د. حسن الخاقاني : لماذا يموت الشعراء؟!

لماذا يموت الشعراء؟!
الموت والحياة يلتئمان في جدليّة الحضور المتزامن أو المتناوب، وليس لأحدٍ أن يفني الآخر أو ينفيه، إذ يتوالد بعضهما من بعض، بدءا منذ الأزل وما زالا سائرين من دون توقف أو استراحة مؤقتة.
الموت والحياة قدر الكائن الحي، فهو يولد بإرادة غيره، ويموت مرغماً مكرها، وفي كلا الحالين ليس له من فسحة اختيار إلّا في مغامرة نادرة الحدوث حين يمتلك الانسان قراره الفردي الأصيل بإنهاء مسيرة الحياة والانتقال الى عالم الموت بقتل النفس، أو الانتحار، وذلك قرار خطير لم يقدم عليه إلا بعض من القلّة النادرة التي قد توصف بالحماقة والطيش، أو بالشجاعة الفائقة!
والشعراء بعض من هذا الكيان البشري الذي تسوقه يد الأقدار، يجري عليهم ما يجري على غيرهم من أبناء جنسهم، فهم يعيشون ويموتون بغير إرادتهم، لكنّ ما يميزهم من سواهم هذا الولع الشديد بالحياة الذي استقوه من بصيرة نافذة ومن رؤية تخترق الحُجب، وهذا الاحساس المأساوي العميق بنهايتها الفاجعة وهي الموت، فإحساس الشعراء بالحياة أو الموت مضاعف عمّا لدى نظرائهم الأحياء، وما ذلك إلا لتوهج غريزة حب الحياة والخوف الشديد من فقدانها، أو حب شديد للحياة يصل بصاحبه الى درجة الانغماس بالموت وكأنه يحيا من جديد!
يمدنا تاريخ الشعر الطويل، وسير الشعراء بأخبار متنوعة عنهم، فمنهم من بخلت عليه الحياة بنور ربيعها فأعطته اليسير الذي لا يكاد يسد الرمق، ومنهم من جادت عليه بوابل قطرها حتى امتد به العمر فبلغ أرذله، وفي كلا الأمرين لا نجد قانونا حاكما، أو نظرية يمكن الاطمئنان إليها لتكون مقياساً لظاهرة هي غير قابلة للقياس نوعاً وكمّا.
وإذا كانت الأغلبية من الشعراء يمضي بها قطار العمر إلى محطات بعيدة فإن نسبة لا بأس بها منهم قد توقف نبض الحياة فيها في المحطات الأولى التي لم تجاوز بعد من الطريق نصفه، ومن هؤلاء نجد ثلة من الذين أحسّوا فورة الشباب تكاد تفجر عروقهم كالشاعر بيرسي بيتش شيلي (1792 – 1822) ذلك الشاب الذي وصف بالمجنون، أو الملحد، وقد فصل من الجامعة بعد نشره كتاب: “ضرورات الإلحاد” وهو الشاعر الرومانسي صاحب القصائد الشهيرة مثل: “أغنية للريح الغربية” و “إلى قبّرة” و “ثورة الاسلام” ، الشاعر المغامر الذي تحدى بجموحه العواصف حتى غرق به المركب ومات في إيطاليا قبل أن يبلغ الثلاثينن أو يحتفل بعيد ميلاده الأخير.
ومنهم الشاعر الانكليزي أيضا جون كيتس (1795 – 1821) الذي عاش حياة مضطربة غريبة الأطوار، فقد مات أبوه وهو لم يبلغ الثامنة، وهجرت أمّه المنزل لتتزوج بعد شهرين من وفاة الأب، ثم عادت الى البيت لتموت هي أيضا، فهيمن عليه قلق وجودي خطير ولا سيما أنه لم يحظ في حياته إلا بتجاهل شديد واحتقار من النقاد والشعراء، فلما مات زارته شهرة متأخرة لم تجده نفعا.
وهذا اللورد جورج بايرون (1788 – 1824) أو الظاهرة البايرونية المقدسة كما وصفه الروائي الروسي الشهير دوستوفسكي عند وفاته يتمثل لنا بموته الغريب وفيّا لحب المغامرة التي جسدها في ملحمته الشهيرة “دون جوان” وبهذه الشخصية الأسطورية المتفلتة من كل قيد.
بايرون الذي فقد أباه في سن مبكرة فأمعنت أمّه في تدليله، ولما شبّ أصبح من الرواد الأوائل للنزعة الرومانسية في الشعر الأوربي الحديث، يدعو الى تحرير النفس من قيود العقل وينادي بإطلاق الخيال في العالم الفسيح حتى أمضى حياته رحالة يجوب بلدان الشرق والغرب فانتهى به المطاف الى اليونان ليشارك في حربها ضد الأتراك وقد أصيب بالحمى وتوفي هناك في بلد غير بلده!
ومنهم أدغار ألن بو (1809 – 1849) رائد القصة الحديثة الذي يعد من أوائل الأمريكان الذين اتخذوا من الكتابة مصدر رزق لهم، وقد عاش في ظروف أسرية سيئة، فهو ابن ممثلين هما: إلزابيث أرنولد وديفيد، غير أنه لم يتح له أن يتعرف على هذين الأبوين بعد أن ترك أبوه البيت وماتت أمه وهو في عمر الثالثة، فانتقل للعيش مع احد أقاربه بعلاقة كانت تسوء غالبا حتى طرد من العمل على الرغم من تعلقه بابنة قريبه هذا والزواج منها وهي في الثالثة عشرة فقط، لكن هذا الزواج لم يدم، والسعادة العابرة آذنت بالرحيل بموت هذه الشابة الصغيرة في سنة 1847 لتعقب فيه الحزن والكآبة، ثم الموت في ظروف غامضة.
وذاك صاحب “أزهار الشر” شارل بدلير (1821 – 1867) أو الرجل الغريب كما يسمي نفسه، أو المجنون كما وصفه الناقد الفرنسي سانت بوف، أدت به جرأته غير المسبوقة في ديوانه أزهار الشر الى المحاكمة، وقد قرر الانتحار وهو في سن الرابعة والعشرين، وهو الذي كان قلقا مضطربا يتنقل بين أحضان عشيقاته بحثاً عن الحضن الأصيل الذي افتقده وراح يبحث عنه من دون جدوى، فقد كان ضحية تعلقه بأمّه بعد وفاة أبيه المبكرة، لكن الأمّ خذلته حين تزوجت رجلاً يكبرها بثلاثين عاما، وإذ تآلف بودلير قليلاً مع الأب الجديد فقد وجد نفسه فريسة مشاعر مضطربة تجاه أمه التي أصبحت في نظره خائنة، وقد زادت قسوة الأب الجديد بفرضه وصايته عليه لتزيد من هذا الشعور الى درجة الاضطراب حتى صار شبقا لا يكاد يشبع نهمه الجنسي، فخاض في علاقات متعددة انتهت به الى مرض الزهري الذي أودى بحياته.
ويقدم لنا لوتريامون (1846 – 1870) الشاعر الفرنسي الذي وصف بالشيطان أو المجرم أنموذجا آخر على مغادرة الحياة وهي في زهوها، فقد انتهى الى موت غامض وهو في الرابعة والعشرين، ولو رجعنا قليلا إلى بعض سيرة حياته العنيفة لوجدنا أنه ولد في الأورغواي لأبوين توفيا مبكرا وهو لم يجاوز عشرين شهرا من عمره القصير، ثم شهد مأساة الطاعون والثورات والاضطرابات المتعددة، وقدم صورة لقمّة العنف في أناشيد مادورو، أو مصاص الدماء الموغل في الجريمة مع وعيه وعلمه بما يقدم عليه! هذا العنف في الحياة والفن أسرع به نحو الموت.
وأنموذج آخر نجده في آرثر رامبو (1854 – 1891) شاعر الرؤية والمغامرة والحرية الذي ولد في أسرة لأبٍ عسكري انتهى به الحال إلى الهرب من البيت، وأمّ كاثوليكية متشددة كانت دافعا لهرب أحد أخوته أيضا، أما هو فقد عاش في حياة المغامرة بعد محاولة هرب فاشلة، وقد شعت عبقريته مبكرا إذ كتب معظم شعره وهو في سن المراهقة، بل توقف عن الكتابة حين بلغ العشرين وكأنه قد أنجز مهمة العمر كله في خمس أو ست سنوات.
اتجه الى خوض غمار الحياة بالتنوع في العمل والسفر، ولعل من الغريب أن يعمل في تجارة العبيد وهو الباحث عن الحرية في الحياة والفن، أو يعمل في تجارة السلاح وهو السابح في عالم الخيال.
عاش رامبو حياة بوهيمية صاخبة انتهت ببتر ساقه الذي نشب فيه المرض، لكن الحياة انشبت فيه ظفر الموت وهو في السابعة والثلاثين ليرحل عنها غض الإهاب!
ومن النساء اللائي غادرن مسرح الحياة وهو في أوج صخبه الشاعرة الأمريكية سيليفيا بلاث (1932 – 1963) التي كانت على الرغم من حياتها الناجحة في الصحافة والدراسة، وزواجها من الشاعر البريطاني تيد هيوز قد دفعتها اضطراباتها النفسية الى محاولة الاقدام على الانتحار بأقراص منومة، ولم يعصمها ذكاؤها الشديد في طفولتها التي شهدت نشر أول قصيدة لها وهي في عمر التاسعة، ثم حصولها على 160 درجة من الذكاء في الثانية عشرة، وإنجابها طفلين، لم يشفع لها كل ذلك من الاقدام الناجح هذه المرة على الانتحار في 11 شباط 1963.
وإذا يممنا شطر الشرق من أوربا – أو روسيا بالتحديد – ستطالعنا الأرواح الشعرية التي اختنقت بثقل دخان الخيبات المريرة التي واجهتها من جهات عدة، فهذا شاعر روسيا وروحها المبدعة الكسندر بوشكين (1799 – 1837) الشاعر الثوري الذي تحمل النفي والمرض في ظل القيصرية يدفع الى الموت في مبارزة خاسرة دبرت له كيدا، وكأنه ليس ذلك الشاعر الذي أمد الأدب الروسي بأروع الحكايات الشعرية التي خلدت التراث الشعبي وما مات الا بسبب مواقفه الثورية ومناداته بالاصلاح من أجل عيش أفضل للطبقة المسحوقة وإن كان هو في غنى العيش المترف.
تقدم لنا روسيا حزمة من شعراء هم ضحايا شعور عميق بالخيبة بصورها وأسبابها المختلفة منهم الكسندر بلوك (1880 – 1921) الذي تبخر الحلم الذي عاش له بالثورة والتغيير الجذري حين آلت الثورة البلشفية الروسية سنة 1917 الى نمط من بيروقراطية رتيبة، والى تغليب واضح للمصالح الضيقة على حساب المصلحة الكبرى فآثر الانطواء والعزلة ونهشت الكآبة والخيبة روحه السابحة في الخيال والتصوف حتى انتهى الى موت قبل الأوان.
ومثله الشاعر سيرغي يسينين (1895- 1925) أبرز شعراء الحركة التصويرية، أو شاعر الريف الحزين كما يلقب، حساس، متدين، لاقى مضايقات من السلطات البلشفية بسبب تدينه، فانتحر في مدينة بطرس بورغ وهو في أوج تألقه الابداعي فقد عثر عليه في يوم 28 ديسمبر من سنة 1925 معلقا بحزام حقيبة على أنبوب للتدفئة المركزية بأحد الفنادق. وحيث انطلت على الجميع لحكاية انتحاره ظهر أخيراً من يشكك فيها وينسب قتله للسلطة بأدلة دامغة تستند الى وقائع مسجلة.
ولعل أشهر من نختم به سلسلة الموت الرهيب للشعراء الروس هو فلاديمير مايكوفسكي (1893 – 1930) الشاعر الطافح بالحرارة والابداع فقد انتظم في العمل السياسي وهو في عمر الخامسة عشرة، وقد كتب واحدة من أشهر القصائد المعارضة للسلطة القيصرية وهي “غيمة في سروال” التي اختار لها هذا الاسم إيهاماً للرقابة التي اعترضت على الاسم الأول وهو: ” الحواري الثالث عشر”.
شعر منذ طفولته بالاغتراب والفوارق الطبقية بعد وفاة والده وانتقال أمّه بالأسرة الى موسكو وهو في سن الثالثة عشرة، ثم اعتقل لأكثر من مرة وهو صغير، بل سجن في زنزانة منفردة، لكن الثورة التي عانى من أجلها كل هذا الهوان أزرت به وزرعت الخيبة العميقة في نفسه، وهذا ما جعله يرسل رسالته الأخيرة الى العالم قبل أن يقدم على الانتحار الذي هزّ به مشاعر الانسانية شرقا وغربا!

مايكوفسكي

موت الشعراء في الثقافة العربية:
تمدنا الثقافة العربية بتارخها المتنوع الطويل بعدد كبير من الشعراء الذين غادروا مسرح الحياة والعرض في أوله، ومنذ التاريخ الأول المسجل للشعر العربي يظهر من هؤلاء الشعراء المبرزين امرؤ القيس أو الملك الضليل الذي أمضى شبابه بين الثأر والخمر لكنه لم يدرك من ثأره ما يريح الفؤاد فاستبدت به الخمر فتراه هائما بين القبائل والبلدان حتى أدركه الموت وهو دون الخامسة والأربعين متلفعا بحلّة مسمومة مهداة إليه من بعض الملوك، – كما شاع في خبر موته – مات غريبا في أرض غريبة عن روحه وقلبه ولسانه.
أما طرفة بن العبد صاحب المعلقة الشهيرة فقد كان وفيا لروحه وفنه وفلسفته في الحياة التي بخلت عليه فلم توفه ما أعطاها، بل اشتطت عليه حين أسلمته إلى يد المنون شابا يانعا في عمر السادسة والعشرين.
ويمدنا العصر الاسلامي وما تلاه من عصور الشعر العربي بجمع من هؤلاء الفتيان الذين اخترمهم الموت وهم في زهو الشباب، ومنهم الشاعر الوصاف ذو الرمّة التي مات وهو في التاسعة والثلاثين، وشاعر الابداع والتجاوز والمفاجأة أبو تمام الذي مات وهو في الثانية والأربعين، وزين الشباب الذي لم يمتع بالشباب أبو فراس الحمداني الذي عانى الأسر والغربة والخذلان ومات وهو في السابعة والثلاثين، وشاعر النفوس الأبية والحماسة العربية، والرقة العاطفية الشريف الرضي الذي مات ولم يبلغ الخامسة والأربعين، كل هؤلاء اختطف الموت منهم زهو الحياة وزينتها وهم لم يبلغوا من العمر بعد إلا أوله.
وما أكثر ما يقدم لنا العصر الحديث من أسماء أدبية لامعة لكنها كانت كنجمة الصباح متوهجة الضياء قصيرة العمر فسرعان ما يتلاشى بريقها الأخاذ، ومن هؤلاء الشاعر الشاب أبو القاسم الشابي (1909 – 1934) التونسي الذي أضناه تضخم القلب المثقل بالعاطفة الجياشة فمات في عز الشباب وترك وراءه صدى ما زالت تتردد رناته العذاب في سمع الزمن، وكذلك الشاعر المصري الشاب محمد عبد المعطي الهمشري الشاعر الرومانسي الذي وقع ضحية تجربته العاطفية الفاشلة فكره الحياة وهو الذي كان يكره حتى اسمه، والشاعر السوداني يوسف بشير السوداني (1912 – 1937) الذي خالف المألوف السائد فاتهم بالكفر والزندقة وفصل من المعهد العلمي الذي يدرس فيه لجرأته ومجاهرته في نقد مظاهر التخلف السائدة ودعوته الى تحكيم العقل والأخذ بمستجدات العلم.
ومنهم الشاعر المصري الشهير عند أهل الفن والغناء خاصة صالح الشرنوبي (1924 – 1951) الذي عاش حياة غريبة الأطوار، فقد فشل في دخول دار العلوم، فدخل كلية أصول الدين، لكنه تركها بعد سبعة أشهر فقط، عمل مدرسا لكنه كان يسكن في بيت الدجاج فوق سطح أحد المنازل، وحين عجز عن دفع إيجار هذا السكن الغريب التجأ الى مغارة في جبل المقطم على الرغم من أنه تعرف على مشاهير الممثلين والممثلات وكتب أجمل الكلمات للمطربين والمطربات، وكان يغلب على شعره الحزن والشك والحيرة والشعور بالحرمان وقرب الموت!
وأنموذج آخر يقدمه الشاعر الحزين أمل دنقل (1940 – 1983) فهو ابن أحد رجال الأزهر وقد تأثر كثيرا بوالده وشعر والده، لكن الوالد يرحل وعمر ابنه عشر سنوات، وقد أورثه هذا الرحيل المفاجئ حزنا مقيما لم يستطع معه اكمال دراسته لاحقا في آداب القاهرة التي لم يألف العيش فيها، وهو مع ذلك يعد من جانب آخر أشهر الشعراء الذين وقفوا بقوة وجرأة بوجه السلطة التي كانت تروج للهزيمة وتسعى للاستسلام، يشهد له بذلك قصيدته الشهيرة: لا تصالح.
وتطول القائمة التي تقدمها الثقافة العربية لقصيري العمر من الشعراء حتى لا يكاد المجال يسع للوقوف عند كل واحد منهم فصرنا مضطرين الى حشرهم في كتلة جماعية ومنهم: الشاعر المهجري فوزي المعلوف (1899 – 1930) والشاعر الكويتي فهد العسكر (1917 – 1951) واللبناني الذي أمضى حياته القصيرة في مصر أديب مظهر (1898- 1928) وأشهر اعلام المهجر جبران خليل جبران (1883 – 1930) والشاعر السوري رياض الصالح الحسين (1954 – 1982) وعبد الباسط الصوفي ( 1931 – 1960) ورائد الشعر الحر بدر شاكر السياب (1926 – 1964) وشاعر التمرد والعنفوان حسين مردان (1927 -1972) ونظيره عبد القادر رشيد الناصري (1920 – 1962) والشاعر الشريد عبد الأمير الحصيري (1942 – 1978) وغبرهم مما لم يسع المجال لذكرهم تفصيلا أو اجمالا.
ويبقى السؤال: لماذا يموت الشعراء؟!
لو دققنا في حياة هؤلاء جميعا لوجدنا أنهم بطبيعة الحال والمآل يختلفون في تفاصيل شؤونهم وظروفهم الخاصة لكنهم يجتمعون عند بعض النقاط الجامعة التي يمكن إجمالها بصورة عامة في النقاط الرئيسة الآتية:
– عانى معظم هؤلاء الشعراء من بدايات مضطربة كفقدان أحد الوالدين أو كليهما، أو انفصالهما عن بعض، أو زواج أحد الوالدين مما يترك آثارا عميقة من شعور بالفقد والخذلان.
– مر معظم هؤلاء الشعراء بحياة غير منتظمة عاطفيا في المرحلة التأسيسية من حياته وهي مرحلة الطفولة، لذا نجده لا يستطيع التأقلم مع الحياة واستيعاب قسوتها عليه، فهو في انفصام معها ومع المحيط الانساني الذي يحيا فيه مكرها.
– غالبا ما كن هؤلاء ضحايا تجارب عاطفية فاشلة دفعتهم خيالاتهم أو المستوى المرتفع للمثالية عندهم الى تجاوز واقع المرأة وربطه بمطالب مستحيلة التحقيق وهو ما ينشئ لديهم شعورا عميقا من الخيبة وانهيار الاحلام التي تحدث فيهم شعورا بالفجيعة والخسران غير القابل للتعويض أو الترميم مهما فعلوا.
– قد يكون من بين هؤلاء من عانى الفقر والتشرد والحرمان في طفولته أو شبابه حتى نقم على الحياة وسعى إلى إنهائها بأية صورة ممكنة، وربما كان الانتحار هو أحد القرارات الشجاعة التي أقدم عليها الشعراء لإيقاف هذا النزيف المأساوي المستمر.
– غالبا ما كان الشعراء من قصيري الأعمار يتجهون نحو ذواتهم أو دواخلهم يستنزفونها بحرقة شديدة وكأنهم يقتلعون من قلوبهم فلذات يستهلكون بها لحظات محرقة من حياتهم، فهم شعراء الذات الصادقة مع نفسها التي تصف من الذات شعورها تجاه الأشياء على عكس ما نرى عند شعراء آخرين يصفون الأشياء كما هي في مظاهرها الخارجية ليلتقوا بذلك مع كل الناس القادرين على تدبيج الكلام وليس للشاعر من هذا النوع من فضل سوى نظم الكلام وحبسه في قيد الوزن والقافية.
– غالبا ما يشعر هؤلاء بنوع من الاضطراب المتأصل في نفوسهم الذي يصاحبه نوع من الانطواء والحزن والكآبة فتراهم منفصلين تماما عن الواقع المحيط وكأنهم لا يحيون مع الناس وإنما مع ذواتهم الجريحة بجرح نرجسي أزلي لا يستطيعون منه فكاكا، ملازمين له في كل أحوالهم وهو ينهش فيهم حتى يفنيهم. إنهم عبقريات فائقة الذكاء والاحساس والتوهج!
يقال في بعض حكايات التراث: إن فتى مر بأبي العلاء المعري الشاعر فقال له:
أنت القائل: وإني وإن كنت الأخير زمانه ……. لآت بما لم تستطعه الأوائل.
قال: نعم. فقال الفتى: إن الأوائل جاؤوا بثمانية وعشرين حرفا فهلا زدت عليها واحدا؟
فقال أبو العلاء: هذا الفتى يقتله ذكاؤه!
وما مضى من الزمن إلا يسير حتى مات فعلا!
حسن الخاقاني
24 – 4 -2019

شاهد أيضاً

قراءة في قصيدة: (تراتيلُ مطرٍ يُصَلّي) للشاعر “محمد سعيد العتيق”
د. وليد العرفي

قصيدة ذات نزوع صوفي في انجذاب متناه نحو المطلق ، وهو ما يتبدّى منذ العتبة …

نايف عبوش: نعمات الطراونة.. والتواصل العصري الحي مع التراث

لعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث،وخاصة لدى شريحة الجيل …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
أولا: ديزدمونة وجدلية الشرق والغرب (ملف/6)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *