محمد عبد حسن : الطوفان (إلى : علي سالم …الذي غاب فجأة) (ملف/18)

إشارة:
جماعة “البصرة أواخر القرن العشرين” جماعة فريدة ليس في تاريخ السرد العراقي فحسب بل في تاريخ الأدب العراقي عموما. فهي لم تكن “الجماعة القصصية” الأولى في تاريخ العراق فقط بل كانت مشروعاً تثويرياً في النظرة إلى دور السرد خصوصا في واحدة من أخطر المراحل التي عاشها العراق بانعكاساتها الهائلة على رؤية الأديب ورؤاه. اقتنصت هذه الجماعة الإمكانية العظيمة لفعل الكلمة المقاوم حبن ترتدي أثواب الفن الباهرة فيمكنها أن تكون ماسة تلمع وتقطع في الوقت نفسه. وإذ تنشر أسرة موقع الناقد العراقي تراث هذه الجماعة وما كُتب عنها فلأنها “ظاهرة” تستحق الدراسة لاستنباط دروسها. تحية لجماعة البصرة أواخر القرن العشرين. ويهم أسرة الموقع أن تتوجّه بفائق الشكر والامتنان إلى الأديب الأستاذ “محمد عبد حسن” مؤرّخ هذه المجموعة وواحد من المساهمين المهمين فيها لأنّه زوّد الموقع بأغلب نصوص هذا الملف.

الطوفان
محمد عبد حسن
إلى : علي سالم …الذي غاب فجأة
المدّ يصعد. كنتُ هناك: أمسك قصبتي على الشاطئ منتظرًا صعوده. الأسماك تأتي مع المدّ /واهمًا كنتُ/، علب صفيح اسطوانية فارغة، أخشاب، قصب، أحذية ممزقة، أشنات طافية، زيوت ترمي بها المراكب، /جثث لفظتها الحروب. نقترب من الجثة. عينان زرقاوان. إجذف.. إجذف، صرخ فيّ. كانت متخشّبة، داكنة. خيط طحلبي أخضر ينبت في الفم. بقايا عينين. بقايا أنف. شفاه مزرقّة/ ورائحة المدّ التي لا يمكن أنْ يُخطئها أنفي.
المدّ يصعد. أؤرجح ساقيّ المتدليتين على الضفة باتجاه الماء /لا تدلِ كفّك في الماء. القرش يجنّ من رائحة الدم/. الماء بعيد عن أصابعي. قصبتي مطروحة بجانبي. تناولتها /تركتها. حرتُ أين أختبئ .. الأرض عارية. ركضتُ إلى ساقية جافة. رشقة طلقات قربنا. رفعتُ رأسي: الطائرات! كانت خسائرنا قصبتين. وضحكنا/ وبدأتُ أفتح خيط النايلون الملفوف على طولها ثلاث مرّات. أخرجتُ كتلة عجين من جيبي. أمسك بالصنارة. أضع قطعة عجين حول جزئها المدبب، أضعها بعناية محاولًا إخفاء الجزء المدبب بأكمله مستعملًا إبهامي وسبّابتي. سحبتُ قطعة الفلين إلى أعلى. أنزلتها قليلا. قذفت الخيط إلى الماء. سحبه التيار /إلى الضفة. علي. تلتهمني العيون الزرق. يقول ابتعدوا؟! وهل يملك الشط؟ إنّه يعيش تحت الجسر. ألا يصله المدّ؟ الماء ينحرف عن فراشه لأنّه يعرفه، كائنات الشط كلّها تعرفه، تجتمع عنده بعد العشاء، تحت الجسر. يشربون. يغنّون ويرقصون. ألا ترى إنه يصيد الكثير؟ يمدّ يده ويستخرج السمك. لنبتعد. ومع حركة الموج كان الماء يدخل فم الجثة ثم ينساب بهدوء عبر حافة الفم/، سحبه إلى آخره. استقرّ. قطعة الفلين طافية، ساكنة. لامس الماء قدميّ. برودته تتغلغل بين أصابعي. رعدة خفيفة سرت في جسدي كله /ألمْ ترَ غريقًا في حياتك؟ لستُ خائفًا. لنقترب إذن. اقتربنا، عيونه الزرق تتشبث بالجثة. أخذت الجثة لون عيونه. عيونه أخذتْ لون الجثة/. الأسماك تأتي مع المد /يحملها على ظهره، يسحبها من رأسي فأراها أمامي، طافية. أغمض عينيّ. أراها طافية. أمي تقول: لا تحضر السمك الميت في الماء وتدّعى أنك صدته/. قطعة الفلين ساكنة، علقت بها كومة قصب، التفّتْ حولها خيوط طحلبية داكنة تتلامع تحت أشعة الشمس المتربعة في قلب السماء.
غمر الماء أقدامي. دعكتُ ظهر كل قدم بباطن الأخرى ثم حركتها بعنف لأزيح عنها أشنات طافية لزجة كانت قد علقت بها. سحبتُ الخيط. تحركتْ كومة القصب فيما بقيتْ الخيوط الطحلبية ملتفّة حول قطعة الفلين. رفعتُها. رميتها إلى النهر مرة أخرى. كانت لزجة /يلتصق الثوب بجسدها. وخزته بإصبعي: علي.. علي. تهتُ في هدوئه. سحبتْ، بإصبعيها، الثوب المتسلل بين ردفيها. كان الوقت ظهرا/. وضعتُ عجينة جديدة. أعدتُ الخيط إلى النهر. الماء يلامس كرشة ساقيّ. قطعة الفلين ساكنة. كائنات صغيرة أحسُّ بها تصطدم بالجزء المغمور من ساقيّ /تحتلّ الجثة بشكل مقزز، تستوطن الشعر، تخرج من المنخرين، تطفو على الوجه، على أذرع ملتوية معقوفة الأصابع، أظافر زرق، على الثياب، تخرج من الجيوب. ابتعدوا، كان يصرخ. علي. يجذف باتجاه الجثة. نهضتُ. دفعني بطرف مجذافه. كاد الزورق ينقلب. صدم الجثة. تفتّق لحم الوجه. كالعظم، وجهي أصفر. مجانين.. مجانين، وشتمنا. قال لي: إنه لا يملك الشط، لا يستطيع منعنا من الركض فوق الجسر. كان يزرع عينيه الزرقاوين في الجثة/.
الأسماك تأتي مع المدّ /تراها طافية وتحضرها، الذي يموت في الماء لا يؤكل. كانت تتلمظ، تمسح شفتيها بلسانها وتهزّ ذيلها. قذفت السمك إليها. لسانها أحمر كالدم/. ومع المدّ تأتي أشياء كثيرة. “(عبد الشط) يأتي مع المدّ”. لابدّ أنه الآن في النهر. يسبح تحت السطح. يزحف فوق طين القاع الناعم. يختبئ بين مستعمرات الطحالب. “إنّه يأتي مع المدّ. يخرج من الماء دون أن يراه أحد. جدّك /خطتُ كفنه بيدي. شققتُ بفمي فتحة للرأس. كان يقلب جسده الذابل على دكة إسمنتية ويصب الماء المغلي بالسدر. غسلَ الفم. تدلّتْ يده إلى الأرض. أدخل إصبعه وفرك أسنانه. رفعها أخي. صبّ الماء في أذنيه. حملوه إلى الداخل. خطتَ الكفن؟/ رآه في (گاع السيّد) ذات ظهيرة. كان يسقي ورآه: رأسه كبير، عيونه كالجمر، شفاهه غليظة، أمّا أنفه فاكبر من أنفك مرتين، تتدلّى من أذنيه وأنفه حلقات ذهبية كبيرة، لونه مثل عباءتي. رآه يأتي راكضا ليرمي نفسه في الماء. كان المدّ ينزل”.
الماء يغطي ربلتيّ ساقيّ. جرذان تنتقل بين الثقوب، إنها تفعل ذلك يوميًا، ولكنها اليوم تتركها إلى الشارع، ثلاثة جرذان كبيرة تتسلق الضفة الطينية ثمّ تختفي. “كان معه طفل /ذراعاه ممدودتان أمامه وفوقهما طفل. دخل بعمامته السوداء. كنّا مجتمعين. الجامع نفس الجامع، ولكن البشر…… الكل صامتون. أسمع الهواء الداخل إلى الصدور. العيون معلقة بجثة الطفل المذبوح. ما ذنب هذا الرضيع؟ آه.. آه لو رأيت. كان كابوسًا وليس حلمًا. ستقع الحرب، قال جديّ/. إنه يخطف الأطفال من الشارع ظهرًا”.
الخيط متوتر. قطعة الفلين تغيب وسط كومة قصب أخرى وخيوط طحلبية كثيرة. سحبتُ الخيط. انسحبت الكومة كلها باتجاهي. رفعته. تفرّقت. بقي بعض خيوط طحلبية عالقة بجزء الصنارة المدبب. جرذان كثيرة بدأت تترك جحورها، ابن عرس، (أبو الجنّيب)، كائنات لم أرها يومًا، لا أعرف أسماءها، ونمل.. نمل كثير، نمل أحمر، أسود، نمل كبير له أجنحة، كلها كانت تتسلق الضفة. الماء يغطي ركبتيّ. المدّ يصعد. إلى أي مستوى يصل يوميًا؟ /يقول تحت فراشي. ولماذا تذهب إليه؟ ليعلمني الصيد. ما زلتَ صغيرا. على الصيد؟ على الجلوس جنبه، يقولون إنه…….. كذب، (جاسم گاگا) لا يفعل ذلك، أبي يعرفه/ أحسّ بدبيب يغلف جسدي. قمتُ. نزعتُ (دشداشتي) /أمامه؟! لم يكن موجودًا. كان في النهر. بعثرت فراشه وحاجياته. لم أجد غير خيوط صيد، رفيعة وسمينة، وصنارات كثيرة، بعضها صغير وبعضها كبير/. كانت سوداء من النمل المتجمع عليها وعلى كل مكان من جسدي: ذراعيّ، بين فخذيّ، فوق صدري، يدبّ على ظهري، تحت إبطيّ. أحس بنهاية دبيبه كطوق في أعلى رقبتي. نفضتُ (دشداشتي). سقط بعضه في الماء. نفضتها. وبعضه على اليابسة. كوّمتُ (الدشداشة) وبدأتُ أنظف جسدي.
المدّ يصعد. تجاوز الضفة. حمل التيار قصبتي والخيط. ضاعت كتلة العجين. النمل يتساقط من جسدي. يهرب. كلاب تهرب. قطط. ماء يغمر أقدامي. حمير تنهق. يرتفع إلى ساقيّ. غثاء أغنام. حصان يخبّ. كائنات تتصادم، يدوس بعضها بعضًا. أطفال يصرخون /لنختبئ. الدوي يقترب. علي. أركض.. أركض/. نساء بشعر منشور، أثداء مكتنزة، بطون منتفخة، بطون ضامرة. هياكل عظمية تركض /رميتُ جسدي إلى الأرض. قطع الحديد الصغيرة تمزق الهواء. لم أعد أراه. كان الدوي قريبا/. الماء يحتلّ وسطي. كائنات خرافية تخرج من النهر. تظهر رؤوسها. وعندما تقف تبرز أجسادها المتقرنة إلى منتصفها. عيونها حمر، قاسية. أذرع طويلة بمخالب حادة تمدها إليّ. أركض. أحاول الاختباء /بين الأجساد الكثيرة بحثت عن عيونه الزرق. لم يكن موجودًا. وكانت خائفة تشدني إليها مع كل دويّ نسمعه/. الكائنات الخرافية تتكاثر، تمدّ أذرعها إلى اليابسة، تقبض قبضة من السيل الهادر: رجال مسنون، حمير، نساء صغيرات، وشجرة /انطفأت عيونه الزرق/. تفتح أفواهها. لها أفواه بحجم بوابات المدن، بحجم الشط، بكبر السماء. تتطاير ألسنة لهب أحمر، أزرق، ينتشر في كل اتجاه ثم يختفي. تضعها في فمها. تشتعل الشجرة. الماء يرتفع. ينبجس من كل مكان. قبضات أخرى ترتفع إلى الأفواه النهمة. غابت الأشجار إلى منتصفها. غرق الكثير. /تهدمت بيوت/. طافت أجساد بشر، قطط، /أغطية مخططة بالأخضر والأبيض/ كلاب، /أحذية بأعناق طويلة، خوذ/. كانت الكائنات الخرافية تلتقط ،بمخالبها الحديدية،الجثث الطافية ،تضعها في أفواهها ثم تزفر. مناخيرها كفوهات البراكين، تقذف الحمم.
الماء أغرق المدينة. /تحوّلتْ إلى خرائب/. غابت البيوت. غرقت. /تهدّمت/. المخالب تمتد لترفع ما بقي من جثث. الماء يرتفع. وقفت الحيوانات الأسطورية، شكلتْ حلقة حول المدينة التي أغرقها الطوفان. يخرج (عبد الشط) من منتصف الحلقة، يظهر فجأة، يحدث خروجه موجة رهيبة، عالية. أحتضنُ غصن الشجرة بقوة أكبر، أحيطه بساقيّ. جسده الأسود يتلامع. حلقات الذهب تشع. يزفر شررًا. لم يبق غير قمم الأشجار ورؤوس الحيوانات الخرافية وهي تتلمظ بألسنة نارية. الماء يطوق وسطي. أحتضنُ قمة الغصن. يرتفع. يغطي صدري، رقبتي. أغلق فمي كي لا يدخله الماء. يلامس منخريّ. أصبر. أختنق. أرفع رأسي لأتنفس. يشير (عبد الشط) برأسه إليّ. تمتدّ مخالب كثيرة باتجاهي. أغمض عيني. /عندما ابتعدنا انتشلوا الجثة. كانت زرقاء.. كعيونه/.

آذار – نيسان 1992
البصرة

شاهد أيضاً

د. صالح الرزوق: قراءة في (الديوان الرشيق) لقصي الشيخ عسكر (ملف/18)

إشارة: للشاعر والقاص والروائي والباحث المبدع الكبير د. قصي الشيخ عسكر بصمة مميزة في أغلب …

الشعر كلذّة وخلاص وخطاب جمالي
قراءة مُكثّفة في نص (بلا تاريخ) للشاعر محمد النصار
سعد جاسم (ملف/44)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

علوان السلمان: البذرة اعلنت عن ثمارها يا…… (ملف/43)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *