تابعنا على فيسبوك وتويتر

إيجاز قراءة ( ٩ )

البعد التأريخي وإشكالية التجنيس الأدبي في رواية ( دمه) للأستاذ محمد الأحمد.

(الإجراء الوحيد الذي يمكننا اتخاذه بشأن الشائن من التأريخ المكتوب ، هو إعادة كتابته)

بهذا العبارة وهي جزء من عدة افتتاحات للكتاب يحدد المؤلف مهمة  

كتابه ” دمهُ” أو روايته ( حسب تصنيفه لها) بأنها إعادة كتابة للتأريخ بقصدية فضح الشائن منه وتسليط الضوء عليه، وهذه المهمة لا تتعارض مع مهام الفن الروائي إن اندرجت ضمن النسيج العام والبناء الفني للرواية، لكن عندما تقتصر ” الرواية ” على محدودية الحدث التأريخي فقط من دون الإستثمار الفني للتفاعلات الدرامية والسردية ومن دون تثوير الإشارات والأشكالالفنية بالخيال الفني الذي يصعد بالحدث التأريخي إلى مستوى العمل الأدبي ويجرده من واقعيته ووثائقيته غير المنسجمة مع الفن عموماً والخيال تخصيصاً، وهذا ما يمكن القول به بتحفظ وحذر إذ لايمكن نفي جنس الرواية بشكل مطلق عن هذا العمل الأدبي المتميز بلغته وتجلياته الفنية فالكتاب وإن اقتصر فعلاً على حدث وحيد ومحدود هو عملية قتل الجعد بن الدرهم على يد واليالعراق الأموي خالد بن عبدالله القسري لكنه ضم أحداثاً جانبية وثانوية عديدة وهو ما دفع المؤلف والناشر معاً لوصفه بالرواية ،  وعلى الرغم مما ذكرت فإن كل ما ورد في الكتاب من نثر فني وتشعيع للغة ومجريات إنما كان منطلقاً من هذه الحادثة( قتل الجعد في عيد الأضحى)  ولا يذهب بعيداً عنها بل أن كل الشخصيات الأخرى لا تظهر إلا باهتة وبإدوار محدودة الأثر ،مضافاً إلى ذلك الغياب الواضح للمقومات الإساسية للرواية بمثالها الكلاسيكي المتعارف عليه في النقد العالمي وهذا هو المثير الأساس لإشكالية التجنيس التي وفقاً لذائقة هذه القراءة لا ترى في هذا العمل الأدبي روايةً بل تراه كتاباً متميزاً في استنطاق التأريخ وإدانة الشائن منه وتراه أيضاً كتاباً غنياً بالسرد الفني عالي اللغة مما يجعل القاريء منشداً له على مدى صفحاته ال (١٢١) والمقسم الى ثمانية فصول وان لم يسمها المؤلف فصولاً، أربعة فصول منها تختص بشخصية الجلاد والوالي الدموي خالد بن عبدالله القسري، وأربعة أخرى تخص الضحية الجعد بن درهم ، وبمساحة متوازنة نسبياً بينهما.

ويمتاز الكتاب بتركيزه على الوصف من جهة وعلى الشكل الفني ولا يستثمر الحادثة لمقاربة الحاضر وقراءته مع أن الماضي الذي تناوله الكتاب/ الرواية له نُسخهُ وتكراراتُه في الحاضر المعاصر للكتابته، مما جعل أثره كما حدده وقيده المفتتح خاصاً بإعادة كتابة التأريخ . 

وقد حاول المؤلف إضفاء الصبغة الاكاديمية على كتابه، فاعتمد التوثيق وبيان التوقيتات الدقيقة والهوامش والإحالة على مخطوطات قديمة من ورق البردي ، لكن ثمة ملاحظات لو استطاع المؤلف تفاديها لكان عمله هذا عملأ أكاديمياً بشكل أدبي وهي ؛

أولاً : إن عناوين الفصول لم تكن متناسقة خاصة بالأربعة الخاصة بالجعد بن الدرهم ، إذ كان عنوان الأول منها( مصنف / ب/ م٢ : نوع الورق : بردي/ العربية / المؤلف محذوف)

بينما الثاني مجرد( مصنف  ب / ٤ ….) بدون ذكر للحرف م والذي يعني ربما الملزمة ، وفي الثالث فقط هكذا ( مصنف /د/٦ المؤلف محذوف)

ولم يذكر اللغة مع ان مثل هكذا تباين يقتضي التوضيح  وفقا لمنهج البحث العلمي المعتمد أكاديمياً كما يقتضي تغير ضمير الراوي وهذا مالم يحدث.

أما في الرايع من الفصول الخاصة بالجعد فقد جاء العنوان مختلفاً أيضاً بوصف المصنف بانه معرب من الإشارة الى اللغة المعرب عنها ولا من قام بتعريبه وهو خلل منهجي كما هو واضح .

ثانياً : إن المؤلف حين تحدث بلغة الماضي وزمانية الحدث استخدم تعابير معاصرة لم تكن موجودة في حينها مثل تسميته واسط بالكوت، وقوله اللغات الأوربية، وكذلك تسمية بلا الإغريق باليونان ، وكذلك الساموراي،  والنوطة الموسيقية وغيرها وهي جميعا مفردات معاصرة لا يصح استخدامها في حدث مضى وله أسماؤه ومصطلحاته.

ثالثاً : من المستغرب جداً أن تستخدم الهوامش في هذا الكتاب بطريقة مرتبكة وخاطئة ويتحمل الناشر قبل المؤلف هذا الخلل الفني والمنهجي الواضح وكمثال فقد استخدم هامشين ٤ و ٥ للحديث عن مدينة ميسابور والصحيح هو الاكتفاء بهامش واحد،  

والهامش رقم ٩ كان عن المنسخ لكن الرقم وضع على كلمة غرفة والصحيح وضعه على كلمة المنسخ!

والهامش ٢٢ كان عن السميط الذي أسسه والد الوالي لكن الهامش يتحدث عن الوالي نفسه ولم يبين للقاريء لماذا سمى شرطته بالسميط!

وثمة ارتباكات في هوامش أخرى غير هذه.

رابعاً : ورد في الكتاب أن شقيق الجعد هو من ابتكر الخط الكوفي وهذا غير صحيح تأريخياً فالخط الكوفي كان موجوداً قبل هذا التاريخ ، كما أن حادثة أمر الخليفة عمر بن الخطاب بإحراق مكتبة الإسكندرية يحتاج الى تدقيق وبيان للمصدر .

رابعاً : في المقطع ٧ ص ٣٩ عبارات مدح للوالي لا علاقة لها بسياق السرد السابق لها ولا تنتمي لهذا الفصل بالجعد بن الدرهم ؛ فكيف يمدح الجعد من هو هارب منه وسيقتله فيما بعد ! وباختصار هذا المقطع زائد تماماً ولا علاقة له بالسياق العام .

وبعيداً عما سُجلَ من ملاحظات ومن اعتراض على التجنيس كرواية فإن الكتاب يعد عملاً فنياً جميلاً في مجال السرد التأريخي المفعم بالنثر الفني المتميز وكان متنه ومضمونه متناسقاً ومنسجماً تماماً مع عنوانه ( دمهُ) ومع تصميم الغلاف الذي ظغى عليه اللونان الأسود والأحمر أو الظلام والدم .

 

ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

2 تعليقان لـ “جابر خليفة جابر : إيجاز قراءة ( ٩ )
البعد التأريخي وإشكالية التجنيس الأدبي في رواية ( دمه) للأستاذ محمد الأحمد”

  1. صالح الرزوق يقول :

    هذه لفتة جميلة من روائي معروف للمرور على تجربة روائي معروف ايضا.
    اللغة المكثفة في الرواية تحوز في بعض النماذج على نصيب الاسد و تلغي التمايز و التخالف بين الشخصيات او تطغى على الحبكة.
    و اعتقد ان الكتابة النصية مغامرة جديدة لها مريدوها و لها معارضون.
    الرواية مغامرة و ذوق و استعداد لاعادة تركيب العالم بالمحاكاة او بالتحليل و التفكيك او ربما بتحويله لكيان لغوي و كوابيس و اصداء.
    و مهما كان النقد سابيا فإنه يفيد بتسليط الضوء على العمل.

  2. جابر خليفة جابر يقول :

    تحية لك ولمداخلتك أستاذ صالح وكما ذكرت فالكتابة النصية لها مطباتها وميزاتها ويبقى التجنيس الأدبي وفقاً للقواعد الأساسية أو الكلاسيكية مهماً مع تقبل هامش للتجديد من دون المساس بجوهر الجنس الأدبي ،وفي السرد وأجناسه وخاصة الرواية والقصة لا ينبغي أن تطغى اللغة والنثر الفني على الحكاية فيها كما حدث هنا في ( دمه) إذ تراجعت الحكاية أمام اللغة وأمام الحدث التاريخي/ أكرر تحياتي أستاذ وأرجو لك كل خير

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"