تابعنا على فيسبوك وتويتر

( فهد )

شهد الرحماني
2018

أنا هنا …
المكان مكتظ دائماً..
ثمة طفل يصرخ بشدّة، ووالدته بقربه قد اعتلاها الخجل وهي تتلفت يميناً وشمالاً وتحاول تهدئته ..
أووه، أظنه هو الآخر منزعج مثلي من هذه الضوضاء الرهيبة، وهناك في زاوية ما صديقان يودعان بعضهما، أظن أن الوقت بدأ بالعد التنازلي لفراقهما، ربما كان فراقاً وقتياً، أووه لا أعلم، ولا أجد لنفسي مبرراً يجعلني أفكر بهم ،،
أوووه قد سقط رماد سيجارتي للمرة الثالثة على معطفي، لأنني شغلت نفسي باهتمامات وركزت انتباهي على أشياء لا علاقة لي بها.
هذا أمر لا أحبه أبداً ..
***
الساعة الآن الثالثة وأربعون دقيقة، لم يتبقّ على الموعد سوى خمس دقائق، يجب أن أقوم من هنا لألحق مكاني، آه نسيت أن أخبركم..
أنا الآن في صالة الانتظار عند ميناء السفن، فهذه المدينة تطل على بحر كبير وتعتمد كثيراً على السفر عن طريق البحر هذا، إنها مدينة جميلة لكنها موحشة بالنسبة لي، فأعز أصدقائي ليسوا معي، أشعر بالوحدة دائماً، دائماً، رحلتي هذه قد تستغرق مني ساعتين لأصل إلى المدينة الأخرى على الساحل المقابل..
***
إنها بدايتي التي أجهلها، هذه البلاد التي جئتها منذ زمن ليس ببعيد، وأنا حتى هذه اللحظة التي لم أتقن لغتها تماماً، فهي لغة مختلفة تماماً عن لغتي العربية، لكنني أعرف القليل الذي يلزمني لأقتني حاجياتي من السوق، ولأتنقل بوسائل المواصلات المتواجدة في المدينة، وكذلك لأدفع فواتير شقتي التي اسكنها الآن لوحدي بعد أن اضطرت والدتي للسفر إلى العراق لإنهاء بعضاً من الأعمال المتعلقة بنا هُناك..
آه والدتي الحبيبة التي اشتاقُ لها كثيراً، لا بأس، فأنا على اتصال دائم بها، وأنتظر عودتها هي وأختي بفارغ الصبر..
وأبي حناني المفقود الذي تركني منذ سنوات طويلة إلى العالم الآخر، منذ أن كنتُ في الرابعة من عمري تركني، أي قبل ثمانية وعشرين سنة، لا املك منه غير صورته، ونصيبي في تركته الذي حصلتُ عليه عندما بلغت سن الرشد وأودعته في البنك منذ زمن، قد ينفعني هذا المبلغ يوماً ما، أنا متأكدة، كل هذه الأفكار والذكريات تدور في رأسي وأنا أجلسُ بمقعدي في السفينة..
***
الساعة الآن الرابعة وعشرُ دقائق، قمتُ من مكاني لأشاهد البحر فأنا أعشق البحر كثيراً،
البحر ..!
هذا الكائن الذي قد نقفُ أمامه ونجلس عنده لساعات كثيرة لنشتكي له ونخبره بما يدور في خلدنا ونفضفض له عن أنفسنا عندما نغضب أو نُكسر بداخلنا، قد نبكي عنده، ونفكر عنده، ونحن نثقُ تماماً بأنه يشعر بنا، تلك الثقة العظيمة بداخلنا بأنه لا يفشي أسرارنا، ولن يخبر أحداً بكل تلك التفاصيل والمعاناة التي تسكننا، أحياناً أنا أفكر به كثيراً، إلى من يشتكي ؟ وعلى صدر من يبكي؟
أظن انه يخفف من معاناته قليلاً عندما تتلاطم أمواجهُ، هو الآخر يحتاج للشكوى مثلنا، ولكنه هذه المرة يحتاج لنا نحن، نحن الذين نخونه وهو بعز احتياجه فنبتعد عنه في تلك اللحظات ونتجنبه ونخاف منه، لماذا ؟
آه يا لهذا المنظر الجميل حقاً، طيور النوارس تحلق بالقربِ منّا وسط البحر
وبعض ركاب السفينة يقذف لها قطعاً من الخبز وهي تتلقفهُ بمنقارها بتحدٍ وسعادة في آن واحد،
***

نزلت إلى صالة السفينة، وتوجّهتُ إلى الكوفي شوب، قهوتي الحلوة المعتادة أخذتها وعدتُ إلى مقعدي وأخرجت هاتفي المحمول وسماعاتي، كالعادة أنا أضطرب دائماً باختياري لأغنياتي المفضلة فتارة اسمع لأم كلثوم وعبد الحليم وتارة استمع للأغنيات الفلكلورية
وبعض الأحيان استمع لأغاني الوقت الحاضر الممتلئة بالضجيج والكلام غير المدروس أيضاً ..
(لستُ أنساك وقد أغريتني بفمٍ عذب المناداة رقيق)
انقطع صوت الأغنية فجأة باتصال هاتفي من أمي:
– كيف حالك ابنتي؟
– ماما اشتقت لك جداً.
– أين أنتِ الآن ؟ هل صعدتِ السفينة ؟
– نعم وعند وصولي سأذهب إلى مقر الشركة الذي أبلغوني أن فيها وظائف.
– طمئنيني عنكِ فانا مشغولة البال عليك ..
– أمي متى ستعودون ..!
– حالما تنتهي أشغالنا هنا فلا نستطيع تعليقها أكثر ..
– أنتظرك بفارغ الصبر، وسأخبرك فور وصولي بما سيحدث معي.
– اعتن بنفسك جيداً وأخبريني بما سيحدث معك، إلى اللقاء حبيبتي.
– إلى اللقاء أمي الحبيبة، لا تنسي سلامي لأختي الغالية، وأيضاً قُبلتي المعتادة على خدودك الوردية الناعمة..
***
أنهيت مكالمتي وأخذت بتقليب الصور المخزونة بهاتفي، أنا دائماً أحب استرجاع ذكرياتي عندما أكون وحيدة أو عندما يكون بقربي شخص مقرب مني جدا..
آه إنها صورتي مع عمي الحبيب، هذه قبل ثلاث سنوات، كانت في منزلهم حتى اذكر بأنني قضيت اليوم بأكمله بجواره، عمي كان رجلاً ذا شخصية مرموقة جداً، جذاباً و أنيقاً، فقامته ممشوقة وشعره تتخلله خصل فضية اللون منكّهة بسواده، كان ذو ثقافة عالية كموسوعة فكرية، وطريقته راقية في النقاش وكنت أرى فيه كل الرجال، كان كأبي الذي غادرني وأنا لم افقه من الدنيا شيئا، كان أخي الكبير وعالمي الآخر الذي أهرب إليه من كل الذكور الذين يطلقون على أنفسهم عبثاً اسم رجال..
لا أستطيع مقارنة أي رجل به فهو فريد ومختلف عنهم، لقد مات.. مات هو الآخر، ورحل كما رحل أبي ..
مرحباً ..
فاجئني صوت شخص يجلس بالقرب مني، رفعت رأسي ونظرت إليه، يتكلم بلغتي العربية، نعم هو كذلك..
– هل أنت عربية ؟ عراقية ؟
أطلق سؤاله الآخر عليّ قبل أن أجبه عن الأول حتى.
– أ أ نعم
– عفواً لفضولي، قد سمعتك تتكلمين بالهاتف لا تخافي ( مع ابتسامة جميلة سكنت تفاصيل وجهه.
– اسمي فهد ما اسمكِ ؟
– اسمي عسل.
– أحقا هو اسمك أم لقب مستعار؟
– لا لا هو اسمي .
– تشرفنا، ومد يده ليصافحني، فمددتُ يدي لمصافحته أيضاً، وأظن أنني صافحته بحرارة قليلاً، سحبت يدي بسرعة.
– ما الذي أتى بكِ هنا ؟ أ معكِ أحد ؟
– لا أنا لوحدي حالياً، فأهلي قد سافروا للعراق لبعض المشاغل، وقد جئت على متن هذه السفينة لألحق بموعد مقابلة عمل لي في شركة سندسيان، أنا مهندسة وحلم حياتي أن أعمل في مجال شهادتي التي أحبها كثيراً، ولدي شهادة خبرة متميزة من شركتي السابقة، وقد ترك لي أبي مبلغاً من المال وأريد أن أستفيد منه ربما ينفعني أكثر في توسيع دائرة أحلامي ،،
((انتبهت على نفسي وأنا مسترسلة كثيراً بالكلام))
ونظرت لعيني فهد مباشرةً، وجدته قد عقد حاجبيه بطريقة حادة وبنظرة استغراب شديدة، كانت عيناه جميلة جميلة جداً.
-لا لا لا تذهبي هناك .. أرجوكِ.
فوجئت بردة فعلهِ تلك.
– لماذا؟ أخبرني ؟
– إنها غير صالحة لشخص مثلكِ.
– إنهم يعدون بلا جدوى، وبعد ذلك يفصلون موظفيهم دون أدنى ذنب وبلا رحمة بعد أن يستهلكوا خبراتهم وطاقاتهم، كما أن أجورهم قليلة جداً
(شرد ذهني قليلاً )
وقطعه بحديثه مرة أخرى:
– ما بكِ لمَ اعتلاك الصمت ؟
– لا لاشيء ولكن قد تكون متنفسي الوحيد لتحقيق ما أطمح فأنا أرغب بـ ،،،
– أنا أعدك بوظيفة مرموقة تليق بكِ صدقيني، فقط ثقي بي، اتفقنا ؟
ومد كفه لأوافقه الرأي، فمددت كفي إليه دون أي تفكير حتى، كل ما يهمني كان أن أراه مرة أخرى وأخرى بل مرااات كثيرة، بطريقةٍ ما أخذ عقلي كله هذا الفتى، مع أنني قبل لحظات فقط كنت أفكر بأنه لا يوجد رجل يمكن أن يجذبني إليه حتى لو كان رجلاً بمعنى رجل حقاً، لكن هذا الشاب سحرني، فقد كان لطيفاً للغاية وأحسست بانجذاب لا إرادي إليه وقلت بصوت خافت:
– نعم اتفقنا.
– إذن سنصل الآن، هذا رقم هاتفي..
( واخذ يردد رقم هاتفه وأنا أدونه بهاتفي )
اتصلي بي فور وصولك، آه نسيت أن أسألك، أيوجد عندكِ أحد هنا؟ أقصد عند من ستقضين فترة مكوثكِ في هذه المدينة؟
– عند عمتي فهي تسكن هنا.
– جيد، جيد جداً، إذن اتفقنا.
– نعم اتفقنا فهد..(لم اشعر بالوقت أبداً فقد مضت تلك الساعتان بصورة سريعة جداً )
– إلى اللقاء قريباً يا اسماً على مسمى .
– إلى اللقاء.
قام فهد وبدأ الركاب بالنزول من السفينة واحداً تلو الآخر وفهد من بينهم، لكني بقيت متجمدة في مكاني وعيني تراقبهُ وهو يبتعد لينزل درجات السلم المؤدي للخارج، يا إلهي ما هذا القوام، ما هذا السحر الذي اعتراني في تلك اللحظات التي تكلّم معي بها..
كان يرتدي سترةً سوداء وهذا لوني المفضل الذي أرتديه دائماً على الرغم من انتقادات المحيطين بي، حتى أني حينها كنتُ ارتدي معطفاً أسود، يا إلهي ما هذا الانسان، أنا احلم ،،
أووووه علي أن أقوم بسرعة لأنزل، فقد غادر الجميع وغادر فهد أيضاً، فخرجت واستأجرت تاكسي إلى منزل عمتي ..
***
صباحاً وجدت اتصالاً هاتفياً من شركة سندسيان، لم أرد، لا أريد عملاً إلا مع فهد، فهد البارحة، نعم البارحة، فهد، نعم فهد ..
شعرت بحرارة تستوطن جسدي وبرعشة أصابت يدي وأنا أبحث عن اسمه في الهاتف، هذا هو اسمهُ، كبست زر الاتصال وأنا اشعر بقلبي يكاد يخرج من أضلعي..
– الو من معي
– فهد مرحبا، أنا ..
– أهلا عسل، كيف حالك؟ لقد عرفت صوتك، وفري على نفسك عناء التعريف (بضحكة تكاد تكون موسيقى صباحية لفيروز)
ابتسمت مع نفسي..
– أهلاً فهد أنا بخير، وأنت ؟
– أنا بخير
– أعتذر عن اتصالي هذا لكني أردت أن تعرف رقم هاتفي حتى تخبرني عندما تكون لديك أخبار عن العمل الجديد ..
– عسل لا داعي للاعتذار فقط قولي لي ما عندكِ اليوم، أتودين الخروج قليلاً معي لتناول وجبة غداء في مكان جميل جداً، أعدك ستفرحين كثيراً وتستمتعين بهذه النزهة..
ماذا قلتِ؟
– آه، نعم، لا لا، أقصد نعم ، أي ساعة؟
( في هذه اللحظة شعرتُ بشيء غريب يحتويني وكمية مختلطة من المشاعر فقد أسرني بصوته الآن وهو يتحدث في الهاتف، ماذا سأشعر حين ألتقيه مجدداً وهذه المرة ليست صدفة أبداً..
– ألو الو عسل أين أنتِ ؟ قولي لي أتناسبكِ الخامسة عصراً ؟
– آه فهد عذراً نعم تناسبني اتفقنا
– اتفقنا ، الى اللقاء ،
اغلق الهاتف وانا بقيت ممسكة به وشرد ذهني كيف سأراه ، ماذا سأرتدي ، كيف سأتكلم معه،
قمت بسرعة لآخذ حماماً ساخناً فأجواء الشتاء قارسة، وتحتاج لكم هائل من النشاط، سلمت على عمتي فهي امرأة كبيرة تسكن مع زوجها وقطتها اللطيفة وشربت قهوتي الحلوة كعادتي ، ذهبت لغرفتي وفتحت حقيبتي وأخرجت ملابس كثيرة، كلها غير جميلة بنظري أو غير مناسبة لرؤية فتى احلامي ،،
فتى احلامي !! ماذا اقول انا ..
اطلقتُ ضحكة عالية واغلقت فمي بيدي خشية ان يسمعوني ،،فهم دوماً يصفونني بالمجنونة الطفولية والذكية !! ذكية !! ربما !

الساعة الآن الرابعة والنصف، رن هاتفي
– مرحبا فهد
– اهلا عسل أأنتِ جاهزة ؟
– نعم بالتأكيد
اذن اخرجي بعد خمسة عشر دقيقة وانتظريني عند المترو القريب من منزلكم ،،
– بالتأكيد بالتأكيد
اقفلت الهاتف وخرجت مسرعة بعد ان ودعت عمتي وقلت لها بانني ساقابل صديقة لي هنا ،،
خرجت حالاً وليس بعد خمسة عشر دقيقة ، أخذت بالمشي ووصلت الى محطة المترو وانا انظر لساعتي ،،
مرت الدقائق بطيئة جداً
كنت خائفة من لقائي به
مرتبكة كثيراً .. وبنفس الوقت كنت اشعر بأن كل معاني السعادة تسكنني ..
كانت مشاعري ممزوجة ببعضها
مختلطة ..
•••

أتى فهد
كنتُ أراهُ آية من آيات الجمال وأسطورة من أساطير الف ليلة وليلة،،
عطره كان مميزاً
سترته كانت حالكة السواد ، تشبه عينيه وخصلات شعره ، فأنا أعشق اللون الاسود كثيراً ، إما طول قامته وأكتافه العريضة فتلك رواية اخرى، مد يده ليصافحني فمددت يدي له بكل حماسة..
هيا لنصعد المترو ،،
صعدنا وانا اشعر كأنني ملكت الدنيا، وكل من عليها لا يعنيني الان ابدا ،،
اخذ فهد يشرح لي ويعرّفني بكل منطقه نمر بها
وانا فقط اومئ براسي بدون ان انتبه لكلامه
فقط افكر بجلوسي بجانبه ، باحساسي الرهيب تجاهه ، بنظراته الشبيهه بنظرات امير من أمراء ديزني ،
•••
وصلنا إلى المكان المقصود وتوجهنا نحو المطعم
جلسنا وبدأنا بالحديث
كان لقاءً اسطورياً ،،
امبراطورياً، رئاسياً، حتى الطعام والقهوة كان لهما طعم آخر ،،
اتفقنا على غدٍ في الساعة التاسعة صباحا حتى ندهب سوية لمقر الشركة التي تحدث لي عنها وهو شريك فيها ..

مر الوقت سريعاً
عدت للمنزل وقضيت وقتي مع عمتي تحدثني بقصصهم في زمانهم غير البعيد ،
وأنا اغوص بعالم آخر ، عالم فهد ،، فقط فهد
كان يسكن تفكيري كله وانا اتلهف لرؤيته غداً ،
حتى جاء وقت النوم ، وتوجهت لسريري ،
أمسكتُ هاتفي لأوقت المنبه ولم يترك فهد تفكيري ابداً
حتى رن هاتفي برسالة نصية
تمنيت للحظات ان يكون فهد ،، وقد كان هو فعلاً ،،
(( ليلة سعيدة يا اسماً على مُسمى ،، ملتقانا التاسعة صباحاً ))
أجبته ليلتك هانئة ايضاً ، وهو كذلك
،،،

انتظرته عند نفس المكان ، عند المترو
ذهبنا سوياً لمقر الشركة
كانت شركة جميلة منظمة راقية جداً
جلست معه في مكتبه واخذ يشرح لي عن طريقة العمل
انه في مجال شهادتي الجامعية الهندسة المعمارية
اخذ يتكلم بثقة كبيرة وهو يذكر لي نسبة الارباح التي يجنيها ،،
اعجبني نظام العمل كثيراً ،،
واتفقنا ان ابدأ من الان
فلي مكتبي الخاص ومساعد كذلك
دخلت إلى مكتبي كان جميلا وواسعا،
جلست افكر كثيرا ،، كيف لهذا القدر العظيم الرائع الذي جعل فهد بطريقي بهذه الصدفة الهائلة، فقد اعتدت على حياتي الفوضوية التعيسة المليئة باشخاص كانوا سيئيين للغاية وغرضهم الاساسي مصلحة ما، كذب وخداع ونميمة، ولا انسى الدراما التي كانوا يعيشون بها ، قاطعتني طرقات على الباب، دخل فهد الى مكتبي وسألني عن مكاني الجديد وهل هو يليق بي ، قلت نعم نعم بكل إندفاع..
– عسل هناك مشروع هائل جداً وأريد مساعدتك حسب خبرتك التي قرأتها في اوراق تقديمك للشركة وحسب ماذكرته لي ايضاً ،
– نعم استاذ بكل تأكيد
– استاذ !؟ (بإبتسامته ) جميلة كلمة استاذ منك ،
– خفضت رأسي وشعرت بحرارة عظيمة تكتسح عظامي وخجل يعتريني
– عسل انتبهي هذا عمل وليس هناك وقت.
خجلت كثيرا من ردة فعله ، وقلت بصوت كاد ان يخنقني : نعم استاذ ..
•••

اخذت الايام تمرُ سريعاً وانا سعيدة جداً ؛ سعيدة بعملي ونشاطي وبدايتي الجديدة والاكثر من هذا كله رؤية هذا الوجه كل يوم ، وجه فهد
لقد اسميته فهد الاسطوري ،،
انه اسطوري حقاً

مرت شهور عدة
واحسست بان فهد صار دنياي كلها ، كنا نخرج بصورة شبه يومية بعد العمل لنشرب الشاي معا
ونتحادث عن حياتنا الشخصية بعيداً عن ضوضاء العمل
كنا نضحك كثيراً ونمزح سويةً حتى نعود لبيوتنا وانا سعيدة بكل ما تحمل الكلمة من معنى
وكان العمل جيداً جداً والمشاريع كثيرة وكل شيء كان مبهراً للغاية ..
•••
جاء فهد على غير عادته اليوم. كان عصبياً جداً ويصرخ هنا وهناك. كنت خائفة خائفة جداً عليه
ماذا جرى ، مابه
قلت له بصوت خافت ما بك استاذ ؟ هل حدث مكروه ؟
قال لي بصوت إختلف قليلاً عن لهجة الصراخ التي كان بها منذ لحظات
لا . فقط هناك موضوع يخص العمل،
قلت: هل استطيع المساعدة؟
اجابني ربما ، ليتك تستطيعين . عسل تعالي واجلسي قليلا بجانبي
جلست وانا أتمنى مساعدته من كل قلبي .. فأنا لا أستطيع ان أرى فهد حزيناً وبائساً الى هذا الحد ،
نعم استاذ تفضل قل لي وانا كلي اذان صاغية لك
– عسل لقد خسرت عدة مشاريع كانت مهمة جداً وذلك بسبب شريكي الذي أهمل العمل كثيراً واصبح يتملص من وعودهِ بإكمالها بعد ان أعطاني الثقة التّامة بأنه سيكملها بأكمل وجه وفي وقتها المناسب ،،
عسل لقد انهيت شراكتي معه اليوم ،،
قلت له بسرعة وبدون تفكير: اتحتاج الشركة اسهماً لاجل ان تكون افضل مما هي عليه ؟
قال لي نعم فخزينة الشركة قاربت على الافلاس وبقية الاموال تركتها في المشاريع التي خسرتها بسبب شريكي. كيف سأتصرف ياعسل كيف ؟
-استاذي العزيز انا املك مبلغاً من المال ورثته من أبي وأضفتُ عليه ما جنيته طيلة سنوات عملي الماضية واودعته بالبنك..
ساسحب المال واودعه في حساب الشركة،
شرد ذهنه قليلا وقال لي
-عسل أنتِ كما توقعتكِ فعلاً. فإحساسي بكِ كان صادقاً جداً وأودّ ان أعترف لكِ بما أكنّهُ بداخلي..
– أنا أحبك جداً وكنتُ متردداً كيف سأخبرك بحبي، فانتِ انسانة مميزة، أنتِ جميلة وذات شخصية رائعة، انا احببتك كثيراً، وأودُ منك مشاركتي عوضاً عن شريكي السابق؟
امسك بيدي وقال بصوتٍ رجولي حاد
-اريدك شريكة لي في العمل وفي الحياة كلها ، اغرورقت عيناي بالدموع فرحاً وسعادة وابتسمت ابتسامة بلهاء، شعرت بوخزات في عضلاتي وحرارة تسري في دمي، ارتجفتُ قليلاً واحسست بالعرق يتصبب من جبيني، خجلت حلمت شردت ابتسمت خفضت رأسي، و قلت له بالتاكيد ، فأنتَ حلمي الوحيد ..
– لم اعد حلماً بعد الان ، أنا حقيقة يا حبيبتي ..
((حبيبتي !! يالها من حروف نوتة موسيقية . انها حروف تختلف عن كل حروف لغات معاجم العالم.. يكفي انها بصوت فهد ،،))
– لا تشردي ببالك عسل .. فقط قولي لي . هل اتفقنا على كل شيء ؟
-اتفقنا
-اذن غداً نوقع العقد الجديد بيني وبينك وسيكون لكِ نسبة ارباح كبيرة. عقبال عقد زواجنا..
في اليوم التالي ذهبت للبنك سحبت ما لديّ من مال، وتم بعدها توقيع عقد احلامي مع فتى احلامي ايضاً..
كانتَ تلك الفترة حقاً من أعظم الفترات التي مرّت بحياتي ، كنت ذراعا يميناً لاسطورتي المشوّقة فهد، كنت ذراعاً مادياً ومعنوياً ،،
لالا عذراً كنت فقط ذراعاً معنويا فالمال لا يشكل لي أهمية قياساً لاسطورتي فهد ، المال يذهب وياتي لكن فهد اتى ولن استطع تخيل انه قد يذهب يوماً ،،
،،،
مرت اشهر عدة ونسيت ان ادفع مستحقات إيجار شقتي في مدينتي الاخرى التي تراكمت طوال الفترة الماضية، كان تفكيري منصباً فقط على فهد، وعملي ونشاطي اصبح لاجله، حتى اتاني اتصال من صاحب الشقة الموجودة في مدينتي السابقة وكان يصرخ بوجهي، حاولت اقناعه بأنني اسفة جداً على تأخيري دفع مستحقاتهِ ، قال سأخلي الشقة لغيرك اذا لم تصلني مستحقاتي يوم غد وأغلق الهاتف.
ماذا عساني أفعل !؟
فهد ..!!
نعم فهد فهو مخلصي الوحيد من هذه الورطة، فانا الآن لا املك المال الكافي، كله ذهب لشراكتي معه، ولم أتسلم مستحقاتي الفترة الماضية .
– فهد ( كان صوتي مخنوقاً جداً)
– اهلاً حبيبتي ،، ماذا بكِ أخبريني ماذا جرى ؟
قلت له ما حدث مع صاحب الشقة
هدأني قليلا وقال لي لا تفكري حبيبتي. واعتنِ بنفسك فأنا معكِ دائماً .
– فهد أنا ممتنة لكَ كثيراً فلولاك …
– اشش اتركي عنكِ هذا الكلام لا تقوليه لي بعد الان فهذا واجبي تجاه حبيبة عمري.
اغلقت الهاتف و ارسلت له العنوان وانا مرتاحة جدا

مرت أربعة أشهر
وانا معتادة في كل شهر يذهب هو ليحول المال لصاحب الشقة كالمعتاد، وكنت انا اعمل بنشاط وسعادة
كانت لي كلمتي في الشركة وكنتُ أوقع العقود التي اصبحت بعضها تحمل اسمي وتوقيعي انا فقط ، وبنفس الوقت لم اقبض ثمناً لأي مشروع مضى، فقد كان هدفي رفع ميزانية الشركة وكل هذا لأجل فهد ، هو مكسبي الوحيد واموالنا واحدة .
•••
الشرطة نعم !! انها الشرطة
اقتحمت الشرطه المكان وأغلقوا الشركة واخذونا
انا وفهد وبعض المسؤولين في الشركة
كنت خائفة جداً وبنفس الوقت كنتُ مؤمنة بأن هناك لبساً ما في الموضوع قد حصل، انه خطأ بالتاكيد منهم ، وفهد كان معي، حتماً سأكون بأمان وحماية منه، بل بالتأكيد، حتى صُعقتُ بالخبر أثناء التحقيق..
ماهذا يا الهي كيف حصل ؟؟
كنتُ احاول تكذيب أذني ، كنتُ أتمناه حلماً او كابوساً مرعباً ككوابيسي المعتادة دائماً ،
نعم انه كابوس حتماً
لكنه كان حقيقياً هذه المرة !
لقد كانت الشركة شركة نصب واحتيال وكل شيء كان وهماً حتى الشريك السابق لم يكن له وجود حتى، كانت العقود وهمية والشركاء وهميون، فقط كنت أنا الحقيقية وكنتُ أيضاً الضحية، كان كل شيء خُدعة ، كان فهد أسطورياً حقاً ، بكل كذباتهِ وخدعهِ وكلامه لي. على الرغم من انني بقيتُ غير مصدقة لكل ذلك واسهبت في الدفاع عنه اكثر من دفاعي عن نفسي حتى ، كان فهد من اصحاب السجلات السابقة والحافلة بكل عمليات النصب والاحتيال عند الشرطة، كان ماكراً ولاعباً ماهراً على حبال الكذب والخداع، أراد أن يحمل أحد تلك المسؤولية عنه من خلال التوقيع باسم غير اسمه على تلك العقود الكاذبة ، كان يستغل كل شخص يشعر لوهلة بأنه ربما يحمل قلباً نظيفاً ومالاً في آن واحد، كان يستغل النساء باسم الحب..
فهد كان رجلاً خبيثاً حقاً ..
لا ليس رجلاً، بل كان من أشباه الرجال، كنت ارى عينيه وهي ترمقني بخبث ودهاء
كان يحاول بشتى الطرق أن يحمّلني أنا مسؤولية التواقيع وما جرى كله ..
كنتُ مذهولة وأنا أستمع للمحامي وهو يترافع عنا ،
لكن كان هناك موظفين يحملون ضمائر حيّة هم من ساعدني عندما شهدوا لصالحي ومعي بانني لم اكن أعلم وأنني لم أتسلم حتى مستحقاتي وإنني كنتُ ضحية فقط، تحققوا من براءتي و أخلوا سبيلي، خرجتُ وانا هائمة على وجهي، ماذا عساني ان افعل بعد الان !؟
فكل ما حلمت به وسعيتُ لأجله ذهب مني دفعةً واحدة وبهذه الطريقة البشعة، حتى فهد ، فأنا أحبهُ قد كان لطيفاً للغاية !
ماذا !
لالا لم يكن لطيفاً ابداً
قد استغلني مادياً وأستغل مشاعري ، لقد اخذ مني كلما جنيته وجمعته طول السنوات الماضية وكل ما ورثته من أبي.
أنا اكرهه، أكرهه ،
دمعت عيناي وشهقت شهقةً كادت ان تخرج روحي معها ، كدتُ أن أنهار تماماً ..
عدتُ للمنزل بعد ان انهكتُ تماماً وانا ادافع عن نفسي بشدّة وإنكسار امام عمتي التي لم تصدق بانني كنت ضحية، كانت نظراتها وكلامها كلها لوم وعتب شديد فحزمت حقيبتي ونويت الرجوع حيث مدينتي السابقة وشقتي هناك .
•••
قبّلتُ رأس عمتي صباحاً وإعتذرتُ منها كثيراً وودّعتها وانا في طريقي الى الميناء البحري كي الحق بسفينة العودة ، كنتُ بائسة جداً وأشعر بأني كبرتُ عشرات السنين، أتمزّق بداخلي وأبكي بقلبي وأنا أنظر لمكان جلوسنا أنا وفهد لأول مرّة بتلك السفينة نفسها وبتلك الصدفة التي كانت بؤساً بالنسبة لي ، وصلت لشقتي وحاولت ان أفتح الباب بمفتاحي الذي احمل نسخة منه معي ، لكن الباب لم يُفتح معي، طرقت الباب وسمعت صوتاً من الداخل، صوت ضجيج واطفال، فتح الباب رجل اشقر طويل وبجانبه وقف طفل صغير وكان ينظر لي بإستغراب وانا متسمّرة بمكاني، حتى قال لي: من انتِ ؟
أجبته بصوتٍ خافتٍ كاد ان يختفي وأنا أقول له
-انها شقتي
-بل شقتنا قد اشتريناها بكامل اثاثها ، أنتِ مخطئة حتماً وأغلق الباب بوجهي.
كان رجلاً سيئاً
كل الرجال الان سيئيين بالنسبة لي
اتصلتُ بصاحب الشقة
وأنا مذهولة تماماً مما يحصل لي
اجابني بأنه قد باع الشقة بمحتوياتها بعد ان يأس مني بعد آخر إتصال حصل بيننا.
بكيت وبكيت
وأردتُ ان أشرح له لكنه اغلق الهاتف.
قد قلت لفهد وقتها ووعدني بأنه سيرسل له المبلغ وكان يأتيني بالوصولات، لقد كنت مغفلة فعلا و لم أكن اقرأها حتى، فقط كنت أسهب النظر بوجه فهد، وأقرأ جمال عينيه..
خدعني حتى في هذا الموضوغ.
•••
بحثت عن مأوى يلمني حتى وان كانت غرفة بسيطة، وجدتها وكانت بسعر قليل يكاد يكفيني المتبقي مما معي لأكلي وشربي ، وأخذت بالبحث عن عمل، أي عمل كان، حتى وجدت ضالتي بعد أيام، نادلة في مطعم ، كنت مكسورة الفؤاد، لكني أخذت عهدا على نفسي بالوقوف على قدمي وأنا أقوى من كل ما مضى.
العاطفة أصبحت آخر همي
،،،
كنت منهكة جداً وانا ارتب احدى الطاولات التي غادرها الزبائن للتو..
– مرحبا
– تفضل اهلا وسهلا بك هنا.
ورفعت رأسي، وشعرتُ بتنميلة في أطرافي وفزعت قليلاً وعدت للوراء، وانا افتح عيني بدهشة
كان شاباً جميلاً ووسيماً
-اعتذر قد شغلتك معي لكن اخبريني كيف عملك هنا ؟
– جيد نوعا ما بل استطيع القول بأنه مقبول.
كنت ارتجف قليلاً وانا انظر اليه
((كان شابا جميلا حقاً ،، كان لطيفا مبتسما ))
قال لي: اني أراكِ كل يوم تقريباً واراقبك ولا أستطيع محادثتك
– لم لا ؟ اجبته بحيرة شديدة كانت بادية على ملامحي المرهقة
– كنت أخشى ذلك
– تخشى ؟؟ لماذا ؟
قال لي بصوت مهموس قليلاً
– لانك جميلة ولا يسعني الاقتراب من الجميلات
(وابتسم بابتسامة خجولة نوعاً ما )
خجلت قليلا ولكن عدت وتمالكت نفسي مجددا
– تفضل سيد . ما عساني ان اساعدك؟
– انتظري فانا لستُ زبوناً الان، انا فقط جئتُ لاخبرك بانني بعد غد سأفتح مطعمي الخاص واريدكِ مسؤولة و مديرة به، سألتُ عنك كثيراً واخبروني بأنكِ خلوقة ونشيطة وراقبتكِ الفترة الماضية وتأكدت من ذلك، أنتِ تستحقين الأفضل (بابتسامة) وربما تكوني مستقبلاً شريكة لي فيهِ..
– ابتسمت وقلتُ اتمنى ذلك ..
– اذن تفضلي هذا الكارت، فيه ارقام هواتفي اتصلي بي غداً حتى نرتب موعدا للقاء ونتحدث، اتفقنا ؟
– اتفقنا
خبأت الكارت الذي يحوي على ارقام الهواتف ووقفتُ في مكاني وانا اشاهد خطواته تبتعد شيئاً فشيئاً
سررت بذلك كثيرا فقد وجدت عملاً أفضل مما أنا فيه وفرصة ذهبية قد تكون تعويضاً لي عن كل ما مضى، وقررت ان التقي به.
– مرحبا
– مرحبا
-كيف حالكِ
-انا بخير
– اذن هل استطيع مقابلتكِ اليوم الساعة الخامسة عصراً؟؟
– نعم بكل تأكيد سيد .. آه ( عفواً) نسيت أن أسالك عن اسمك ؟
– اسمي فهد ..

تمت

‏‫


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"