حسين سرمك حسن: “طالب الفره غولي” .. محنة العراق حين يُمتحن (2)

في لقاء سريع جمعنا بالمبدع العراقي الكبير «طالب القره غولي»، استمعنا إلى قصيدة للمبدع الراحل «يوسف الصائغ» قام القره غولي بتلحينها مؤخراً: «سيدتي/ يا رائعة العينين/ لا تسأليني متى؟ لا تسأليني أين؟/ ففي زمان الحبّ والوفا يكون كل شيء بيننا بدين/ حتى دموع العين» ومثل طريقة الصائغ في كتابة القصيدة السهلة الممتنعة، جاءت طريقة وأداء القره غولي السهلة الممتنعة في تلحين هذه القصيدة التي يوظف الصائغ فيها أغنية عراقية قديمة ومعزوفة هي: «يا زراع البزرنكوش ازرع لنا حنّة» ليصوغ – وهو الصائغ الأمهر – المقطع الأخير من قصيدته بطريقة مشحونة بشجن مموّه. وفي مخطوطة كتابي عن الصائغ: «القدّيس المعصوب» وجدت أن أغلب شعره مسخراً لموضوعة الموت. لذلك أقولك إن شجنه مموذه ونداءه التفاؤلي الأخير هو نداء ينطلق من حنجرة اليأس: «حتى إذا نضج الصبر على الأغصان/ وفتحت أبوابها الجنّة/ ترددت في الروح والوجدان/ أغنية من سائر الألوان/ يا زارع الريحان: ازرع لنا حنه/ فلتذهب الأحزان وتنتهي المحنة». لكن طالباً الذي تخصص في فك شفرة الحزن العراقي النبيل هو الذي يطلق النداء الفاجع ويضع النقاط – نقاط الخسارات – والثكل، على حروف التعبير اللحني الذي يمزق أوصال الروح، فترتفع صرخة الرجاء، الطلب اليائس: حنّه.. حنّه، بنفس طريقة الأغنية العراقية القديمة وليتبعها – بصوته الهادر الجريح – بصحيتين مدّمرتين وبأعلى جواباته: «محنة.. محنة» تأتي الصيحة من تحت جبل المحنة المستقر والراكز فوق أرواحنا منذ فجر التاريخ، فيعتصر القلب وتترقرق دموع الحاضرين. هكذا تتواصل وتتصاعد المسيرة الثرة لهذا المبدع الفذ، غنية بالعطاء ومرتكزة على سلسلة «نداءات» موجعة: نداءات تنطلق من أقاصي الروح العراقية الجمعية اللائبة لتحشد الأنهار والأهوار والجبال والنخل والعقول، وهكذا هو صوت طالب، حين تسمعه – وبشكل خاص في لحظات المحن وضغوط الغربة، تشعر بأن العراق كلّه يأتيك راكضاً، بسهوله ووديانه، بأنهاره وأهواره، بغاباته وبساتينه، والأهم بعذاباته و (نداءات) شدائده الفاجعات – وانظر إلى وجه طالب وخصوصاً حين ينفعل بغنائه وتأمل ملامحه ستجد حقاً أنه مجبول من الطين السومري.. طين الجنوب الحرّ، على وجه طالب ترتسم خارطة عذابات العراق ونهشته مخالب ضباع الليل السوداء: «ما هو منّه ولا له مسكن ويه أهلنه/ الما يشد حزامه وي شدة حزمنه/ لا حلال عليه ميْ دجلة وفرات/ الما يصون رغيفنه البيه الحياة/ ترابنه يتبرّه منه واحنه نتبره منه». هذا الذي تغنى بماء الفرات الزلال، ماء الفردوس، يلهث خاطئاً بعيداً عن الفرات، هذا الذي عزف بأنامل روحه على أوتار دجلة الخير، يعاني العطش والغربة بعيداً نها: (ينادي) من بعيد: محنة.. محنة.. فيرجع الصدى المدوي: أي.. نعم.. محنة ما بعدها محنة، وحين كرّرت مفردة (نداءات) ووضعتها بين قوسين فذلك لأن أغلب المنجز الإبداعي اللحني لطالب موسوم بـ (النداء)، وفي هذا سرّ نفسي ينبغي استكشافه في دراسة تحليلية أعمق مستقبلاً لأنها سمة لا تشمل فنانين عراقيين آخرين فحسب، بل تمتد لتشمل نصوصاً شعرية هائلة العدد. لقـد بـدأ طالب مسيرته اللحنية بأغنية نداء «يا الناصرية تضمين طيفي وخيالي» ثم «لا يا هوى».. «يا حبيبي».. «يا خوخ» «يا ليل».. «يا طعم.. يا ليلة البنفسج» «اشتكالك يا نهر» «جداب.. أي يا كذاب».. «عمّي يا بلاّم». وهكذا إلى أن نصل إلى آخر ألحانه وهو المرتبط بقصيدة الصائغ: يا سيدتي الرائعة العينين، والتي يختمها بنداء مستميت: يا زارع الريحان ازرع لنا حنّة»، ولأن النداء ينبثق من سويداء روح طالب، فإنه يأتي عادة تعبيرياً محكماً، فهو «مترجم» لحني تعبيري ماهر. لا «يترجم» المعنى الظاهر في النص الغنائي ولكن المعاني الخفية أيضاً. أتحدث مع الشاعر «فائز الحداد» دائماً عن أغنية عجيبة مغدورة لطالب هي «يا خوخ»، النص كلاسيكي مبنى ومعنىً، لكن انظر واستمع وتأمل ما فعله القره غولي. خذ مثلاً المقطع الأول الذي يبدأ بـ (نداء) شبه هادي: «يا خوخ لجلك عاشرت كل الطيور وصادقت/ خائن جنح عصفور ينتل غضك ويمك نمت». تبدأ الآن حركة متهاودة ومتدرجة ومنكسرة نفسياً وإيقاعياً، معاتبة ومنجرحة: «وداريتك كيفي دشته» يلي ذلك تذكير بخذلان ووفق الطيرة لكنها ودة نفسها التي تستقر مفاصلها لتقرب من وقفات عذبة محسوبة: «ولما كبرت.. وتحمرت» وتستمر نبرة العتاب والأسف: «يا وسفه يا زردالي.. يا وسفه يا زردالي» لتعود إلى درجة (جوابها) المترع بالأسى وفي صورة نداء جريح: «يا حيف يا زردالي..بد ذات مالك تالي» كان طالب وما يزال كلما اشتدت جراحات شعبه، وبرغم إحباطاته الشخصية الكثيرة يدعو روحه المحاصرة إلى أن تغني، (ينادي) : «غني روحي، غني كل شي يصير غني» فصارت عبر أكثر من ثلاثين عاماً ركيزة من ركائز الوجدان العراقي، ركيزة بناها بالمثابرة والجهد المتواصل العزوم والعرق والدموع والسهر والتشنج بالروح العراقية. ألم تكن أغنية «هذا انه وهذاك انته» أغنية الالتحام العاطفي العراقي من الشمال إلى الجنوب؟» «شفت بعيونك بلادي/ نهر وجبال والوادي/ شفت دجلة وفي مثلك/ يفيض لغير ولجلك».
طالب القره غولي هو الذي زرع بذرة الفرح والتفاؤلية في تربة روح العراقي المعروف بأنه وكيل أحزان الله على الأرض. هذا الإنسان المخلوق من طيف ودم جعله طالب ينظر ولو للحظات، وفي ظلّ الحروب والحصارات من زاوية نور وأمل سريعة: «شفت روجاته يا روجاته مثل معاضدك فضّة/ تتهادى ويه جاري الماي هلهوله فرح غضّه/ وين حبك غناي انه تعلمته وهذاك انته».

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

2 تعليقان

  1. هشام القيسي

    ورضي الله عنك د . حسين سرمك يامن توسدت هموم الابداع العراقي والعربي واشتعلت في معطياته شاهراً أقمار اليقين في كل حال .

  2. شكرا جزيلا لأستاذنا الفاضل هشام القيسي على ثقته وكرمه وحرصه على رموز الإبداع العراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.