مؤيد داود البصام: أزمة النقد في الوطن العربي والديمقراطية…

طرحت الندوة التي أقامتها رابطة الكتّاب الأردنيين ، بعنوان (أزمة النقد العربي)، وجهة نظر متقدمة، أكثر وضوحا وثورية، وخرجت عن دائرتها المغلقة في مناقشة الأزمة النقدية التي طالما ناقشتها دراسات ومؤثرات واجتماعات،  والتي أخذت مساحة واسعة في النقاش ليس في  الساحة العربية فقط وإنما في الساحة الثقافية العالمية أيضا ً، ولا تخلوا نشره الأ وفيها ذكر عن قصور النقد أمام النتاج الثقافي عموما فنا ً وأدبا ً والأنساق الأخرى، الأ أن ما جاء في الندوة الذي أدارها د. حسن عليان، وتتابع في الحديث فيها: د. إبراهيم السعا فين، ود. شكري ماضي، ود. زياد الزعبي، تشكل نقطة مهمة في الرؤية الحديثة للنقد وإخراجه من القوقعة التي تحاصره كونه يبحث في شكلية النص فقط، والتي أسست لشبه من القطيعة بين المبدعين والمتلقين، وقد انطلقت آراء المتحدثين بالبحث في كيفية إشراك النقد في معالجة المشكلات الحياتية والواقع، و بدأ الحديث مقدم الندوة، د. حسن عليان، قائلا ً: إن لدورات التاريخ الزمنية، بفاعليتها السياسية، وتراكماتها الحضارية، ولدور العقل البشري في الإبداع والابتكار والتجديد، وأحيانا في الإحباط والتخلف، ما يدفع إلى بلورة المدارس النقدية واتجاهاته ولو نظرنا إلى حركة النقد العربي، عبر تاريخه، فإننا نجده أنه كان انطباعيا في البداية، بما يتناسب وبنية الفكر العربي آنذاك، وقد تطرق النقد العربي القديم إلى مفهوم الصدق والكذب في إطاره الفني، وكذلك الصنعة والإلحاح واللفظ والمعنى والعلاقة بين الرسم والشعر والتصوير ووظائف الصورة ووظائف الشعر والملكة الفنية، وغيرها من القضايا التي شغلت الفكر العربي.
النقد  والمناخ الديمقراطي …
ثم تناول الحديث  الناقد د. إبراهيم السعافين، قائلا ً: أن أكثر الظواهر التي يعاني منها النقد العربي هي تبني نظريات ومناهج نقدية حديثة، حيث لم يستطع النقاد تكييفها لتناسب الإبداع العربي، وبدت عملية استنساخ من سياق مختلف، فلم يفلح النقاد بإقناع القارئ بقيمة ما  يفعلون، واستحالت إلى ما يشبه الفهارس والقوالب والجداول التي لا تدل على تميز النص والكاتب ، ولا تشير إلى خصوصية معينة. صورة الأزمة الأولى في النقد الأدبي العربي تبدو في افتقار المناخ الثقافي إلى الديمقراطية، رغم اعتراض نفر من المفكرين على هذا الموقف، وأضاف: ومن مظاهر تلك الأزمة غياب الديمقراطية في الحياة الثقافية، هذه الظاهرة الانعزالية المتمثلة في وجود معسكرين راسخين يصعب اللقاء بينهما، معسكر يرتد إلى الماضي ويغلق بصره عن الحاضر وعن طبيعة العصر ومشكلاته وطرائقه في الإبداع، ويتغنى بما فعل الأجداد من النقاد والمبدعين ويباهي بإنجازهم من دون مشاركة حقيقية وكأنه هو الذي أنجز وأبدع، وينحى باللا ئمة على ما يستجد في الشاطئ الآخر أو حتى في المنطقة العربية، ويتسلح بالتراث والتراث لديه محض وهم؛ فليس التراث نقطة متعينة في الزمن، وليست حاجزا افتراضيا، بل هو ممتد فينا حتى اللحظة الحاضرة. والمعسكر الآخر فريق شدا شيئا من المعرفة النقدية الغربية باطلاعه على بعض المصادر الأساسية بلغته الأصلية أو مترجما، ولم يفطن إلى تطور حركة الفكر وامتداده منذ فجر التاريخ، ونسي أن يتأمل التطور والتداخل وأن يفطن إلى الأشباه والنظائر، وأن يحلل الواقع بمعطياته الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأن يعاين الإبداع عامة والنقد على نحو خاص من منظور العلاقة بين الأنا والآخر، أو التأثير في جدلية متبادلة لا تكتفي برؤية الأمر من زاوية الأخذ والسلخ   والاستنساخ.                                                                                                               واختتم ورقته  بالقول: المتأمل في ما يجري في الوطن العربي يلحظ انهمار الأطروحات الجامعية، يدرك أن المفهوم الأساسي للأطروحات الجامعية قد فقد الهدف من ورائه، وبدت العملية برمتها تنذر بكارثة حقيقة، ولا بد من إعادة نظر حقيقية يتولها المختصون الأدرى ببواطن الأمور.
النقد ومراجعة الوظيفة                                                                                         من جانبه تحدث د. شكري عزيز الماضي عن (سبل تجاوز أزمة النقد العربي)، لخص وجهة نظره بالتالي وهي: ضرورة تأكيد الوظيفة الكلية والاجتماعية والتاريخية والحضارية لكيان النقد الأدبي، المتمثلة في تجسيد صوت أدبي ونقدي خاص، وهي مهمة تسهم في تشكيل علاقة متوازنة بين الذات والآخر أي تعادل انفكاك من أسر التبعية، وضرورة تعريب النقد الأدبي، أي تكون ممارستنا النقدية ذات طابع عربي وهذا يتطلب ضبط عملية الانبهار بالغرب، لأن هذه العملية تؤدي إلى مفهوم مسطح للعالمية، وتبدد طاقات إبداعية كبيرة، والعمل على مراجعة فكرة المثاقفة، لأن المثاقفة في مرحلة الاستعمار تؤدي إلى مفهوم هيمنة الثقافة الغالبة على الثقافة المغلوبة، أي تؤدي إلى ترسيخ التبعية الذوقية والجمالية. أما الملاحظة الأخيرة  فتتمثل في التأصيل، أو مهمة التأصيل، أي تكون لنا خطتنا أو برنامج عمل من صنعنا، وأضاف: أحسب أن واقعنا الأدبي والنقدي، بعد مائة عام على نشأة النقد الأدبي،  يفرض أن يكون عنوان هذه الخطة «التأصيل»، ومهمة التأصيل عملية شاملة وعميقة وتاريخية تعني: تأصيل الأدب العربي وأجناسه ’المسرحية مثلا‘، فالحداثة تعني تحرير الذات، وتأصيل التيارات والمناهج الغربية، بخاصة بعد أن ثبت أن أقلمة المناهج الغربية أو تبنيها بدعوى العالمية أو الثقافة الإنسانية لا تؤدي إلى تمكين النقد العربي من أداء وظيفتيه المتفاعلتين. وأوضح أن الدراسات الشكلية أو الشكلانية، إذ تجرد الأدب من القيم وتنظر إليه باعتباره شكلا مجردا ً، فإنها تختزل النصوص وتختزل الممارسة النقدية، إذ لا تقترب ولا تعترف بالوظيفة الكلية التاريخية الحضارية للنقد الأدبي …
النقد والتحولات

أما د. زياد الزعبي فقد رأى أن الأزمة مستحكمة لفقدان المناخ الديمقراطي، وأزمة النقد جزء من مجموع الأزمات التي نعيشها، قائلا ً: أن الأزمة التي نعيشها هي أزمة أمة، وأزمة ثقافة برمتها، ليست أزمة النقد إلا نقطة صغيرة فيها، فقال: في مرحلة التحولات الجذرية التي يشهدها العالم العربي في مغربه ومشرقه، والتي تهزّ أركانه السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وتعصف ببنيته الثقافية ومثقفيه، يغدو الحديث عن ’أزمة النقد‘ من اللمم، ويمثل حالة من غياب الوعي بالعواصف والحرائق التي تحيط بنا، فنحن مدعوون إلى معاينة ما يحدث ونقده، لأنه يمثل نقطة تحول تاريخية، ويجب أن ندرك أن المثقفين يجب إن يكونوا (مثقفين)، وأن النقاد يجب أن يكونوا نقادا، ذلك لأن (طبائع الاستبداد)، أنتجت جيوشا من أدعياء الثقافة والنقد والسياسة، وهو ما أدى إلى تكريس التخلف في عالمنا العربي، وهؤلاء الأدعياء هم أعداء العدالة وأنصار الظلم، أعداء الحرية وأنصار الاستعباد.
وتساءل الزعبي: أين المثقفون من كل ما يحدث في سوريا وليبيا واليمن؟ مضيافا ً: لقد كان أكثرهم عبيد ذواتهم ورغباتهم ومنافعهم الصغيرة، وهنا نقف إجلالا للصبية والفتيان الذين حطموا الأصنام وهتفوا للحرية وللموت (الموت ولا المذلة)، وللشباب الذين يرسمون ملامح غد جديد، وندعو نحن الذين «هرمنا» بانتظار قدومه، أن يكون مختلفا عن أمسنا ويومنا، ندعو ما استطعنا أن يكون بلا (أزمات) لا في النقد، ولا في الكرامة والحرية.                    وجاءت تساؤلات د. حسن عليان مقرر الجلسة بعد أن انتهى المتحدثون من أطروحاتهم، لتضيف رؤيا أخرى لما طرح من قبل المحاضرين، وكان أبرزها، : ما دور التاريخ بمشكلاته ومظاهره في بلورة المدارس النقدية واتجاهاتها؟، مشيرا إلى إن الحركة النقدية تطورت في العصر العباسي الأول – عصر الاطلاع على الثقافة الغربية وفلسفتها، وعصر تصوراته لكثير من قضايا الفكر العربي آنذاك الأدبية منها والفكرية والفلسفية، مبينا إن النقد العربي القديم ، عالج قضايا متعددة سواء المستمدة من الآداب الغربية أم الموضوعة وفق فلسفته التجديدية في ذلك.    وأشار عليان إلى أنه في بداية عصر النهضة وقف العقل العربي ثلاثة مواقف من المدخولات الحضارية الغربية والفكر الغربي:التيار الأول: الآخذ بالقديم وترك كل ما هو جديد.      التيار الثاني: دعا إلى القطيعة الكاملة مع التراث.   التيار الثالث: التيار الوسطي، أي الأخذ من التراث بما يفيد حاضر الأمة ويحيي فكرها  وفلسفتها، والأخذ من الغرب مما وصل إليه من تقنية علمية.
وبين عليان إن انفتاح الساحة الثقافية في المغرب العربي على الثقافة الفرنسية وترجمة الثقافة وبخاصة الدراسات الأدبية والنقدية، أدى إلى خلخلة بنية الفكر العربي ووضعه في خانة اقل  ما يمكن إن توصف بالإرباك..
أن ما طرح من تصورات ووجهات نظر نقدية للمحاضرين الثلاث ومقدم الندوة، مثل وان اختلفت إشكال الطرح رأيا ً واحدا ً، يتمثل في نقد العام المؤثر على الخاص، والإشارة بوضوح إلى عدم الفصل بين ما يحدث في الواقع المحلي والعربي والعالمي، وبين الأزمة التي تعصف بالنقد، والأطروحات أكدت على الجانب المهم، هو أخراج النقد من بعده المتقوقع الذي أخذ وقتا ً ليس بالقصير، بعدم ربط النص بالحراك الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي، وعدم فاعليته في الدفاع عن مصالح الجماهير، ووضعه في الموقع الذي لا يتعالى على الجماهير،  وبالتالي جعله الأداة التي تقوم وتعدل ليس على صعيد النصوص وحسب، وإنما على صعيد كافة أوجه الحياة والواقع، التي يستمد النص وجوده منها، ويشارك النقد في التغيير والتطور ليس كونه حالة منفردة وإنما كونه جزء من الحراك العام الذي يجب إن تتمتع به الشعوب لتبدع وتتطور، ولهذا يجب أن يكون حراك النقد متوازي مع الأنساق الأخرى في بناء الجسور بينه وبين الجماهير من حيث كونه الأداة التي تراقب الخلل الذي يعتري المجتمعات، ويشير له بكل صراحة وجرأة، في أوقات السكون والتخلف.

نشرت في جريدة الزمان الدولية

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حيدر حسين سويري : الرؤى والاحلام من وجهة نظر اجتماعية .

   ينتقد الناس ظاهراً الشخص الذي يتصرف وفق ما يراه في أحلام المنام او اليقظة، …

| مهند النابلسي : **نكزات فيسبوكية طريفة .

*ليست ارضية” وفي الصميم/2019/2020/2021: كتابة ساخرة شيقة بلا أسماء وشخصيات أرضية بل كوكبية كونية! **واحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.