د. حميد نعمة عبد : نص من روايتي (ذات السوار)

نص من روايتي (ذات السوار )

في لحظة واحدة وعلى غير انتظار بدأ قلبها يتوجس ويخفق ،وكأن شيئا ما قد وخزه ، وتعزز هلعها إذ لم تسفرتلك اللحظات اللعينة عن مكنونها ، لحظات قاسية طويلة كريهة جامدة ..لقد حوصرت بين الابتسام والدهشة والإنكار . كانت تحدق بأضواء السيارة التي تئن دون أن ترفع بصرها بعد أن رمقت شيئا ما يتمدد فوقها فأصرت على تجاهله ،على أنها لم تره، الأفكار تتوالد في رأسها وتتراكم دون أن تميز بينها، ودون أن تتصدرها فكرة أو كلمة واضحة ، لم يقفز أي سؤال على لسانها الذي انعقد،الوجوه صامتة صارمة، وهي صامتة خابية هامدة ،منكفئة على ظلمة مقيتة ،ولا صوت إلا همهمات، وبؤس، وعيون تلتمع تحت أضوية السيارة كألات قتل مشرعة .لا أحد يريد التكلم ،ولا تدري ماذا حدث لهذا الرجل الذي يقف أمامها مطأطىء الرأس، ها هو يرفع يمينه ويحرك شفتيه، لكنه مالبث أن أخفضها بل لقد هبطت يده بحركة ألية باهتة دون أن ينبس. إنه يحس بثقل ما ، وكأن السيارة واقفة فوق رأسة ،وقد ضاعف جمودها هذا الثقل الذي توحد، ليتكدس على صدرها، حيث تكالبت علية لواعج شتى .وتراخت يدها فانسحبت إلى الداخل ساحبة معها الباب ،أو أن كتفها الذي ارادته أن يختبيء عن الأعين ، قد دفع الباب فاتسعت شقته ،رغم أنها فكرت أن تغلقه وتنتهي من هذه المأساة والألم الممض الذي بدأ يعتصر قلبها .
بداخلها صوت ممزق يتصادم ، ويهتف لشيء ما ،لكنه يعجز عن أن يصل إلى لسانها .
الأفكار المبهمة والكئيبة التي راودتها، وجدت من يدعمها ،ويطليها بلون أكثر قتامة. فقد أصبحت اللحظات حرون لا تمر ،بل تحولت إلى دبابس تتقافز في القلب . حاولت أن تحرك فكها ، إلا أنه كان عصيا ،فقد اثقلته أطنان من الحيرة والبؤس …
وأخيراً نطق الرجل:
_أم أحمد !!
رباه إنه يعرفني ويعرف اسم إبني هو يقصدنا اذن ،ولم يخطىء هدفه. تجمد الرد بين فكيها لكن كلمة واحدة متيبسة بدأت تتكسر بين شفتيها:
_ن..ن..عم
_ البقاء في حياتك

شاهد أيضاً

سامية البحري: لست ربي

تصدير: في عصر تتناسل فيه الآلهة. . في عصر خرج علينا بعض المخلوقات التي تشبهنا …

مقالات عن وباء الكورونا ابداعا: (2) حافظوا على حياة أمّي
تأليف: غياني سكاراغاس
ترجمة: خضير اللامي

ثمة صبي في اليونان قد عاد إلى منزل أمه للعناية بها خلال إصابتها بوباء Coved …

كولاله نوري: طبعة منقحة

المساء طبعة أنيقة لنساء يتفحصن دقائق المنزل أكثر مما يتفحّصْن قلوب المنزل، وهي تتدحرج نحو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *