخير من شعره، بيد انها جميعا ينظمها خيط الحياة الاجتماعية، يبدو أن أهم ما يعنى بموضوعنا هو مبحث أسواق النجف، الذي كتبه في (بيروت 18 ربيع أول 1415هـ/ 25 آب 1994) بين (ص11- ص32)، يورد فيه نشأة الأسواق، وموقعها، وأعمالها المشهورة، وبعض محالها وشاغليها، على نحو مختصر؛ ولا أشك إنه كان مفيدا لدراستنا، التي توسعت في تغطيتها البنى الاجتماعية على تنوعها.
على ان الدراسة التي اتخذت مكانة قريبة من موضوعنا الى حد ما، هي دراسة السيد عبد الحسين الرفيعي “النجف الأشرف ذكريات ورؤى وانطباعات ومشاهد”، مما يجدر توجيه الأضواء عليها، ومعاينة غضونها.
عبد الحسين إبراهيم الرفيعي (1940- 2018) من مواليد مدينة النجف- محلة الحويش، التحق بحزب البعث عام 1954، حاصل على شهادة القانون من الجامعة المستنصرية، وعلى شهادة الدبلوم من جامعة صنعاء، وعلى شهادة الماجستير في التاريخ من كلية التربية (ابن رشد) جامعة بغداد، وكان موضوع رسالته (دور النخبة القانونية الفكري والسياسي في العراق بين العام 1918 حتى العام 1932). بدأ حياته العملية معلماً، ثم مديراً عاماً لمصلحة نقل الركاب، ثم رئيساً لبلدية النجف (1968 – 1969) ثم مُدير مكتب تنظيم القيادة القوميَّة لحزب البعث، ثم سفيراً في وزارة الداخلية، وعين سفيراً في كل من موريتانيا وغينيا الشعبية واليمن وبلغاريا.
ألّف كتاباً عن تجربته الدبلوماسية، وبعد جدل حول القائد الشيوعي العربي الراحل عامر عبد الله بينه وبين صديقه عبد الحسين شعبان اصدر كتاباً (في الطريق إلى الحقيقة)؛ ولعل أهم كتاب ألفه “النجف الأشرف ذكريات ورؤى وانطباعات ومشاهد”، وطبع في دار الحكمة، لندن، 2009، لمناسبة “النجف الأشرف عاصمة الثقافة الإسلامية”، ويقع في 308 صفحات
استفتح الكتاب بإطلالة على تاريخ النجف الأشرف الحديث والمعاصر (ص11)، فذكر معالم المدينة في أطرافها الأربعة، وأسواقها، وشوارعها، التي ولدت في مخاض التطورات العمرانية في منتصف القرن العشرين، وذكر شيئا عن ديموغرافيتها وحركة السكان في غضونها؛ هنا بدا الرفيعي يحدو حدو الدكتور عباس الترجمان (1344- 1429/ 1925- 2008) في كتابه “معالم النجف”.
قسم الكتاب الى فصول ستة، اختص الفصل الأول بـ “أقسام المدينة القديمة: محلاتها” الحويش (ص15)، العمارة (ص37)، المشراق (ص59)، البراق (73- 92)، ووصف في غضونه من الجوامع: جامع الهندي، وجامع الأنصاري، والحسينية الششترية؛ ومن الأسواق: سوق الكبير، وسوق الحويش، وسوق العمارة، ومن الشوارع: دورة الصحن، وشارع الرسول، وشارع زين العابدين.
يعد هذا الفصل مرتكز الأهمية في دراستنا، أما باقي الفصول فهي خارج إطار الدراسة، ما فتئت تعنى: بالمحلات الجديدة، والمرجعية الدينية، والمجتمع الثقافي، والواقع السياسي، وواجهات ووقائع وأسماء.
جاء الفصل الأول يبسط العرض في محلة الحويش، حيث مساكن آل الرفيعي، وما فيها من مساجد ومدارس، تطل على سوق الحويش، الذي يعد الشريان الأبهر للمحلة، وهو يغذوها بمفردات الحياة اليومية وحاجياتها، منها الدينية التي تعصب برأس سوق الحويش، حيث الحضرة العلوية، التي تنبعث منها الروح الدينية؛ وتعرض الى الموارد المعرفية التي تنشرها مواقع المكتبات العامة: مكتبة أمير المؤمنين، ومكتبة الحكيم، ومكتبة الحسن؛ كما أورد أهم الصناعات في المحلة، ومن تمثلاتها الحياكة ومصانعها الصغيرة (الجوم)؛ ثم ذكر الأسرات التي انتظمت في خيط الحياة في المحلة، وعرج على مراكز الصراع في المدينة منذ القرن 13هـ/ 19م، بين الزكرت الحويشي والشمرت العماري؛ وأطل على الحياة الأدبية والعلمية والدينية، ومراكز المرجعية فيها، واصحاب المؤلفات من العلماء، أمثال: الشيخ جعفر محبوبة صاحب ” ماضي النجف وحاضرها”.
ثم أخذ يفصّل في الأسرات الكريمة، مثل: بيت سيد سلمان، ويدأب يذكر علاقته النسبية معهم، إذ إنّ [والدته زهرة عزيز الرّفيعي هي بنت علويَّة فطم سليلة سيِّد سلمان الزكَرتي العوّادي]، وبيت شربة ووجاهتهم الأجتماعية؛ كما يورد بعض أخبار الأسرات في الحويش، نحو: السادة آل الحبوبي، وآل الحار، وآل المؤمن. غير أنه يطيل التوصيف عن آل الرفيعي، فأسبغ الحديث عن شخصياتهم ومنازلهم، وكان يورد علاقتهم النسبية والسببية معه، مثل: دار السيد محمود الرفيعي، زوج عمتي (ص27)، ويذكر أولادهم وأعمالهم.
أورد شذرات من الحراك السياسي في المحلة، ودبيبه في الأسرات والأشخاص، نحو القوميين في آل البرمكي، وآل مبارك؛ والشيوعيين في شخص حسين سلطان صبي؛ ولم ينس الوجوه الوطنية، نحو تومان عدوة، والسيد نوري السيد سلمان.
ذكر الشعراء الشعبيين، مثل ابراهيم أبو شبع، وعبد الحسين أبو شبع، وبعض حكاياتهم، ومعاركهم الشعرية، وبخاصة عبد الحسين مع المرجع الحكيم، التي أخذت بعدا سياسيا، وقال فيها:
آية الله شلون آية يم “حُدَيِّد” و “عباية”
لا ينفك في- غضون الكتاب- يذكر تجربته الإدارية في بلدية النجف، وما قدمه بين الحين والآخر، ويلمح بتجربته الحزبية، كقيادي في حزب البعث الحاكم، ودوره- على مستوى النجف- في حلّ بعض المشكلات، أو حماية شخص، أو في توظيف صديق له في أروقة الدولة.
في الحويش ركز على شريانها الأبهر، ألا وهو سوق الحويش، طفق في توصيف أهم معالمه: حمام الهندي، قيصرية الكتب، وأبرز الكتبيين كاظم الكتبي، إذ أشر الى معاركه وسجالاته في حومانة الكتاب، وقد كان له أكثر من موقف معه حتى تسفيره الى إيران، ومن خلاله انتقد سياسة الحزب الحاكم في التسفيرات على أساس قومي وإثني. بعد ذلك دأب في ذكر محلات سوق الحويش واصحابها، وركز على المحال التي كان يجلس فيها، سواء المقهى أو الاوتجي…
هكذا يستمر- في الفصل الأول- منهجه في تفصيل المحلات الثلاثة الأخرى، ولكن مساحتها في عنايته بدت أقل من الحويش، على أنّ عنايته كانت واضحة في بعض المشكلات القبلية التي كانت تقلق المدينة، مثل العراك بين ألبو عامر وألبو كلل، وعبر عن دوره- كمسؤول في الحزب والدولة- في حل تلكم المشكلات.
جاءت الفصول الأخرى تعالج مجالات اجتماعية، ففي الفصل الثالث استعرض المرجعية الدينية وتاريخها وخص بعض المرجعيات في القرن العشرين بالترجمة؛ وبحث في الفصلين (4، 5) المشهد الثقافي والواقع السياسي؛ أما الفصل (6) فكان في موضوعات شتى، غير أن غلبت علية السيرة الشخصية وعلاقات مع وجوه نجفية، مثل: آل الصافي، والجواهري الشاعر، وعدنان زوين التربوي، وزوجته.
تجمل حصيلة الكتاب أن كان شاغله توثيق مشاهد الحياة النجفية من خلال مشاهدات الكاتب ومشاركته فيها احيانا، غير أن ما يخصنا في البحث كان الفصل الأول عن محلات المدينة القديمة، وكان على نحو مختصر، إلا في محلة الحويش، وبعض عكودها التي يسكنها- في الغالب- من آل الرفيعي، أما بقية المحلات شاغلها بأقل ما يناسبها حجما ديموغرافيا او اجتماعيا؛ ومن هنا جاء مشروعنا ينشد التكامل في توصيف المحلات الأربع وخططها المتمثلة في الشوارع والأسواق والعكود والدرابين، والبيوتات والاشخاص التي كانت تشغلها، وبعض الحوادث التي سجلتها الذاكرة النجفية، ومنهجية مختلفة تعتمد على المشاركة المتفاعلة لعديد من أبناء المدينة من الكهول والشيبة في تسجيل ما في جعبة الذاكرة عن النجف، حيث منازلهم الأولى التي ظل الحنين يأسرهم إليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *