تابعنا على فيسبوك وتويتر

حافظ محفوظ. : على أرض ممكنة

قصيدة – على أرض ممكنة

للشاعر التونسي حافظ محفوظ.

وأنا أرفعُ مفتاحَ الغيبِ أمامَ المارّينَ إلى الدّعواتِ،

سمعتُ عُواءَ الذّئبِ يُبرّئنَا منْ قتْلِ أخِينَا،

ورأيتُ دُموعَ أبي.

الشمسُ يسارَ الزّيتونِ، وراءَ النّهر،

سماءٌ صفراءُ تُعدّ الكرسيّ لسيّدِها،

بحرٌ أسطوريّ يتهيّأ للطيران،

سكاكينُ من الفضّة تهطل فوق سطوح ذاهلةٍ

والعابرةُ العجلى…

ماذا ينقصُ مشهدنا لنقيم المأدبة؟

كلّهنّ هنا حاضراتٌ

بناتُ هرقلَ الثلاثُ،

يغطّين أردافهنّ بسعفِ النّخيلِ

حفيدةُ أورفي،

خليلةُ كسرى الأخيرةُ تنشرُ كُسْكُسَها والطّيورَ على السّقف،

بنتٌ من النّيل كانت عشيقة يوسفَ

والرّاقصاتُ، وعازفةٌ من دمشقَ وأخرى من النّوبياتِ

وسيّدةٌ يتمشّى على ظلّها قمرٌ ضاحكٌ

وأنا أيّتها العابرة العَجلَى..

لم أفتح أغلالي بعدُ ولم أرفع قاماتي

لم أصرخْ في وجه الرّيح ” خُذيني يا أختي”

لم أحضنْ أفق الكون بأجنحتي

ما زلتُ أسمّي هذى الأرضَ بلادي

وهي تديرُ طواحين الخوف أمامي

وتجفّفُ ليموني

ما زلت أمدّ الدّلو إلى البئر صباحا

وأحيّي ساكنها اللاّمرئيَّ ببسملةٍ

ما زلت أداعبُ أغصانَ التينة في خجلٍ

وأقبّلُ ثدييْها

ما زلتُ أحدّق في هذا الطّائرِ، هذا المشدودِ إلى عنقي

ينقرُ أوردتي ويعرّيني

ما زلتُ مُريبًا في عشقي

وأكادُ أقولُ خُذوني

ماذا ينقص مشهدنا لنقيم المأدبة؟

نموتُ لأسبابٍ لا تقنعُ عصفورًا

ونعيشُ لأسبابٍ لا تقنعُ عصفورًا

ونُباهِي بخواء حَواصِلنَا

بغبارِ النسيانِ يلفُّ الوادِي

بالوادي إذْ يَنسَى ضفّته اليُسْرى

تلك المزروعةَ قمحًا وأفراسًا

تلك الممدودةَ شرقًا في هيأةِ فزّاعةِ طيرٍ

تلك العاشقةَ المُثلَى

وأنا ألبسُ سُترةَ حُوذيٍّ رومانيّ

وأطوفُ بحاناتِ الأرضِ وحيدًا

وأنا ألبسُ بُرنسَ جدّي

لأصالحَ بين الأمسِ وبينِي

وأخبّئُ في صُندوقِ السرِّ ظنونِي.

والعابرةُ العَجلَى…

فتحتْ منْ أجلِ الشهداءِ مَسارحَها وأضاءتْهَا

يخرج شارلي شبلين يجوب قرى دامعة التاريخ

ويخرج نابوليون أراجوزا مصريّا أحدب،

يخرجُ حنّبعلْ إماما في مسجد “مولاي جلالِ الدّين”

( نارجيلا من أجل الشيخ وهات الشّايَ ).

مرافئ هذا البلد المسرحُ

سفنٌ من غرب

سفنٌ من قطر

سفنٌ من شرق الصّين ومن أنطاكيا

سفنٌ للشحّاذين وللغرقى في وادي الفردوس

وفي شارع بورقيبة:

(- ما حال الثورة؟

– في أحسن حال.

– وكيف وجدتم ثوب الحريّة؟

– أضيق بعض الشيء وأوسع بعض الشيء. ولكنْ…

– أين الشاي، ونارجيلا الشيخ؟

وهات لنا كوكاكولا للبركه….)

ماذا ينقص مشهدنا لنقيم المأدبة؟

أختارُ فجرا غائما لأسلّم الغزلان للصّحراء.

أينكِ يا معذّبتي؟

وأينَ الحبُّ؟

أين تردّدُ الكلماتِ في شفتي؟

وأينَ براءتي؟

أين الجنانُ وأين صوتُ ملاكها

أين انحناءُ سمائها لي حينَ أعبر، أين أسمائي؟

وأينَ شُجيْرةُ التفّاحِ أين غصونها ؟

لا بدّ من فجرٍ غائمٍ،

فجرٍ بلا عينينِ كي نرقَى إليها مرّة أخرَى

ونقطفَ ثمرهَا.

أيّتها العابرة العجلى…

ثمّة موسيقى تبحث عن عازفها

ثمّة أرض ممكنة للعيش،

بأقمارٍ تسكن معنا في البيت وشمس تحرسنا

بطيورٍ تخرج من كلمات الحبّ ترفرفُ

و سماءٍ تحضننا

ثمّة بحرٌ أسطوريّ يتهيّأ للطيران

وثمّة ظلّ أزرق يتبعني.

( – أخفضْ صوتَ الراديُو يا ابني واجلبْ حجرين

لنرجيلا الشيْخ

وأكوابا فارغة سأصبّ لروّاد المقهى أحزاني…

– هل صرتم أكثر فرحا بعد الثورة؟

– صرنا أكثر خوفا من ماضينا…)

ماذا ينقص مشهدنا لنقيم المأدبة؟

لا أملك أكثر من عينيّ القوقعتين وعنواني قوس قزحْ

والحلزون الضّالُ أخي

والحلزون العاري أخي

ولنا أمٌّ قرب التنّور تعدّ طعام اليوم بحسرتها

وتملّحه بدموع من حجرٍ

وأبي يسكن في لغة الله، محنيّ القامة،

يسعل حين ينام ويسعل حين يفيق

وينادي القطّة “يا خادمة الجان”

وأنت تمرّين…

أمامك عطرُكِ، خلفكِ عطرُكِ

وأنا أتمايلُ في قوقعتي

فيما ظلُّكِ يتعجّلُ

أيّتها العابرةُ العجلى

اللّيل القادمُ من ليل اللّيل يباهي الكونَ بنجمته الحرّهْ

( _ ملعونٌ هذا النّادلُ يتجاهلني

أين الشّايْ يا ابن المخلوعِ؟

وأينَ الثورةْ؟


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"