ليث الصندوق : أضواء على أدب ال facebook – (الحلقة الثانية)
واسط في قصائد الشاعر حميد حسن جعفر:
تفتيت المكان في ثنائيات أم تجميعه فيها ؟

أضواء على أدب ال facebook – الحلقة الثانية
واسط في قصائد الشاعر حميد حسن جعفر ..
تفتيت المكان في ثنائيات أم تجميعه فيها ؟
ليث الصندوق

هذا شاعر مهم من شعراء ال facebook هاديء ومتزن ولا يروّج لبضاعته بصخب وعنف ، يهمس لمن يريد أن يصغي إليه وكأنه قديس يصلي في محراب . عندما قرأت له أول مرة قبل سنوات قليلة ندمت لأني لم أتعرف عليه منذ بداياته التي يُفترض أنها تزامنت مع جيل الستينات . أنه حميد حسن جعفر ، شاعر الكوت المدينة والناس والتاريخ ، يستحضرها في كلّ نصوصه دونما استثناء ، وحتى إذا ما أوهمنا بتجاوزها إلى موضوع آخر سواها قد يكون بعيداً عنها كل البعد ، فلا يعدم أن يخلف فيه شيئاً من لوازمها ، مُضمناً أو متوارياً في بنياته السطحية أحياناً ، وفي بنياته العميقة أحياناً آخر . ولعل فرط تولعه بمدينته الأم هو الذي يُجنبه التهيّب من النثرية ، ويزيل لديه الحدود ما بينها وبين الشعرية ، ويجعل المزج بينهما من متطلبات التوله والاستيهام ، فهو يخترق حدود شعريته بتفاصيل نثرية يعرفها ويتداولها العامة والخاصة من أهل مدينته في حيواتهم تداول المعروف والمستهلك ، بل وحتى تداول الحوشيّ والمبتذل بدون خشية من الإنزلاق بعيداً عن جادة الشعر ما دام زمامه ملك موهبته ، توجهه ، وتُبقي عينيه مصوبتين كعيني صقر على الهدف .
ولربما ظل الشاعر لربع القرن الذي أعقب نهاية الستينات مجهولاً لوسائل الإعلام الرسمية التي لم يكن سواها متوفراً عهدئذٍ ، ولبعض الشعراء المجايلين ، ولذلك أسباب لا علاقة لها به ، بل بالتعقيدات السياسية التي صادرت الإختلاف ، وفرضت على كل الألسن أحد خيارين ، فإما التقية أو الصمت ، واختار الشاعر بعد انهيار الجبهة الوطنية الخيار الثاني ، حتى أنه لم يتقدم بطلب انتماء إلى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق إلا بعد عام 2003 . علماً أنه قبل استفحال مرحلة إحادية اللغة الرسمية كان الشاعر قد اشترك مع نخبة طيبة من أربعة شعراء آخرين هم إضافة للشاعر كلّ من حاتم محمد الصكر و عادل العامل وجواد ظاهر نادر و سميع داود في إصدار مجموعة شعرية مشتركة بعنوان ( نوارس الموجة الآتية ) عام 1974 ، وقد ساعدت وزارة الإعلام العراقية على إصدارها .
بعد عام 2003 أطلق الشاعر العنان لموهبته المحتجبة ، وحرر أسر كتبه ، فأصدر مجموعة منها استوعبت اهتماماته المختلفة في الشعر والنقد والانثروبولوجيا والرواية أغلبها صدر في طبعات خاصة ، ولا يخفى على المتابعين بأن الطبعات الخاصة تشكل احد اهم الأزمات الثقافية في العراق لمحدودية انتشارها ، وسوء طباعتها ، ومع ذلك يلجأ إليها اصحاب الأقلام مضطرين ، فهي منفذ النشر الوحيد تقريباً الذي لا خيار سواه . ولعدم التمكن من الوصول إلى طبعات الشاعر الخاصة فقد اعتمدت هذه القراءة على نصوص الشاعر في موقع ال facebook فقط .
ألجغرافيا هي السجن القدري الجميل الذي يطلّ من ورائه الشاعر على عالمه الشعري ، وهو لو خير لما اختار سواه ، جغرافيا الكوت / المركز ، وجغرافيا واسط / المحافظة ، ولكن لا المركز ، ولا المحافظة هما كما في جغرافيا الزمان وجغرافيا المكان ، ذلك لأن استنفاذ الطاقات الإيحائية في مزج التاريخي بالجغرافي أفرز معطى مغايراً لا يصلح سوى لتعاطي الذاكرة وهي تجتاز عتبة الوعي استعداداً للدخول في عوالم الحلم . وما دام الشاعر هو الذي يحدد أبعاد عوالم أحلامة ، ويرسم خرائطها بمساطر لغته المتمردة والمنزاحة ، فسيُخضع كل ما يحيط أو يتصل به لسنّة الجغرافيا في الانشطار إلى ( قلب / مركز ) و ( جسد / محافظة ) ، وسيتخذ من هذا قاعدة لشطر المفرد إلى اثنين ، أو على العكس سيقلص المجموع أو يختزله في اثنين مستثمراً صيغ التثنية والتماهي مع الثنائيات ، وسيعكس هذه القاعدة على مشهده المرئي ليحوله إلى صورة من صور التقابل والتناظر .
ولهاتان الآليتان دلالات لا تتوقف على المكان أو الجغرافيا ، بل تتعداه لتشمل كل ما يقع ضمن حدود نظر الشاعر . ومن البدهي أن تكون المرأة أحد أهم مفاتيح هذه الألية ، فبالرغم من أن الحدود معدومة ما بين ( المرأة / المكان ) أو ( أنا / المكان ) إلا أنّ كل ما للمرأة خاضع للتمويه والتحول إلى مكان ، وكلّ ما للمكان خاضع للتمويه ، والتحوّل إلى حصة المرأة . ومن اليسير تبين علاقة هذه الثنائية بالثنائية الرسمية الأصل التي أفرزتها الجغرافيا ( المركز / المحافظة ) وبالثنائيتين العاطفيتين ( قلب / مركز ) و ( جسد / محافظة ) .
كما أنه من اليسير ملاحظة توالد تلك الثنائيات عن حالات من صيغ التثنية موازية ومتوافقة معها في شبه نظام يكتسب فعاليته من توجيه الدلالات نحو مخاطب واحد . وبصورة أوضح أن الدلالات لا تخرج – إلا في القليل – عن حدود خطاب مخصوص لمتكلم واحد ، وموجه إلى غائب واحد . ولكن قاعدة التثنية الأساسية هذه سرعان ما تترجرج ، ومن ثمّ تتهشّم تحت ضغط بنيتها الثقيلة ، وتتوزع وحداتها الصغرى ذرات في ثنايا الصيغ اللغوية الأخرى حتى لتكاد تبدو التثنية هي القاعدة ، وتكاد مزدوجاتها المربكة للنظر الفاحص تبدو وكأنها نوع من البلاغة الصورية تطيح بهيمنة المفرد ، وتبدد صيغ الجمع ، وتُسخّر ما تبقى من الصيغتين المتراجعتين لصالح ما تستنبطه من محمولات صوتية ودلالية .
والمرأة هي حدّ كل الثنائيات المتفرعة عن جغرافيا الشاعر ، وتتجلى أما غائبة أو مخاطبة ، وفي الحالين تملأ كل فضاء النص تأثيراً وحيوية ، بل أنها محركة كل الأفعال الأساسية وما يأتيه الآخرون من من حولها من ردود أفعال ، باستثناء حالات نادرة تتحوّل فيها غلمرأة إلى متلقية ، وتتراجع أفعالها إلى ما دون مستوى التوتر ، وسنفصل في هذه الندرة لاحقاً .
في قصيدة ( هل أنا بعض ترابها ، أم هي كلّ ما لديّ من خزائن الله ) يوهمنا الشاعر أنه يتوجه بخطابه إلى إمرأة ما ، إمرأة كلية الحضور ، مترامية الأبعاد ، متباينة التضاريس ، بينما يحدد موقعه في الوسط ما بين تلك التضاريس – الهضاب التي تحيط بالشاعر عن اليمين وعن الشمال ، ولأن تلك الهضاب هي من حصة الجغرافيا التكوينية لجسد المرأة التي هي بدورها جزء من خزائن الله ( هي كل ما لدي من خزائن الله ) فهي ( أي الهضاب ) ليست من معدن الأرض ، بل هي من حصة أسمى وأعظم ، فهي من حصة الله لأنها خزائنه ، وهذا التحصيص الإلهي أخرجها من الإطار المادي . لكنها من جهة أخرى من حصة الكون ( لأنها كواكب ) وهذا التحصيص إعادها إلى عالم المادة الكونية ، لكنها مع ذلك أبقاها في سمائها ، ولم يهبط بها إلى عوالم الناس الأرضيين :
( ألهضاب ، تلك التي عن يميني كواكب
كذلك تلك التي عن شمالي )
وثنائية الجهات السابقة ( يمين / شمال ) هي المفتاح البلاغي الذي يُمكّن الشاعر من إطلاق تساؤلاته ، ويُمحورها تحديداً حول سلطات المرأة / الجغرافيا ، والتي لا يطمح الشاعر من ورائها الحصول على إجابات : ( من أسلم لديه مناسكة ليفتح نافذة في الجدار ؟ ) أو ( هل أنا بعض عناصرها ؟ ) أو ( هل هي كلّ ما لديّ من خزائن الله ؟ ) حسبه أن تساؤلاته لا تعبر عن مدى قلقه وضياعه بقدر ما تعبر عن مدى انتمائه لسيدة التساؤلات :
( لن أبحث عمن يؤكد لي ذلك ، أنا بعض ترابها
أصابعي شجرها الذي عند الأطراف )
أو ( بين يديها أنا أرائك جسدها ) ولكنّ تأكيد الانتماء – كما ورد آنفاً مرتبط بثنائيتين متداخلتي الحدود تجعل من الصعب الفصل ما بين المتكلم من جهة ، ومن جهة أخرى المخاطب / المخاطبة ، أو ما بين الشاعر والمرأة / الجغرافيا . ومن أجل أن يحقق تلكما الثنائيتين الثنتين عليه جلب ثنائية قبلية من خارج منظومة الثنائيتين الثنتين اللاحقتين . فحقيقة الانتماء لا تحتاج إلى شاهد أو دليل خارجيّ يؤكدها ، أنها تحتاج لحدّ واحد فقط هو الأول من ثنائية ( أنا / الآخر ) فلدى هذا الطرف وحده مفاتيح انتمائه ( لن أبحث عمن يؤكد لي ذلك ) وإصراره هذا على انفراده بتأكيد انتمائه رسم له حدود ثنائية الانتماء العريضة بعرض الجغرافيا والمختزلة بضميري المتكلم والغائب :
– ( أنا – بعض ترابها )
– أو ( أصابعي – شجرها )
– أو ( أنا – أرائك جسدها )
وبالرغم من المكانة العلوية لتلك الأجرام البعيدة ، إلا أنّ تعاليها ذا طبيعة فيزياوية مكانية لا يسمو بها إلى مرتبة القداسة ، ولكن مع اقتران العلو ب ( المناسك ) فالدلالة الفيزياوية تتراجع لصالح دلالة روحية ( من أسلم لديها مناسكه ليفتح نافذة في الجدار ؟ ) تسندها ، وتُعمّقها دلالات ذات إيحاءات دينية أخرى لتُخرجها من إطارها الفيزياوي ، وتُدخلها ضمن حدود المقدّس ( بين يديها يتوضأ السحاب ) أو ( أم هي كلّ ما لديّ من خزائن الله ؟ ) . وقد يدخل الزمن كعنصر إيحائي في التدليل على قداسة المكان حين يرتبط بذكرى الهجرة النبوية أو بحدث الهجرة ، كما في قصيدة ( من سيؤذن في الناس ، من ذا سيقرع أجراس المدينة ؟ ) والحدث لا يأتي هذه المرة مفصولاً عن مكملاته ، بل يأتي مقروناً ب ( الفاصلة الزمنية التي تفصل الحدث عن الحاضر أي أربعة عشر قرناً / الملائكة / ذكر الله / الصلاة / نبيّ الرحمة ) :
( فمنذ اربعة عشر قرناً وأنا أستقبل نزولها كأيّ كوكبة
من الملائكة ألزموها ذكر الله
فإذا بها تُصلي على نبيّ الرحمة )
والثنائيات المتفرعة عن صيغة التثنية هي ليست مجرد تأويلات لعلاقة المتكلم بالمخاطب ، أو المتكلم بالغائب فحسب ، بل هي صيغة من صيغ المجاز يعتمدها الشاعر لكسر بنية الحقيقة النمطية ، ولخلخلة أحادية الدلالة ورفدها بمعان مجاورة . فالثنائية الضدية التي ساقها البحث عن الخراب في ( فيورق خشبي كأي جسدين يبحثان عن خراب ) والتي يحاول الشاعر بناءها من حدين نقيضين هما ( الإيراق / الخراب ) ينفتح حدّها الأول بحكم ارتباطه ب ( خشبي ) على صيغة تثنية ( كأي جسدين ) وهذه صيغة إشكالية من وجهتين :
ألوجهة الأول : أنها اختزلت المجموع ( خشبي ) في إثنين .
ألوجهة الثاني : أنها بددت الإثنين في اللاشيء ( خراب ) .
وإذا كانت الوجهة الثانية تمثل حقيقة كونية مفادها أن كلّ شيء إلى زوال ، فما هو مسوغ الوجهة الأولى ، أي ما هو مسوغ التحول إلى صيغة التثنية ، ألا يحيلنا ذلك إلى المربع الأول ، حيث تشكل المرأة الخارطة الجغرافية لذاكرة الشاعر في صيغتيها الواسطية والكوتية معاً ، أو في إحداهما لا فرقَ . وحيث تتشكل من لقائهما الروحي صيغة التثنية اللغوية .
هذه الطريقة في شطر الواحد إلى اثنين تتكرر بصيغة مأساوية في قصيدة ( شمال الجنوب ، جنوب الشمال ، كوت الله ) فتحيل إلى أول جريمة في التاريخ ، ومن ثم عكس صورة الجريمة على الأرض المقدسة / الكوت ، والقداسة جاءت إليها من أربعة مصادر :
ألأول : ربطها بالخالق معرفة بالإضافة ( كوت الله ) أو ( واسط ، أعني الكوت روح الله ) أو ( طرقات تتجه نحو الله ) أو ( واسط تتوسط أنهار الله ) أو ( كانت يد الله ) .
ألثاني : ربطها بسورة الكهف في القرآن الكريم ، وبالإيحاء إلى كونها واحداً من الفتية الذين آمنوا بربهم ( بقية فتية آمنوا بربهم ) .
ألثالث : ألنظر إليها كبيت عبادة لكل الأديان الإبراهيمية ( كانت جامعاً وكنيسة وكنيست )
ألرابع : ربطها – كما سبقت الإشارة – بأول جريمة في التاريخ نجمت عن صراع الأخوين قابيل وهابيل ، مع فارق أن القتيل هذه المرّة ليس أحد الأخوين ، بل هما معاً ( جثتين لمخلوقين ) ، وأن القاتل ليس أحد الأخوين ، بل هو شخص أو أخُ آخر ( ظلم الإنسان لأخيه ) أو ربما أن القتلة هم مجموعة أشخاص تمّ التعبير عنهم بصيغة المفرد على الطريقة البلاغية ( دلالة الجزء على الكل ) ما دام قد تم التعبير عن الضحيتين بذات الصيغة ( لأخيه ) . والطريف في هذه الصورة أنها لم تُجرّد الضحيتين الميتتين من كل قدرات الأحياء ، بل أبقت لهما – وهما الميتان – القدرة على الشهادة ( ليشهدا ظلم الإنسان لأخيه ) :
( وما كانت كوت الله إلا بقية فتية آمنوا
كان الله يعاين جثتين لمخلوقين ، تلك خلائق الله
تتلاعب بهما ريح ، ويغشاهما نور
جثمانان يتوليان ليشهدا ظلم الإنسان لأخيه )
وفي قصيدة ( عين الله ، عين اليابسة – نصّ في المكان ) تتجلى صيغة التثنية صورياً من خلال كأس نصف فارغة ، وهذه الصورة تعني بالضرورة أن الكأس في الوقت عينه نصف ممتلئة ، فنحن في مواجهة نصفين متماثلين في كأس واحدة . لقد اختار الشاعر لنفسه وصف المجنون تعبيراً عن حبه ل ( واسط ) ، جرياً على الطريقة العذرية في التقليد العربي القديم ، ولكنه حب بكأس نصف فارغة ، إحالة إلى المثل المتداول عن رؤية المتشائم و المتفائل . ولكن الحب الواسطي لا يكتمل بواحد من شطري الكأس الإثنين فحسب ، بل بتحوله إلى ثنائية ( أنا / المكان ) او ( أنا إبنها ) واقتران هذه الثنائية بثنائية أخرى معها ، أحد حديها سماويّ والآخر أرضي ( ألله / ألجنوب ) ، وفي حين تتحقق الثنائية الأولى بالانتماء ، تتحقق الثنائية الأخرى بالمصاحبة :
( أنا إبنها المجنون بكأس نصف فارغة
وبصحبتين
واحدة هي لله
والثانية للجنوب )
ولعل القصيدة النوعية الأكثر استيهاماً بصيغة التثنية ، والأكثر تضميناً لثنائية ( المرأة / المكان ) وما يتفرع عنها من ثنائيات هي قصيدة ( لوضوء ترتكبه يداها تتوالد المياه ) والعنونة هي بحد ذاتها مِجرّة من الصيغ والدلالات الثنائية التي تتطلب قراءة خاصة ، ولكننا هنا سنتجاوزها بذريعة أن العنونة تقع خارج هذه القراءة ، مكتفين بالنص الذي تُضيئه مجرّة العنونة من الأعلى .
تتفاعل صيغتا المثنى في ثنائية ( يداها / قدماها ) أو بحسب الارتباط النحوي في النص ( يديها / عينيها ) ، وما يتصل بالصيغتين من أفعال وصفات وحروف ، تتفاعل مع بعضها ، وتُفرز تشكيلات لغوية تحيل أحياناً إلى انثى واحدة ، ولكن هذه الإحالة تكاد تكون نادرة ، لأن الإحالة الأكثر تكراراً تعود إلى واحد من حدي الثنائية السابقة . والإرباك الذي يحدث ، وهو إرباك متعمد حتماً يعود إلى أن تلك الصيغ تتداخل مع صيغتي تثنية أخرى تعود إلى الشاعر ( يداي / عيناي ) أو بحسب الارتباط النحوي في النص ( يديّ / عينيّ ) مع أن التداخل الأخير لا يُثقل على القاريء باعتباره قد لحق بالسطور الأخيرة من النص فقط . فالاستهلال ب ( يديها / قدميها ) أفرز حزمة من صيغ التثنية شملت المرأة ، وكلّ ما يحيط بها من خارجها ( ألجفاف / جفافهما ) ، ( خسائر / خسائرهما ) ، ( ضعف / ضعفهما ) . وبالرغم من أن الإحالات هي بالعموم إلى تثنيات مبهمة ، وغير مخصوصة إلى مرجعيات محددة بوضوح . ومع ذلك هناك ست إحالات إضافية أخرى مخصصة للمفرد ، وهي موزعة بالتساوي وبمعدل إحالتين إلى الضمائر التالية :
الإحالة إلى المتكلم :
– ربما أكون الشاهد الأخير
– حين يصير حطبي رماداً
ألإحالة إلى المرأة ( بضمير الغائب ) :
– والمحبة المتناثرة من نثار لغتها
– وراء سورها
إحالة مشتركة ( ألمتكلم + مستفهم عنه مجهول ) :
– من أشار لحطبي أن يتقد
– والتراب أن يورق ( والتقدير هو – من أشار للتراب أن يورق – )
وبذلك تشتبك خيوط النص ، أو يشتبك كل خيطين معاً في نسيج من الصعب فضّه إلا في السطور الأخيرة ، حيث يعترف الشاعر بأنه هو أيضاً كان ضحية ارتباك التثنية ، أو الإرتباك الناجم عن الفعالية الإيحائية ل ( يديها / قدميها ) وما تسبب به من تداخل لغوي / تصويري أدى بالنتيجة إلى تحوّل ( أحطابه ) إلى ( رماد ) :
( لا حيلة بين يديّ الآن سوى أن أغمض عينيّ عما يحدث
حين يصير حطبي رماداً
وحين التراب يصير أنثى )
والسؤال الذي تسبب بهذا الإرباك هو سؤال عن جدوى التثنية ، وعلاقتها بالثنائيات المتفرعة عن علاقة المرأة بالمكان . ولربما تكمن الإجابة عن هذا السؤال في السطر الأخير ، حيث تكتمل سيرورة الخلق بتحول التراب إلى أنثى ، والتراب من الناحية الرمزية هو الوطن ، أو هو المظهر المادي لقيم الانتماء ، وبتحول التراب من صيغته اللغوية الذكورية إلى أنثى تكون ثنائية ( المرأة / المكان ) بصيغتها العامة ، أو ( المرأة / واسط ) بصيغتها المحددة ، أو ( المرأة / الجغرافيا ) بصيغتها الأعم والأشمل ، تكون قد كشفت عن عمقها الرمزي .
ويكتسب التعاطي مع صيغة التثنية مظهراً اكثر تفصيلاً في قصيدة ( الآباء والأبناء ) حيث يتخذ الشاعر من ( الحروب ) ذريعة للتساؤل عن نتائجها الثلاث التي سنأتي عليها لاحقاً ، وعن المرجعيات الموقعية التي صدّرتها ( إلينا ) ، والشاعر – كعادته – يطرح الأسئلة ولا يتواخى الإجابة . لكن في الوقت الذي يُبقي فيه الحروب محوراً للتساؤلات ، وهو محور ثابت في ثلاثة أسئلة إستهلالية ، يعمد إلى تغيير العناصر الأخرى والمتمثلة بنتائج الحروب وهي ( الخواء و الفواجع والحرائق ) ومرجعياتها المفترضة ، وهي مرجعيات ثنائية في كل تساؤل ، وتمثل المدن التي يُحتمل أنها المصادر التي زوّدت الحروب بالنتائج الثلاث ، ولكنها مجرّد خيارات إحتمالية لا تتوفر على أي قدر من التأكيد والوثوقية ، وما إيرادها إلا للإمعان في تعقيد الإجابة وإرباك المتسائل ، ودفعه للبحث عن الدلالات التاريخية لتلك المرجعيات / المدن ، ودلالات ربط كل ثنتين منها بنتيجة محددة ، ومن ثمّ دلالات المفاضلة ما بين كل ثنتين من المدن الست . ويبدو أنّ عدم الوضوح في تلك التساؤلات قد أخرجها من سياقها ، وجعل منها نوعاً من التساؤلات الإنكارية .
ألتساؤل الأول :
( من أين جاءت الحروب إلينا بكلّ هذا الخواء ؟
من أشبيلية أم من يثرب )
– ألمحور الثابت : ألحروب
– النتيجة : الخواء
– مرجعيات الحروب : أشبيلية ويثرب
ألتساؤل الثاني :
( وبكل هذه الفواجع ؟
من أسطنبول أم من بخارى )
والتقدير هو ( ومن أين جاءت الحروب إلينا بكل هذه الفواجع ؟ )
– المحور الثابت : الحروب ( وهي مضمرة في النص ومقدرة بدلالة حرف العطف الواو )
– ألنتيجة : الفواجع
– مرجعيات الحروب : أسطنبول وبخارى
ألتساؤل الثالث :
( وبكلّ هذه الحرائق ؟
من كابل أم من كازاخستان ) .
والتقدير هو ( ومن أين جاءت الحروب إلينا بكلّ هذه الحرائق )
– ألمحور الثابت : الحروب
– ألنتيجة : الحرائق
– مرجعيات الحروب : كابل وكازاخستان
ذلك الحشد من الثنائيات موصول بأكثر من آصرة بثنائية ( المرأة / الجغرافيا ) حتى وإن كانت الجغرافيا – على حدّ قول الشاعر – مجرد ( مدائن ترعى حقولي ) أو مجرد غابة ، وفي ( أقصى الغابة كائن ) وتجريد الغابة لا يُفقدها أهميتها ، بالرغم من أن تلك الأهمية مكتسبة من خارجها ، أي من ذلك الكائن المقيم في أقصاها ، ففي الحالين ثمة آصرة خفية تصل ( المدائن – بالحقول – بالغابة – بالكائن ) وإذا كانت العناصر الثلاثة الأولى من هذه السلسلة تعود إلى الحدّ الثاني من الثنائية السابقة ، أي الجغرافيا ، فإن العنصر الرابع ( الكائن ) يعود إلى الحدّ الأول ( ألمرأة ) ، وهذا ما يُصرّح به الشاعر ( وفي أقصى الغابة كائن ربما هو إمرأة ) وإن شابت تصريحه هذا نبرة شك بحكم دخول ( ربما ) التي تُفيد الإحتمال عليه ، ومع ذلك فلا الاحتمال ، ولا الشكّ يلغيان إمكانية التحقق :
( لن أنكس أعلامي لأعلن حزني
فما من رحيل ينجزه الآخرون بعيداً عني
وما من مدائن ترعى حقولي ، وفي أقصى الغابة كائن
ربما هو إمرأة ، أو شيء من هذا ، أو ذاك
قابل للطيّ ، أو النشر )
ولعل كل التقابلات في الدلالات ، وكل التمويه في الثنائيات الغيرية ، وكل الإستعارات الصوتية من الجماعة ، ما هي إلا محاولات لربط تلك الأواصر وإيصالها إلى جغرافيا الحلم الواسطي التي يبقى هناك رجع خفيّ من صداها مهما خفت أو تقطع أو توارى . ففي نص ( من سيؤذن في الناس .. من ذا سيقرع الأجراس ؟ ) تتقاطع جغرافياً مجموعة من الثنائيات بحيث يضطر الشاعر للعودة إلى المدينة / المكان ، متخلياً عن ثنائيته الأثيرة ألمرأة / المكان :
( لم أكن واثقاً مما كانت عليه المدينة
أو مما ستكون عليه
لآ أعني تلك المدينة – واسط القصب –
بل أعني كوت القادم من البصرة )
أنها من المرات النادرة التي يُجرّد الشاعر فيها الجغرافيا من رمزيتها ، ويتعامل معها كخارطة . وبذلك يتجلى المشهد العاطفي على حقيقته المادية كما تراه العين أو كما هو على الأرض :
( .. أقصد كوت الهابط من بغداد القاصد
مصنعاً للبتروكيمياويات
أو مزرعة لقصب السكّر
أو بيتاً لابراهيم الخليل
أو سجناً في الصحراء )
وفي أكثر من قصيدة لا يقتصر رسم أبعاد المدينة بهذه العدسة الفوتوغرافية على الخارطة الأرضية فحسب ، بل يتعداه إلى الخارطة الإجتماعية وفروعها من الأسر والعشائر والشخصيات :
( كانت واسط سليم زيا
وجميل ناشور
وهادي الأسدي
ومطير العبد ….. ألخ )
وخارطة العادات والتقاليد أيضاً :
( حيث تسمى النسوة ، أقصد الإناث من المواليد
بأسماء النخلة مرّة
وبأسماء السمك ثانية
أو بأسماء الآلة ثالثة )
وفي ( شمال الجنوب ، جنوب الشمال ، كوت الله ) يعمد إلى زحزحة الصورة الفوتوغرافية عن نظيرها الواقعي بإضفاء ملامح من القداسة على خارطته الأرضية – كما في العنونة – حيث يُعرّف مدينته الأثيرة ( الكوت ) بعد تجريدها من أداة التعريف ، بنسبها إلى خالقها أو ما يُسمى تعريفاً بالإضافة ، وهي المعرّفة أصلاً بالعلمية . بل ان الشاعر لا يتحرّج حتى من إضفاء القداسة على خارطته الإجتماعية ، ولكن بعد إجراء تحوير بسيط يجعل من تلك القداسة مقبولة عرفاً ، وذلك بتذويب الناس في المكان بما يساهم في تخليط المعاني ، والإيحاء بأن التقديس ليس للبشر ، بل هو للمكان الذي يحتويهم ، ولكنها في الحقيقة نوع من التورية الذكية تحول بموجبها حب الناس إلى نوع من التقديس :
( هل كانت كوت محمود الواسطي
أو كوت عباس البلداوي
أو كوت شمران الياسري
مضافات الله )
ومن ذلك الرمز المنحسر من حدّ ثنائيته ، والمخصوص للمرأة ، والذي تخلى الشاعر عنه في موقف نادر قلما يتكرر ، يتبقى شيء من أثر قديم يشير إلى استحالة إزالة بصمة المرأة تماماً من ذاكرة النص ، ومن ذاكرة المكان . ولكنّ ضغط الجغرافيا تسبب في النتيجة بانتقال فعالية المرأة من السطح إلى الباطن مخلية موقع الفاعل للشاعر ، مكتفية بردود الأفعال ، أو كما يقول في ( من ذا سيؤذن في الناس ؟ من ذا سيقرع أجراس المدينة ؟ ) :
( … وأنا أجلس بين يديها كأيّ بحّار ضال
أرمم خشبها
وأرفع شراعاً كان قميصي في يوم ما
وأصبّ عليها من كأسي ما لم أشربه ، لتستيقظ كأيّ
سرب أسماك يخترق بوابات القلب ليستقرّ عند الروح )
وقد يلجأ الشاعر بعد انحسار فعالية الرمز الأنثوي ، وبعد هيمنة حدّ الجغرافيا ، وبقائه خارج المحددات الثنائية مرتبطاً بخارطة التضاريس الأرضية ، قد يلجأ إلى التذكير بالعنصر المنحسر ، أو التلميح إليه عن طريق ردّ المتبقي إلى المغيّب ، مستعيناً بقائمة من أسماء النسوة ، أو كنانهنّ أو ألقابهنّ ، كما في قصيدة ( شمال الجنوب ، جنوب الشمال ، كوت الله ) من دون أن يأتي على دلالات تلك القائمة ، ولكنّ إضافة الأسماء إلى المدينة / الكوت ( من دون أداة التعريف ) كان كافياً للتعبير عن مدى ارتباط تلك الأسماء بحياة المدينة :
( كوت دوخه بنت جالي – أم عبوسي – وشمعة عبود – أم عماد
وسلمى المسيحية – أم وليد )
وبالرغم من أن قوائم الأسماء المفصلة تُفقد النص جزءاً من شعريته ، إلا أن ما يشفع لها أنها محاولة مخلصة من الشاعر للتعبير عن مدى انتمائه للقاعدة الشعبية التي تمثلها تلك الأسماء من جهة ، ومن جهة أخرى لإبراز ما لتلك الأسماء من أبعاد إنسانية في الذاكرة الجمعية .

(ملحق بنماذج من قصائد الشاعر )

(هل أنا بعض ترابها أم هي كل ما لدي من خزائن الله ؟)

الهضاب. ..تلك التي عن يميني كواكب.
كذلك تلك التي عن شمالي،
من أسلم لديها مناسكه ليفتح نافذة في الجدار؟
لن ابحث عمن يؤكد لي ذلك، انا بعض ترابها،
اصابعي شجرها الذي عند الأطراف،
عند أقصى الغابة توقفت عرباتها لتشهد نهوضي ،
بين يديها انا ارائك جسدها،
وبين يدي يتوضأ السحاب،
ذاك البخار الطالع من عشبها،
فيورق خشبي كأي جسدين يبحثان عن خراب،
كأنه النور، هل أنا بعض عناصرها؟
أم هي كل ما لدي من خزائن الله!
أحدثها عن رايات هي مستقبل البحر،
فيسمعها الذي جنبي تحدث الآخرين عن مراكب،
كل ما لديها بعض مغامرة، و بحارة لا حكمة لديهم،
سوى ان تشتعل أجسادهم بخشب قواربهم،
من نيرانها يطعمون أيديهم فاكهة هي اشرعة،
لا ريح تجدد لها العهد
لا بحر في انائها ،
يحمل اليها ما يطفو من حجر،
وما يغطس من الغرقى ،.

15/4/2016

( ألأباء والأبناء )

من أين جاءت الحروب إلينا بكل هذا الخواء؟
من إشبيلية أم من يثرب !!
و بكل هذه الفواجع؟
من اسطنبول أم من بخارى، ،.،!
و بكل هذا الحرائق؟
من كابل. أم من كازاخستان. ،!،
ونحن الفقراء حد الجهل!
نرتب لايامنا حيطانا ونتركها تنمو بمحاذاتنا. لم نتعود الاثم.
أو المعاصي. ولم ندع المعرفة. و لم نتخذ من الكبائر ديدنا
أو من العدوان مذاهب.
ما بيننا و الله خط وهمي.
قد ينزل –جل جلاله –من عليائه لحظة ما ليتفقدنا.
وقد نصعد إليه في يوم ما لتعلن التوبة.
قد نعاينه بسبب مرض جهل. .أو فاقة. أو استبداد.
وقد يحاسبنا بسبب كذبة الأول من كانون الثالث.
أو بسبب لعبة كوشينة.
أو بسبب رقعة شطرنج. .
أو بسبب كأس نبيذ أحمر.
أو بسبب اغنية ل –يوسف عمر .-
وليغفر لنا
و لنتوب إليه .
و لنجد أنفسنا ورقة بيضاء لا تصلح لصناعة دينار.
يحمل رسم الملك –فيصل الأول —
أو صورة رئيس جمهورية .أو رئيس وزراء.
ااااااااااااااى
قد يكون واحدنا بريئا. .ولكن لن نكون بلهاء.
هل استنفذت الأسرة اخطاءها ليجد بعضنا نفسه مهملا؟
من غير عاهات أو حروب. أو سلاطين!
فلا أزهار من الممكن أن نقدمها لأنفسنا سوى تلكم الآثار.
بقايا تلكم الطعنات.
هل داست عشبة الغابة أحذية الجند وسرف الدبابات؟
هل اجتازت السور معركة. و تركت من ورائها تلكم.
المخلفات؟ .
دما. و خشبا لتابوت. و فراغا يشبه متحفا للعويل! !
يشبه متحفا كأنه الشرق!
ااااااااااااااى
لن انكس إعلامي لاعلن حزني.
فما من رحيل ينجزه الآخرون بعيدا عني.
وما من مدائن ترعى حقولي. و في أقصى الغابة كائن. .
ربما هو امرأة. أو شيء من هذا أو ذاك.
قابل للطي. أو قابل للنشر
هل هو ذلك الطائر. أو ذلك الكامن في حجر السور؟
كائن قد لا أراه انا كما الآخرون. لأجد له أسماء.
أنادي بها سرب طيور. أو اتجاهات تائهة.
أنادي به بستانا ينام عند يدي.
أو حقل ذرة،
قد استنجد بسواي. لاودعه صباي! و بقية امرأة.
اورثتني بعض العزلة. أو شيئا يشبه هذا من الوحشة.
ودائعها الجمة تشبه غابة. –هل كانت ما يشبه النار –؟
من ذا يطفيء أسماء من أجل أن استحدث أخرى؟
لأجد نفسي في التيه. حيث لا أحد قد يجد في ما يبحث عنه.!
ااااااااااااااى
وحيدا أقف عند ناصية ما.
و وحيدا اترك من خلفي ابائي يتقاسمون خساراتي.
لن أثقل كاهلهم بنتائج افعالي.
لن اتركهم يخرجون من فوضاي( بخفي حنين )
فكل ما اوصوني به ساتحقق منه
سابوب ارتباكاتي
واصنف خزائني
و ساعلن عن مخبوءاتي. .
لاخرج ملتحفا بما يسمى الذمة دثارا.
ومعي يخرج الشعراء، يخرجون خالي الوفاض.
سوى كتب يحملونها مرة يمينا. .و أخرى شمالا.
وسوى اشجان يتداولونها كما يتداول الآباء المدن. .
فاتحين مرة .
واخرى منكسرين.
ونحن نعاينهم كمن يعاين في المرأة.
فنرى آخرين سواهم. ولكن هم أنفسنا. ،
نرى غابات و صحارى.
نرى بداة و قرويين.
نرى اجساما تتطاحن .
و طعنات تتداخل.
وما من رابح سواهم.
وما من خاسر سوانا. !، حميد حسن جعفر

4/2015

( من ذا سيؤذن في الناس ؟
من ذا سيقرع أجراس المدينة )

لم أكن واثقا مما كانت عليه المدينة،
أو مما ستكون عليها ،
لا أعني تلك المدينة (واسط القصب )
بل أعني كوت القادم من البصرة
أو الناصرية
أو آخر السماوات،
أو العمارة ،
و المتوجهة نحو بغداد .
أقصد كوت الهابط من بغداد القاصد ،
مصنعا للبتروكيمياويات ،
أو مزرعة لفصب السكر ،
أو بيتا يعود لإبراهيم الخليل ،
أو سجنا في الصحراء .

***** ** * * *
لم أكن على بينة من أمري
أو من تلكم الأمصار ،
فلا مدن باسلة تصلح للاستئناس كواسط ،
حين يحط الصيف عند اسفل السدة ،
حيث تسمى النسوة —أقصد الاناث من المواليد —
باسماء النخلة مرة
و بأسماء السمك ثانية ،
أو بأسماء الآلة ثالثة ،
فتلك كنطارة !
و تلك بنية ،
و الثالثة طيارة ،،
واسط الملاطشة و الزركان ،،
و العابد و المكاصيص،
واسط الطشاش و الدبيات ، و واحد أيار .
هل قلت : واسط عبيد هيله ،
و عبد علي الأسود ، و عوصي ،
و فيصل قبعه و كاظم سبيناغ ،
و محمد الأعرج .
*** * * *
*** * * * * *
من ذا و ضمن المصادفة قابل واسط نعسانة ؟
أو تتوكا على حرب اضلتها الحكومات لتختبيء
عند أسوار بستان الحاج حسن ،
هل كنت اتوهم أرضا واسميها بأسماء غير واسطية ،؟
كأن اقول ؛الأنوار أو الرفيعي أو الفيصلية
و أنسى أن أقول : الجعفرية أو الحيدرية أو داموك .
واس واقفة عند قوسين أو أدنى ،
هل أبدو غير متزن في أقوالي هذه ؟
قد أبدو كذلك !–كمن بكر باحتساء كؤوسه —
فواسط أكثر من كرمة
و أكثر من نحلة ،
و أكثر من شجرة تين شديدة العتمة ،
و انا سرب بلابل
و واسط أكثر من مسجد ومن جامع و من كنيسة
و انا المؤذن
و انا قارع الاجراس
فمنذ أربعة عشر قرنا وانا استقبل نزولها كأي كوكبة ،
من الملائكة الزموها ذكر الله
فإذا بها تصلي على نبي الرحمة
و على سرة الأرض ،
لا صرخ :لا مدن إلا واسط
و لا واسط إلا الفردوس .
**** * * *
* * * * *
هل كنت أحاول دوزنة كلامي و التينة ما زالت
بين اصابعي .؟ فاصلح بعض كلامي ببعضه ،أو
ارقق بعضه ،ذاك الذي اخشوشن وسط بدو رحل ،
أو بين غجر طابت نفوسهم لتغني رباباتها؟
أو اضم بعضه لبعضه فيبدو كقلادة هبت شذراتها،
لبحث عن مهبط عند جسد لم يستانس لسوى بسمات
لم استعر موقعها !
لم أكتم خراب صنعته واسط لي مرة ،لتتسلل ألمعارك
إلى جسدي ،–لم أقل سد سواي –و لتحمل جسدي إلى
غرفات قد اتوهم اشكالها، و لتشرق في تلك المدينة.
لم أقل أنها الكوت
لم أقل أنها النوكر نازر،
أو عكد خجة
أو سيد حسين !
هل قلت :انها الشيشان أو مكتبة الإدارة المحلية ؟
أم كنت أردد هذا و ذاك ،،وأنا الملم حبات الباقلاء من
بين أقداح و مواعين
قد أبدو كذلك ، لكن واسط كانت لس قدامي كاي بستان
من تين وزيري ،
أو من عنب كمالي
أو من نحلة تمر زهدي
وانا اجلس بين يديها كأي بحار ضال ،
ارمم خشبها
و ارفع شراعا كان قميصي في يوم ما
و أصب عليها من كاسي ما لم اشربه ،،لتستيقظ كأي
سرب أسماك يخترق بوابات القلب ليستقر عند الروح ،
من ذا كان يقف عند الصحو ؟
واسط أم بلبل التينة ،
واسط أم الذي يرتقي مئذنة !
واسط أم قارع الاجراس !
و من ذا كان يحتسي نبيذ الكرم
أو عصير التمر
و التينة ما زالت قائمة ما بين اصابع أحد ما ،
و واسط سكرانة بين حشد من الاتقياء
ها أنها تصلي على نبي الرحمة ،
ها أنها تصلي على مدن تجتازها نحو الشمال
و أخرى تجتازها نحو الجنوب ،
ها أنها تطعم بلبلها تينة ليؤذن في الناس

أن لا مدن إلا واسط
و لا واسط إلا الفردوس،،!

2015

( شمال الجنوب
جنوب الشمال ) كوت الله

عند حافات الاراضي الرطبة شمالا
يسارا عند حافات الأراضي المنخفضة،
تنهض زقورة،
في قلب الزقورة قباب ،
عند الطرف الشمالي من القباب،
تتصاعد منائر
حول المنائر بحر
هل كان دجلة يطلع من بحر يحيط
بجنة اسمها كوت الله ؟
هل كان ياقوت الحموي شاهدا ؟
حيث القصب و ما يتوسطه ،
حيث الخندق و السور ،
حيث عصبة من هؤلاء
و عصبة من أولئك ،
تلك تعلي رقوشا
و تلك تطمئن من حولها ،
********
*********
– كان الله يعاين جمعا يرقق ما يتلو
و جمعا يطلع من مكة مخلفا
صحراء ،و زغب ملائكة ليقصد
كوفة ستطلع من بين أمواه واسط
القصب، كانت واسط تنهض من بين
اصابع نساك، لتشهد خيولا و عربات ،
و رحبا، و طرقات تتجه نحو الله ،
واسط تتوسط إنهار الله ، تنام وخرير الماء
و تنهض و الغبش الذي
يشبه صفير الروح ،،
هل كانت كوت( محمود الواسطي )
أو كوت (عباس البلداوي )
أو كوت (شمران الياسري )
مضافات الله ،
أكوات تطلع نافضة بعض غبار من بين قصب و مذابح،
تطلع بمحاذاة قامة تركها سعيد بن جبير ليصعد
نحو الله ،
واسط أعني الكوت ، روح الله ،عشبته المتبقية تحت قفطان
عابد ،أو عباءة صوفي يجلس عند أطراف الكوت ليستقبل
حجاجا يتجهون صوب مقابر قريش !
********
**********
ما كانت واسط مدنا فحسب ،
و ما كانت كوت الله إلا بقية فتية آمنت ،
كان الله يعاين جثتين لمخلوقين –تلك خلائق الله —
تتلاعب بهما ريح و يغشاهما نور ،
جثمانان تتدليان لتشهدا ظلم الإنسان لأخيه ،
ما كانت واسط بساتين عنب و رطب،
و اسماك تلبط بين سيقان صغار
يسبحون باسم الله الفرد الأحد ،
كانت عقد العلوة ،و سوق سكونة
كانت عقد العبوده ،و عكد خجة،
كانت جامعا و كنيسة و كنيست،
كانت يد الله الممتدة لأبي القاسم محمد حبيب الله
لابن مريم روح الله
لموسى كليم الله
كانت واسط كل التقوى
كانت واسط –سليم زيا —
و –جميل ناشور —
و -هادي الاسدي —
و -مطير العبد —
كوت –حسين علي حسين النجفي –البو كلل –
–حسين بليكه– و عادل عويد ،
كوت -رعد سيد جاسم –و -محسن لفته الغرباوي —
كوت –حميد ناصر الجلاوي –و -جواد ظاهر نادر –
و -صاحب عبد الحسين ياسين —
كوت -خالد صفر –و شهاب حميدي –و –عبد الحسين علي عرير —
كوت –ال يأسر –و مجيد ريحان –و جبار متاني –و –كاظم كنبر —
كوت –بيت المخابيل –و –عكد الذهب –و –حمزه البحراني —
كوت دوخه بنت جالي –أم عبوسي –و –شمعه عبود — أم عماد –
و –سلمى المسيحية –أم وليد–
كوت بيت أبو الهوا ،و بيت أمو يده – و –بيت الصفار –
كوت سوق الباشا –و –سوق شتيب –و –سوق هويدي —
و –قيصرية تريكي —
كوت –حمام هلول — و –حمام سعيد –و –حمام النسوان —
كوت –ساحة العامل –و –الخبازات –و –الساحة الحسينية —
كوت –حمدان الباججي –و –ارزوقي اخزينه، الطرشجي —
و –حجي حسن التتنجي، حجي ازباله —
***********
***********
واسط تعاين من حولها لتطلع من بين تلك الخرائب كوتا
سماؤها سحاب
و أرضها اعناب
و حجارتها ارطاب،
واسط تتوسط خفوف الريح
و تتدثر بانف البرية،
فيا أيها الكوتيون سلاما
سلاما على أولكم و على اخركم،
سلاما على جنوب الوسط
و على شمال الجنوب ،
*******
كانت واسط أرضا رطبة تنهض
من بين بيوتاتها زقورة
من قلب الزقورة تطلع قباب،
من حول القباب تتصاعد منائر،
و من حول المنائر بحر ،
هل كان دجلة يطلع من بحر يحيط بجنة
اسمها (كوت الله )

( لوضوء ترتكبه يداها تتودد المياه )

لوضوء ترتكبه يداها تتودد المياه،
وعند حافة قدميها يتجمع الغرين،
من أشار لحطبي أن يتقد،
وللتراب أن يورق؟
وليس لهما من الدنيا سوى مرورها على جفافهما،
ربما أكون الشاهد الأخير على ما يصيبهما من
خسائر،
إلا أن إقرارا بهذا من قبل أي منهما لن يكون أمرا
واقعا،
سيماريان كثيرا، و يكذبان كثيرا، وكل منهما متأكد
جدا أن خسائرهما لا حدود لها،
وما يصيبهما من هجران أو من حروب أمور لا بد منها،
وها أنهما يصران على أن الفوضى من صنعهما،
والمحبة المتناثرة من نثار لغتها،
وأنهما لا يجيدان سوى التناقضات،
أما ان يذوبا بالامطار فهذا من حسنات قدميها،
حين تدوسان على ضعفهما، وأنهما لن ينساقا،
وراء سواها،
لا حيلة بين يدي الآن سوى أن اغمض عيني عما يحدث،
حين يصير حطبي رمادا،
وحين التراب يصير أنثى،

عين الله )
(( عين اليابسة ))
– نص في المكان –

( لَكِ يا مَنازِلُ في القُلوبِ مَنازِلُ أقفَرْتِ أنْتِ وهنّ منكِ أواهِلُ)

((( عند قدمي دجلة
عند اسفل استدارته شمالا
ليتجه شرق الجنون )))
تغتسل سباع واسط لتلقي بما اللصق بفروها
من معادن الحروب
واسط موضئة للوحشي من الطير ،
و للوحشي من الدواب
واسط مغفرة لآدم،
حين تلمس أكثر الخدع نبلا،
حين تلمس اسفل الجنوب،
حيث الفخاخ التي قد تتهم بالاثم،
**********
ما كانت واسط مجدا مؤثلا لابن يوسف
حيت كان ابن الحسين محمود الواسطي
يرقش مطرها بالخيول لحظة اورثته
صناعة الألوان
و حشدا من الحدادين و النساخ
ليملا الرحب بالعربات و بالقراطيس،
واسط كثيرا ما ابعدت العظايا و السحالي
عن طرقات السابلة من قاصدي بغداد
أو الكوفة
أو سمر قند،
أو المنحدرين صوب
المختارة
أو الابلة
أو يثرب،
ليتذكر الغافلون أو الساهون، كيف و متى
و اين يضعون اقدامهم من غير ارتكاب أخطاء
قد لا تكون مصحوبة بالمغفرة،
واسط سجادة و جلاس،
* ************
واسط
يا عين اليابسة
هل كان الماء يرتب ذكورته حين استلقى اسفل قبابها،
ليشعل شجره المترع بالعتمة ؟
هل كان الطير يعزز وحشته باليافع من المصائب للتأكد من
أن واسط ما زالت غير مطمئنة لمصير الفرائس؟
يا عين الله على واسط
حين أكرمها ب (سعيد بن جبير )
أو حين دفعت بقدمي نحو الصحراء،
انا ابنها المجنون بكأس نصف فارغة
و بصحبتين
واحدة هي الله
و الثانية للجنوب!
************
((((شمال انحناءاته غير الأخيرة
ببضعة مئات من الأمتار ))))
ينساب دجلة غير آبه
بقوارب عاطلة
أو بشباك صيد ميتة،
تاركا خلفه
حصيرة قصب
و سجادة بردي
و شراشف زهرة النيل ،
و ليتدفق مأخوذا
بآلاف الأطنان من الحديد
و بآلاف الأمتار المكعبة من
الخراسانة غير المسلحة،
حيث يقف عند أعلى المنصات عمال الري
بزرقة ملابسهم، و لينشغل عن نفسه بسباحين
عراة، و بجثة حمار نافق، و بأسماك الجري،
و بحديد منفلت —هو بقية اثار سفينة شراعية —
يحاول أن يبتلعه الغرين، و بجسد شرطي مرور
يعتمر خوذة بيضاء تتقدمها نجمة ثمانية
دجلة يدخل واسط مستترا بانابيب و بآبار،
ليعود حيث سريره محملا بالنجاسة
و الفساد
و المياه الثقيلة،
دجلة حين يدخل واسط يخلع نعليه ليصلي ركعتين،
واحدة لبستان ( الحاج حسن )
و أخرى لشيخ من العشرة المبشرة!
***********
واسط تنمو عن كتفيها الاردية حين ترتبك دجلة
واسط كثيرا ما أثث الأمراء شرفاتها بالجثث ،،
(لماذا يفعل القتلة فعلتهم هذه
حين تطلق الحواضر انوثتهن؟
واسط ما كانت أمة
واسط فعل فاره غير خاضع لسوى الارتباك،
واسط اخطاؤها فردوس
و سهوها جنة،
فكيف يبشر النبيون بسواها متكأ لنسل مبارك؟
وكيف تترك من غير عكازة تهش بها على غنم سواها، ؟
أو من غير كرسي مدولب يوصلها إلى الجنة! !
لماذا كل هذا ؟ و الملائكة الثمانية من ها هنا بداوا شوطهم !!
لماذا يزين القادة بوابات مدنهم بالقتلى ؟
وان كانوا حفاظا
أو قراءا
أو تابعين !!
و لمذا يجمل الامراء كراسيهم بجماجم و رؤوس
برؤوس للجوارح من الطير
أو بجماجم للكواسر من الوحوش ؟؟
من ذا اورثهم
فسادا كهذا
أو قسوة كتلك؟ .
***********
دجلة غير متخاذل
يخرج منسابا من بين قباب واسط ،
كأنه الروح لحظة يتثاءب ألجسد
لتتعقب فتوته
بنادق صيد
و نسوة كالبدور نازلات يتلمسن
–و بفتور –افعال الانوثة ،
دجلة يواصل تورطه بايقاظ واسط من بين عرائش
المئات من المبجلين بالذبح من اليسار إلى اليسار
*************
واسط زجاجة
الزجاجة كوكب
يكاد جسدها يضيء
وان لم يمسسه ماء

آذار 2011

.

شاهد أيضاً

روايات مترجمة: (7) النفق ( من الأدب الأرجنتيني ) أرنستو ساباتو
ترجمة: مروان ابراهيم صديق
قراءة: ناطق خلوصي

يستهل الروائي الأرجنتيني ” أرنستو ساباتو ” روايته الأولى ” النفق ” بقوله “يكفي أن …

ثالوث الإبداع في قصيدة “أثاث حديقتي النائية” للشاعر العراقي علاء حمد
رباح النوري – العراق

لا أعرف لماذا ذكرني هذا النص بلوحة التكوين. ثالوث الإبداع في النص فتح آفاقا غير …

روح المواطنة في مواجهة الغزاة: رواية (أضلاع الصحراء)
شكيب كاظم

يوم أدرت حديثا نقديا عن رواية (العطر) لباتريك زوسكيند، تساءلت ما أكثر ما قرأ هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *