أحمد الشطري : (مقبرة الغرباء) بين رثاء الذات ورثاء الشاعر (ملف/29)

إشارة :
ببساطة .. لإحساس عميق وقناعة راسخة لدى أسرة موقع الناقد العراقي بأن الشاعر المبدع “جواد الحطاب” هو “ظاهرة” فذّة في الشعر العراقي المعاصر لا يمكن إلّا الوقوف عندها طويلا وتأملها ودراستها بعمق ، تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن تجربته الإبداعية المهمة ؛ شعرا ونثرا ، متمنية على الأحبّة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.

(مقبرة الغرباء) بين رثاء الذات ورثاء الشاعر
أحمد الشطري
لعل من بدهي القول ان الرثاء يعد من بين اكثر الاغراض فاعلية في الشعر، على مر العصور ولمختلف الثقافات، وربما يحدث التمايز في كيفية التعبير ومدياته بين ثقافة واخرى وبين عصر وآخر غير أن الباعث الاساسي والمحرك الفاعل في عملية الرثاء هو ذات الشعور بفداحة الفقدان، ومن الطبيعي ان تكون حجم الفداحة هذه مختلفة من راث الى آخر تبعا لدرجة التأثر والذي يخضع لعدة مؤثرات منها على سبيل المثال لا الحصر: عظمة المرثي ودرجة القرابة وليس المقصود بها هنا القرابة النسبية وانما القرابة التفاعلية.
واذا كان المفهوم المتعارف او الشائع للرثاء انه مقصد استذكاري بكائي للفقيد او تعداد لمناقبه او استعراض لمشاعر الحزن التي تعتلج في نفس الراثي، فان الرثاء في نماذج كثيرة يتحول الى فعل اثاري سواء كانت هذه الإثارة تحريضية ام تنويرية. وسواء كان خطاب التحريض او التنوير هذا موجها للذات ام للغير.
وتأسيسا على ما تقدم يمكنني ان اقف عند (قصيدة) الشاعر جواد الحطاب التي قرأها في الجلسة الافتتاحية لمهرجان المربد الثالث والثلاثين والتي وضعها تحت عنوان” مقبرة الغرباء” محاولا قراءتها مستضيئ بالموجه القرائي الذي وضعه تحت عتبة النص على انها ” نص في رثاء الجواهري” و سأبدأ من أخر مقطع والذي يقول فيه:
“بعيدا عن دجى وطني
أنا؛ والشمس؛ نرتجفُ
فهل موتي: أودسيوس
وأيثاكا: هي النجفُ”
ومن خلال الثنائيات المتقابلة في الشطرين الاول والثاني والمتمثلة بـ:
بعيدا نرتجف
أنا والشمس دجى وطني
نلحظ ان الشاعر لم يجعل ذاته والشمس بمقابلة ضدية مع دجى الوطن كما يوحي به المعنى التضادي لمفردتي (الشمس والدجى) بل جعلها مقابلة (تكاملية) ان جاز التعبير، مقابلة الجزء المحتاج للآخر المكمل وبناء على هذا قرن الابتعاد عن الوطن بالارتجاف. وسواء كان هذا الارتجاف ناتج عن الخوف وعدم الاحساس بالأمان ام هو ناتج عن الاحساس بالبرودة وفقدان الدفء رغم انه قد جعل ذاته بصحبة الشمس والتي هي باعثا للدفء والامان باعتبارها مصدر الضوء والحرارة الا انه يرى ان الوطن رغم العتمة التي تحيطه والتي هي مصدر الخوف والبرد يبقى الباعث الاقوى للإحساس بالأمان والدفء.
ثم ينتقل الى ثنائيتين آخرتين هما :
موتي = اوديسيوس
أيثاكا= النجف
ومن خلال هاتين الثنائيتين نرى ان الشاعر يفتح بابا للتساؤل عن الكيفية التي يلتقي بها بالجواهري او يسترده من غربته، وهو تساؤل لا احسبه استفهاميا بقدر ما هو اسى وحسرة على غربة الجواهري وبعده عن وطنه. وهل يمكن ان يكون الموت هو الوسيلة التي يدخل من خلالها الى طروادة الجواهري ( مقبرة الغرباء) متخليا عن النجف التي هي مملكة الجواهري الافتراضية كما تخلى اوديسيوس عن ايثاكا!؟
وهو قبل هذا قدم شكوكه بان تكون مقبرة الغرباء موصلة الى اخر الصراط كونها تحتاج الى حشد من (العظماء) مقارنة بمقبرة النجف والتي لاشك انها ستكون اكثر يقينية بالوصول استنادا الى عاملين رئيسين: الاول هو: ما ترسب في قناعة العراقيين من المكانة القدسية للنجف والثاني: هو فرضية ان تراب الوطن هو القادر على منح الانسان التوازن في السير على الصراط، بكل ما يحمل الصراط من دلالات رمزية.
وبناء على ذلك فاني ارى ان مرثية جواد الحطاب لم تكن مرثية بكائية ولا مناقبية بقدر ما هي فعلا تحريضيا ضد الظلم الذي يدفع بالمبدع ان يعيش ويموت بعيدا عن وطنه وان لا يحظى بمكان رمزي فيه. وهو (النص) بالنتيجة ليس رثاء للجواهري فحسب بل لكل مبدع مهدد بالعيش والموت غريبا سواء في وطنه ام خارجه.
اذن هي رثاء تحريضي ضد (تغريب) الانسان بصفة عامة والانسان المبدع بصفة خاصة مهما تنوعت اشكال هذا (التغريب) واساليبه.
ارى ان جواد الحطاب قد قدم نصا عاليا جديرا بالاحتفاء به لما يحمله من دلالات وجماليات متعددة لا يقل جمالا عن نصوصه الأخرى الزاخرة بالإبداع.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *