الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء الخامس والثلاثون)

الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء الخامس والثلاثون)

الجزء الخامس والثلاثون
واصلت زكية سردها لقصة ولاء بحسب طلب مروة التي راحت تتحرق شوقاً لسماعها ، وكما أسلفنا بأن عابد لم يرعوِ عن الطلب من والدته الرجوع الى والده وإنه جاء معه لأجل ذلك الغرض والسفر معهما وإكمال حياتها معها في استراليا وعليها ان تضحي لأجله ، وإستثمار هذه الفرصة التي يعرضها عليه وان تصفي متعلقاتها في العراق ولاسيما الإستقالة من الوظيفة وتبرئة ذمتها من كل شيء ، وبالفعل وتحت وطأة تأثير ولدها وإلحاحه وافقت والدموع تتزاحم على أولادها الثلاثة الذين سيبقون في العراق وكيف ستتحمل فراقهم ، وافقت مكرهة على الرغم من رفض عصام القاطع لهذا الرجوع غير المبارك بحسب وصفه ، إلا أنها طلبت منه أن يوافق ، فترك الأمر لها ولأختيارها دون موافقته أو حضوره حتى ، وبالفعل أستغل عابد وووالده هذه الموافقة غير المتوقعة والتي لا تخطر على بالهما وبالسرعة القصوى لئلا تغير موقفها وليس لديهم من الوقت إلا ثلاثون يوماً ويسافرون ، وقد توارى صدقي عن الأنظار … ولا يُعرف أين ذهب !
مروة مبتسمة واضعة قبضتها تحت خدها : سبحان مغير الأحوال … تعود له بعد كل هذه المراحل التي مرت بها مع عدد من الأزواج … وعدد من الأولاد … مع أحترامي لرأيها … أعتبره … لحظة ضعف … ولا أعتقدها كأم سترتاح … ذرفت الدموع على ولد واحد واليوم تسافر معه وتترك وراءها ثلاثة أولاد تعودت على رؤيتهم .. فأين الرأي السديد والحكمة وكيف تترك مصدر رزقها … المهم … أكملي رجاءً .
زكية : وبالحال أحضر الشيخ الى بيتها ليعقد قرانها من جديد وعابد لا يكاد يصدق والفرحة لا تسعهما ، ومباشرة أستأجروا شقة مؤثثة لمدة شهر وانتقلت معهما للعيش في هذه الشقة ، وراح زوجها الأسبق يكلمها عن شوقه لها ولوعته على فراقها وانه لم ينسها يوما من الأيام ، وأن حبه لولدها عابد شيئ ولأولاده الأخرين شيء أخر لأنه أبن الغالية التي تمنى من الله ان يجمعه بها يوماً من الأيام ولو في لحظة حلم ، وأنه وعدها بأن ينسيها كل أيام الحزن والآسى التي عاشتها ويبشرها بأيام أخرى أكثر سعادة ، وليس لديه أي ممانعة أن أرادت العمل هناك وبحسب أرادتها ، وأنها ستعيش في منزل ولدها كخطوة أولى .
مروة متنهدة : أخشى أن لا تنسجم مع كنتها … والمضحك ان هذه الكنة ستتفاجىء بعمة لم تنتظرها ولم تتوقعها … ستقيم معها وتُعكر استقلاليتها … كما حدث عندما دخلت ساجدة بيتها ، عندها ماذا ستفعل ؟؟
زكية : المهم … قضوا ثلاثة أسابيع في كردستان العراق للتنزه والإستجمام ولم تكن أم عابد زارت شمال العراق من قبل ، فشعرت بالسعادة لأول مرة في حياتها بهذه السفرة وبهذه الأماكن التي لم تكن تراها إلا على شاشة التلفاز وتتمنى زيارتها ، وها هي أنامل القدر تحرك عدسة حياتها بالتنزه من الجنوب الى الشمال ، وقد ألتقطوا المئات من الصور التي سيحتاجونها لإستذكار هذه الأيام التي قد لا تعود ، لكن الحياة مهما أتسعت وتشعبت أطرافها تبقى قصيرة دانية المنازل وما أقل الأوقات الحلوة في حياتنا ، المهم الآن انتهت السفرة وعادوا ، فطالبت أم عابد بتوثيق عقدها الشرعي في المحكمة ، لكنه راح يماطل ويسوّف ، ولم يتبق إلاّ خمسة أيام على السفر فصارحها بالحقيقة،بأنه لا يستطيع أن يعقد قرانها في المحكمة وذلك لأنه متزوج كما تعرف هي،والقانون في استراليا يمنع منعا باتاً الجمع بين زوجتين وسيجعله ذلك تحت طائلة القانون،لكنه هيأ لها جوازاً جديداً يمكن ان تخرج به من العراق عبر مطار أربيل .
أما أيار فحالها مزري تبدو وكأنها مريضة بشحوبها وشرودها الذهني ولم تجد ملاذا لها سوى الهرب الى مروة والبقاء معها لليوم التالي بإعتقادها أن مشكلتها تتطلب المزيد من الوقت لذلك أبلغت ذويها بأنها ستبيت في بيت جدها لأجل غير محدد ، ما دامت أنهت أمتحاناتها المرهقة فذهبت عصراً … وقد قضت معهم وقتاً طيباً وبعد العشاء … ذهبت مروة الى الحديقة حيث جلستها الخميسية … وبالحال جاءت زكية محيية وهي تحمل العصير البارد ، فشكرتها … قائلة مبتسمة : أشكرك عزيزتي … فلنؤجل لقاء اليوم الى الإسبوع المقبل ، فاليوم نحتفي بالغالية أيار … حسناً …
مروة : أراك مكدرة الخاطر … وليس حالك حال من تخلص من إمتحانات مصيرية .
أيار متنهدة : أكيد … كان يوماً مآساوياً بجوٍ مكفهر … لذلك أتيتك .
مروة : حسناً عزيزتي أسمعك … تكلمي فرغي ما بصدرك … وبينما هي تتكلم رن نقالها فإذا هي سُــبل تتصل ، حياك الله صديقتي الحبيبة أشتقت إليك كيف حال العيادة وحال خالد .
سُــبل مبتسمة : الحمدُ لله رب العالمين … أنا بخير وخالد رائع … ومخلص في عمله … ثم .. استطردت قائلة : من قربك … أسمع صوت .
مروة : هذه أيار … ونحن جالستان في الحديقة .
سُــبل ممازحة : أيار … كم أغار منها … اليوم لا أستطيع أن أكلمك براحتي .
مروة : وهي أيضاً … تسلم عليك حبيبتي .
سُــبل : تقصدين … أنصرفي … الآن …. حسناً سأتصل لاحقاً بعد ساعتين أو أكثر.
مروة : نعم … أنهت الإمتحانات اليوم … وجاءت لتبيت معي الليلة .
سُــبل مبتسمة : كذلك … ستحرمني حتى من الإتصال بعد ساعتين .
مروة مبتسمة : أعذريني عزيزتي .. لأني مقصرة معك .
سُــبل متنهدة :ما أفعل حكم القوي على الضعيف سأنتظر إتصالك عندما تتحررين الى اللقاء.
مروة مبتسمة : أسعدني سماع صوتك … أشكرك على إتصالك الرائع أكيد أكيد الى اللقاء ثم وجهت كلامها الى أيار تسلم عليك وتتمنى لك النجاح والكلية التي تتمنيها ان شاء الله .
أيار : أشكريها نيابة عني … ولكن بالمناسبة … أن أسمها غريب … سُبـــل … وغير مآلوف … ولم أسمع في حياتي المدرسية قط طالبة أسمها … سُبـــل … فإنصحيها بأن تغير أسمها … حتى أنه لا يصلح كأسم … وليس له معنى محدد حتى .
مروة مبتسمة : أولاً يا عزيزتي أسمها رائع ورقيق وراقي وخفيف ومحبب للروح … وكما يقولون أسم على مسمى ، ويكفيها فخراً بأن أسمها مستخرج من درر القرآن الكريم في قول الله تعالى : {{ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ أتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿١٦﴾ }} سورة المائدة ، وأن معنى سبل السلام هنا يعني الطريق الى الجنة ، هذا فضلاً عن أن سبل جمع كلمة سبيل والسبيل يعني الطريق … المهم … كلميني الآن عن سبب كآبتك .
أيار متنهدة : عندما ننصرف الى الغرفة سأُحدثك .
مروة مستغربة : وهل الخطب جلل لا تُخيفيني … أرجوك .
أيار : بالطبع لا … ولكن أخشى أن لا أتأثر ويراني أحد .
مروة : وهل الأمر متعلق بصديقتك سبأ … وزعل كالمعتاد .
أيار متنهدة : نعم الأمر متعلق بسبأ … ولكن الأمر اليوم ليس زعل كالمعتاد .
مروة : الحمدُ لله أرحتي قلبي تكلمي حبيبتي فلن يراك أحد والديّ لا يُحبذان السهر وهما قد ناما الآن وقد أعتادا على جلستي هذه كل خميس مع زكية فأطمئني تكلمي .
أيار : وبينما أنا خارجة من الصف تنفست الصعداء … لأنه أخر يوم للتعب لمحت سبأ … وهي تنتظرني من بعيد ( وراحت تستذكر الحدث من الألف الى الياء ) ، وقد أرهقها الحدث والحديث فترقرقت عيناها بالدموع قائلة : والذي ذبحني من الوريد الى الوريد أنها أعترفت بملء فمها بأنها تقصدت هذه المشكلة تعظيماً لدرجة الرياء التي تتصف بها وعلى الرغم من أني أكدت عليها أن تتكتم على الخبر ، إلا أنها بمثابة إفشاء السر ، وأنها لم تحترم كلامي .
مروة : هدئي من روعك أرجوك … أشربي العصير البارد أولاً ولنتناقش بروية ، عندي نقطة نظام يا أيار … الأمر ليس إفشاء سر ، ولكن السؤال معذرة لماذا الخوف من معرفة المجموعة بدعوتك لسبأ ؟؟
أيار معترضة : ماذا خوف ؟ ولماذا الخوف ؟، لكنك قلت لي آنفاً بعدم التصادم مع المجموعة وليس من الرشادة فتح جبهات عديدة في نفس المكان ، وقلت لي أسحبي نفسك بهدوء دون الإعلان عن خطة الإنسحاب لاسيما ونحن جميعاً سنفترق ، لذلك لم أحب أن أُجابه بمثل هذا الموقف اليوم ، وإتهامي بالكذب والتجاهل …إلخ ، ثم أني أخذت منها موثقاً بعدم التحدث في الأمر وهي أكدت لي ذلك ، فكيف تتنصل من ذلك .
مروة : لكنك تقولين … بأن الجدال إحتدم بينهن … ولا تنسي مجموعة ضد واحد … وتحت وطأة الشعور بالألم وفي لحظة غضب … أيدت سبأ كلام هبة … أي أنها لم تبتدىء معترفة بالخطأ ، وإنما أكدت مزاعم هبة التي أعرفها من خلالك بأنها رفيقة سوء وتعمل جاهدة على الإجهاز على علاقتك الطيبة مع سبأ وأنا في الحقيقة لاحظت الطالبتين ورأيت الفرق بينهما كالفرق ما بين السماء والأرض .
أيار : نعم لا خلاف على كلامك .. ولكن الذي جمد الدم في عروقي ردها المتكابر … وأفشائها لكلام جعلني بحجم حبة الخردل أمام الطالبات اللائي كن متجمهرات للتنصت والفضول … وردها .. العنيف يا عمتي ردها العنيف … المتحدي … غير المتعقل .
مروة : ألا تعتقدين … بأنها شعرت بالغيرة لأنك تُحابين وتُجاملين وتكترثين لأمر المجموعة على حساب مشاعرها ، دون الإهتمام بمجرد تسفيه الأمر وعده طبيعياً مما جعلها كقنبلة أُقتت بالإتهامات التي وجهت إليها ألا تعتقدين ذلك ؟! ألم تتصل بك لتسمعك سبب ثورتها.
أيار : أخرجت الشريحة من نقالي وحطمتها ورميتها في سلة المهملات … وسأُغيّر صفحتي على الفيس بوك وإيميلي … لا أريد سماعها … لا أريد سماعها .
مروة : لكن … الأفضل سماعها ثم إصدار القرار النهائي بناءً على ما سيتم التوصل إليه من أستنتاجات ، ولا يجوز أبداً أتخاذ القرارت جزافاً … حتى وأن تكلمت بكلام غير عقلاني وغير منطقي فلا تنسي … أنها تكلمت تحت وطأة الغضب والغيض الموجه من المجموعة … هذا رأيي ولك بالطبع القرار النهائي … والآن وبعد هذا الحديث المشحون بالألم لنتوجه صوب الغرفة ونتصفح الفيس بوك .
بدأت أيار بتفقد صفحتها فرأت بالحال بريدها ممتلئاً بالرسائل …فأعتقدت بأنها معروفة المصدر وتحت تأثير الغيض والألم ألغت صداقتها لسبأ ولكل الطالبات دون إستثناء ، وغيرت أسمها من معلوم الى أسم مجهول لا يمكن التوصل إليه مهما بحثت … فسالت دموعها .. ومروة ترنو إليها … وهي تجري هذه العمليات … فقالت لها : لماذا التسرع في مسألة الإلغاء … ولو قرأتي الرسائل … لرأينا على الأقل الأراء فيما حدث.
أيار : لقد خيبت ظني بها وجرحتني جرحاً عميقاً وقاتلاً لا يُمحى أثره ،وبينما هي متأثرة أستذكرت هيفاء وهي متأهبة للدفاع عن سبأ وصد الهجوم أن أقتضى الأمر .
مروة مبتسمة : طيبة بالفطرة ولكن تسببت في نشوب الصراعات لأنها لا تُحكّم العقل.
أيار متنهدة : سأنسى الثانوية بتفاصيلها ولن أتألم على وهم وسراب لأني قوية وسأسفه الأمر وكأنه لم يحصل.
مروة : أرجو ذلك … ولكن تذكري أن الحب الحقيقي لا يموت إلا بموت الإنسان ، فأخذت تقلب مجاميع الصور في حاسوبها كل صورها موثقة ، صورها المدرسية والجامعية وسفراتها وكل لقطة تركت في نفسها الأثر الجميل والإبتسامة الرقيقة ، حتى وصلت الى صور المناقشة وجعلت التصفح تلقائي ، والإبتسامة تشق محياها وهي تنظر الى نجاحها وتألقها وفرحة الأهل والأحبة الى وصلت الصور التي أظهرت سبأ وهي تتشبث بيد أيار وكأنهما في إرتباطهما الطفل والأم ، وحالما رأتها أيار أنهمرت دموعها من جديد ولم تستطع السيطرة عليها لأنها كالغيمة الممطرة التي لا يمكن أن تتجمد أو تتبخر بين عشية وضحاها ، فإستطردت مروة قائلة : وهل تعتقدين .. بأن هذه الدموع ستتحجر في مقلك مع الوقت … ما بكاؤك إلا شوق لها … فأمنحيها الفرصة الأخيرة للتعبير عن رأيها حتى لا تشعري بالندم.
أيار : لا أريد الإستمرار مع أي طالبة بالإجمال فكلهن ماضي سأتغلب على مشاعري وسأنتصر على نفسي فكرامتي أغلى من كل هذه المسميات وهي لم تحترم هذه الصداقة ولا هذا الحب وهذه الثقة وأرجو منك مسح صورها وعدم الإحتفاظ بها فلا أراها تستحق أن تكون بيننا من اليوم سأعتبرها ماضياً ولى دون عودة .
مروة : أعلمي أن صور مَـن نُحب ليست مادية نتلمسها بأيادينا بل روحية نشعر بها ونراها حتى في الظلمة لأنها في دمائنا وسويداء قلوبنا نعيش أجواءها ، وإن لم يكن للأخرين مكانة في قلوبنا وبصمة في حياتنا حتى وأن رأينا صورهم مراراً وتكراراً فلا يحرك وتر مشاعر ولا حنين ، ولكن كما يقولون الأيام بطبيعتها كفيلة بالنسيان ولاسيما عندما تتوارى الوجوه عن الأنظار والتاريخ مليء بالصور ، وأكيد ستقبل عليك الجامعة بفضائها الواسع وجوها المليء بالوجوه من كل حدب وصوب ومن كل أرجاء العراق ، وأنا متأكدة وكل التأكيد بأنك بذكائك وجاذبيتك ستكونين محط الأنظار وكل الطالبات سيتمنين صحبتك وما عليك سوى الإختيار من تتوافق معك خُلقاً وأدباً وأخلاقاً … وستنسين الماضي وتعيشين الحاضر .
خالد : دكتورة سُـــبل لم أنم ليلة أمس وقد قضيت الليل بطوله للتفكير في مسألة الدراسة الخارجية التي عرضتيها عليّ … ووجدتها فرصة ذهبية … ولكن أعتقد بأني سأدور في حلقة مفرغة .
الدكتورة : ولماذا … ستدور في حلقة مفرغة … لم أفهم ؟
خالد متنهداً : أقصد الوقت الضيق … ففي الصباح أقضيه في السوق … والعصر هنا … وعندما أعود الى البيت أنام من شدة الإجهاد وأنا جالس فمتى أدرس أكيد سأفشل .
الدكتورة مبتسمة : إذا أردت الدراسة ستدرس … أي ستتولد في نفسك الرغبة للوصول … أنا لا أقول لك بأن الطريق هين وسهل ومفروش بالورود … ولكنه غير مستحيل … ويحتاج الى جهد وإجتهاد ومثابرة وجهاد بمعنى الكلمة … وأنا أثق بأنك ستحقق الهدف الذي تصبو إليه ، فالسؤال الذي أوجهه لك من جديد … مشيرة تجاهه بسبباتها … هل تريد ان تكمل الدراسة ؟ أجب بنعم أو لا.
خالد مبتسماً : نعم … وأشكرك على ثقتك ودعمك الذي يجدد في الطموح السابق .
الدكتورة : أذن توكل على الله … وأذهب في الغد الى مديرية التربية ولتكن ثقتك بنفسك عالية .. وتذكر دائماً بأن الله تعالى خلق أعيننا في مقدمة رؤوسنا .. حتى نتقدم ولا نلتفت الى الوراء … المهم الآن تحصل على الكتب كاملة .
خالد : أن شاء الله … سآذهب غداً صباحاً … وجميل هذا القول وبالفعل أعيننا في المقدمة وليست في الجوانب … أما بالنسبة للكتب فهي موجودة ، فأختي ملاك الآن في السادس العلمي … وأعتقد بأنها ستضحك عندما تسمع بأني سأعود الى المدرسة وأنا في هذا العمر .
الدكتورة : أ … عظيم عظيم … أذن بإمكانك الإستعانه بها أو حتى الدراسة معها المهم الآن أن تبدأ بالدراسة وبدقة متناهية… وتسأل عن المواضيع المبهمة … أنا ظننتك في اللقاء السابق تتمازح حول مسألة العمر ، لكني اليوم عرفت بأنك ترى نفسك بعمر كبير لأنك الأخ الأكبر ولأنك المعيل ، مهما كبر عمر الإنسان تبقى حاجاته متجددة وواعية ولاسيما طلب العلم فهو فريضة على كل مسلم ومسلمة ويقول أيضاً سيدنا محمد (ص) : ( أطلب العلم من المهد الى اللحد ) ، وليس هناك عمر يحد من طلب الإنسان للعلم والتعلم ، ولو دخلت الى الجامعة في الدراسات المسائية سترى الطلبة بعمر والديك … يكملون الدراسة الجامعية لأجل التعلم أولاً … ولتعديل الراتب الوظيفي ثانياً … وأنك ستكون أصغر طالب فيهم .
خالد متنهداً : سأحلم الليلة وكأني في الدراسات المسائية … وزملائي من الكهول … وأنا الشاب الوحيد بينهم وهم يتكئون عليّ في كل شيء .
الدكتورة : وعندما تستيقظ … تجد كل ما رأيت وهماً وغروراً وسراباً … أستيقظ … يا رجل … فالأحلام جوفاء مضللة وغير واضحة المعالم ، لا أريدك أن تحلم البته ، كن واقعياً في كل خطوة تخطوها فالدراسة كما قلت لك جهاد وصبر وتحمل وطموح ورغبة وإصرار ومحاولة بلا كلل أو ملل .
خالد : غداً أن شاء الله … سأدقُّ دسار العودة … والله الموفق .
الدكتورة : اتمنى لك التوفيق … والسداد والرقي والتقدم .
أقترحت مروة على أيار مرافقتها وذويها في سفرتهم الصيفية الى الشمال هذه العطلة بعد ظهور النتائج وفي حالة النجاح ، وبعد أن عرضت أيار الفكرة على والديها وافقا بشرط النجاح ، وكذلك الأمر لمعاذ الذي ألح بمرافقتهم أيضاً ، وبعد مرور الأيام ظهرت النتائج وبالطبع لكل مجتهد نصيب ، وكل الطلبة يعرفون مستوياتهم كل بحسب إجتهاده ، أما بالنسبة لمُعاذ فهو مكمل بالرياضيات والإنكليزي وعليه سقط حقه في السفرة ، وقد تلقى الخبر بكل فرح وسرور لأنه كان يتوقع الرسوب ، أما أيار فقد ثبت حقها بالسفرة لأنها ناجحة ، وكذلك الحال بالنسبة لسبأ بحسب المعلومات المحملة على النت ، والتي تظهر نتائج الجميع ، فراحت تعدُّ العدة الى هذه السفرة على الرغم من عدم إستساغة أميمة لهذه الفكرة لأنها لا تريد لأبنتها الإبتعاد عنها ولكنها وافقت مكرهة تحت توسلات مروة التي تجد في هذه السفرة فرصة لأيار لتشق رداء الظلام خارجة الى النور بطور جديد ، في محاولتها الإرتقاء بشخصيتها الى الأفضل حتى وان كان التطوير والتغيير مظهرياً لا جوهرياً وهكذا لتتعدى الأزمة بسلام الى ضفة الأمان ، لتنصهر في بوتقة إتحاد غير طوعي معها ليكون هذا الإتحاد الحبل الذي يسحبها من الدهليز المظلم في كهف خفافيش الحزن لتطلُّ على العالم الأوسع .
وبالفعل سافرت مع عائلة جدها السفرة الأولى لها لشمال العراق وبهرت بمناظر الطبيعة الخلابة كأي إنسان يراها للوهلة الأولى ، وعلى الرغم من أجواء الفرح والسعادة إلا أنها لم تنسَ الحزن المسكون في داخلها ، وأن قررت أن تنآى بنفسها عن أحاديث الآسى ولكن شوقها يخونها دون أن تنتبه فترى لسانها يستذكر اللقطات الجميلة المرسومة في خيالها ، ولاسيما عندما رأت بساط الأزاهير الحمراء في دهوك ، تذكرت لقطة وهي تجلس على هذا البساط السماوي مستنشقة عطرها الأخاذ، فراحت تسرد : وفي ذات يوم لم أكن ذاهبة فيه الى المدرسة ، وسبأ تبحث عني وهي تخبىء وردة جوري بيضاء رائعة البياض تريد ان تهديها لي وهي أول وردة تزهر في حديقتهم الجديدة في أول تعارفنا على بعضنا ، لكنها بقيت محافظة عليها الى اليوم التالي ولم تسمح لأي طالبه بشمها ، وقد أرجعتها معها الى البيت وجلبتها لي في اليوم التالي واضعة أياها في قدح ماء ، بحسب ما قصته لي وبسبب برودة الجو وقتئذ حافظت الوردة على شكلها ، فإستلمتها منها وقد فرحت بها كثيراً ودسستُ أنفي في ثناياها وكأني غرت في أعماقها متنفسة الصعداء ، لقد فرحت بها لأنها أول وردة تُهدى لي فوضعتها في كأس زجاجي شفاف أبيض فيه ماء على مكتبي وحاولت أن أحافظ عليها علها تبقى مدة أطول،ولكن كلنا نعرف بأن الورود وعلى الرغم من جمالها وروعتها قصيرة العمر ،وما هي إلاّ أيام قلائل وقد ذبلت فأخرجتها من القدح ووضعتها على المكتب وكأني أرى سبأ فيها ، وعندما جفت أوراقها لم تفقد قيمتها عندي ، لففتها في منديل ورقي ثم وضعتها في أحدى القصص التي أحتفظ بها لتنام قريرة العين بسلام ، ثم أستطردت قائلة متنهدة : وللآن أحتفظ بها داخل هذه القصة ،وكلما فتحت القصة وكأني أشاهد هذا المشهد الجميل المليء بالسعادة .
مروة مبتسمة : سرحة ذهنية رائعة … وقد قرآت في الفيس بوك قبل مدة حكمة رائعة ومُعبرة ولابد لك أن تستفيدي منها : ( الورد لا يبوح لحاجته للماء … أما أن يُسقى أو يموت بهدوء … ) ، فأرشيف الذاكرة خالد بكل الأحداث المؤرشفة بدقة متناهية … وقلبك لا زال ينبض … ولم تمت الذكريات بعد .
وسبأ بقيت تعيش الخيال وتتقمص الدورين … تتحدث مع أيار …تسأل وتُجيب ، ولاسيما عندما تضع رأسها على الوسادة ، تارة تعاتبها وأخرى تعتذر ، وقد عرفت من النت كما أسلفنا بأنها ناجحة ولم تفقد الأمل ، ولم تنفك عن الكتابة لها وكل يوم تتصل على رقمها على أمل أن تفتح نقالها وتستلم الرسائل ، لأن الرسائل التي ترسلها إليها تبقى قيد التسليم الى أن يأتيها الرد بفشل التسليم …. فتحولها الى المسودات التي تكاد تمتلىء ، تقاوم أحزانها مع نفسها ولم تعتد أن تتحدث عن مشاكلها مع أخواتها أنهار وأطوار ، ولم يكن والداها من النوع الذي يؤييد أقامة علاقات الصداقة بهذا العمق والتأثر ولاسيما أمها التي لا تهتم بمثل هذه العلاقات التي تعتبرها … محض علاقات بشرية تبدأ وتنتهي في المدرسة … وليس من الرشادة أن يتأثر الإنسان بشخص لا يمت له بصلة قرابه ، وهي تؤكد دائماً على قوة العلاقة بين بناتها الثلاث وأن يكن صديقات لبعضهن البعض لذلك عندما تتحدث سبأ عن لواعج حبها وشوقها لطالبة لا تعرف أين ذهبت بها الحياة وهم وسراب لابد من التخلص منه برشادة العقل وهي لا تفهم ذلك ، على الرغم من نجاحها ببناء علاقة قوية ورصينة وناجحة بين بناتها وعندما يجتمعن وكأنهن صديقات … في الجسد والروح … لذلك وسبأ تجد في نفسها خروجاً عن القاعدة وأن تكلمت لوالدتها ستكون محط سخرية وتهكم وعتب شديد بحسب أعتقادها ، وتفضّل أن تنآى بنفسها عن مثل هذه المحكمة ذات الأحكام العرفية .
لذلك تبقى حبيسة خيالها متلذذة بهذا الخيال الذي يجسد لها الصور وكأنها بالفعل تراها ، فضلاً عن أنها كثيرة الأحلام وقد غزت أيار هذا الموقع عندها دون منازع ، وحتى وأن تكلمت مع أخواتها فكيف تقول بأن أيار هجرتها دون عودة لأنها تتوقع بأن سبأ مخادعة وممثلة وتجيد اللعب بإرجوحة المشاعر ، وبإعترافها على الملأ ، الخطب جلل ولا أحد يفهم طبيعة العلاقة الرقيقة البريئة التي كانت تعيشها معها ، لكنها تقول في نفسها ، قد تلتقيها … في المدرسة … قد تلتقيها في الجامعة … قد تلتقيها في محطة من محطات الحياة أكيد ستراها … وتبرر لها … فراحت تكتب … لخيال أيار … وكأنها تراها وتسمعها وترد عليها … تبتسم وتتمتم … أو تغضب وتُغمغم …. وهذا هو حال الذاكرة التصويرية …
عندما أغمض جفوني أراك فراشة ترفرف في خيالي … تغازل مشاعري العقيمة … وتراقص أشواقي اليتيمة … تهيمن بهدوء على واقع احلامي … وتهمس بغنج على مسامعي … وكأس الألم بالشوق مترع … يكتوي خافقي بألم الفراق … فتتقد بغتة جذوة الاشياق … فهل يا ترى لا زلتِ تذكريني … ؟؟؟ عندما البدر يتوسط السماء ،وهل لا زلتِ تذكريني إن ظمأت للماء … أم غدوت في نظرك كالضباب في الجو المكفهر ، ولا زلت الى للآن لهوة النسيان أتهادن … ترى من يساجلك الشعور عند الظلام ،أتون يستعر عند إمتشاق الحسام ،لماذا دائماً يساورك شعور بالإضطهاد فتشرأب الى عنقي منك كل الإصفاد ،وأنا أعرف ان الظروف القاسية التي عشتيها بسببي تطول الأظفار ،وتنشر الشقاء وتمسخ النور الى نار … وأن البحث عن روح تفهم لغة الأسرار كالبحث عن المجهول ،في عالم الأقدار لكنها الدنيا صغيرة ضيقة دانية المنازل ففي المساء أكيد سيجتمع الكل في المنازل وسأراك هناك … حيث ستكونين … وعندما أراك سأنكفىء عليك كالموجة …
أتعرفين يا عمتي مروة كم كنت أتوق لرؤية الشلالات وطاقتها السماوية العجيبة … فصوت تساقط الماء المتراشق المتلاحق يشبه وقع المطر عندما يتساقط على النوافذ … كم هو جميل ورائع منظره وكم هو ساحر صوته ، يختلط مع دقات القلب النابضة بالحياة ، وهما عندي سيان النبض دليل الحياة والماء دليل الحياة والنماء أيضاً.
مروة مبتسمة : أكيد عزيزتي ومؤكد … بحسب قول الله تعالى : {{ وجعلنا من الماء كل شيء حي (30) }} في سورة الأنبياء ، فضلاً عن أنه يتأثر بالصوت ، والمغناطيسية ، والحرارة ، والبرودة ، والضوء ، والطاقة الحيوية ، ولكنك … قطعاً … لا تقصدين كل هذه الصفات وإنما تقصدين كيف له القدرة على تحريك المشاعر وتحويل الأحزان الى ألحان وتلطيف الأجواء بقطرة واحدة تتحول العاصفة الى عاطفة أوليس كذلك ؟؟؟
أيار متنهدة : أكيد صحيح … فأنت تقرأينني قبل أن أنطق … ولكن عندي سؤال يحيرني !!
مروة : أسألي عزيزتي أي سؤال على الإطلاق … ثم أستطردت ممازحة أسمح لك .
أيار : أليس الحب جميلاً ورائعاً … وراحة للنفس والقلب ….؟؟
مروة ضاحكة : أوه … الحب أجمل شعور يمكن ان يشعر به الفرد وأغلى شيء في الوجود .. ولولاه لتحول الكون الى مقبرة كبيرة لرفات جميع البشر ، لأنه روح الطبيعة الذي يمدُّ أوداجها بالحياة ، الحب حقيقة الحياة المفعمة بألوان المشاعر الفياضة ، التواقة إلى العشق المغروز في كيان الكون ، وينبوع الحب الذي يصب في مصبات الزمن ، وأنهار الشوق المتدفق الرقراق السلسبيل القراح ، وروح الوجود المسكوبة في أوداج الطبيعة ، ومصباح السماء حين تنطفئ كل مصابيح الأرض ، هو اللون والعطر والمذاق ، والبشر والجمال والإشراق والشوق والوجدان ، والمعنى واللحن والقصيدة وخضرة الفردوس وثغر الكون الباسم ، هو الألق ويد اللطف وعين الرحمة وينبوع الحنان ، ومصدر الوجود ، وجذوة الفكر ، ومداد اليراع ، ومجداف الطموح ، ونبراس الزمان ، وإيناس المكان ومحتد الأوطان ، حب العائلة والأقارب والأصدقاء والوطن وحب الخير لكل الناس .
أيار بعد أن كانت منصته مبتسمة : وعلى الرغم من كل ما تقدم … أسأل … لماذا يكون الحب الصادق مصحوباً بألم … ولماذا صوت الماء يؤجج الشوق …؟؟؟ ملاحظة لك أن أختها … أسمها أنهار .
مروة مبتسمة : لقد قرأت في الكتب عن الحب بإنه مأخوذ من الحُباب وهو الذي يعلو الماء عند المطر الشديد ، فكأنَّ غليان القلب وإشتياقه ، وقيل مأخوذ من القلق والإضطراب ، لأن القلب أصل كيان الإنسان ومستودع الحُبِّ ومكمنه ، والألم الذي تقصدينه لوعة الشوق لمن نُحب ، سواء كان معنا أم بعيداً عنا ، فمثلاً الآن أتمنى لو كانت سُبل معي هنا وأشعر بأن مكانها خال في أي مكان جميل تطأه قدمي ، وشوقك مفضوح يا أيار ؟
أيار متنفسة الصعداء : لكنها لا تستحق … لحظة واحدة من التفكير .. أو الشوق إليها … أتمنى لو أستطيع مسح كل الملفات الموجودة في ذاكرتي التصويرية ، ولكن ملفاتها مؤرشفة كما قلت وبدقة متناهية ، وكل مكان أدخله أجد لنا ذكرى فيه مسجلة ، ولم أتوقع يوماً أن كل هذه محض رياء ودوراً مسرحي انتهى … وأسدل الستار عليه ، ثم راحت تكابر .. وتقول … ثم أنا لم أقل لك بأني أشتاق لها … لكن الألم يعصر قلبي بسبب أنها كانت تستغفلني .. أسمعتي … أنا كنت مستغفلة .

… يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *