الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء الرابع والثلاثون)

الجزء الرابع والثلاثون
بدأت الإمتحانات والكل يعدُّ العدة لإحراز النتائج التي تؤهل لدخول الجامعة ، وكل الطالبات قد أكملن المناهج ، وواصلن الإمتحانات وكل منهن تضع في مخيلتها الكلية التي تروم دخولها ، ويجتمعن بعد الإمتحان ليتناقشن في الأسئلة وحلولها قبل الإنصراف ، وكل يوم ينتهي يشعر فيه المحبون الصادقون بالأسى لأن الفراق سيطل بأنين الحزن ولوعة الشوق .
سبأ:أشعر بالأسى كيف يمكن لي أن لا أراك بعد أن تعودت ذلك وبلهفة وشوق عارم .
أيار : والله وأنا أيضاً … فالعشرة التي جمعتنا … لا تقارن بعشرات السنين .
سبأ : وهل تتوقعين بأننا سندخل ذات الكلية وذات القسم .
أيار : أنا أتمنى أن أدخل كلية القانون … لأعمل مع والدي .
سبأ مبتسمة : وأنا أيضاً أحب أختصاص والدي أي أريد كلية الزراعة .
أيار : هذا يعني بأني سأكون في جامعة البصرة كليات باب الزبير عند ساحة سعد ، وأنت ستكونين في جامعة البصرة في كلية الزراعة .
سبأ : هل … ستأتين لزيارتي ؟
أيار : أكيد … سآتي لزيارتك … ولن أنساك ما حييت .
سبأ : أشعر بالحزن … والأسى كل ما فكرت بالأمر ، لكني سأجلب آلة التصوير أخر يوم لألتقط أخر الصور .
أيار : حبيبتي … لنكمل الإمتحانات أولاً … ثم نتكلم بما بعدها ، فوالدي دائماً يقول من الخطأ تعجل أحداث المستقبل … لنتركها حياتنا تسير بتلقائية … كما إلتقينا بغتة … دون أن نُحضّر لأنفسنا اللقاء والإعجاب والشوق والحب والمد والجزر .. فلنترك أنامل القدر ترسم لنا مسارات حياتنا القادمة التي نجهلها ونجهل طرقها ورسائلها.
سبأ : أكيد … حبيبتي … فعزائي بوسائل الإتصال الإلكتروني … ستقربني منك … أي أن علاقتنا ستكون محكومة بأسلاك النت … ولكن مهما كانت الجامعة جميلة ستبقى الثانوية أجمل مراحل عمري التي عرفتني بك ، والأجمل صدق مشاعرنا التي تقربنا بقوة مغناطيسية كلما نأينا على الرغم من كل التحديات التي جابهتنا .
أيار بمشاعر جياشة : ذكرتيني اليوم يا صديقتي بكلام والدي عندما أنتقلنا الى منزلنا الجديد ، وقد خيم علي الحزن وأظلمت روحي الى درجة العتمة وأعتقدت بأني سأفارق الحياة أن فارقت بيئتي التي ترعرعت وتربيت فيها ، فقال لي والدي بإبتسامتة الرائعة كعادته قائلاً : مثلما أحببتي صديقاتك بعمق ، ستنسين هذا الشغف بعمق ، لأنك في المحطة الأولى من العمر ولم تتبلور مشاعرك بعد ، وكلما تقدمتي في محطات الحياة ستتعرفين على صديقات أخريات فكلنا عاش هذا الدور التراجيدي الذي تلاشى مع زحمة الأيام الممتلئة بالوجوه ، ثم أستطردت متنهدة : ولا أقصد بأننا سننسى بعضنا ولكني أثق تماما بكلام والدي سنذوب بالحياة الجديد وستجعل مشاعرنا بصورة جديدة أكثر إتزاناً وأشدُّ عمقاً وستبقى أرواحنا متصلة وأن تفرقت أجسادنا هذه هي الحياة .
سبأ متأثرة : أتمنى أن نبقى متواصلين حتى وأن أصبحنا في أرذل العمر … ومشينا على العصا … سأمسك بيدك … ونمشي … تحت زخات المطر … شاعرين بتلك السعادة التي لا تنسى أبداً … هل تعديني بذلك .
أيار بسرور : إن شاء الله توأم روحي لن نفترق أبداً ، سنبقى نتواصل إلى أخر لحظة في حياتنا ولا يفرقنا إلاّ الردى ، أعدك بذلك فصداقتنا روحية صادقة ، ولدت بالصدق ولن تنهي أبداً حتى وأن رسمت لنا أنامل القدر طرقا أخرى .
سبأ مبتسمة : هناك موقع الكتروني اسمه المستشارة النفسية للطالبات دائما ما أقرأ الرسائل التي تأتي إليه من الطالبات ، وكثيراً ما أعلق على رأي المستشارة المجحف بحق هذه العلاقات الإنسانية الراقية وكأن هذه المستشارة والدتي ، والله أمي ضد أي علاقة صداقة في العالم وتعتبر الحياة مكونه من عائلة فقط أم وأب وأولاد ، والصداقة برأيها مجرد محطة للراحة تنهتي مع انتهاء العام الدراسي دون ان تترك أثراً حتى ، ولكن تعالي ندخل هذا الموقع من خلال نقالي فيه خطط للانترنت الأن ، ونقرأ على رسالة الطالبة ترانيم واثق من كلية العلوم التي شدتني كثيراً وتفاعلت معها .
أيار مبتسمة : أذن تمام حبيبتي ما دام لديك خط لأني لم أفعل النت على شريحة الهاتف ، يسرني جداً أن أتابع كل موضوع تتابعينه على النت او في أي موقع كان ولاسيما إذا كان الأمر متعلقاً بموضوع الصداقة حتى نستفيد منه ، فعلى نقرا رسالة ترانيم واثق ونعلق عليها .
سبأ بسرور : هل صحيح بأنك تُحبين متابعة ما أتابع ؟
أيار بسرور شادة على يدها : والله صحيح وأكيد ومؤكد لأنك الأقرب الى روحي .
سبأ بسرور : لذلك أسميك توأم روحي الذي لم أجده إلأ فيك .
أيار مبتسمة : لقد زاد شوقي للإطلاع على الموقع وقراءة كل الرسائل يومياً .
سبأ بسرور : هيا حبيبة قلبي ها أنا ذي فتحت موقع الاستشارة النفسية لنقرأ معاً رسالة ترانيم وكالتالي : دعوت الله أن يكتب لي صديقة تحبني وأحبها كأخوات في الله ونكون قريبات من بعضنا دون ان تدخل بيننا صديقة ثالثة ، تشاركني همومي وأفراحي ، أحسس معها بطعم الصداقة الحقيقية وما فيها من وفاء وتضحية وصدق وتناصح وإيثار ، ومنذ قرابة الخمس سنوات تعرفت على صديقة معي في الجامعة بعمري وبنفس المستوى الاجتماعي والاقتصادي والديني ، وأصبحت علاقتنا روحية ، وهي أعز واقرب إنسان عندي حتى اقرب من أمي ، ولا أنساها حتى في دعواتي في صلاتي وسجودي وأهتم بها ، وكم أشتاق لها إن غابت عني ، أصبحت تعرف عني الكثير وأنا أعرف عنها مثل ذلك ، وهي تحبني كما أحبها وتفضلني أيضا ، إلاّ أني دائماً أتضايق لأني أشعر بأني أحبها أكثر ، وأنها لا تهتم بي مثل اهتمامي بها ، وهذا من خلال بعض المواقف التي تحصل ، فلم أحكم عليها بمجرد أحساس ، وأكثر ما يضايقني أني أغار عليها من صديقاتها السابقات وخاصة من واحدة كانت معها في المرحلة الثانوية ، مع أن هذه الفتاة قد تعيش في دولة أخرى ، لكنها لا زالت على تواصل دائم وشبه يومي ، وكأنها معها في ذات المكان ، وتهتم بتواصلها كثيراً وتحدثني عنها كثيراً يومي معها وعن مدى حبها وشوقها كثيراً ، دون أن تهتم أو تنتبه لقساوة كلامها على مشاعري تجاهها ، فاشتعلت في داخلي الغيرة ، أصبحت أتضايق في داخلي بمجرد أن تأتي بذكرها ، تتحدث عن ذكرياتها معها ، وأشعر بأنها قد لاحظت علي ذلك ، لكنها لم تراعني وهي تعلم بمحبتي الكبيرة لها وهذا يؤثر علي كثيراً ، أريدها دائماً قريبة مني ولا يفرقا أحد ، وأريد أن أعزز ثقتي بنفسي أكثر وأن تختفي الغيرة ، أريدها أن تهتم بي مثل اهتمامي بها ، أريد أن تجمعني فيها كل معاني الصداقة والإخوة والحب والوفاء ، ووالله أني أريد أن تكون محبتنا في الله وأن يجمعنا ربي في ظله يوم لا ظل إلاّ ظله ، وأدعو ربي أن يجمعني بها في الدنيا والآخرة دون أن تكون بيننا صديقة ثالثة ، وبعد أن انتهتا من القراءة بدأ التحليل والتعليق .
سبا وقد بدت عليها علامات التأئر : لا يوجد تكافؤ روحي بينهما هذا ما لاحظته .
أيار بغموض : ولكنها لم توضح للقارئ نوع الغيرة التي تشعر بها ، فهناك نوعان من الغيرة ، الأولى الغيرة من والثانية الغيرة على .
سبا متنهدة : وما الفرق ؟ النوعان يحملان ذات المعنى ، فشعور الغيرة حالة صحية طبيعية وتعبير روحي أنساني عن فيض العاطفة التي يكنها الصديق للأخر .
أيار معترضة : لا وألف لا . . . فالغيرة حالة مرضية وليست صحية أبداً ، كيف تكون حالة صحية وهي تفكر في إقصاء الأخر عن الميدان وهل الصديق حاجة تمتلك بمجرد المحبة والشعور بالغيرة ، فالغيرة حالة مرضية ونقطة ضعف ودليل فشل وعدم الإعتداد والثقة بالنفس ، فان كانت صديقتها تُحبها لا تجعلها تعاني هذا الشعور المريع ، وان دفعتها الى ذلك الشعور فلا تستحق أن تسمى صديقة .
سبأ معترضة : لا بل حالة صحية وغير مرضية ووصفك (مجحف ) للأمر ، وقد ذكرت ترانيم بأن بينها وبين صديقتها سنوات أي عشرة عمر فكيف لا تغار عليها ؟
أيار معترضة : وان كانت بينها وبين صديقتها سنوات لابد من احترام علاقاتها مع الآخرين ، ولابد ان تعرف حجم علاقتها أولاً قبل ان تفكر بمسح ذاكرة صديقتها ، ثم أنها لا تغار على صديقها بل تغار من صديقتها .
سبأ منزعجة : أنت تخلطين بين الأمور دائماً وتلحين وتصرين على سداد رأيك وتتمسكين بأرائك ، حتى وان لم تكن على صواب لمجرد انك صاحبة الجلالة ذات الرأي السديد وما على الآخرين سوى الانحناء والتبجيل والتصفيق .
أيار منزعجة : نعم وان يكن فهذا رأيي ومن حقي التمسك به ولن أتنازل عنه ، وان كنتِ وصفتني متهكمة ، فأنا أقول لك وبالفعل بأني أمرأة استحق التبجيل والإنحناء ، لأني تعودت أن يصفق لي الجميع وأمام عينيك .
سبأ منزعجة : ولماذا تتكلمين بهذه الطريقة المزعجة وتشيرين بحركات يدك موحية لي بأني المقصودة ، وكذلك تطرقين على ذكريات سابقة حول هذا الشأن .
أيار منزعجة : سبحان الله لماذا تغتالين البسمة بيننا وهي في مهد ولادتها ، لم أقصدك طبعاً فان أعلق على حالة معينه ، لماذا لا تمتلكين الثقة بنفسك وكل كلمة تعتقدين أنها موجهة ضدك ، فأنا كعادتي أحرك يدي للوصف عند الحديث ، فماذا تريدين ؟ هل أشبك يداي وأحرك أنفي وأذنيّ حتى أرضيك .
سباً متوترة : لا … هذا يكفي طفح الكيل والذنب ذنبي لأني أطلعتك على هذا الموقع .
أيار متوترة : سرعان ما تقلبين الطاولة بيننا وتحولين العاطفة إلى عاصفة دون سابق إنذار ، نحن نتحاور حتى إننا لم نطلع بعد على رأي المستشارة الذي لم يعجبك أيضاً .
سبأ غاضبة : أنا أغتال الابتسامة وأقلب الطاولة وأحول العاطفة الى عاصفة أم أنت ، بغرورك وانفعالك واعتدادك برأيك الخاطئ تقلبين مجرى الحديث رأساً على عقب.
فرحت سُـــبل كثيراً بعيادتها وعدتها الحلم الجميل الذي تحقق على الواقع وقد إزداد زبائنها وذاع صيتها في المنطقة ، فأول أمر فعلته حققت كل أمنيات أخويها التوأمين في شراء كل إحتياجاتهما البسيطة الكبيرة في نظرهما ، وكان خالد خير من تثق به وتعتمد عليه في شراء أي شيء تحتاجه بحكم وجوده يومياً في العيادة القريبة من منزلها ، وكل يوم بعد انتهاء أخر مريض في القائمة يعد خالد النقود التي يستلمها من المرضى المراجعين ويرفقها بقائمة الأسماء ويسلمها الى سُـــبل وهي بدورها تعزل الجزء الأكبر لتسديد الأقساط وراتبه ومصروف البيت ، وبعد ان أطلّع على موضوع ديون الدكتورة عرض عليها فكرة الإشتراك في سلفة وإستلامها مقدماً أيسر لها في السيطرة على المصروفات ثم الإلتزام بالتسديد كل شهر ، فإستأنست بهذا الرأي وعرضته على زملائها الأطباء في المستشفى وبالفعل ومع إستلام الراتب جمعوا مبالغ السلفة ووافقوا على إعطائها الرقم الأول مما جعلها تدفع التكاليف كافة لمنذر ، وقد شكرت خالد على هذه الفكرة الرائعة التي غربت عن بالها وسددت كل تكاليفها ، وأن كانت بالأساس عملية تحويل الديون من منذر الى مجموعة من الأطباء ، وتغير المصطلح من دين الى سلفة وفي ذلك راحة لها ، وقد مرت سنة كاملة على عملها في العيادة وهي تحقق نجاحات متصاعدة في عملها وفي رصيدها المالي ، مما قادها الى زيادة راتب موظفها الذي أعتاد كثيراً عليها وعلى العمل في العيادة ، وقد إعتادت ان تسمع أخباره وعائلته وتعلمه فوجدته سريع الحفظ وسريع البديهة ويؤدي أكثر من دور ، فتارة يجلس في السكرتارية لتسجيل وتنظيم دخول المرضى وتارة يدخل الى غرفة الطبيبة يساعدها في تقديم الأدوات التي التي تستخدمها لعلاج الأسنان وتنظيف وإزالة مخلفات العمل جراء عملية المعالجة ، وان نشاطه قد نال أعجابها ، وكلما فكرت في تعيين عامل أخر على الأقل للتنظيف ، يرفض ويقول لها أنا أؤدي هذا العمل قبل بدء الدوام لأن المكان صغير ولا يتحمل شخصين .
وذات يوم من الأيام أراد أحد المراجعين أن يدخل عنوة دون الإلتزام برقمه التسلسلي المعد للدخول ، ولكن خالد رفض ذلك بأدب وطلب منه أن ينتظر مثل باقي المراجعين ، لكنه رفع صوته وأتهمه بأنه يريد منه مبلغ من المال حتى يقدم رقمه مما قاد ذلك الى الجدال والعراك وهو يقف أمام الباب رافضاً دخوله بقوة ، مما حدا بالمراجع الى ان طلب إسترجاع المبلغ الذي دفعه الى خالد لأنه لا يريد الإنتظار ، فكان له ذلك وصفا جو العيادة من صوته المتعالي ، ود.سبل تسمع لكنها مستمرة تعمل في فم أحد المرضى ، وعندما انتهى أخر مراجع .. وسلمها النقود جلس ليشرح لها …
خالد منزعجاً : هذا يريد الصعود على أكتاف المراجعين دون الإنتظار .
الدكتورة : ولكن قل لي … هل فعلاً طلبت منه مبلغ من المال … لقد سمعت صوته وهو يقول ذلك.
خالد متشائماً : دكتورة … تربيت في بيت يعرف الدين ويعرف الأخلاق ، وأُريدكِ أن تعلمي بأن والدي علمني القرآن الكريم ، وعندما تعلمت القرآن الكريم ، علمني القرآن كل شيء … وعرفت الحلال والحرام منذ نعومة أظفاري ، فكلامك يا دكتورة أقسى من القساوة على قلبي ولم أنتظر ذلك منك .
الدكتورة مبتسمة : لا تنزعج … أحببت الإستفسار … عن سبب هذا الإدعاء ولا أقصد الشك البته .
جاء الخميس لينهي الإمتحانات المرهقة لكل طالبات ثانوية الرحمة ، وقد أجتمعن لتوديع بعضهن البعض وإلتقاط الصور التذكارية ، وقد أتفقن بعدم النقاش في أسئلة الإمتحان وتنفس الصعداء ، خرجت سبأ من الإمتحان متوجهة صوب الساحة وإنضمت الى الطالبات ولاسيما أنصاف وهيفاء ، وإستخرجت كاميرتها من حقيبتها بإنتظار أيار ، فطلبت منها هيفاء بلهفة الإطلاع على كاميرتها الرقمية اللمس وكيف تلتقط ، وكيف توجد الصور فيها وبإلحاح فوضعتها بين يديها وراحت تقلب الصور وهي مسرورة لأنها لم ترَ مثلها ، وكلما رأت صورة طلبت منها التعليق وبإلحاح وهي ضاحكة مما أثارت فضول الطالبات اللائي تجمعن قربها لرؤية الصور الفنية ذات الجودة العالية الدقة وحتى لينا كانت موجودة وأشتركت في المشاهدة وهيفاء تارة تمدح وتارة تقدح الصور بمزاح وهي تقدم الكاميرا أمام أعينهن للتركيز على الصورة التي تعلق عليها ، وقلب سبأ مشغول بأيار وأنظارها مصوبة الى الصفوف بلهفة لماذا تأخرت هل معقول بأنها وجدت صعوبة في الأسئلة ؟ وراحت الوساوس تأخذ جانباً منها ، مما دفعها الى التحرك خطوات بإتجاه الصفوف لعلها تراها خارجة لتبدأ بتوثيق الصور لمثل هذا اليوم وبقيت واقفة تنتظر ، فيما بقيت الكاميرا بيد هيفاء وأنصاف ، وحالما لمحت لينا الصور وأطمأنت من إنصراف سبأ أشارت الى المجموعة بالمجيء للمشاهدة ، وحالما وصلوا مبتسمين مجاملة لهيفاء التي راحت أناملها تحرك أنامل القدر فظهرت الصور الكثيرة التي ألتقطت في مناقشة مروة ، والكل تساءل … من هذه … أنها مروة عمة أيار … وهذه سبأ تتوسط العائلة … يا لها من أجواء بهيجة ممتعة … ولماذا .. خبأت أيار هذه المناسبة .. ولماذا فقط الدعوة لسبأ ، مما قاد الى الجدل بينهن وقد أعتلى وجوههن الوجوم والعتب والتساءل … التي حاولت أيار أن تنأى بنفسها عنه وقد أكدت على سبأ ذلك في ذات اليوم الذي جرت فيه المناقشة … التي وعدتها بكتم الأمر … وأنها محط ثقة .
ولم يهدأ لها بال حتى رأت أيار من بعيد وقد شقت الإبتسامة محياها وتمسكت بيدها شادة عليها قائلة : حبيبتي قلقت عليك … لماذا تأخرتي ..؟!
أيار مبتسمة : حبيبتي لا داعي للقلق … فقط أردت إستثمار الوقت المتبقي ليس إلاّ.
سبأ : الحمدُ لله أنشغل فكري عليك … والآن لنطوي ..صفحة الإمتحانات الكئيبة … تعالي لنلتقط الصور التي توثق أخر يوم جميل في هذه الإعدادية كما أتفقنا .
أيار مبتسمة : حسناً … وثقي أيتها الصاحبة الطيبة وأختاري المكان الذي يُعجبك .
سبأ مبتسمة وهي تشدُّ على يدها : تعالي … تعالي .. كاميرتي عند هيفاء التي تشبثت بها .. وأشارت الى حيث هي واقفة والتجمع قربها … علماً بأن الساحة تعجُّ بالمجموعات من الطالبات لأنه أخر يوم .
أيار ضاحكة : ألا زلتِ … تثقين … بطبيعتها الفطرية … أعتقد … بأن كل صورك تم مسحها لأني لا أعتقد بأنها تجيد أستخدامها … فكيف تتركينها بيدها .
سبأ : لا … لا تكترثي فأنصاف قربها وهي تجيد أستخدامها … ثم أني أعرف برنامجاً يسترجع الصور في الكاميرا حتى وأن تم مسحها … أطمأني … وما أن وصلا … حتى جابهت المجموعة أيار … معاتبة بشدة … حول أخفاء موضوع مناقشة مروة … ولماذا الدعوة فقط لسبأ .. كما هو واضح بصور الكاميرا .
وبما أن خالد يعمل في السوق صباحاً في البقالة ، عرض على الدكتورة سُــبل أن يتولى مهمة التسوق لعائلتها وهو مسرور بهذا العمل ، فوافقته الرأي لأن فيه راحة لوالدتها من الذهاب الى السوق ، مما وسّع نطاق تعارفه مع العائلة وقد أحبه الجميع ونال رضا الوالدة والتوأم ، وفي مهمته الجديدة هذه دخل البيت من خلال إدخاله المواد الغذائية الى المطبخ وهو الشاب المستقيم الغاض للبصر الدمث الأخلاق ، وراحوا يعتمدون عليه في كل شيء تحتاجه العائلة وفي هذا الإعتماد مصدر لسروره وراحته النفسية ، وكما أسلفنا عند نهاية العمل يجلس ويكلمها عن يومه ، وبالمقابل سُـــــبل أعتادت على هذه الجلسة لتستخدمها كموضوع للحديث والنقاش مع مروة في الحديث شبه اليومي .
الدكتورة : أن الوالدة معجبة بك جداً … وتُثني على تسوقك … فقلت لها … بالطبع فهو بقال محترف ، وأكيد يقتني المواد الغذائية بإحتراف ودقة … لأنه أبن سوق .
خالد ولم يعجبه التعليق : لم أكن أتمنى يوماً من الأيام هذه الوظيفة أو هذا الوصف ولكن الظروف تحتم على الإنسان ان يعمل أي عمل ليسد رمقه وعائلته .
الدكتورة لاحظت علامات الضيق التي إرتسمت على وجهه : خالد لم أفهم … كلامك … لقد نقلت لك إطراء الوالدة … ولكن ردك مبهم .
خالد : الذي أردت إيصاله لك يا سيدتي بأني لم أتمن يوماً أن أعمل في السوق ، أو أسمع أي شخص يسميني أبن سوق ، لقد مات والدي وأنا في الخامس العلمي ، ولي والدة وخمسة أخوة وأنا أكبرهم ، ونعيش في منزل للإيجار فضحيت بمستقبلي من أجل عائلتي ومن أجل أن يُكمل أخوتي دراستهم .
الدكتورة مبتسمة بهدوء : خالد … أنا عندما وصفتك بأبن سوق لم أقصد الإساءة البته أقسم لك ، ونحن (الأكاديميين) نصف كل من يعمل بالسوق بهذا الإسم ، ليس للإساءة أبدأً وانما للوصف ، وأنا قلتها لك بقصد مدحك وليس قدحك ، وإن كل من كان بظرفك سيفعل نفس العمل الذي أديته ونجاح أخوتك يعني نجاحك ، وأنا أعتذر لك لأني لم أعرف بأن هذا المصطلح يؤذيك … وأرجوك أطلعني على أي مصطلح أخر يؤذيك قد أتلفظ به عن حسن قصد ، وإعلم بأن الحياة ليست وردية للجميع ولكل من الناس متاعبهم ومشاكلهم وقد تكون أنت أفضل المئات … من الناس … ومن يطلع على مشاكل الناس تهون عليه مشكلته .
خالد وقد تبدد ضيقه : لا … دكتورة … أنا أعتذر … لك .
الدكتورة : أعلم يا خالد بأنك كفوء في عملك وتمتلك المقدرة على وضع منهاج تسير على وفقه ، ولاحظ كيف تخطط ليومك لعملك في الصباح وعملك في المساء ، أذن أنت أنسان ناجح ورائع وبار بوالدتك وعائلتك وهم أكيد ومؤكد يفتخرون بك ، وأنت في مرحلة تستطيع فيها أن تواصل مسيرتك العلمية وأنت بمستواك هذا قادر على الإجتياز،وإذا كان أسم أبن سوق يزعجك فلابد من الدراسة .
خالد مبتسماً : كيف يا دكتورة لقد تقدم بي العمر وضعفت الذاكرة …. ثم ليس لي وقت للمدرسة .
الدكتورة ضاحكة : ماذا ماذا تقدم بك العمر .. وكم عمرك يا رجل يا عجوز ؟؟!!
خالد مبتسماً : سبعة وعشرون سنة .
جابهت المجموعة … أيار … معاتبة بشدة … وبمبالغة عنيفة … حول إخفاء موضوع مناقشة مروة … مستغلة الموضوع لأثارة ضجة ، ولماذا أيضاً في مثل هذا اليوم الذي يجب أن نتوادع فيه بكل هدوء ونقاء … تأتينا سبأ … بالصور التي في داخل هذه الكاميرا اللعينة ؟، ولماذا تستمر في أدوارها التمثيلية التي تغيضنا .. ها قولي لنا لماذا .. لقد طفح الكيل ، لم نكن نتوقع منك التجاهل والإهمال وضرب كل وجوهنا عرض الحائط ، والسير وراءها كالأعشى الذي يتخبط خبط عشواء دون أن يهتدي الى الطريق الصحيح لقد تعبنا من هذا الإزعاج المتكرر ، لقد تعبنا من هذا التمثيل المفضوح فإذا كنت أنت قد أخفيتي الأمر وتكتمي عليه فلماذا تزعجنا في مثل هذا اليوم الختامي ؟؟ فقد كانت الصدمة قوية على أسماع أيار التي وثقت بسبأ وطلبت منها الإحتفاظ بالأمر ليس خوفاً وإنما تجنب لمثل ردود الأفعال هذه ، أما سبأ فقد كان الوقع عليها أشد وأبلغ لأنها تبدو بنظر أيار بذات الوصف للمجموعة تؤدي دوراً تمثيلياً محبوكاً وإلا لماذا في مثل هذا اليوم،تترك الكاميرا بأيادي الطالبات،وهي تعرف تماماً بأن صور المناقشة موجودة،فللوهلة الأولى إلتزمت أيارالصمت وهي مصعوقة لا تعرف ماذا تقول وكأنها في كابوس أمام هيفاء فراحت تتهيأ للدفاع عن سبأ.
سبأ متأثرة ومتوترة وبغضب : أحترمي نفسك يا هبة ولا تزيدي الطين بله ، وأرجوك أيار أسمعيني أولاً .
لينا : طفح الكيل يا … سبأ … وأنكشفت مآربك …والحقيقة أن أيار مخدرة بتخدير ساحرة مشعوذة .
هبة : أنا .. أعذرك … فأكيد … عذرك الذي تنوين قوله أقبح من فعلك .
سبأ بتوتر : أخرسن جميعاً … يا منافقات … فأيار ستسمعني ولكن ليس أمامكن … أوليس كذلك يا أيار ؟
هند : ماذا … ستقول … أتركي الفتاة وشأنها ستسببين لها الجلطة .
لينا متظاهرة بالتأثر : لقد خاب ظني فيك يا أيار … كم كنت أتنمى أن أرى المناقشة … وكلما سألتك تقولين لي لم يحن الوقت … يعني كذبتِ علي … فكيف يمكن أن أثق بك … طوال كل هذه المدة وأنت تخدريني بجرعة الكذب وقد مرّ على المناقشة شهران بحسب التاريخ الموثق أسفل الصورة في الكاميرا .
هيفاء غاضبة بشكل يثير الضحك وهي تتأهب للرد : والله التي تقترب من سبأ … سأمزقها بأظفاري .
هبة بسخرية : أيتها الفلاحة لسنا في الريف … لنتعارك … أنأي بنفسك أفضل لك .
سبأ : أخرسن يا رفيقات السوء والنميمة … والفتنة … الفلاحة تشرفكن .
أيار وهي ترتجف بتوتر : سبأ .. الكتاب يُقرأ من عنوانه كما يقول المثل … ماذا .. قلت لك حينها … ولماذا … تستمرين في قتل البسمة على شفاهي ؟ ولماذا تعاقبيني على حبي الصادق لك ؟ ، ولماذا هذا الدور الدرامي المباغت ؟ وأنا الغبية … صدقّت أنك المنشغلة عليّ وتنتظريني ، أراك تنتظريني لرؤية هذا المشهد الكئيب ؟؟
سبأ متشبثة بها : أيار … أرجوك لا تصدقي كلامهن الماكر وأنت تعرفيني جيداً … أرجوك … لا تتزعزع ثقتك بي .
هبة غاضبة : أجيبيها لماذا التهرب قولي بأنك تقصدين رؤيتنا للصور لماذا الخوف ؟
سبأ وقد إزداد توترها وأحمرت عيناها : ومن أنت ومن تكونين لأخاف منك ؟ نعم أيار دعتني للمناقشة ، ولم تدعك وأنت رأيتي الصور بأم عينيك الماكرتين ، وشاهدتي البسمة والإنسجام وأنا اليوم أريكن ما تمنيتن رؤيته على الواقع ، وأيار طلبت مني إخفاء الأمر لكني أردت لكنّ الإغاضة والسخرية لأنكنّ أهل لذلك .
فلم تصدق أيار ما سمعت … وسحبت جسدها بهدوء وقد أحمرّت عيناها وهي تقول لها … مع بالغ الأسف … أن الذي كان بيننا لم يكن حباً … نزوة عابرة وتصفية حسابات … أعتذر لنفسي … على هذه التجربة الخاسرة … وهذا فراق بيني وبينك … وسلام على الدنيا يا سبأ … وراحت مسرعة والدموع تنحدر من عينيها ولم تنبس بكلمة … والمجموعة تسرع خلفها بسعادة بالغة على نجاح خطتها الأخيرة الممتلئة بالمفاجآت ، وحالما وصلت باب المدرسة … رمقت سيارة قتيبة فأسرعت الخطى وركبت السيارة وهي تمسح عينيها بيديها … أسرع أرجوك .
قتيبة بقلق : ماذا … حدث … هل أنت على ما يرام .
أيار : نعم أكيد … بخير … لكني لم أفلح في الإجابه .
قتيبة : كم سؤال تركتي .
أيار : أجبت عن كل الأسئلة ولكني لا أعتقد بأن أجابتي سديدة بحسب أراء الطالبات .
قتيبة مبتسماً : أفزعتني أنها مجرد وجهات نظر وأنت خير من يقرر فيما إذا كانت أجابتك صحيحة أم لا بمجرد أخذك قسطاً من الراحة،وإسترجاع المعلومات بالإستعانة بالكتاب ستتعرفين أجبتك،أما الرجم بالغيب يبقى مجرد تكهنات غير واقعية،لا تؤخذ بنظر الإعتبار وراح قتيبة يتكلم ،وأيار تنظر وعلى عينيها غشاوة وعلى أذنيها وقر وراح شريط ذاكرتها يسترجع المعلومات،وكأنها راجعة من معركة ضارية خاسرة.
كان حال سبأ أشدُّ وطأة على نفسها ولا تعرف كيف باغتتها الظروف وكيف أنقلبت العاطفة الرقيقة الى عاصفة رهيبة ورياح عاتية ، وكأنها فصلت روحها عن جسدها ، ورفعت رايات النصر لرفيقات السوء بعد مئات المحاولات التي باءت بالفشل ، لكن هذه المرة صعبة لاسيما عندما فقدت أعصابها وأعترفت زوراً على نفسها بأنها متقصدة لهذا العمل وهي التي قد نسيت وجود صور المناقشة في الكاميرا ، ولم تعتقد بأن الأمور ستؤول الى ما آلت إليه اليوم ، ولم تجد سوى الوسادة تحكي لها وقد أبتلت من دموعها ، نامت كل العيون وشخير أخواتها يملأ الغرفة ، وقلبها يعتصر ألماً لما جرى ، وهي تراجع أحداث اليوم وبالدقة المتناهية وكأنها تحرك الفلم وتعلق على كل لقطة أرادت الوقوف عندها ، وراحت تكلم نفسها حيناً ، وحيناً أخر تكلم أيار ، أيار أقسم لك بأني بريئة … والله اني بريئة وليتك تدركين ذلك … وليتك تدركين بأن رفيقات السوء ، وجدن الكاميرا في يد البلهاء وعندما وقعت عين أحداهن على الصورة أستخدمن الأمر لضربي ونجحن في ذلك ، وأنا بغباء ، فقدت أعصابي وأعترفت زوراً بأني خططت للأمر كم أنا غبية … نعم سأتصل بها غداً .. وأوضح لها الأمر من الألف الى الياء … نعم أنها مجروحة الآن وتعتقد بأني خططت للأمر .. وأني مخادعة كما قالت نزوة عابرة ، أي كالفقاعة الجوفاء خالية المحتوى ، هذه أنا بوصفها ، لكني سأتصل بك يا أيار وسأشرح لك الأمر ، لكن السبب سببي لماذا لم أمسح الصور عندما حولتها الى الحاسوب ؟، كان عليّ التأكد من خلو الكاميرا من الصور قبل أن آخذها معي الى المدرسة ، لم أتصرف بحكمة من البداية ، ولو كنت تصرفت بحكمة لما وقعت بمثل هذه المشكلة التي أقضت مضجعي وأعتقد مضجع صديقتي الحبيبة كذلك .

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *