شفافية الرمز ، و واقعيته في المجموعة القصصية :
غيومٌ لا تعرفُ الغزل للأديب الاعلامي سعد الساعدي
تقديم : الأستاذ الدكتور أحمد الانصاري أستاذ النقد الأدبي المعاصر.

شفافية الرمز ، و واقعيته في المجموعة القصصية :
غيومٌ لا تعرفُ الغزل للأديب الاعلامي سعد الساعدي
تقديم : الأستاذ الدكتور أحمد الانصاري أستاذ النقد الأدبي المعاصر.
وصلت الرواية والقصة القصيرة في كتابتهما الآن الى مرحلة عالية جداً من المكانة والاهتمام بين الاجناس الأديبة لاسيما في مرحلة الحداثة التجديدية ، أو لنقل : الكتابة المعاصرة الحديثة ، اضافة لإمتاعهما المائز من بين ما يبحث عنه المتلقي .
والقصة القصيرة أحتلت الموقع المرموق في عصر يبحث عن الجديد والسريع والخفيف بكل شيء ، فليس الأدب ببعيد عن ذلك كله . التكثيف والاختزال واللغة السهلة ، أو المعقدة و( أقصد الرمزية الخانقة ) في الوصف والسريالية بعيدة الأغوار ، وغيرها من الجماليات البديعية ، والابداعية كانت من بين الأسباب التي ساعدت على ذلك .
نرى بوضوح القدرة العميقة وسعة الدقة المكانية التي سار عليها الكاتب سعد الساعدي في مجموعته القصصية الجديدة :
( غيومٌ لا تعرفُ الغزل ) وهو الضليع بكتابة أي فن ولون وجنس أدبي ، مما اكتسبه خلال مسيرته الاعلامية التي كتب في كل فنونها ، والأدبية التي كتب بكل أجناسها ، اضافة الى طروحاته النقدية التجديدية ومتابعاته لكل جديد على ساحة الأدب والثقافة .
ولمن غاب عنه هذا الاسم، أو لم يعرفه، فهو أعلامي محترف الصنعة ، وناقد واضح المنهج والمبدأ، سواء في الأدب أو السياسة ، ونصوصه التي اختارها في هذه المجموعة تنبئ عن المفردات التي سارت عليها قصصه القصيرة ، والقصيرة جداً ؛ لكن صوت الحق والحقيقة هو المعيار الأول والأخير فيما نطرحه ، أو يقرأه المتلقي ، ولأنّ الناقد مطالب أن يعرف تفصيلات كثيرة ازاء النص الذي أمامه، ولعدم سعة المكان التفصيلي هنا، فأننا سنقف عند جزئيات مهمة ضرورية ( الرمز الواضح) في المجموعة التي بين أيدينا ، ونترك الباقي للمتلقي يجول بين طيات الكتاب كما تحلو له نفسه وذائقته .
جاء الرمز بلا تعقيد ،ابتداءً من العنوان الذي اختزل كثيراً من الظنون والشكوك حول ما أراده الكاتب في تشكيل واضح المبنى ، والى آخر كلمة ينتهي بها الكتاب ، تفسيراً واشغالاً للفكر والوجدان معاً بلا عناء بل بحيوية واقعية نقدية على حدٍ سواء ، حيث وظّف الكاتب قدرته الفنية كناقد وسارد لقصّ حكائي ، وموثِّقٍ لتداعيات حقيقتها موجودة ، وصورها مختلفة كما في قصصه: لوحة صامتة ترسمها الضوضاء ، تسابيحٌ مستباحة ، حكمة مجنون ، وغيرها .
من عنونة النصوص الداخلية ، اشتق الكاتب انزياحاً مفعماً بلون خاص لما يأتي بعده ، يفسّر مرة، وأخرى يمرّ بهدوء يتسلّل الى النفس بفقرات قصيرة تضمّنها المتن بمساحته رغم انفتاحها لكنها محكمة الغلق ؛ نجد ذلك واضحاً مثلاً في: موجة بحرية ألبسوها الحزن عنوة ، حين يتنفس حنين الاغتراب ، أصوات تنتظر الترميم :
(بحّ َصوتُ الشّمسِ، وتبلّلَ الندى بغبارٍ مازال ينزفُ عليلاً ، ينتظرُ صورةَ امرأةٍ بدفاترِ فضاءٍ مُبهمٍ ، لعلّها تمرُّ من هناك تسجّلُ وقائعَ الحادثةِ، وترسِلها مع أوّلِ غيمةٍ تحملُ أسماءَ مدائنها التائهةِ بين المدِّ والجزرِ ، وخرافاتٍ من أساطيرٍ تضحكُ على أمةٍ بأجمعها .. ) .
التأمل واماطة اللثام عن المكنونات يظهر بين ثنايا الكلمات ، حتى الأسئلة المعنوِنة للنصوص جاءت ناقدة لتكشف بعض الأسرار والرموز المتوارية هناك:
من يكسر تلك الأبواب ؟ من يرتلّ للعشاق ؟ اضافة لأسئلة النص الداخلة في بناء السرد بما تحمل من معنى كما نلاحظ :(من أين أتت ، وكيف وصلت الى سفينتي وأمسكت بشراع قلبي وساريته، وتحكمت بدفته وكأنها ربانٌ ماهر؟ وسؤال آخر : من منكنَّ يا حسناوات الغسق قادرة أن تصف شبق المحّارات لرحيل يهدّدهنّ كل حين ؟ من يشتري الريح ؟ وهل للخبزِ الاّ ملوحة الغرام ؟ ) وأسئلة أخرى كثيرة غيرها .
الرمز الانزياحي بيّنٌ واضحٌ بما لا يخفى في كثر من المواقع التي دفع بها الكاتب القدير الساعدي وهو يتجول بنا في مجموعته : غيومٌ لا تعرفُ الغزل ؛ جامعاً نقيضين معاً هما الحياة الجميلة بعبثيتها العفوية ( الغزل ) ، و قوة تعيق المرح الذي يمثل الصورة القاتمة من شيء يخيف برعوده وبرقه (الغيوم) ؛ رغم أنها تحمل بشرى الخير بين طياتها ، مع ما سجله من توثيق تاريخي نحن بحاجة كقرّاء أن نقف عنده ، وكباحثين أن نجد كلّ مداخل الحكايات هنا ، وماهياتها ومقاصدها وما تحمل، ونحيلها اجرائياً من الهضاب العالية إن كانت هناك ، الى السهول المنبسطة .
في حين يترك الكاتب حيزاً يتسع ويطول للسرد الحكائي في قصص طويلة الى حدّ ادخال ذائقة المتلقي مهما كانت ثقافته وسعة مداركه كي يكون شريكاً معه أينما ذهب بأريحية وهدوء تام يأخذ بيده الى حيث يريد (تجميع النص وما يحمل ، والقارئ وما يفهم ، ويحلل ) كما تعبر عن ذلك نظريةُ جماليةُ التلّقي النقدية باختلافٍ تجديديّ عنها ؛ صنعه واشتغل عليه الكاتب ، حيث تبقى العلاقة ثلاثية ، وليست ثنائية بين (كاتب وقارئ) ، أو بين (نصٍ ومتلقي) ؛ انما هي كالرسالة الاعلامية التي عَرَفها الكاتب منذ البدء : مرسل (الكاتب ) ورسالة ( النص ) ومتلقي ( القارئ) ومزيج التفاعل القائم ، وإلاّ ما قيمة ما نكتب بلا قارئ؟
وثّقت هذه المجموعة من خلال كاتبها ؛ الكثير من صور التاريخ ، والاخلاق والحياة ؛ فنجد الظلم ، والعشق ، والخديعة والخيانة ، والخيبة والخسران .. نجد الأمل يصارع الموت ، والعاطفة تطفو بلا خوف .
تُعد هذه المجموعة نصوص توثيقية مرمّزة بشفرات خاصة ، من السهل فكّها ؛ فالكاتب كثيراً ما دعا في مقالاته النقدية الى الابتعاد عن تشويش المتلقي برموز كبيرة منمّقة وتائهة ، مع جمالها يتيه بعضهم فيها لذا انتخب أقل رمزية فنية بحبكة متقنة وأخرج لنا : غيوم لا تعرف الغزل ، و سيجد القارئ متعة جميلة مع ما يلاقيه حتى مع كلمات الحزن المنثورة بين طيّاتها ، لأنها انطلقت من واقع مثخن بالجراح، وتجربة حياتية عميقة عاشها ، ويعيشها الكاتب ، ونحن معه.

شاهد أيضاً

إصدار جديد: التَّناص في شعر سُليمان العيسى
للباحث الدكتور: نزار مُحمَّد عبشي

عن دار شراع للدراسات والنشر في حلب صدر كتاب : ( التناص في شعر سليمان …

يصدر قريباً كتاب “التجديدية في الشعر العراقي- دراسة نقدية” للناقد “سعد الساعدي”

يصدر قريباً في بغداد عن دار المتن للطباعة والنشر والتوزيع كتاب جديد عن الشعر بعنوان: …

قراءة في كتاب الدكتور صالح الطائي فصيل البراغيث “ذكريات في زنزانة الأمن”
بقلم الدكتور رحيم جودي

– تحمل كتب المذكرات انطباعات شخصية وتعد مصدراً مهماً من مصادر الكتابة التاريخية، لكونها تسلط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *