عباس خلف علي : النخب الأكاديمية وإشكالية العلاقة مع المبدعين

النخب الأكاديمية وإشكالية العلاقة مع المبدعين

عباس خلف علي

الشيء الملفت أن هذه الإشكالية تطرح من داخل الجامعة لبحث هذه العقدة المستدامة ، معنى ذلك ، أننا أمام حراك ثقافي يحاول أن يجعل القاطرة تسير بالاتجاه الصحيح ، ونتوسم من ذلك أن تتبعها خطوات لاحقة ، تؤدي إلى تقليل الهوة وتضيق مساحة الفجوة بين التدريسيين والمبدعين ، وهذا لا يتم من دون جهد حقيقي يتمثل في فتح قنوات الاتصال المباشر وتعزيز دوره من خلال الاستضافة أو الندوات التي من شأنها أن تعمق أواصر الأسرة الفكرية بالاطلاع على التجارب ومناقشتها وتحليل بنية خطابها الثقافي والإبداعي ، وبذلك نكون قد أسهمنا في تخطي الركود والكساد والإهمال والتهميش إلى فضاء الثقافة الرحب .
والآن ماذا نعني بإشكالية العلاقة بين المبدعين خارج الجامعة وأساتذة الجامعة من المختصين بتدريس الأدب ..كيف نفهمها ونتصورها ببعدها الإنساني والفكري والتعليمي ؟.
أعتقد أن مثل هذا السؤال دائما ما يطرح هنا وهناك ويأخذ وقتا من دون فائدة تذكر ، فحينما يكون الطرح من غير حلول ، يصبح كمن ينفخ في قربة مثقوبة ، وهذا ما لا نرغب فيه أن يكون تكرارا لما قد قيل سابقا بل نحتاج أن تكون هناك نتائج حتمية ، تضع حدا لمثل هذا التساؤل بشكل أو بآخر .
فنحن ندرك أن النخب الأكاديمية مرتبطة بالمفهوم المؤسساتي ، وأي مساس بهذا النظام يعد خرقا لتطبقيات القواعد الأساسية لهيكليته المنهجية في التربية والتعليم ، ومن هنا نفهم ، أن النظام الوظيفي يختلف جذريا عن المقومات الفنية للإبداع ، ففي النظام الوظيفي ، مهنة تؤدي رسالتها على وفق الضوابط واللوائح المعمول بها في سياق الدرس بينما الإبداع عملية معقدة من الصعب إيجاد تعريف متفق عليه ، فهو عالم قائم بذاته ، واقرب تفسير له باعتقادي هو الذي أطلقه بارتليت : بأنه التفكير المغامر الذي يتميز بالتخلص من القوالب المصاغة والإقبال على التجربة وإتاحة الفرصة للشيء ، لكي يؤدي إلى غيره .
ومازال الحال هكذا ، فمن حقنا أن نعيد صياغة السؤال بالشكل التالي : إلى أي مدى يمكن الاستفادة من المبادرات الفردية الجادة في توسيع مفهوم “الدرس الأدبي” والخروج من عالم الرتابة إلى الدهشة والمتعة والعلم في آن وكسر حاجز النمطية في الإلقاء والتلقي ؟ .
وفي هذا الصدد انقل بعض آراء المعنيين في هذا الشأن :
يذكر الناقد المغربي د. سعيد يقطين ، أن اهتمامي بالبحث الأدبي نتيجة غياب البحث العلمي المواكب للتيارات الفكرية فحينما ظهرت أواخر السبعينات البنوية التكوينية فتبين لي أن الوعي بتصور الأدب عند غولدمان كان ناقصا فالذين اشتغلوا بآرائه لم يكونوا مطلعين على كتبه فكنت احرص على توزيع الكتب بين طلابي في الدراسات وأناقش معهم ما لمسته من دون أن أتدخل في ما يتوصلون إليه .
وقال الناقد د. عبدالله الغذامي الذي يعد من أوائل المشتغلين على مصطلح الحداثة في عالمنا العربي: أني اشعر بالحرج عند سماعي بان بعض التدريسيين في قسمنا لا يهمهم من النقد إلا النحو والصرف والبلاغة وإذا اهدي لهم كتاب أدبي أهم شيء يشغلهم فيه، هو البحث عن حروف الجر وكان وأخواتها والفعل والفاعل وأدوات الجزم والنصب و الشرط في النص ، طيب ماذا بقى للطالب الذي أتى ليستنير بعلوم أستاذه ؟.
كما يمكننا ان نستشهد في هذا الباب بما قاله الناقد الأردني د. أبراهيم خليل، فالذي يتابع هذا الناقد يجد انه مثابر في نقل المصطلحات الأكاديمية من الجفاف إلى مقاربات متداولة وسهلة الفهم ، يقول ما لفت نظري في جماليات المكان لباشلار ترجمة غالب هلسا، أن فلسفة تأويل المكان غربيا مختلف جدا عن طبيعة المكان العربي وحرصت ان يحمل هذا الإشكال أن كان عيبا في الترجمة أو مرده القصور في القراءة ليكون طلابي حكما لما أظن .
ومن ذلك نستشف أن هذه المبادرات فردية لا دخل للنظام فيها وغير متحكمة بألية التدريسي عندما يسعى لتحقيق غاية ما في بلوغ لحظة المتعة وإسعاد الطلاب من خلال الحوار والمناقشة .
فإذن النشاطات والفعاليات هي رهن المثابرة والاجتهاد الفكري والعلمي ومساهمة مشرقة في استيعاب التجارب الإبداعية والتماس معها اغناء وإثراء معرفي يفتح أمام الطالب آفاق لا حصر لها في ميادين الإبداع .
فالأشكال الحقيقي يبدأ إذن من هذا الاختلاف أي أن موضوع المبادرات التي لم تأخذ استحقاقها الفعلي والتداولي سواء بين الطروحات النقدية التي تلقى رواجا في كتابات النقاد وتعد مرجعا للتحليل والتفسير والتأويل على الرغم من ضعف بعضها أو عدم تكامل الصورة نضوجا وفكرا على الساحة البحثية ولكن يأخذ هذا الالتباس كما حصل في الاقتباس والتناص وغيرها من المصطلحات الغامضة التي لم يتصد لها احد وبقيت تلعب بها الأهواء وكيفما تشاء ، صحيح لا توجد لدينا في العالم العربي جامعة واحدة تكون مرجعا مهما كالسوربون وهارفد وكامبر يدج واكسفورد وكولومبيا وغيرها ولكن من حق التدريسي أن يلعب دورا مهما في أن يخفف من وطأة هذا الفراغ ويقلص الفجوة ، وهذا ليس بالأمر الصعب لو تكرست لهذه المهمة ورشات عمل بحثية تلتقط ما هو خارج الجامعة من مناهج ومفاهيم وأدب وتقترح ما تشاء منها للتداول والتحليل .
وحسب اعتقادي المتواضع هناك بعض العوامل أيضا التي كان لها نصيب حقيقي من هذا الإشكال وهي :
1- غياب الأطاريح الجامعية واختفائها عن الجمهور وبذلك تصبح كالمنشور السري الذي لا يمكن تداوله إلا بين أصحاب التنظيم فهي لا تخرج عن أروقة الجامعة وهذا ما يحرم شريحة واسعة من المثقفين الاطلاع عليها أو الكتابة عنها وبدلا من أن تكون الرسالة جزء حيوي من فعالية ثقافية تساهم في الوعي المعرفي نراها تطوى وتركن في دهليز الأقسام كمدونة جاهزة للأرشفة لا غير وهذا خلاف ما نراه في المغرب العربي مثلا التي تعد الرسالة فعلا اجتماعيا وفكريا وعلميا وتسعى إلى فتح قنوات اتصال جماهيري عبر ندوات مفتوحة بعد كل مناقشة لتسهم الصحافة المرئية والمسموعة في نقل وقائعها لقاعدة عريضة من الجمهور. وهذا يعني أن الرسالة الجامعية أصبحت فعلا اجتماعيا عاما وليس خاصا كما هو متعارف عليه في وسطنا الجامعي .
2- إشكالية العلاقة بين نظرتين للسياق التدريسي بين اديولوجي المنهج وآخر حداثوي الطرح وهنا نجد اختلاف سياق الإبداع عن سياق التدريسي الذي يخضع كليا لمقومات الدرس على وفق الضوابط التاريخية والموضوعية في سياق الدرس الأكاديمي وهذا التحنيط يتنافى مع سياق الكثير من مبدعي الحداثة في العالم العربي وصارت التجارب الإبداعية ميدان للنقد لان النصوص الأدبية تريد أن تخلق متلقي ناقد أي أن من دون الحرص على النقد موازي لدهشة المتعة بتصورها لا يهضم المعنى وبعبارة أخرى لابد من وجودِ نصٍ مثيرٍ للأسئلة مع الحفاظ على المحتوى والمضمون كقيمة أدبية وقديما قال المتنبي “أنا ألذي نظر الأعمى إلى أدبي” اي ان المتلقي المسترخي لا وجود له في النص فهذه الطريقة ليس مرحب بها لأنها مخالفة لقاعدة المتلقي التقليدي
3- النقد الأكاديمي فاغلب الأبحاث التي تطالعنا على صفحات مجلاتنا الجامعية نقولها بمرارة أبحاث تقليدية في الكتابة الأكاديمية ، أنها عبارة عن دراسات تتعلق ببحوث الترقية وترصين المكانة الوظيفية وهذا النمط من الكتابة لا يعني بالضرورة نواحي الأدب والفكر بينما المسار التاريخي للنقد الأكاديمي ثروة هائلة في متغيرات الفنون والآداب يبدأ من فكر الأنوار على يد المثقفين الجامعيين في فرنسا ومن ثم اخذ ليشمل بشكل عام أنواع الفكر المختلفة بالفلسفة والفنون والآداب في كل إنحاء أوربا وتمثلت فيها أسماء مهمة مثل فولتير وجان جاك روسو وديفيد هيوم وكانط في كتابه – نقد العقل المحض – الذي يقوم على سؤال رئيسي :مالذي يستطيعه العقل ؟ الذي فرق من خلاله مابين الميتافيزيقيا والواقع ودي سوسير الذي أشار إلى تفسير اللغة والكلام واعتبر ان اللغة هي نتاج مجتمع بينما الكلام هو حدث فردي متصل بالأداء والقدرة الذاتية للمتكلم وكانت دراساته اللغوية قد شكلت مفاتيح حلقة براغ ” ماتياس ” 1928-1939 في بنائية اللغة وكانت تضم (رومان جاكبسون ونيكولاي تروبيتسكوي وسيرجي كراكفيسكي ورينيه ويليك ويان ماكروفسكي ومن ثم تبعهم جيل آخر ظهر على يديه المنهج البنيوي أو المدرسة البنيوية في الستينات من القرن المنصرم وكذلك لا ننسى جهود الأكاديمي الروسي المعروف تودروف ( نظرية الأدب ترجمة الأعمال الروسية إلى اللغة الفرنسية) والأكاديمي ياكوبسن (نظرية التلقي وعناصر التواصل ووظائف اللغة ، التي تتلخص في ستة عناصر أساسية هي المرسل والمرسل الية والرسالة والقناة والمرجع واللغة ) ومن أعلام هذه المرحلة رولان بارت وتودروف وجيرار جنيت وفوكو وجيل ديلوز وغيرهم وقد خرجت من رحمها مناهج نقدية عديدة منها السيميائية والأسلوبية والتحليلية والتفكيكية بالاضافة إلى الالسنية التي هي عماد هذه المناهج وكذلك ظهرت موجات البعديات مثل ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة وما بعد الواقع واهم المشتغلين في هذا الجانب هم بارت وجاك دريدا وهي تدعوا إلى دراسة المتغيرات في التلقي والانتقال من أهمية الكاتب في تركيب النص إلى دور قارئ النص في توليد معان جديدة لا نهاية لها .
4- إشكالية القراءة والمثاقفة بين الأديب والتدريسي فنجد أن لكل منهما ذائقته القرائية الناتجة عن طبيعة الحاجة إليها أي أن من غير المعقول المشتغل على النصوص الحديثة أن يدرس المناهج التربوية المتعلقة بالبحوث الأكاديمية وذات الشيء ينطبق على التدريسي من الاستحالة أن يغادر منطقته ويتجه خلاف المنهج المقرر له فهذا التباين في مستويات القراءة يدعونا إلى مراجعة المناهج التدريسية لكي تكون محايثة او متقاربة علميا وفكريا وهذه الدعوة بكل تأكيد سوف تساهم في أغناء وإثراء للواقع الثقافي والمعرفي والإبداعي .
ومن الملاحظات الأخرى في هذه (الإشكالية) هو ما يتعلق في معارض الكتاب في الجامعات وان كانت صحية ومطلوبة ومهمة في موضوع تداول الكتاب إلا أنه يخلو تماما من أي حوار أو ندوة تلقي الضوء على الكم المعروض من الكتب ، وكذلك تفتقر إلى برنامج إعلامي يرافق يوميات المعرض ، وهذا التغاضي والتجاهل يؤدي إلى عدم الاهتمام بموضوع الكتاب أو بالقليل يؤثر على نسبة التحفيز على القراءة الذي كرس المعرض لأجله هذه الغاية وهذا الهدف .
ربما ركزنا في هذه الورقة المختزلة على بعض الخيوط العريضة في جانب إشكالية العلاقة بين المبدع والتدريسي ، لأننا ندرك هناك أسئلة كثيرة وملحة ولا يمكن إخفاءها عاجلا أم آجلا ، ولكن لا يتسع لها المجال لمناقشتها ، ولهذا اكتفينا بالأهم واجلنا المهم ، آملين من ذلك قد خطونا نحو البناء الصحيح في تسليط الضوء ، والله من وراء القصد .

شاهد أيضاً

بولص آدم: اللون يؤدي اليه (3) (ملف/14)

إشارة : “ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”. يهمّ أسرة …

سعيد بوخليط: سياق كورونا: ماذا عن جيل”السيبرانية” والنمط الأمريكي؟

أعتقد بأن التصنيف القائم غاية الآن؛بخصوص طبيعة الأجيال التي عرفها العالم الحديث،حسب أصولها الأنثروبولوجية ثم …

هاتف بشبوش: الموتُ في ريعانِ الشباب …

كنتُ أبكي أيام زمانٍ مضى على تلك الفتاة العشرينية العمر التي تصاب بمرضِ السلّ فتذبل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *