الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » د. إخلاص باقر هاشم النجار: رسائل بأنامل الـقدر (الجزء الثاني والثلاثون)

د. إخلاص باقر هاشم النجار: رسائل بأنامل الـقدر (الجزء الثاني والثلاثون)

الجزء الثاني والثلاثون
اليوم تحصد مروة ثمار السنين والجد والمثابرة اليوم موعد مناقشة رسالة الماجستير في الأدب الإنكليزي ، اليوم تأتي الأيام أُكلها وقد أجتمعت عائلتها وأقرباؤها وأصدقاؤها في قاعة المناقشة قبل الساعة التاسعة وفي مقدمتهم الدكتورة سُـــبل ، كذلك لبت الدعوة سبأ وحضرت وكانت سعيدة جداً ، وقد أتفقت معها أيار كتم الخبر عن الطالبات لاسيما المجموعة وعدم الإعلان عن حضورها للمناقشة البته فأكدت لها إلتزامها بالإتفاق وهي محط ثقة أيار اليوم ، وما هي إلاّ خطرات حتى دخلت لجنة المناقشة وأرتقت المنصة المهيأة لهم وكانت الطالبة متأهبة وبثقة عالية بنفسها وبرسالتها والإبتسامة مرسومة على محياها كالشمس المشرقة في كانون الثاني ، وهي متألقة بروب تخرجها ذي الشريط الأصفر ، فبدأت بعرض ملخص رسالتها إرتجالاً وكل الأعناق أشرأبت لها وكل القلوب خفقت لجمال صوتها وعيون والديها أمتلأت بدموع الفرح قبل البدء ، المهم سارت المناقشة بكل سهولة ويسر وحجة أقناع قل نظيرها بين الطلبة ، ومنذر وقتيبة يتنقلون بين الكراسي يُضيفون الحضور بتقديم الماء والشاي ، ويشرفون على إدارة القاعة من كل الجوانب والإحتياجات ويساعدون المصور في نقل كاميرته ان تطلب الأمر ذلك ، كان الجو رائعاً وبهيجاً والمناقشة تجري بإنسيابية خالية تماماً من أي شد وجذب كما هو معهود وكل مدرسيها يعرفون طالبتهم ومستواها العلمي وهي الحاصلة على درجة الإمتياز في البكالوريوس والحاصلة على جائزة الطالب الأول على العراق ، وهكذا حتى انتهى الوقت المخصص للمناقشة فخرجت اللجنة من القاعة لمدة نصف ساعة بعدها سيتم الإعلان عن الدرجة التي تستحقها على رسالتها وعلى مقدرتها في الدفاع عن أفكارها وقوة حججها وبراهينها بحسب تقييم اللجنة .

وحالما خرجت اللجنة نهضت مروة من مكانها وقد تشنجت أقدامها من الجلوس فأسرعت إليها سبل وقالت كم أنت رائعة في عرضك للرسالة وكم أنت رائعة في الدفاع والرد الجريء ، ثم همست في أذنها مبتسمة وكم هو رائع ذلك الفتى وهو يؤدي دور النادل في مناقشتك فقط لإرضائك .
مروة مبتسمة : لم تعلق … خشية ان يسمعها أحد … وقد أجتمع حولها زملاؤها الذين سيناقشون بعدها الأيام المقبلة معربين عن أعجابهم … وهم العارفون بتميزها … ولكن المناقشة كانت مناقشة بمعنى الكلمة تتطلب الجرأة الكافية للجلوس في هذا المكان لتجابه أربعة مناقشين يطلقون الأسئلة بقصد الإختبار والتقويم والتقييم .
أيار وسبأ : أنت رائعة يا أستاذة ولنا الشرف في أخذ صورة تذكارية معك في كاميرا سبأ ، كذلك أشارت للمصور أن يلتقط الصور التذكارية ، وأغتنام هذه الدقائق للصور قبل ان تأتي اللجنة فأعتلت المنصة وراحت تشير لعائلتها بالإرتقاء مجموعة بعد أخرى مبتدأة بوالديها طبعاً ثم أخوتها وأولادهم وسبل وكل من يلتقط ينزل ليأتي غيره ، ولكن سبل بقيت واقفة ، ثم أشارت الى منذر لأنه لم يقحم نفسه في الصورة مع عائلتها ، وعندما رأى أشارتها طار فرحاً حتى أن الأرض لم تكد تسعه وأسرع خطاه إليها فوقف عن يمينها وسُــبل عن يسارها ، ولم تترك أحداً في القاعة إلا وقدرت مجيأه للمناقشة وأستدعته لإلتقاط الصور التذكارية ، ثم أوعزت بتوزيع العصائر والكيك الى الجميع وحثتهم بأن لا ينسوا أحد أبداً ، فكان جواً بهيجاً لا يكمله إلا الإعلان وما هي إلا دقائق حتى عادت اللجنة والبشر يطفح على محيا المشرف ، فإرتقوا المنصة واقفين وبداهة كل الحضور واقفين أيضاً وأعناقهم مشرأبة وأسماعهم متهيئة ومتأهبة لسماع الدرجة وكلهم أمل بأن لا يبخسوا الطالبة حقها .
وعلى الرغم من تميز مروة العلمي وثقتها العالية برسالتها إلا أن المناقشة تبقى إمتحاناً وله رهبة كبيرة ولاسيما عندما تُعلن النتيجة بحسب تقدير اللجنة ، المهم … أعلن رئيس لجنة المناقشة القرار الذي كانت تنتظره الطالبة بصبر ليؤهلها للعمل كإستاذة في الجامعة ، وبعد أن قرأ المقدمة التي تسبق الإعلان .. أبتسم وقال قررت اللجنة منح الطالبة مروة عبد الرحمن محمد الأوجي درجة الإمتياز …. وحالما سمع الجميع الدرجة صفقوا تصفيقاً حاراً غير منقطع متناسين بأن الرئيس لا زال مستمر في إذاعة الإعلان فتداخل صوته مع التصفيق ، حتى أن مروة لشدة فرحها نست إن الدرجة لها فراحت أياديها بالتصفيق لنفسها دون أن تنتبه ، ومع التصفيق أغرورقت عيون الأحبة بالدموع الصادقة ، ولاسيما والداها اللذان راحا يمسحان الدموع وهي تنهمر وكذلك ســبل التي تريد روحها ان تبلغها بأنها هي الوحيدة السعيدة بهذا النجاح حتى قبل والديها ، والكل يلمح أهتمامها ، وإستمرارها بالوقوف لا تستطيع ان تجلس لمدة خمس دقائق طوال المناقشة ، وبعد فاصل التصفيق البهيج الرائع العفوي أشار المشرف إليها بإعتلاء المنصة لإلتقاط الصور التذكارية مع لجنة المناقشة لتوثيق الحدث كما هو جاري في المناقشات الجامعية ، وبعد التبريكات والأمنيات القلبية الصادقة غادرت اللجنة قاعة المناقشة الى حيث المطعم لأنه كما هو معتاد في جامعة البصرة ، بعد المناقشة وتكريماً للأعضاء تتم دعوتهم لتناول وجبة الغداء وقد رافقهم أخوتها سراج الدين ونائل ، وبدأ الحضور بالخروج من القاعة ولم يبقَ إلا خاصتها ، ومنذر يعمل بجد ومثابرة كما يعمل قتيبة ومُعاذ بجمع الرسائل الجامعية ، وكل الأدوات التابعة لهم التي أستخدموها في هذا الحفل والمصور مستمر في توثيق كل لحظة تمر ، وراحت أيار تُعرف عائلتها على صديقتها ، ولاسيما مروة التي تعرفها بالحديث فقط .
أيار : كم أتمنى ان تتوثق علاقتنا … على مر السنين … كأن تمر عشر سنوات مثلاً .
سبأ : ان شاء الله … سنبقى معاً … ولا يُفرقنا إلا الردى .
أيار مبتسمة : معقول سنبقى عشر سنوات … دون ان نتخاصم .
سبأ مبتسمة : العراك الفكري … رياضة روحية … تحرك المشاعر من السبات وتجعلها دائماً نشطة متقدة ، وتخرجها من رتابة الروتين .
أيار ممازحة : ما رأيك لو نتخاصم الآن ؟
سبأ ضاحكة : لا … المكان لا يسع … نحتاج الى ميدان أخر ثم ليس لدينا ما نتعارك عليه دعينا نفكر في موضوع ونتناقش فيه ونتجادل ،ثم نجد العراك ينهال تلقائيا .
مُعاذ : سررت بمعرفتك سبأ فرصة سعيد .
مروة : أشكرك .. يا سبأ … على تلبية الدعوة … أسعدني حضورك … وتشرفت بمعرفتك ثم توجهت الى السيارة وطلبت منهما ان يتوجها … حتى يوصلوا سبأ بطريقهم الى بيتها .
سبأ خجلة وبهدوء : العفو أستاذة … لي الشرف .
أيار ممازحة هامسة : منَ يسمعك … يصدق أنك خجولة …وأنت عكس ذلك .
سبأ ممازحة : أيار … أخفظي صوتك .. وإلا أسمعتك ما لا يُرضيك بحجة المزاح .
كان عبد الرحمن جالساً مع عائلة ولده سراج الدين بطلب عائلي في حديقتهم الكبيرة والبشر يطفح على وجوههم وهم يتبادلون الأخبار والأحاديث اللطيفة الشيقة وهكذا الى أن رن الهاتف الخلوي في جيب جدهم ، الذي حمل الخبر السئ الذي بَددَّ الفرحةِ التي كانت مرسومة على وجوههم وأبدلها وجوماً وأسى ، وكل لحظة أميمة تشير الى سراج الدين بالإسراع بأخبار والده عبد الرحمن حول موضوع تسنيم .
الجد بعد التحية : ماتت .. الى رحمة الله .. أنا لله وإنا إليه راجعون ، ولاحول ولا قوة الاّ بالله العلي القدير .. متى حدث ذلك ، فأنهى الإتصال وهو حزين وقد تشبث به أفراد العائله وكلهم سائلين عن هذا الخبر السيء وهم واقفون وكلهم قد سألوه السؤال نفسه : مَن الذي مات ؟
الجد : أنها الحاجة أم علي ومنذر.. وجدوها ميتة في فراشها الآن ، وهذه أسيل أتصلت بنا لتُخبرنا عن موتها .. وسيوارى جثمانها الثرى غداً صباحاً إن شاء الله .
قتيبة : غداً ان شاء الله سنشارك في تشييع الجنازة حتى نقلها الى المدفن هناك .
أميمة: رحمها الله كانت أمرأة طيبة ومن أهل الله لابد ان نواسي ذويها على مصيبتهم.
مُعاذ : وهل سأذهب معك لتشييع الجنازة والموقف المأساوي هذا .
سراج الدين : بالطبع وبدون شك كلنا سنذهب للمآتم ، فنحن أهل .
فلقد فضّلت أيار الصمت على الكلام لأنها لم تجد الكلام المناسب لتقوله في هذا الموقف فراحت تكمل شرب كوب الشاي الذي كان في يدها وهي مسألة طبيعية لا تذهب الى المأتم الذي سيُقام لقريبتهم .. لأن هذا وأن يكن مواساة لذوي الفقيد ، لكنهُ بالنسبة لها تعكير مزاج وتجديد حزن قررت بل عزمت على تركه في أعماق اليُم ، وبعد ان انتهت من إحتساء الشاي .. وضعتهُ على الطاولة .. ونهضت قائلة : تصبحون على خير ثم ذهبت الى غرفتها عازمة التغيير والتجديد والتطور ، أما باقي العائلة فشاركهم مآتمهم طوال المدة المقررة للمآتم … الرجال والنساء … ولكن مروة قررت بالإتفاق مع والدها أن تقدم العزاء لمنذر بعد انتهاء المآتم في الشركة حيث موقع عمله وهي بالأصل قاصدة الإطلاع على أخر تفاصيل العيادة بحسب زعمها أمامه ، وبالفعل ذهبت وقدمت التعزية .
منذر مكتئباً وقد طالت لحيته مشيحاً ببصره عنها : أشكرك .. أستاذة .
مروة مستغربة مواسية : منذر هذه هي حياتنا … شجرة تنمو وأخرى تموت … وأن الموت ديمقراطي ويوزع رسائله بعداله بيننا جميعاً ، وكلنا قد جفت صحائفنا بآجالنا .
منذر متنهدا : الحمدُ لله رب العالمين … لقد أفنت حياتها من أجلنا .
مروة : هذا ديدن كل الأباء وأنت عندما ستكون أباً ستفني حياتك من أجل أبنائك وما دامت والدتك رائعة في نظرك فأكيد ستمشي على نهجها وستكون رائعاً بنظر أبنائك ولكن الآن أخبرني فوالدي أبلغني بأنك إستطعت بعلاقاتك الناجحة ان تجهز كل مستلزمات سُــبل وبالتقسيط المريح … وأنجزت العيادة بالكامل وهذا رائع .
منذر وقد إرتسمت على شفتيه إبتسامة صغيرة : نعم … صحيح وقد أفدت مادياً أيضاً فالتاجر الذي زودني بهذه الأجهزة ، منحني أيضاً هامش ربح لأني أصرّف البضاعة وان كانت بالتقسيط ولكن بضمانتي .
بينما الخادمة زكية جالسة في الحديقة بالقرب من الحارس شامخ على الأرض حيث الحشيش الأخضر وكأنه بساط حقيقي .
زكية : مسكينة الحاجة أم منذر وجدوها ميتة في فراشها يالها من فاجعة مؤلمة.
شامخ : نحن المساكين عاشت زمنها وزمن أولادها ورأت أحفادها رحمها الله .
زكية : أولست متأثراً بخبر الوفاة .
شامخ : كلا .. إن الموت سُنة الحياة .. (وكلُ نفس ذائقة الموت ) لا يبقى أحداً على وجه الأرض كُلنا سنموت ، وعليه لابد ان نفكر في حياتنا القادمة دعينا من هذا الكلام الحزين ، أريد ان أطرح عليكِ فكرة جاءت في بالي إلاّ وهي الحل لمشكلتنا التي لا زالت عالقة مذُ سنة.
زكية بلهفة وقد تبدد حزنها : فكرة تحل مشكلتنا ما هي باللهِ عليك أخبرني ما هي بالله عليك ؟
شامخ متنهداً : أسمعي .. ما هو رأيكِ بأن نعيش في غرفتي هذه التي أسكن فيها خلف المنزل .
زكية ضاحكة بشدة : أوه .. هل أنت جاد ؟ أنها غرفة صغيرة لا .. هذا غير ممكن .
شامخ قلب شفتيه : أذن لا يوجد حل غير الغرفة الملحقة الموجودة خلف المنزل ، لقد تعبت من التفكير لهذا الحد .. وصولاً الى هذا الحل .
زكية بإستغراب : أيُّ ملحق هذا الذي تتكلم عنه ؟؟ غرفة مترين .
شامخ : رأيي تأهيل هذه الغرفة وتحويلها الى ملحق صغير وهناك مسافة كبيرة قربها بالإمكان استثمارها ، تعالي أطلعكِ على خطتي ، فنهضا متوجهين نحو الجانب الأيسر حتى وصلا وقفا فقالت : أوه يا إلهي أهذا هو الملحق كُأنه مخزن للأخشاب في شركة الأوجي … شامخ … لا أعرف ماذا أقول .
شامخ : أن هذه الغرفة هي لغرض ان يسكن فيه الحارس وعائلته .
زكية : ولكن أجمل شيء في هذه الغرفة انها قريبة من الباب الخارجي الجانبي المؤدي الى المطبخ الذي جل عملي فيه .. إن الأنسة مروة طلبت مني مساعدتها بالتفكير حول حل يقدرها من مساعدتنا ، لكنها فكرة رائعة وسأنتظرها عندما تأتي وأخبرها بذلك ، وسأقول لها يا أنستي يا ملكتي … نعم لقد رسينا على بر أنا وشامخ بفكرة جهنمية تحل مشكلتنا وسنعيش في غرفة الحراسة … بعد تأهيلها لنا .
وفي جلسة الشاي المعتادة عصراً راح عبد الرحمن يكلم زوجته فاطمة …
فاطمة : أرى عينيك مليئتين بالكلام … تكلم حبيبي أسمعك .
عبد الرحمن : في الحقيقة وبلا مقدمات … أريدك أن تتفهمي شعور الأم التي لا تستطيع التخلي عن وليدها وهو شعور فطري يولد مع الأم … وأن أميمة تخجل منك ولم تستطع إخبارك … بأنها تنازلت عن فكرة التخلي عن طفلها ، لذلك كلمني سراج الدين وطلب مني أن أخبرك وأعتذر منك .
فاطمة وقد ترقرقت عيناها : ولماذا ؟؟ كذبت عليّ وجعلتني أعيش الخيال الجميل طوال هذه المدة ولاسيما عندما هيأت له الغرفة وقد تعلق قلبي فيه حتى قبل أن أراه … فكم هو رائع وجميل .
عبد الرحمن متنهداً : أرجوك لا تتأثري … أمسحي دموعك … ولا تشعريني بالذنب … فقلبي لا يتحمل .
قبل خالد العمل في العيادة لأنه يحتاج الى المال لإعالة عائلته وإنه سيبقى في عمل السوق الذي يتراوح ما بين مد وجز ، وبالحال أتصل منذر بالدكتورة ليبلغها بموافقة خالد بالعمل وبالتالي تكون العيادة أنجزت بالكامل وما عليها سوى الإفتتاح مسألة وقت وسيتم وضع اللافته التي سيُكتب عليها الدكتورة سُبل بهاء الدين نور الدين أخصائية الأسنان .
سُبل مبتسمة : أنا أشكرك يا منذر على دعمك ومساعدتك التي تبقى عالقة في الذاكرة جزاك الله عني ألف خير ، ولكن كلمني عن خالد قبل أن أراه وهل أنطبقت عليه الشروط .
منذر : أكيد ومؤكد … فهو شاب رائع ومؤتمن وأهل لذلك كما أني طلبت منه العمل بإلحاح في العيادة على الرغم من أنه يعمل في السوق ، طبعاً هو بعمري لديه شهادة المتوسطة ، طويل القامة حنطي البشرة صغير العينين كث الحواجب بأنف طويل معتدل وفم متوسط ، إبتسم منذر ثم إستطرد : لستُ حاذقاً في الوصف ولكن هذا ما تمكنت من تجميعه من معلومات ، ولكن الأهم أنه من منطقتكم … أي جاركم من بعيد … وانه عندما عرف ان العيادة في منطقته وانه بالامكان الوصول إليها بالدراجة الهوائية وافق على العمل والآن أعطيني الضوء الأخضر لقبوله حتى أسلمه المفاتيح .
سُبل : حسناً .. ما دمت تعرفه وتثق به وبإمانته أعطه المفاتيح وليتهيأ الأحد القادم ان شاء الله تعالى .
منذر مبتسماً : وان اللافته ستكون هدية متواضعة مني … وأرجو أن تنال إعجابك …
سُبل محرجة متنهدة : والله إنك … تحرجني …. ولكن أشكرك وبارك الله فيك … وحالما إنهت إتصالها مع منذر أتصلت مباشرة بمروة لتخبرها بأخر الأخبار حول العيادة والأهم لتحدثها عن منذر .
مروة : أهلاً بك أيتها الدكتورة الناجحة .. حياك الله … يسعدني سماع صوتك .
سُبل : والله وأنا أيضاً … يسعدني سماع صوتك كل لحظة … أبشرك بإنتهاء العمل في العيادة ، والفضل كله لك ولوالدك الغالي ولقريبك المتيم منذر ، فقد قدم لي خدمات لم أكن أحلم بها البته ، بتوفير كل ما تستلزمه العيادة وبالتقسيط المريح ، وقد أشرف بنفسه على نقلها وترتيبها والإشراف عليها دون أن أبذل من الوقت قيد أنمله ، والله أن قريبك منذر هذا مثال للشاب النشط المثابر الأمين المدقق ، فكل عمل يؤديه يقيده في قائمة وبالدقة المتناهية فشكري لوالدك موصول عبرك ، ولم يكتفِ بذلك وأنما جلب لي عاملاً يثق به للعمل واتفقت معه بتسليمه المفاتيح وسنبدأ الأحد المقبل ان شاء الله ثم قالت مستطردة وإذا كان لا يروق لك فحوليه لي لأني أُعجبت به وسأشغله في العيادة .
مروة مبتسمة : خذيه … أنا لا أرغب فيه .
سُبل مبتسمة : ولكن ما الفائدة ؟ وهو متيم بك … لو كان فارغ الفؤاد ما تركته … ولكن إذا كنت لا ترغبين منه ، هل يمكنك ان تبلغيني لماذا رفضت القاضي رشدي؟ ، وهل يوجد أمرأة في العالم ترفض قاضياً تقدم لخطبتها ، أن لم يكن في قلبها ميل لأحد ما ، أنا أنصحك يا حبيبتي بأن لا تخسري هذا الشاب الذي يحبك منذ سنين ، قد يقنط منك ويتجه بعيداً ، أنا … معك صحيح إن خطابك كثُر ولكن لا أعتقد بأنك ستتعرفين على شاب مهذب مثله ، فضلاً عن أنك تعرفينه وعائلته منذ نعومة أظفاره … أرجوك فكري في الأمر .
مروة : لا تكترثي يا دكتورة … لكل حادث حديث سيأتي هذا اليوم لا محالة وأنا حاصلة على الدكتوراه .
سُبل فرحة : ونسيت أخبارك بخبر معجزة .
مروة ضاحكة ممازحة : لماذا معجزة ؟هل جاءك خاطب حاصل على الدكتوراه .
سُبل ضاحكة : لا ليس هذا الأمر … فخطابي … لا يتجاوزون المتوسطة هذا قدري والحمدُ لله رب العالمين ، ولكن المعجزة هو أفتتاح صيدلية جديدة عند نهاية الشارع وكأن القدر يريد مساعدتي بهذا الحجم من التيسير والتدبير ، كنت أحمل هم كبير حول الصيدلية على الرغم من أني بذلت جهداً جهيداً في إقناع احد الصيادلة ولكنه رفض ، بحجة ان عيادتي جديدة وغير معروفة وعليه لا يوجد مرضى وبالتالي لن ينجح المشروع ، واليوم والحمدُ لله رب العالمين توجد صيدلية ، وأرى الأمور تسير معي بيسر ومرونة ، وسنفتتح العيادة في الغد وأنت أول المدعوين وأكيد سيحضر منذر لأنه سيعرفني على العامل خالد .
مروة : أكيد سأكون أول الحاضرين … كم كنت أتمنى هذا اليوم … الذي ندخل فيه وإياك لأول مرة العيادة بعد التأهيل وأكيد سيُعجبك ديكورها ولونها ، ويُسعدني حبيبتي هذا الخبر الرائع … ألف ألف مبروك … ولكن قد يكون الصيدلي يعرفك … هل رأيتيه ؟ ثم قالت ممازحة … وقد يكون معجباً .
سُبل : أكيد حبيبتي … سيُعجبني … كل شىء فيها لأني أشعر بوجودك فيها … ولم تفتني مسألة التعرف على الصيدلي .. فذهبت إليه بحجة شراء بعض الأدوية … طبعاً لا أعرفه .. لكني سألته … حول الصيدلية فقال مشروع جديد في منطقة ليس فيها صيدلية …. وبعد حديث معه عرّفته على نفسي وأختصاصي ومكان العيادة وقد أستبشر خيراً بها ، وأخبرته حول الأدوية التي يحتاجها المرضى … فأكّد بأنه سيتعاون معي .. أي سيكون بيننا مصالح مشتركة .
وهكذا تم إفتتاح العيادة وباشر خالد عمله وقد حضر مريضين فقط ، وهذا أمر طبيعي لعيادة جديدة لم يعلن عنها بعد ، وراحت الدكتورة تغتنم الوقت للتعرف على خالد عن كثب .
الدكتورة : هلى تعرف القراءة والكتابة …؟ هل تعرف الحساب ؟؟
خالد مبتسماً : أكيد دكتورة فأنا تركت المدرسة في الصف الخامس الاعدادي .
الدكتورة مبتسمة : ها جيد يعني انك تجيد القراءة الإنكليزية الحمدُ لله حتى أعلمك على بعض المسميات للمواد التي أحتاجها في العيادة ، عندما أطلب منك إحضارها .
خالد : يسعدني ان أتعلم … أي مصطلح علمي أحب ذلك ، ويمكنك البدء من الآن فهذا الدفتر بيدي وما عليك إلا الرد وأنا أكتب ثم تأكدي من إملائي .
سُبل مبتسمة : سأرد لك المصطلحات … ولا أعتقد … سيأتي مريض أخر وقد أنتهى العصر … ولكن بالمناسبة هل أخبرك منذر حول طبيعة عملك هنا …وهل تريد أجرك أسبوعياً أم شهرياً .
خالد : لا تهتمي دكتورة … سأعتبر هذا المكان بيتي … وسأتولى أي أمر فيه … وأفضّل أن يكون الأجر شهرياً حتى أسلمه مباشرة الى صاحب الدار التي أستأجرها .
سُبل مبتسمة : بارك الله فيك … وحفظك لذويك وأعدك عندما تتحسن أحوال العيادة المادية سيزداد أجرك .
مروة في غُرفتِها تكلم نفسها لعل زكية وشامخ ينتظران مني الرد وبأحر من الجمر وأنا الى الآن لم أتكلم مع والدي حول هذا الموضوع نعم .. لابد أن أحسم الأمر واليوم بالذات على الرغم من ان الليل قد إنتصف .. عسايّ ان أجدهما يقِظين في هذه الساعة .. يا رب ثم نهضت متوجهة لوالديها فراحت تمشي حتى سمعت التلفاز يعجُّ بالأصوات فأطمأنت ان والديها جالسان لمشاهدته ،حتى وصلت الى حيث هما جالسان وهما مشدودا الإنتباه الى أحداث الفلم .. ابتسمت ثم جلست قربهما تشاهد ولم تُحركُ ساكناً .. فقالت في نفسها لعل الفلم قرّب على الإنتهاء ما دامت أحداثه كما رأيت حاسمة .. فراحت تنتظرُ إنتهاءه بصبر وهي جالسة واضعة يدها على خدها .. وهكذا الى ان انتهى تنهدت قائلة : الحمدُ لله .. لقد نفد صبري الى ان انتهى الفلم .
الأب باسماً : لماذا نفد صبركِ حبيبتي هل لديكِ شئ تقولينه ؟
الأم مبتسمة : ها حبيبتي مروة .. تحدّثي .
مروة : على الرغم من أن الوقت متأخر لكني أودُّ التحدث معكما عن موضوع مهم .
الأب والأم : موضوع مهم .. تكلمي كلانا أذان صاغية إليكِ ولا عليكِ بالوقت .
مروة : في الحقيقة ان زكية جاءها خاطب ماذا تقولان في هذا الأمر أريدُ سماع رأيكما .
الأم : أوه .. يا ألهي .. زكية تتزوج .. وتتركنا .. لا .. أريدُ بعدها عنا لقد تعودنا عليها كل التعويد .. انها انسانة جيدة .. وأمينة .. ورائعة .
الأب : لقد فاجئتنا .. مروة .. بهذا الخبر .. تُرى من هو الخاطب ؟
مروة : ما بكما إلا تُريدان لها حياة الإستقرار في بيت الزوجية والأطفال ؟
الأم بحزن : لا .. بالعكس إنها انسانة طيبة وأتمنى لها الحياة السعيدة .. لكن في نفس الوقت اتمنى ان لا أفقدها لأني تعودتُ عليها كثيراً ثم انهُ لمن الصعب إيجاد مثلها .. حريصة وأمينة وطيبة .. خبركِ هذا ساءني كثيراً ليتني لم أسمعهُ .
مروة مبتسمة ابتسامة عريضة : ولديّ خبر آخر أيضاً .
الأب : ما هو ايضاً .. عساه ان يكون أحسن من سابقهِ .
مروة : شامخ سيترك العمل هنا وينتقل الى مكان آخر .
الأب وبصوتٍ عال : لا .. هذا .. غير ممكن .. غير معقول لعلكِ تمزحين .. ها قولي انكِ .. تمزحين .. حقاً .. ولماذا … يترك العمل ؟
مروة : حتى أنت لا تقدر على بعد شامخ .. الحارس والفلاح .. ثم قالت : أنا لا أتمازح ان شامخ وزكية سيتزوجان ان شاء الله .. في يوم من الأيام .
الأم : شامخ .. زكية .. انهما مناسبان لبعضهما .. ولكن اين سيذهبان ؟ ثم تنهدت تضايقتْ لسماع ان زكية ستتركنا .. فكيف وقد ردفتيها بشامخ الأمين على المنزل بأكمله اوه .. يا لها من ليلة مزعجة .. لقد طار الكرى من عيني أف .
الأب : لا تحزني حبيبتي فاطمة .. من حقهما ان يتزوجا وان تكون لهما حياة مستقلة كيفما يشاءان وكيفما يقرران .. انه حقهما الشرعي وفقهما الله حيثما أرادا .
مروة مُبتسمة : هل تتمنيان ان يبقيا هنا ولايغادران ؟
الاثنان : نعم وبدون شك .. ولكن كيف يكون ذلك ..؟
مروة : ان تسمحا لهما العيش معنا هنا … في غرفة شامخ .. على ان نطورها الى ملحق صغير .
الأب: أ .. قلب شفتيه واقطب حاجبيه ثم قال .. لكنهُ سكن يفتقر الى ثم سكت .. أ .. حسناً .. لا مانع لديّ .. عسى ان يروق لهما المكان …سنكيف المكان بالشكل الذي نجعله بيتاً صغيراً .
الأم : هذا يعني .. ان زكية لا تتركنا .. ستبقى معنا .
مروة : نعم بمشيئة الله ، ولكن بالطبع سنُسدي لهما المساعدة في كل شئ بدءً بتأثيث بيتهم الصغير وحتى حفلة زواجهما ان شاء الله لأن الأثنين لا أحد لهما ، ولنبدأ بخطبتها من أخيها عصام .
الأب : بدون شك .. سنساعدهما .. الأثاث من شركة الأوجي للموبيليات انهما يستحقان كل الخير إن شاء الله غداً صباحاً سأعطيه مبلغاً من المال ليُرتب به أموره ويجعل الملحق صالحاً للسكن ، ها .. يا أم مروة كيف انتِ الآن بماذا تشعرين .. ها .. وسنذهب الى بيت عصام كما تقتضي الاصول لخطبتها .

… يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *