كريم الثوري: أنا أنافق إذن أنا موجود (4)

(سأرمي سرب عصافير بحجر واحد
ويعود السرب… يضربني
اصغ قبل أن تتبجح
بأننا من طينة واحدة…)

حينما احتضنتنا الجارة إيران، كان بصحبتي الرفيق الشيوعي المهندس عامر نعيم ، ولأنّنا من طينة اليسار العراقي المهزوم ، صار لزاما ًعلينا أن نراعي الأجواء المحيطة كوننا نعيش في دولة ترفع شعار الجمهورية الإسلامية ، وأن نتطبع تبعا للأجواء السائدة هناك ،  لذلك سرعان ما نبهنا بعض الأخوة بضرورة التأقلم مع الواقع الجديد ، وإلاّ ستُقطع أرزاقنا ، لاحظَّنا أيضا وجود أعداد لا يستهان بها من العلمانيين سبقونا ، قد استبدلوا جلودهم تناسقاً مع العهد الجديد ، بل وسعوا بكل ما لديهم من قدرة تلوين ،  لخلق معادلة ذي شقين تُعيد التوازن ، واحدة للاستهلاك والثانية حين الإختلاء بنظراء الهّمْ الفكري المشترك ،  فالتِقيّة معتقدي ومعتقد أجدادي ، كثيرا ما يتم تداولها حتى تلبستنا كتعويذة الميعاد ، مثل كُتّاب السلاطين على مر الدهور ، حين يحررون كتابين يُناقض أحدهما الآخر  ، لكل كتاب قوم ومناسبة .
انعطفت بنا الأحوال كما الأمصار ، فصرنا لا نميز بين غثها وسمينها ، نحمد الله أنّنا يوما مررنا بكولن ولسن و وبول سارتر وفيكتور هيجو وميشيل فوكو إلى بقية السلسلة التي هيأتنا ليوم منازلة يصعب فيها الكيل بمكيالٍ واحد ، لذلك سرعان ما وجدنا أنفسنا نغير مناهجنا وقراطيسنا من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين ، تماشيا مع طبيعة الوضع القاسي  ، لملمتنا المساجد واضرحة الأولياء والبيوت والمساكن المُعدّة خصيصا للتوابين الجُدد ، فلكل فترة ثورة توَّابين تُعيد الحقوق المسلوبة إلى أصحابها وتُفرِح القلوب الكسيرّة ، كما هو متعارف في غسيل الأدمغة ، والتي تلقمناها منذ اليوم الأول لدخولنا معسكر خرامشهر المحمرة …
كان يومها بيت الدعوة على الطريقة البصرية ، يقوده الكاتب والباحث الشهيد عز الدين سليم ، ويسوقه العرفاني الحاج _ أبو صاحب _ كنا لا نميز بين دعوة ومجلس ومنظمة عمل ، فالفطرة وعدم النباهة . علاوة على فَقرْ التجربة سجيتنّا في خُفيّة لا تُحتمّل…
قادنا الحاج – أبو صاحب – ليقدم لنا وليمة مجانية ، كانت بمثابة الصدمة الكبرى ابتِداءً ، عرَفنّا بقواعد اللعبة ، فالقريب من مراكز القرارات الإيرانية هو السائد ، وما اكثرها من قرارات حدث ولا حرج .
مسكني عندها عامر نعيم ناصحاً : ياصديقي نحن سجناء الحالة الإيرانية كما كنا سجناء القاعدة العراقية ، ما كنت لأعرف ذلك من قبل ، صدقتهم فخذلوني ، وقد كان يُشير بسبابته متوعدا الغيمة النزقة المُحمولة جوا،  ما علينا سوى أن نخفي رؤوسنا كالنعامات  ، وفعلا سافرنا إلى قم معقل الحسينيات واللهجات الجنوبية المتقاربة ، فالعراقي بطبيعته ، ميال إلى الحميمية ، ومن هناك أطلِّقت لُحانا للمرة الأولى في حياتنا كمبادرة سباقّة لإعلان براءتنا من تاريخنا القديم…
استجاب صاحبي  الماركسي ذو الوجه المصباح المُهيأ لكثافة شَعر غَيّبَهُ طويلا ، ما جعل منه قديسا يتبرك بها ويتباهى أمام مراجع الدين الذين كنا نقف طوابير على أبوابهم من أجل حفنة تومانات ، فيما لم توافقني اللحيّة ، فقد كُنت أملحاً ، طويل الوجه ، تجتاحني رغبة عارمة لقلب معادلة قاسية الهضم كلفتني الكثير من الحرمان ، وبكل الطرق المتاحة ، رحت أُطلق عنان روحي للتيِه يعوض ما فاتني ولم أستطع استنطاقه ، فهو الملآذ  المتبقي لخرق كل القوانين ،  ما وجدته في دوافع نفسي اللوامّة  هيأتني لأكتشف أبعاد اخلاقيات السوق،  وهي تفضح  عوراتها للمرة الأولى ، على سمات وملامح وأفعال ما كُنا نعتبره مقدسا في كتب علم الرجال  ، مدفوعا بأقصى طاقتي ، ساعدني في ذلك حنين صوب الرجع البعيد  وجدته يتسامى بين أفخاذ نساء الصدفة على الطريقة المعمول بها في إيران ، قُم ومشهد تحديدا ،  مرددا بعد كل مضاجعة شرسة : المايتزوج إيرانية حياته هي هي !
كذلك انطلق عامر نعيم ، يستنطق الفرص السانحة لتعويض ما فاته يوم كان شيوعيا ، يدفع التبرعات ويوزع المناشير السرية ، صار يصلي ويصوم ويحفظ اللطميات المتوافقة
مع نسيجه العمارتلي ، ولأنه محترف بلاغة ومنطق ، فالشيوعية مدرسة المدارس بإتفاق حتى المعميين ، صار أرباب السوابق الحزبية  بطرقهم الملتوية ، يلجأون اليه لتجيّره إسلاميا ، فيما التجأت الفرق الإعلامية بعد الأطلاع على ما أكتُب على مصارحتي بالعمل الصحفي ، وفعلا تم تنضيدي ، لكاتب في صحيفة الإعتصام الناطقة بإسم حزب الدعوة تنظيم البصرة ، الذي يشرف عليه الحاج عز الدين سليم ، لكن مشكلة فنية صادفتني ، فملفي يقول بأني من بغداد ، مجهول الهوية التعريفية بحسب شهود دُعاة ، لذلك انفسخ عقد عملي ، فوكلت امري إلى عامر نعيم يقودني كيفما يرغب.
لم نجد أمامنا غير منظمة العمل الإسلامي ، فهي سهلة شفافة، لا تهتم كثيرا بالجانب التاريخي لمن ينتسب اليها ، فقط تريد موازاة حزب الدعوة في عدد الأعضاء المنتسبين اليها
توكلنا على الله ، أنا وعامر ، هو طالب حوزوي تطور في ريائهِ لدرجة صار يصلي بالنيابة عن الأموات ، مقابل مال عن كل ميت ولمدة معلومة ، وأنا أكتب في صحيفة (     ) ، لي غرفة وراتب محدد  أسبوعيا ، يزودونني به على مراحل ليضمنوا استمراري معهم ، فهم عفاريت …ربي .
ليلاً، اكتشفت عامر يذهب سراً ، إلى جهة في اطراف قم البعيدة ، يغيب ، وحينما يأتي كان وجهه مُتشحاً بهموم افهمها بالسليقة ، حتى حانت الفرصة فوجدته يوما مستغرقا بالبكاء وهو يقرأ جريدة – طريق الشعب – ؟!.
ويحك ياعامر ، هتفت ساخرا : رجعت حليمة لعادتها القديمة…
استمرت حياتنا على هذ المنوال ، صرت اكتب بأوامر الشيخ الفلاني وتطور الموقف أبعد من ذلك ، حينما تصديت لولاية الفقيه دون أن أعلم ، من خلال الكتابة عن تعددية المراجع وقد زودوني  بكل ما احتاجه  من المصادر المهمة ، التي تدعم الحجة فيما هم ذاهبون اليه ،  بدلالتي.
عرفنا بمراقبة السلطات الإيرانية عبر أذناب الطابور الخامس ، فهربنا إلى سوريا قبل أيام من تصفية مكتب المرجع الشيرازي ومصادرة كل الوثائق والكتب والمستندات
في سوريا كانت الظروف مهيأة لتكرار اللعبة ولكن بطريقة اراحتنا كثيرا حتى أننا ندمنا على مدة الستة أشهر التي قضيناها في إيران، فمنذ اليوم الأول لدخولنا  مدينة القامشلي  نبهتنا ارداف الفتيات  تتقافز على مربع الهجع العراقي ،على انغام قماط الكاكي العسكري ، المُلزم في جميع المدارس كشكل من أشكال ذاكرة الإنضباط العسكري ،
نبهتنا ارداف النساء وهي تهتز إلى ضحالة المنطق الحزبي ذي الفكرة المعصومة كيف لا يكون مهزوما  ، فما كان من صاحبي غير أن ينفث سحابة الحزن  التي تكدست في معسكر صدره ، فراح يصرخ حتى انتبهت المقاعد المحاذية في العجلة المسرعة  ، ترى : لماذا كورنا الحزب كل هذه المدة وصرنا – كالعاطل عن الوردة – على طريقة الشاعر باسم المرعبي
استمر عامر نعيم وقد لمس جمالية أن يكون الإنسان حراً ، يُلبي حاجاته بطريق لا تمت إلى المبادئ بصلة ، ثم  إنه حين يختلي بنفسه يمارس طقوس الحزب في خلوة من الزمن النحس.

********
كريم العراقي ، خيون دواي الفهد ، زهير الدجيلي ، ،عريان السيد خلف ، كاظم اسماعيل الكاطع ، فالح حسون الدراجي ، كاظم السعدي  ، نزار القريشي ، فاضل الربيعي ,,,,
كيف ياترى يتحول الأديب الشيوعي بين فترة وضحاها إلى جلاد لتاريخهُ الشخصي ؟
ماذا لو وجهنا السؤال إلى أحدهم فماذا ياترى سيكون جوابه ؟ ساذكر لكم الحكاية التالية لتحكموا عليها :
في احدى الليالي أخبرني الشيوعي كريم عبعوب وهو أحد شهداء معارك الأنصار في شمال العراق بأنه أستمع إلى حوار دار بين الشاعرين كريم العراقي وكاظم الساعدي بعد التحاقهما بمسيرة مطبلي جوقات شعراء معارك قادسية صدام – المجيدة – ، فبعد أن دارت الخمرة وأخذت مفعولها ، راحا يردحان في حالات تهيج هستيرية ، فما كان من كريم العراقي سوى أن يجيب مسرورا عن سؤال اكثر حماقة سأله إياه كاظم السعدي:
ولك هذا الحزب جيميا – كيميا – وين جنه  – كنا – عنه  ( إشارة إلى المال الوفير الذي وضعه حزب البعث تحت تصرف أدباء وفناني وزارة لطيف نصيف جاسم الأعلامية)
، فأي تبرير من الشاعر كريم العراقي بعد هذا  سوف  يزيد الطين بِلة كما يقولون، أما لماذا كريم العراقي تحديدا ؟ فهو مَنْ ارشدني إلى المبادئ عن طريقة الشعر يوم كانت الذكرى الثالثة والاربعون  لميلاد الحزب الشيوعي العراقي ، حتى أن بعض الرفاق قدموني على طريقته وأنا ألقي عليهم رائعته – فتاة الجسر – فهل أنا على حق وقد وجدت نفسي مررت بتجربة بعت فيها نفسي من أجل حفنة من التومانات على الطريقة الإيرانية ،  بينما هو باع نفسه من أجل ضمان حياة طويلة عريضة مازال يزداد شبابا في غمراتها كلما تقدم به العمر ، وتحول إسمه من هامشي يتغنى به فقراء الحزب من السطحيين إلى ما كان عليه اشهر من نار على علم في زمن صدام  ، وما هو عليه الان نتيجة التمهيد الإعلامي الكبير الذي جظي به من وزارة الثقافة والإعلام ؟؟
كتبت عن ذلك فيما بعد قصيدة معلمي جاء في مقطع منها :
معلمي

الذي اشتغل سمساراً
لو اُعيد الزمن ثانية
وقد إمتهنت غير التعليم قراراً
ما بال الوصايا
التي القمتني إياها ساعة وجد
وعيناك مفعمتان بالحزب
فقلبت حياتي راساً على عقب
واولادي
الذين أرضعتهم قوائم المعرفة
طولاً وعرضاً
واولاد اولادي
ترى كيف يكون الرمز سمسارا
يقف خلفهُ
طابور ليس له اخر
من الناشئة الذين آمنوا
برسالة التعليم …؟
ترى كيف يكون الرمز سمسارا ؟
لقد مال كريم العراقي بزاوية انعطاف حادة وتحول من شاعر يتغنى بشهداء للحزب الشيوعي– يخالة يم محمد –  إلى شاعر يتغنى بإسم قاتل محمد وهو الرئيس السابق صدام حسين ، طلعت الشميسة ، على كَبر عيشه ، عيشه عراقية ، بنت القادسية ، صاح الديك يارحمان ، تحفظلي الغالي صدام ؟!
إلى غير ذلك من الشعراء والكُتّاب الذين نراهم ما أن خرجو من العراق خلال فترة التسعينات والتحاقهم بصفوف المعارضة في دول الجوار سرعان ما نزعوا اقنعتهم فبدلوها بأخرى تتوافق مع العيش الجديد…
هل يحق لنا أن نحاسبهم ، ثم هل يحق لهم أن يحاسبونا على اعتبار أن الكثير منا ارتمى باحضان احزاب سياسية بل وراهن عليها ، وقد ثبتت التجارب القاسية تهافت رهاناتنا ؟؟
من يحاسب من ؟

يقول بعض كُتّاب النظام السابق ، لكتاب المرحلة الحالية المخالفين لهم ، إذن يحق لنا أن نلومكم أيضا على ارتمائكم بأحزاب شمولية تسبب اليوم كارثة انسانية لكل العراقيين ؟
ولكن ماذا عن الطبقة المسحوقة والمغيبة من عامة الشعب ، هل يمكنها أن تحاسب ، ومن تحاسب  ، ارباب القومية العربية ، ارباب المقاتل الحسينية  ، أم القيادات الشيوعية الندابة اللطامة على منوال عامر عبدالله وعزيز محمد وعزيز الحاج وعزيز سباهي وعزيز السيد جاسم  وماجد عبد الرضا ومحمد حمدان وعدد كبير من قادة الحزب الشيوعي؟؟؟
لماذا كتبتم عن صدام حسين ؟
……………………………؟؟
أسئلة تتفتق أسئلة أخرى ولا تنتهي السلسلة…

هل نضحك على أنفسنا أم ماذا ، فإذا كنا مع فارق النسبة والتناسب يُسيرنا المعاش فلماذا الكيل بمكيالين ؟

لا يفوتني في هذا السياق أن أعرج على أستاذ علم الأجتماع علي الوردي ، وهو يكرر عند كل صغيرة وكبيرة ولمرات عدة في كِتاب لم اتذكره : كلنا كذلك…
فهل كلنا كذلك حقا …؟
إذن لم الحساب ؟

مسك الختام :

مازال يرن في ذاكرتي  كلام صديقي الشيوعي عامر نعيم قبل أن تفرقنا العواصم وهو يرى نفسه  وقد تحول – شيخا أحمرَ – كان يقول ممازحا : لو ادري هكذا تكون اليه الأمور لكنت وفرت على نفسي مشقة الغربة وصرت بعثيا منذ البداية ، فأنا بعثي الان ولكن بطريقة يتقبلها الشارع المُقدس …!
للحديث صلة…

دمتم في امان الله… وحفظه

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

تعليق واحد

  1. حسين المطيري

    لارأي لي في حضرة الالام والمعاناة ,

    لكن اود ان استعين بمقطع لقصيدة الشاعر جواد الحمراني
    (( ولًــكم انتــم تموتون؟؟ وتظل عليً السارحه والل يخنون؟؟ الرحمه والنور على الشهداء وسلاما على المعذبين……..سلاما كريم عبعوب سلاما رحيم عبعوب ابو العوف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *