اللغة الاتصالية في الشعر
قراءة موجزة في ديوان سمية المشتت ظمأ الطوفان
مقدمة الكتاب بقلم الناقد سعد الساعدي

اللغة الاتصالية في الشعر
قراءة موجزة في ديوان سمية المشتت ظمأ الطوفان ..
مقدمة الكتاب بقلم الناقد سعد الساعدي

تُعد لغة الاتصال أكثر شكل يوضح الرسالة الاعلامية لاسيما المنطوق منها والمكتوب ، ولان الكتابة الشعرية هي الاكثر بقاء ؛ فهنا تكمن الاهمية كمحفوظات وثائقية ادبية تتميز بألوانها وجمالها ، وما تحمله من صور ابداعية .
فالإرسال اللفظي للشعر ، كصوت نابع من خلف منصة يقتضي وضوح الصوت وتنويع نبراته وتدعيمه بالحركة والاشارة ، وما يظهر من علامات كنمط اتصالي مواجهي ، في حين قراءة نص مكتوب من قبل المتلقي، هو اتصال غير مباشر لا يمكن التكهن من خلاله بردود الفعل إلاّ ما يكتب عنه نقدياً ، لاحقاً .
الشاعرة البصرية سمية المشتت مع انها من بين قلة من الشواعر اللواتي يكتبن الشعر العمودي بالأوزان الشعرية المتقنة ، والبحور الخليلية ، فقد استطاعت انشاء لغتها الخاصة بدلالات اختارتها لكل نص بما يحوي من مضامين اسلوبية حزينة مؤشرة بعمق لحالة ما ، وظّفتها فكرياً وبنائياً بما تحمله موسيقا القصيدة العمودية من انسيابية تامة ، مفعمة بغزلٍ مغطى بالحزن، وتشبيه يدّق بعنفوان بلا رموز احتكارية مانعة للتلقي ليفك ما وراء النص من شفرات ، اضافة للبيان المحكم في وضع كل لون حسبما تحتاجه اللوحة حين عبّرت الشاعرة منذ الصفحة الاولى في كتابة الاهداء فرصفت عباراته : (عندما يتحول الكلام الى لوحة تشتاق الى الالوان ) .
جاءت كثير من قصائد ظمأ الطوفان الذي يصدر قريباً عن دار زكي الديراوي كتعبير عن تجارب ربما للشاعرة ذاتها ، او تعبير عن واقع اجتماعي كما في قصيدة اهواك التي انتقدت فيها ظاهرة معينة لحالة اجتماعية ما ، لتعود بها اخيراً الى نفسها وتخاطبها واضعة القيود الكثيرة من حولها وكانها الممثل العام لنسوة كثيرات يعشن ما تعيشه ، ويعانين ما تعانيه : إن قلت أهوى ، لامَ ألفُ معاندٍ // متحججاً ان المشاعر فاجرة . .
واذا اعتزلتُ يلوم ألفُ مثقفٍ // ويقول : عيشي يا سمية قادرة
في قصيدة ماذا دهاكا ، نجدها معاتبة واصفة خيبة الحبيبة بهواجس الواقع اكثر من الخيال ، فكانت داخل النص بقوة الغريزة الانثوية العفوية البسيطة بلا تكلف وغرور لان المقابل ( الحبيب ) هو من باتت تصفه مغروراً :
وحسبتُ نفسي في الاناث اميرةً // وغدوت احلم لو يتمّ لقاكا ..
وسهرتُ ليلي قرب طيفك انتشي // والعين لو تغفو تريد حماكا ..
اتبيعني وتذمني في غفلةٍ // ونسيتَ حبي والغرور دهاكا
في قصائد كثيرة تجسدت اللغة الاتصالية بوضوح ، كتعبير فني لنقل وتناقل المعاني ، رسمته الشاعرة سمية المشتت لتأخذ القارئ معها بتروٍ شديد الحذر وتجعله امام ادهاش صوري ، بصرياً يخوض معها التجربة التي ابتدأتها ، وما جسدته هنا من حالات تسمو بالروح كما تسمو بالوجدان فكانت القصائد الجديدة : يُرضيك ، اصحابي ،لا تسلني، خُذْ بردتي ، وغيرها الكثير التي تضمنها الديوان .
بالقوافي اتسعت رقعة الكتابة واضافت الجمال اللغوي ، وبالانغام الشعرية المتواصلة انتظم عمل الشاعرة باشتغالها النصي المتقن مع القصيدة العمودية التي ابتعد عنها كثيرون تماشياً مع الحداثة ، وما بعدها ، أو ما اطلقنا عليها الحداثة التجديدية الغارقة بالرمز المعقد بما يحمل من شذا وألوان والمختزلة لوقائع يتيه معها المتلقي بسيط الثقافة ، والتي لم نجدها فيما كتبته الشاعرة هنا وكانها تعود بنا الى ما وصفه الشعراء القدامى وما ابتلوا به من نار الجوى كما نقرأ قصيدة لمجنون ليلى ، او آهات ابن زيدون بعد فراق معشوقته ولادة بنت المستكفي ، وليس من السهولة لشاعر ان يدخل هكذا مدخلاً بهذه القوة والوصف الابداعي بما تحمله قصائد الحزن الكثيرة ، فحين تكتب قصيدة : نفق المرور ، وزدني جرحاً تؤكد عمق الجراح الموجودة :
زدني جراحاً تستفيق بأدمعي..
نجوى الفراق على فؤادي مثقلُ
توهّجُ النص الذي كُتب هنا يتساوق مع النص اللاحق والسابق بإحساس عاطفي مليء بانتماء الحضور الوجداني ، وصدق المشاعر بلا فواصل زمنية ، او محددات اعاقة للأشياء ، لتنطلق الشاعرة برؤيتها الخاصة التي يمكن تحليلها اجرائيا كما لو انها أوراق مرصوفة يمكن تجميعها بسهولة ونقلها الى مكان جديد يزيدها بريقاً ولمعاناً زاهياً يجعل كل اواصر الكلمات مترابطة بإتقان ؛ كلمات الحزن ، والفرح ، صور الحب والجمال، مع صور الخيبة والمناجاة المبللة بدموع الليل.. هذا التشكيل المتجانس شعوريا او من خارج الشعور ، هو ما يؤدي باللغة الشعرية ان تكون مؤثرة وفاعلة بطرح ما تريد طرحه الشاعرة هنا ، او اي كاتب آخر ، لذا استطاعت فعلاً سمية المشتت أن تسبر اغوار لغة سهلة بمعانٍ متقنة رسمت بها ديوانها ظمأ الطوفان و احتلت باستحقاق مكانتها كشاعرة مقتدرة من ادواتها ولغتها الشعرية المفعمة بكل الوان الامتاع والجمال جنباً الى جنب مع فحول الشعر العربي الأصيل وسعت بجد لإيصال رسالة اعلامية من خلال القصيدة .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| استبرق عزاوي :ديوان خوابي الحنين للشاعر ياسر سعد .. كولاج شعري يتأرجح بين المقاوم والوطني .

ديوان خوابي الحنين للشاعر اللبناني المغترب ياسر سعد : كولاج شعري يتأرجح بين المقاوم والوطني …

| أحمد شحيمط : الرواية العربية المعاصرة وأسئلة النقد .

يتحول الإبداع من الرواية والسرد إلى مجال النقد الأدبي، وإثارة تساؤلات عن واقع الرواية العربية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *