تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تقتتح ملفها عن المنجز الإبداعي للمبدعة الكبيرة “لطفية الدليمي” التي طبعت بصمتها السردية الفريدة على الخارطة السردية العراقية والعربية. تدعو أسرة الموقع الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إثراء هذا الملف بالدراسات والمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدعة الكبيرة لطفية الدليمي متمنين لها الصحة الدائمة والإبداع المتجدد.

تحولات أسئلة النص في رواية “عشاق وفونوغراف وأزمنة” للكاتبة لطفية الدليمي
بقلم : هاشم مطر

مثلما والد والدها “صبحي الكتبخاني” الذي اكتشفته من خلال المخطوطات ص 154 «… أنه كان يتحدث عن نفسه مرة بضمير الغائب، يتحدث عن شخص يعايشه ويشهد تفاصيل حياته وحياة الأقربين وأحوال البلاد ولا يريد أن يظهر أنويته، ومرة يكتب بصوته هو..» آثرت الكاتبة لطفية الدليمي الحفاظ على نظام الحكاية، تنتصر لمقاطع الحبكة الروائية بحرف منمق فيكون ابطال قصتها يتوجسون خيفة من توريطاتها حينما يدلون بحواراتهم.

وحينما يكون الأمر بحاجة الى بداية ما أستعير مصطلح (الاختراقي) كأنسب ما أبدأ به.

وضعت الكاتبة بطلتها نهى منذ السطور الأولى وسط حزمة من التوريطات المكثفة التي لا يتمنى أن يقرب منها أي كاتب، إلا على سبيل التحدي، فهي تزيد من مشكلته بحل عقد روايته وتدفع بقارئه إلى اليأس أحيانا ما لم يضع لها الكاتب نظاما معرفيا خاصا كما في الروايات الكبرى مثل (يوليسيس) لـ “جيمس جويس”، فالأمر هو بمثابة تحدي لكلا الطرفين كاتب النص وقارئه معا، كذلك بالنسبة لناقد النص وفاحصه. وليس الأمر متعلقا بزيادة الأسماء والأجيال أو بكثرة الأحداث، أنما ما ألح على الكاتب عرضه من خلال سير شخصيات كثيرة ليس من المناسب اختصارها بعدد محدود، مع ملاحقة مصائرها من حيث الفضاء الروائي الأنسب (الزمان والمكان)، وهو الأمر الذي وضعت الكاتبة الدليمي أولوياته في عنوان الرواية «عشاق وفونوغراف وأزمنة» الصادرة عن دار المدى2016، حيث الأصوات تخترق الحبكة بتجارب الحب، أيا تكون، مصحوبة بأشد المتع لوعة وهو البارادوكس paradox المؤلم لما يضفيه الصوت ودبيب الحياة بخطاه الوئيدة على انثيال العاطفة وتألقها من حيث فقدان الحب وحضوره، وهو الأشد شفافية في النفس الإنسانية وقت غيابه، وهو المفارقة التي تشكل واقع الأمر، حتى وان بلغ حجم التحدي شكله الأعظم، فالناس مترتبطون بتجاربهم بعدد لا يحصى من خيوط النسيج fibers الذي يتألف منها بساط الواقع. ولهم تحديات قابلة للمقارنة بقدرة التحمل والمطاولة، تبدو وكأنها من دون نهاية، مع امكانية استدامتها (Sustainability) من حيث الحيوية والقدرة، بيقظة واحتراس دائمين ووضع ايجابي، وهي القدحة التي تحول حركة الناس الى فعل حقيقي. فهل يا ترى ان باستطاعتهم تغيير الأمر، أو أن لهم حرية الاختيار، أو على اقل تقدير العبث بألوان البساط، كما الأطفال، بالرغم من اطلاق ارادة غير محدودة موسومة بالتحدي؟. الجواب الجاهز إما نعم او لا، وكلاهما صحيح ومغلوط، فمثلما الحب والكراهية وجهان لعملة واحدة فهما غير متناقظين، فأفضل تقدير غير ملزم اذن هو (اللاابالية) للتعبير عن نقيض الحب، كذلك يكون الجواب بالنسبة لإمكانية التغيير والأختيار. تلك هي الإستجابة الأولى لنص الدليمي بهذا الخصوص. ولهذا كان الاختراق صفة واجبة وهي صفة لا تحضى عليها الكثير من النصوص. بحيث يكون الانبهار هو المشروع الإنساني الأمثل، وليست الاجابة المفاجئة/الجاهزة على الأسئلة، فمثلما نطلقها على عقولنا بإنتظار الجواب، نكون اطلقناها على الحياة برمتها من دون انتظار جواب محدد، ومهما اقترب أو تباعد هذا الإستنتاج مع رؤى المدارس النقدية المختلفة، فأنه ينسجم مع مذهب الاجابة بالسؤال ذاته كقيمة معرفية، ليست تساؤلية صرفة عن أسئلة الكاتب وهي واحدة من ممكنات الإستدامة والتوليد المستمر للمعنى بعيدا عن التكرار بقدر ما هو بعيد عن الجاهزية، انما ممعنا بالتحول.

سنحاول ايضا ايجاد تطبيقات منهجية بهذا الخصوص في مسار السرد وحركيته، مع احترام حرية الكاتبة بالوحدة الكتابية في حيز سيطرتها على النص. اما بالنسبة لي وللقارئ فسنذهب ابعد من هذا لسبر النص الإبداعي وكشف بواطنه وما انطوت عليه الحبكة من اخبار ومعالجة.

ومن هذا المكان بالضبط اضع الممكنات اللغوية بكل انواعها جانبا، فيما عدا دخولها في سياق النص من زاوية توالدية صرفة معنية بحداثة النص واطلاق طاقته الابداعية. فمع الفصل بينها كوحدات لغوية تبقى غير منتجة وبغير تظافرها مع الحبكة الروائية تشل النص وتفقده حركيته، اقول هذا لأنني نبهت عليه اكثر من مرة، وها انا ألمس جدواه في العمل الماراثوني الاختراقي للكاتبة لطفية الدليمي فسأعمل على احقاقه مع نواقصه إن وجدت. وبهذا استميح الكاتبة عذرا من اجل ايصال فكرة النقد بحيادية واكاديمية صرفة الى أي متلقي. هذا، بطبيعة الحال، محايثا لمجريات النص وعقده المهمة لنتناولها مع القارئ بمنظور بحثي نحاول فيه تبسيط المصطلح والتقاء صفة انضباطه مع الواقعة.

وبهذا ندخل حيز الرواية على نفس النحو الذي دخلت فيه الكاتبة مستفيدة من موهبتها وخبرتها وقراءاتها المتنوعة، فجعلت من النظام الكتابي أي (نظام بناء النص)، كعلاقات داخلية، ما هو موازيا لنظام السرد، بما فيه خلق العبارات الجميلة والانسيابية التي تجعل القارئ في حالة من الإسترخاء، وطاقة السرد ممتعة، تدفع بها الدليمي للوصول الى اعمق غاياتها النفسية مستغلة الواقعة والعاطفة على حد سواء. هذا تصور، أولي، غير ملزم لحد اللحظة حتى قراءة ثلث الرواية لاطلاق حكم ما يختص بهذا النجاح. ولعل سائل يسأل ما علاقة النظام الكتابي بكل هذ؟ اقول باختصار لا نعنى بالقيمة القاموسية غير المنتجة، مع امعاننا بإدخال المفاهيم بصيغ نقدية تستفيد من كافة الحقول واطلاق العنان لمكنونها الحر الإبداعي وليس الملزم بالفروض وموجبات الطاعة للنظم القبلية التقليدية، فالإشارة لابد ان تخلق الصوت، والصوت لا بد ان يخلق المعنى والمعنى عليه ان يخلق معنى حرية النص وليس الحرية بذاتها، اضافة الى كشف القيمة التركيبية في اللغة، وحركتها، مثلما تسير الصورة الأدبية من اليمين الى اليسار، كما اللغة التي نكتب فيها الآن. اليس هذا مدهش!. يرى كلود ليفي ستروس بهذا المجال « أن كل الظواهر الثقافية التي تسود المجتمع هي من إبداع اللغة». تصور انك تقرأ نصا مكتوبا بالعربية من اليسار الى اليمن أو من الأعلى إلى الأسفل، وان حصل الأمر، جرب ذلك، يحصل النفور من النص قطعا. ولهذا السبب ايضا تأخذنا بعض النصوص الى نهاياتها بسلاسة ورغبة حتى المركبة منها، في وقت تكون الأخرى ملغّمة وعصية. أو كيف يدخل الأدب في سياق العلوم التطبيقية، بل في توجيه مصائرها الى حد بعيد اليس هذا مدهش ايضا. فـ «إذا أردنا أن نكون مغامرين مكتشفين في قراءتنا للأدب، فأن علينا أن نكون مغامرين بالقدر نفسه في تفكيرنا عن الأدب» جابر عصوفور في مقدمة ترجمة كتاب النظرية الأدبية المعاصرة “رامان سلدن”».

هذا بالإضافة الى حرفية الكاتبة الدليمي في الاختراق الكرونولجي/الزمني التتابعي لما بعده من اطر حديثة بما فيها الحقول الزمانية وما توفره من اختراقات في البنية الروائية، الذي هو الجزء الحر من العملية الإبداعية، وهو ما يصطلح عليه بتيار الوعي المنحوت عن فرجينا وولف الكاتبة البريطانية الشهيرة في بدايات القرن العشرين، واستمر ليخلق مضامين كتابية اكثر جرأة، واتاح الفرصة للغة اصلا أن تنحو بنفس الإتجاه، فتُحدث بعض النصوص نوعا من الاشكالية والجدل.

نكتفي بهذا التقديم المبسط فنتابع حركة النص بصفة بطلته نهى الفاشلة بتجربتها، على وفق نفس النظام، ولا نتوجس خيفة من دخول مناخات النص بحرية، هذا ما وفرته الكاتبة أولا لاستجلاء عملها، وهي بمثابة هبة الكاتب لقارئه، مع تبويب للفصول والمقاطع تعلوها مقتطفات ومقاطع (حكيمة) تذكرنا بكلاسيكيات الرواية استخدمها الكثير من الكتاب المهمين وعلى سبيل الذكر لا الحصر “ستاندال” في روايته الأثيرة “الأسود والأحمر”. وإن بالغنا في الملاحظة فأنها تهيئ القارئ لفعل روائي محدد وكأن الكاتب يعلّم عليه بخط عريض لأي سبب، وكأن الأمر يبدو دعوة للتأثير والتأثر.

التجربة

تضعنا الكاتبة مع بداية تحولات البطلة، بنقلة واحدة، في مناخ الهجرة والهجرة المعاكسة، وهي ثيمة رأيناها في عدد من الروايات خلال السنوات الأخيرة، لكننا سنرى كيف تعاملت معها لطفية الدليمي وإلى أي مدى استطاعت هذه الثيمة من اختراق الزمن واستعادة التجارب على نحو ملحمي يتسم بفعل الاجيال لعائلة بغدادية ميسورة هي الكتبخاني وصلتها بقريبتها عائلة الخيامي، وبهذا الدخول تقدح المؤلفة عشرات الاحداث الدفينة في الصدور وفي الورق، فتندفع السّير بضخ سردي كبير سنتابعه بحركية مماثلة. وحالما بدأنا من كتابات جدها لأبيها صبحي الكتبخاني، فأننا سنعيد ترتيب القصصات الزمنية المفعلة بتأثير عودة البطلة “نهى”، وهي الوقائع التي ستشمل سيرة الأسرة بكاملها. فيصبح من المتاح لنا تأمل صورتها وتأمينها بمناخات مختلفة وبأزمنة متباعدة عن بعضها البعض، لكنها مترابطة بنسيج الحبكة.

قبل ان تُكلف نهى، بعد عودتها، من قبل أبيها الذي اختارها لنزهة او رحلة مع ما كتبه جدها الأكبر في اوراق اصبحت مهترئة ومخرومة ببعضها، وهو المفصل الاساس في ثلث الكتاب الأول، لابد أن نعطي فكرة عن انزياحات النص الزمنية بدرجة تقاربها وتباعدها عن بعضها بعضا. لنيسّر الأمر قليلاً ونسأل سؤالاً أفضل. ماذا يحدث في واقع الأمر في حال تصبح ممارسة فعل الحياة أمر مفروغ منه وقت استعادة التجارب وتباعد الأزمنة؟ وهو سؤال الكاتبة الذي سيستمر حتى النهاية وإن حضرت عشرات الأجوبة المكتفية بذاتها ومناخها مقرونة بحسية التجربة.

سنحتاج الى بعض الوقت حتما. فكما ذكرنا لا يشترط بالإجابات أن تتماشى عاطفيا مع أي أمر، ولا حتى هي من بيئة نقيضها لغويا، بل ستعنى بالشكل الآخر للمعنى، هو منتح السؤال. قوة تحتوي على مكنون كافٍ لاطلاق جواب غير منتظر. فالاجابة العادلة لسيرة اية حياة تكمن في بحثها عن “الإثارة”، وهي (متحولة)، لذلك تكون مثل هذه التجارب ذات معنى على خلاف التجارب التي تتضاءل وتموت وحيدة لأنها مضجرة لصاحبها ولا تمتلك قيمة استعادية أو قوة استدامة حقيقية منتجة، وخالية من اية مساهمة انسانية بارعة، ولا حتى أية قوة تأويلية كافية للتأمل، وهي (ثابتة) ومصابة بالوهن والسبات. لذلك تكون الابعاد الواقعية بزمنيتها في رواية الدليمي الأكثر حظاً بكل ازمنتها، فلا نجد زمنا افتراضيا غير بعض الإشارات التي نحيلها الى الخيال احيانا. وعليه فالانزياحات بمجملها هي صرفية/متحولة تتسم بقوة مكنونها الرمزي وليست رمزيتها، فيبقى الإنزياح مرهونا بحداثة النظر الى الماضي، فلو افترضنا أن درجة الانزياح الزمني يقع بين الصفر والعشرة نراه احيانا يتموضع حول الصفر واحيانا يفوق العشرة، فقوته ستبلغ رقما رياضيا خياليا. ومن حيث التجربة ما يماثل ذلك فالكثير منه غير منته والآخر تعمه الفوضى والأكثر منه مشفوعاً بالغياب ومن دون تواصل مجد. وبهذا تكون الكاتبة قد قاربت التجارب بالرغم من زمن وقوعها المتباعد، وقدمت نصا صارخا ينبش بتجارب الماضي وإن ماتت او اختفت لكنها تحتمل انزياحا زمنيا مؤثرا في السلوك الآني ليس موروثا بالقطع ولا جينيا انما مكتسب حسب، وموسوم بالفعل الإنساني الأثير والمؤثر.

نهى الفتاة الشابة المهمومة بالعشق وانثيالاته، أو بالاحرى بوحدانيته وفرادته العاطفية، وهو الأمر الذي يحصل عند الصدمة بطريقة فصل العواطف عن مؤثراتها الحياتية واليومية، وهي في طريقها الى مجهول آخر هو بلدها الأم، تسكنها مقوله لإبن سينا «المستعد للشيء تكفيه اضعف اسبابه » ، وهي إشارة الى الفوضى العارمة للجسد المصاب بأكثر من داء، ليس جسديا قطعا، انما جملة من التكوينات غير المحتسبة، والمحتبسة في اطار الجسد وكأن الروح تفر وتنفر منه، تداهمها صورة واحدة لصفة انسان فـ «تخاف وتحاول تجاهل الإشارات» التي لا تعطيها جوابا شافيا، وبهذا التركيز النفسي الذي اختارته الكاتبة كون حجم الأسئلة لا تستدعي الأجوبة تماما لأن عملية المخاض الذهني لا تكتمل من دون تفكُّر (contemplating) «فمثلما المعدة التي لا تحتاج لهظم الطعام الى مراقبة واعية يكون الذهن مشابها لذلك من دون اقحام ذهني عسير لاستخراج الجواب» حسب الكاتب الن وات Alan Watts المعني بالدراسات الشرقية الروحية في كتابه (الطاوية). كذلك نهى التي «لم تحظ بجواب» فاحتسبت الامر «حافز محرض على قصة مشتهاة.. » ورسما للوهم مشغولا بصفة الحب والخوف حيث «ينبثق طيف رجل طالما تراءى لها في أحلامها، يمر الآن كبرق خاطف على رصيف المحطة… ». مع مصاحبة لأحلام أنبأتها من قبل بمقتل اخيها فؤاد مع ستة من زملائه أمام مدخل الجامعة المستنصرية وقت اشتداد «حرب الطوائف» في بغداد، وتعيش تداعيات زمنية معقدة لفترة هجرتها غير الموفقة، وصباها في بلدها كأحداث متناثرة واغانٍ، بينما تشجع نفسها بنفسها على مستقبل لا تعرفه. وعلى وجه اشد تلح عليها تجربتها الخائبة مع حبيب غير ذي معنى عميق، فنصف الأمر بسقوط تجربة الاغتراب في سلطة ضياع الوقت من حيث حرية الاختيار غير المنتظمة في سياق الثقافة لصبية كانت تعاني من سلطة الأب وتغطرسه «…يملي عليها ما يوهمها بأنه خيارُها الشخصي…»، فحاولت الإنفكاك منه. والآن هي أسيرة التداعي الحُلمي في مشهد يقظ تستدعيها صور المشهد الباريسي اليومي إلى الكثير من التأمل لأبسط المشاهد التي يراها المرء كل يوم. وكأنها ترى تمثال (دانتون) ومحطات المترو والجوقات الموسيقية كذلك البشر بسحناتهم المختلفة لأول مرة، او بشيء من الإغتراب المعنوي.

تتخذ الدليمي من حالة نهى مبنى حركيا حرا تطلق فيه مكنونات التداعي والانبهار اللوني بما فيه اللغوي الأنيق لتقديم شخصيتها بالرغم من مقاطع التوصيف الكلاسيكية كبيضوية الوجه ولون البشرة ربما زيادة في تقريب الصورة التي لا نحتاجها في الرواية الحديثة فالجزء المتعلق بذكاء القارئ وحريته في إكمال الشخصية قد يصاب ببعض الأذى. لكننا ننصف الكاتبة حيث لم تكثر منه واكتفت بالقليل منه. وزيادة في التوضيح للقارئ: هناك فرق حينما نقول (له وجه مستطيل ولون اسمر، وبين ان تقول: ميز حضوره بين الحاضرين وجهه الطويل ولون بشرته السمراء)، فأعادت الكاتبة توجهه بوصف خال نهى «أسرع بقامته القصيرة ووجه الممتلئ…» على أن يكون الوصف خارجا عن السياق (له وجه ممتلئ). نجد ذلك في روايات اخرى متجاوزا حدود ذكاء القارئ للأسف. وهذا شكل مما عنيته بإدخال الوصفيات في البنية الروائية وهي التي تتيح للمتلقي اكمال الصورة وللسيناريست رسم المشهد فيبدوا مختلفا عن التصور في حال مقارنة النص الورقي بنظيره السينمائي، او حتى التشكيلي. ولكن تجمعه ببنية واحدة وهو حرفية الكتابة التي نشهدها في نص الدليمي، حيث انسياب المعنى يكون مرافقا للعبارات والجمل المحمّلة بالتداعي والنقيض، وعكسه الخاص بالإعجاب بالمناظر وحالة التحسس القصوى، فالحدث ذاته يستدعي اللغة والإشارة وليس العكس. وعلى ذلك تكون بطلة الرواية محملة بضجيج داخلي مشدود بقوة لعدد من الأركان لا تفلت مع قوة التأثير، بل تجعلها تتابع سيرها بهدوء وبذلك نحصل على انسجام رائع بين العوامل الذاتية الصرفة المفعلة بفعل المؤثرات، وهي عودة البطلة الى وطنها الأم، وبين (البيئة) الوجود الخارجي (environment) الذي هو طريقها الى هناك مع الإستعادات الزمنية بمناخات مختلفة.

تترك نهى بلدتها ومكان عملها في (غرينوبل) في الجنوب الفرنسي، ثم تستقل القطار الذي سيعبر عدداً من البلدان في طريقها الى زيورخ وبعدها تواصل طريقها الى بلدها الأم اينما ولدت عشية حرب وحيث بقايا أهلها وأولهم أبوها المريض، سبب عودتها المعلن، بعد حث اخوها وليد، المهووس بتخصصه الجيولوجي، على العودة بعدد من الرسائل الأليكترونية التي تبادلاها وختمت آخرها: «…سأبذل كل ما بوسعي وأعود بأسرع ما يمكنني لرؤية والدي الحبيب…». تراءى لنا من خلال ذلك كما وإنها كانت تنتظر نداء أخيها وتمنت الحاحه عليها بالعودة، حتى تساءل نفسها في موقع متقدم من الرواية «هل عدت من أجل كفّ اللوم عن نفسي أم عدت من أجل أبي»ص107.

تضع الكاتبة من بداية السطور رسما للوهم مشغولا بصفة الحب والخوف حيث «ينبثق طيف رجل طالما تراءى لها في أحلامها، يمر الآن كبرق خاطف على رصيف المحطة…»، وأول ما يستدعي قلقها تجربتها الفاشلة من زواج مبكر او ارتباط قلق «متسرع» من شخص «عاطل من بيئة عمالية» مخادع له علاقات عابرة بالنساء، وموسوم بثأرية من واقعه، لم تخبرنا الكاتبة عنه الكثير، غير عوامل فشله منذ نشأته. بل قالت عن ارتباطها به في وقت لاحق لأبيها «..وكأني كنت أعلم مسبقا خطل ما أقدمت عليه»ص73، تتابعه في فصل (أزمنة أخرى) ص349—-، حيث يظهر “رجل الرؤيا” واقعا تلتقيه «اشعر أن جسدي صار شمساً منذ نظر إلي…»، فتعقد مقارنتها وتحولات الرغبة والجسد مع «تجربة زواجها الفاشلة كانت بين رجل يستولي ويؤذي ويأخذ ما يريد وبين امرأة تُغتصب، اليوم تشعر بمتعة فردوسية ممتدة وهي تفكر بنادر» رجل الرؤيا الذي التقته واقعا في بغداد.ص351.

فتبقى نهى في مفاصل الرواية الأولى أسيرة الحالة الشرقية لفتاة تضع الزواج معيارا للنجاح، ناهيك عن عدد غير محدود لتداعيات حرة جعلت من البطلة مؤهلة لنشاط الكاتبة السردي والتي ستفوضها لإختراق البنية من عدة أوجه: أهمها زمانها الحالي وانشاطاراته، والقديم كنظرة استعادية قيمية. وبخصوصها لا تتعدى كونها ان اباها هو الذي اختار لها الهجرة الى فرنسا بعد نجاتها من محاولة اختطاف في بغداد، وما يزال يشجعها على تجاوز فشلها. فتقع اسيرة الجرأة بالمواجهة والحنين بأبسط ما يذكرها بالحياة الهانئة في بيت ابيها كمفرش المائدة، وتغريد البلابل، والورود وغيرها من نتف الحياة المطمئنة لسبب واحد هو أن تجد معادلًا لحالتها المضطربة الآن، خصوصا بعد أن التقت صديقتها الفرنسية (كارولين) قبيل سفرها وهي تشجعها على المغامرة والمواجهة. مع محاولات الكاتبة لإيجاد محركات نفسية مشبعة بالعاطفة في شخصية البطلة، كدرجة فصامها وعتابها مع ذاتها وتفسيرها لظاهرية الحياة وحركة البشر من حولها، تدهشها ادوارهم وطريقة تعاملهم مع ذواتهم والأشخاص معا، وهي في طريقها الى (زيورخ) لتستقل الطائرة التي ستقلها الى أربيل أينما سيكون خالها سليم بإنتظارها. فتكاد مخيلتها أن تكون جاهزة لإستقبال الوهم الذي تمظهر بصفة شخص محدد يظهر لها في الحلم واليقظة، يتابعها في الأمكنة ويلتقيها الآن في القطار، يحاورها ويمنحها اسم غريب (جايا) الذي لا تعرفه سوى أنه من بيئة الموت والحياة بعد أن بحثت عن معناه رقميا، حتى امتلاكها ادوات العلاقة الحقيقية بالحياة مطبوعاً بأثيرية الحب، كتطور كرونولوجي، في شخصية البطلة، فتربط الكاتبة الأسم المتخيل (جايا) بالواقعة الحياتية لأسرة الكتبخاني التي سنراها في نهاية الرواية.

هذا المستوى الحر من التداعي الإنساني الذي يفجره الفشل وليس النجاح، ذلك أن النجاج يؤدي إلى إخصاب الخيال وتألقه، بينما الفشل يحاول العثور على شبيهه ويحيل التجربة إلى رماد مالم يقبله الإنسان كـنتيجة او تغذية استرجاعية feedback ليتحول الى عامل مشاكس. يضع كل ذلك ممكنات حدسية تمنت الكاتبة معها كما القارئ بانزياحها الآني لتنتصر على عوامل الخيبة المجملة في عدم الرضا عن النفس، ومن الخوف ذاته الذي يصاحب البطلة التي تحاول تخطيه بأكثر من تشجيع ذاتي، وربما مكابر، ببعض قوته واطلاق مكنونه الإستعادي على نحو يشبه الأسئلة في حوارايات مختلفة لنهى. ومن المهم ان نتابع هذا التألق في مستوياته لاحقا فعليه سيرتكز نجاح النص، والا فما القصة إلا احداثا تروى حسب، والخيال عنصرا معلقا في فضاء، أي فضاء، ما لم ينتم الى محايثة سردية مقنعة. حتى تسدي الكاتبة للراوي مهمة سرد السيرة لعائلة الكتبخاني . بإعتبار «الحوار والإخبار عنصران سرديان يساهمان في تنويع تقنيات السرد في التعبير عن الأحداث ودلالاتها» كتاب السردية العربية المعاصرة ص59. وبخصوص التجربة التي نحن بصددها، تضع الكاتبة مقدماتها بشخصية جدها لأبيها صبحي الكتبخاني المولع بـ «عشق النساء والكتب والكتابة» و«يطمح للقيام بالتغيير في مجتمع بلاده» والذي على ما يبدو أن ابن اخته عيسى الخيامي تأثر به وأسس جمعية تحت تأثير «الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية الأوربية»، لكن طموح اباها يبقى في حكم التصور من دون فعل محدد فجنح الأب جابر الكتبخاني الى حسية فريدة بحبه للحياة من جانب آخر وهوايته الزراعة والزهور، وابتعاده عن السياسية، ويتنكر لتاريخ العائلة في غالبه، ماعدا ميوله الى الثقافة الانكليزية التي ورثها عن ابيه، في وقت وضعت الكاتبة في شخصيته حدسية دقيقة تعبر عن «خيبة أمله حين رأى انهيار العراق السريع بعد 2003، لكنه مصحوبا بالتفاؤل».ص 38. تدفع الكاتبة هذه المعلوماتية بصيغة سردية عامة ستؤهلها الى الدخول في حيثيات التجربة لاحقا، وتتخذ من حركية البطلة نهى، ومن مراحل سفرها الذي بدأ بالمقهى والمترو والآن في القطار المتجه الى زيورخ لتستقل الطائرة الى اربيل، أساسا لتقليل انزياحية النص الزمنية من جانب، ومن جانب آخر استعادة زمنية محايثة لسيرتها، وعلى وجه الخصوص تداعياتها وحسيتها وأسئلتها التي سكنتها فاختارتها الكاتبة اسلوبا لربط بين ما ترمي اليه، وبين واقع البطلة ووهمها الذي تجلى بإشارات اتقنت الكاتبة وضعها بشكل احترافي انيق، حيث تقع البطلة بين (الرؤيا) وواقع الحال. وهذا ما أوضحته وافصحت عنه الكاتبة وواصلته بمشاهد متداخلة بين حدث وتصور وربما حلم كبير تنتظر فيه نهى أن يعاكسها شخص على غرار «احلام نومها ورؤى يقضتها» بما فيها ميولها لرغباتها الجنسية. وهذا مانراه في حادثة القطار الذي يلامس البطلة شخص من الخلف ويدفعها الى مقعد جوار النافذة، ثم اختفى «كعادته مثل ومضة نور…» وبقيت مسكونة بملامحه. فتكون التجربة، هنا، حسية بالمطلق ومفتوحة الإحتمالات، ومنتظمة من حيث السرد كقوة متكافئة لحالة التداعي والانثيالات، الرغبات والتصورات، مصحوبة بمفردات عن واقعية الطريق (الفضاء)، وهذا أمر ليس من السهل على الكاتب احقاقه. فكثيرا ما نرى القطوعات التي لا نستسيغها في الأعمال التي تسقط الأحداث في المتخيل بشكل نقول عنه: هو درجة غير مطابقة أو معشقة بخلق الشخصية من الواقع، وهذا ملمس جاد بإعادة السرد الروائي الى مستوياته المنضبطة بعد ان كان للمتخيل المحض حضورا واسعا في الأدب، فيصبح الأمر في مقام الوجدان الإنساني وليس في مقام السؤال: هل كانت نهى، التي اعتقدت بفشلها الحسي، تسعى الى تطهير ذاتها أو غيرها من الأسئلة التي تبتسر الرؤيا؟.

وما زلنا في اطار المعلوماتية السردية التي ستؤسس الى شخصية قلقة مفعمة بالتأثر الوجداني، مع غياب درجة تحديها في بداية التجربة على الأغلب، خصوصا وأن نهى كان لها تجربتها المهجرية الخاصة وأسست على وفقها عملها وعلاقاتها، ترى إلى أي مدى كان التحدي مؤثرا في سلوكها؟ بطبيعة الحال الإجابة محالة من دون تقدم. وإذ تقوم نهى، مع اولى التداعيات، وتدمع عيناها لكل ذكرى، فلا بد من وضع تلك المقدمات كتشجيع، وضخ تساؤلي ذهني كما ذكرنا قبل قليل، فالسؤال ذاته يخلق سؤلا آخر، والسلوك يخلق افقا حركيا غير محدد. وعليه افترقت عن زوجها، ومن ثم عملها وتابعت حركتها كمسافر الى مكان (غريب) كغريب لا يحمل معه دليل سفر. غير أن دافعها الرئيسي على ما يبدو هو فضولها بما هيأه لها ابوها (كمفاجأة) اخبرها عنها اخوها وليد، وها هي الآن تسأل عنها خالها سليم في اول لقاء بعد وصولها اربيل، وبعد لقائها بأبيها قالت عن الأمر «أتيت من أجلك ومن أجل مفاجأتك ». وهذا هو نوع من التقدم الذي يفجر بذات الوقت فضول القارئ ويجعله على تواصل مع الرواية من جانب آخر. فتستمر الكاتبة على وفق نظامها الكتابي الذي اشرنا له في البداية بضخ وحدات بنائية تتعلق بأبطال الرواية كمشاريع حياة تظهر بشخصية خالها (الاشتراكي النزعة) يفصح عن نيته بالزواج من امرأة أرملة كردية (نازين خان)، لها أولاد يعارضون زواجها منه لسبب ظاهري كونه عربيا، وأخوها كما ستعرف لاحقا بأنه سيقترن بإمرأة مخذولة ومفجوعة بأسرتها المسيحية، ليس من باب العطف قطعا وانما في كلا الحالتين هما نزوع نحو تحدي مجتمعي مثير ينحو للتغيير وهو عامل استدامة مشحون بالعاطفة والوجدان، لكنه محمّل بالتحدي أوله الذات المشاكسة اللائبة والمتحركة، قوامها الحب أولا. فمن دون اقتران التجربتين بميزتهما سيصبح الآمر بخانة المنتهي من الأحداث فالاثنان سيتزوجان وانتهى الأمر، وهذا سياق ترقبي آخر تضعنا الكاتبة في حيزه بطريقة لافتة ومتقنة. يقابل ذلك في جيله الأسبق، والدها، الذي يركن الى وحشته بعد مقتل ابنه فؤاد ويصاب «بنوبته القلبية الأولى» فيكون الأمر على مستوى اخبار متقدم أيضا بأن النص سينتج احداثا أخرى وسيصاب الأب ربما بنوبة ثانية، فيما تسهر على عنايته زوجته ميادة، مع استذكارات استعادية استخدمتها الكاتبة كتقديم لحال البلاد التي كثرت فيها الجريمة تجلت بشكل الموت والاغتيال، تعززها «مشاهد الانفجارات وجثث الضحايا» في التلفاز جراء تفجيرات ارهابية. فيما تبدأ الدليمي ابانها فكرة استعادية تأملية متداخلة في بنية النص لـ نهى عن ظروف هجرتها الصعبة وقصص مختصرة عن النساء المغتربات ابتعدت عن الحب واستعاضت عنه بالجنس فعلّقت الأثيوبية (هيوان سراج) وثيقة جائزة زوجها السجين في أديس ابابا، التي جاءت لتتسلمها نيابة عنه، «عند رأس السرير الذي تضاجع عليه ضيوفها اليوميين»، في وقت نجهل فيه انسانية التحول، فهل هو حاجة ام ثأر ام حرية مفاجئة، وعلى كل حال هي ثيمة رائعة أهملتها الكاتبة يمكن العودة لها لتنجزها في سياق آخر في عمل مستقل، فيما كان للنساء الأخريات مصائر اخرى. وبمجمله يكون السياق الإخباري توليدي لـ نهى من حيث تعاملها مع واقعها الجديد، فعليها أولا شحذ ادواتها، وهي لا تمتلك لحد الآن واحدة منها، عدا صورة التداعي من دون انحياز واضح الا بقدر ما تشدها للماضي فـ «أيام نهى عنيدة مواربة هي الغريبة أينما حلت…».

تحاول الكاتبة رسم مخطط آخر لصورة عائلة الكتبخاني بشقها المرفه الذين «يستثمرون أراضيهم ومزارعهم وعقاراتهم في كل عهد »، اجلت الكاتبة توصيفاته حتى النهاية فأنصفته. في وقت بقي شق الأسرة الآخر بصفة الأب «فاشلا لسبب نزاهة فُطر عليها وزهد تأصل فيه». فأمعن في حالة من الاستشراف الروحي مع زملائه ومجايليه، فلا يخفي نص الكاتبة اسماء واقعية تنتمي الى اصول الفن بحرفيتها كـ جميل بشير وغانم حداد، ومن بيئة اخرى طه باقر وغيرهم، اضافة الى اشعار مترجمة ضمنتها الكاتبة كنصوص منتقاة، وهذا ما يضفي على السيرة نوعا من الواقعية المحضة بتعشيق مع مخيلة الكاتبة لإنتاج قيمة معنوية لفترة زمنية سبعينية اتصفت بالإستقرار وربما بالرفاهية، فكان فيها أول اسقاط لإسم الرواية او بجزء منه (الفونوغراف) المرافق لزمن متحول يتجه نحو الحداثة بإستخدام اجهزة تسجيل تبتعد عنه بالكثير. يرافق المستمعين واولهم الشيخ قيدار قريب والدتها، فلا تبلغ روحه التجلي الا معه.

من الملاحظ في هذا الإسقاط هو درجة الشد للماضي العتيق في عصرٍ تجاوز الماضي وانقطع عنه، فيما بقي الانشداد له ذاتيا صرفا كأن يستمع الشيخ لأنغام الجهاز مع صديقه القس في الدير العتيق، ويتمسك به والدها جابر الكتبخاني للموانسة. في الوقت الذي قدمت فيه الكاتبة نشاطا مهما عن العاطفة وشذرات الحب المطفأة والمتوقدة والتي ستتعامل معها على نطاق حر مستقبلا، حتى وان انتمت إلى عهد آخر على سبيل سبر تجارب الماضي.

قبل ان ننتقل الى مفصل آخر من رواية الدليمي، من المهم ان نذكر شيئا عن اسباب استغراق الكاتبة ببنية انشائية الى حد ما، عن الأشجار والزهور التي صنفتها واعتنت بتقديمها للقارئ الذي ربما يرى فيها بعض الإكثار أو الإستغراق، لكنه في واقع الحال شكلا من اشكال توصيف جغرافيا البلاد وبيئتها، بالإضافة الى شكل معرفي عن تلك النباتات التي يجهل معظم سكان العراق اسماءها. ولا يفوتنا أن نذكر بأن الكثير من الكتاب المرموقين قد زينوا رواياتهم بمكامن البهجة البيئية والمناخية، وبهذا يكون الكاتب متورطا إلى حد بعيد بأسباب الحب والألق والفتنة التي تحيط به على نقيض اجترار الألم واجتراحه احيانا كمعادل نفسي. فتكون المادة الكتابية ذات «ليونة تعبيرية» حسب اصطلاح “ابراهيم العريس” الذي استعيره بدوري لأثني على انسيابية مرهفة لا اجاريها انشائيا، وانما اضعها في مقام اللغة التي تصنع تعابيرها حسب الحاجة، مفعمة بحسية وقّادة تؤثر بالقارئ وتؤهله حسيا للتلقي. من جانب آخر ادخلت الكاتبة شقاء البيئة ذاتها في مناخ البلاد المتغير نتيجة الحروب فأصبحت النباتات مهزومة كما الإنسان وشقية بذات الشقاء الذي المّ به في هذه البقعة فـ «حتى الطبيعة دفعت الثمن، ثمن الخراب الراهن، والشجر والطير والحيوانات نالها ما أطال الإنسان من إبادة منظمة في هذا البلد الحزين»، هكذا عبرت الدليمي بصوت واضح المعنى. الأمر الذي اصنفه نقديا كونه سيتصل بشكل او بآخر بمفاهيم اخرى عن التنمية المستدامة وجرائم الحرب بحق البيئة والمناخ، وهذا ما نوهت عنه في بداية المقال عن الإتصال والتلاقح بين النقد والمنتج المعرفي وحقوله المختلفة كمساهمة بشرية. فأكتفي بهذا القدر في هذا الشأن واترك باقيه لذهنية القارئ للتأويل.

وماله علاقة بالوصفيات المثيرة هو ما انطوى عليه سرد الكاتبة في فصول متقدمة، منها بتوسع، عن عادات شرب الشاي لدى العراقيين واصوله ودخوله البلاد، ارفقته الكاتبة بوقائع واستعارات مضمنة تقرب من الشعر او النثر الشاعري، حتى خصصت له مكاناً اسمته (غرفة الشاي)، لكننا في جميع الأحوال نجد المقاطع مزينة برفاهية تعبيرية تصف اكثر من حالة بما فيها التاريخية، وهذا العرض الضمني عن العادات الداخلة الذي وضعته الدليمي في سياق الوصف المقترن بالحالة النفسية والانسانية لأحد ابطال روايتها صبحي الكتبخاني وجو توحده وميله للسفر نضعه في مستوى التداخل السردي اللغوي الجميل، والحسي للمتناول في الحكاية كصفة لتقدم النص. حتى اصبحت تجارة الشاي واحدة من الأسباب في ثراء الجد اسماعيل الكتبخاني الذي استحصل فرمانا من الوالي نامق باشا الصغير لينفرد بنفسه بتجارته ويمنع حضر استيراده على الآخرين.

ابنة الحروب

في جانبها المتمثل كونها ابنة الحروب، ترشدنا الكاتبة الى مفاصل مهمة من التجربة. فنهى ولدت عشية حرب، وفي العاشرة من عمرها بدأت حرب أخرى، «وما أن بلغت الثامنة عشرة حتى قصفت بغداد بأيام أربعة». العقدة التي تعرضت لها الكاتبة غاية في الأهمية، فحركة المجتمعات تخبرنا، تاريخياً، بمدى التأثير الذي تحدثه الحروب من شروخ في الذات الإنسانية وعليه تتسم المجتمعات بثقافة تكون في بعض الأحيان بعيدة كل البعد عن توازنها وتواصلها مع ثقافتها السابقة للحرب، فلا غرابة أن يصبح أمر وجودها مقرونا بالتمني لإستعادة ماضيها، وهكذا يصبح المستقبل قطعة من تأملات الماضي.

وفي جانبها الحسي، الذي ركزت عليه الكاتبة، كفكرة لحاجة الجسد لـ “مهرجانه” وهو الهدية الذي ينتظره بعد عناء، فلم تجد الحب حتى في أكثر فترات العراق ألقاً، بحيث يكون تاريخ سومر ما هو الا ضربا من الأكاذيب فـ«لم تجد عريسا في انتظارها ليمارسا طقوس الخصب ويعلنا الوفرة والخير لأرض مابين النهرين… أية خديعة؟». وفي مكان آخر «تخاطب الرجل المرتجى «هل سأجدك عند منعطف عصر أم سأمضي العمر في صيانة الجسد من الذبول وأنا أنتظر بزوغك؟». ومع هذا الإنزياح الضمني للمصير المتشابه الذي وفرته الحرب لشابة تبحث عن تجربة الحب يعلل حسيتها امام مفردات الحياة من حولها وتعيش التداعي كأسلوب بالمواجهه. فهل ستستطيع نهى تحويل عوامل فشلها الروحي الى نشاط آخر؟. يتوصل الباحث الإجتماعي الشهير د. فيكتور فرانكلين الناجي من معسكرات الإبادة النازية، بعد ان قتل النازيون جميع أهله، في كتابه “الانسان يبحث عن المعنى”: يتوصل الى ان التجربة ليست المهمة ولكن المعنى هو الأهم وما تضفيه على حياة الإنسان في نشاطه اللاحق كنجاح لا يشترط ملاحقته ولا بجعله هدفا، لأنه يحصل بهدوء.

اذن أمامنا الماضي في هذه الرواية من باب انعكاساته على المستقبل، فالكاتبة من خلال سيرة ابطالها الأحياء لا تعنى الى ذلك الحد بوصف مآلات الحرب ودمارها، إنما أمر معايشتها ومعنى وحدانية الفرد وخلق عالمه بنفسه، وهذا مطابق الى حد ما مع الرأي الذي يكتهن المعنى من التجربة. فيكون الابتكار سلطة استدامة روحانية، فلا نستبعد الاستماع للصوت الداخلي كمحور علاجي ذاتوي اسدته الدليمي لبطلتها بل ابطالها، كما يحصل مع سماع الشعر والموسيقى، وحتى النصوص العرفانية و(المقدسة) حيث تتشكل العاطفة من تأثير صوتي (تجويدي) محض لا حاجة له حتى لفهم المعنى. فما بالك بنهى التي تكرر مع نفسها ذات الحوارات الموسومة بالتداعي طوال الوقت وفي كل الأمكنة حيث «تموج مفردات تصوف وعبارات عرفانية تنفرد بها لغتها، تسمع كلمات من أبعد الجهات»، وحتى في منامها وكوابيسها. فهل ستخلق سلطة التداعي التي تخلقها الحروب إنسانا جديدا؟، حتى وضعت احدى نتائجها بصفة “نادر” الشخص الذي ستحبه نهى لاحقا. وهكذا هي الأسئلة المميزة تباعا دلالة على الزمن الصعب الذي ينتجها. في وقت تكشف نهى عن بداية لتغيير منهجياتها «لا بد أن انظر لما هو آت، كفاني استحضارا للزمن الغابر… علينا أن نعري الأمس؛ فما لم نتعلم من سقطاته لن نبلغ الغد…»، بعد سلسلة من التداعيات المزدحمة في بؤر الإفتتان لباريس وتوصيف واقعي ليومها وليلها وما يجعلها تترنح «…كمن غادر الشرق إلى المغيب»ص111، تفتك بها شجى الألحان «تغني وحدها في الشوارع لتوقظ جسدها المهجور». فتصبح الهجرة ذات ابعاد تقاس جميعها بالحاجة، أية حاجة. تنتصر فيها الى مقارانات بين أبواب وشوارع باريس وبغداد الزائلة، تغالبها الوحشة «فتضحك» إشارة لعدم جدوى اللغة في وقت لم يعد الضحك ضحكا ولا البكاء بكاء، مع حضور ملفت لـ طيف او خيال، فيحضرني شخصيا بيت الشعر المُغنى بصوت فيروز «حامل الهوى تعب يستفزه الطرب» فأي من التجارب المماثلة عاشها الشاعر القديم في وقت يعاد فيه نشاطه في قرن جديد!. ولعل في ذلك انزياحا اكثر تألقا يعلل جنوح الكاتبة نحو تاريخ لا نعرفه الا من خلال فك طلاسم مخطوطاته الطينية، فتتشكل في ذاكرة نهى على نحو خيال محض لملوك وملكات وتقاليد، فهل الأمر مجديا الى هذا الحد يا ترى؟.

بطبيعة الحال يخبرنا التاريخيون والآثاريون عن الحقائق وهي متغيرة ايضا، فنعيد على وفقها ترتيب الأولويات، وبهذا يصبح الإسقاط مشروطاً (بالصورة) الجديدة فأينما وجدت نعيد تلوينها من جديد، وهكذا تفتقت ذهنية نهى عن ارتدادات كان بعض منها متغيراً والآخر على نحو من التأمل على بعد خطوتين. وعلى هذا بدأت في تحديها الموسوم بمظهريات الحياة من حولها وما اسدته الحرب لها بدءًا من صنوف الإهمال والذوق، والنزوع إلى الأسوء في التصرف، فكل يجري حسب ما يقابله، فغياب ضروريات الحياة ناهيك عن ترفها يستدعي بالضرورة استدعاء ما يناظره سوءًا بل يفوق عليه. وعليه يتم تأسيس جديد منتج لذاته بذاته معني بسبل وطرائق الحياة الخاوية.

هذا المبنى الذي استلهمته البطلة نهى هو تأشير الى قوة تحريك دافعة (momentum) تؤثر عاطفيا بنمط السرد الذي يبدو مبالغا فيه ما لم نعثر على مادية صرفة من شأنها خلق تجانس بين الآني وبين القديم وانزياحه، ولعل في قصص الحب المتناثرة على صفحات الكتاب ما هو أثير بذلك، فتدلنا مفاتيح الكاتبة بشيء من الإستغراق على مؤثرات النساء واختلاف تجاربهن من عائلة واحدة، مصائرهن راهنة ملغمة برؤية منفردة محدقة بإتجاه واحد، لم تجعلها المتغيرات ولا المؤثرات تتزعزع عن القرار. وبهذا تنزع الكاتبة نحو الحدث اكثر من وصفه فيضفي على الصورة المتأملة نوعا من المرافقة، اقول مرافقة كونها تنحاز الى واقع الحياة فتبقى حسية ومؤثرة حتى بمزجها مع الخيال أو ادخال عناصر أخرى عليها من الجماليات والوصفيات. ومع هذا التنوع يندفع امامنا سرداً جماليا يميز العمل بقوته الداخلية، والكاتب بنظرته المراقبة، والقارئ في ردود فعله. وهذا حقيقة ما له علاقة بتوصل الناقد والمنظر الألماني “هانز روبرت ياوس” في رؤيته للمنتج الأدبي «كقضية اتصالية» بين المؤلف والعمل والمتلقي.

ومن حيث التطبيق نجد في قصص الدليمي الخاصة بسيّر افراد عائلة الكتابخاني وشائج تدعم هذا المنهج، من حيث النهايات الضمنية لمصائر النساء على سبيل المثال الأم ميادة وخالتي نهى هناء مديحة وغيرها التي سنأتي عليها، حسب أهمية الحدث. فالحب بالنسبة لميادة واجب أثير «لا تعرف ما يجري خارج سور حديقتها» فآثرت الماضي على حاضر التجربة ترعى زوجها المريض ومسكونة بغياب إبنها المتوفى فؤاد، «حياتها يشكلها هذا الثالوث الحبيب: الإبن والإبنة والزوج»، محاطة بشتى انواع الارتدادات والمخاوف من الوقت في زمن الحرب؛ وبالنسبة لهناء صفقة ناجحة أو تبادل منفعة، فآثرت العزوبية على الإرتباط، بل تدعي معرفة البشر «أنتم تعيشون في زمن غارب»، كدعوة لتخطي الواقع، تطلب من اختها ميادة أن تحمي أولادها من المثالية. أما ما ميز سيرة الثالثة مديحة فهو درجة أمتزاج غريبة بين مفردات العشق ولوازمه كبيئة شرقية محضة تتصل بتبجيل الحب بما يسديه من آلام في تشابك مثير بين مفرداته كهيام وسقم وعشق ووله…، لسنا في واجب توصيفه، فتنحو الى تقديسه ومن ثم الموت فيه في حادثة انتحار، بعد ان أسست لذاتها معرفة خاصة مأخوذة بدوافع الكاتبة بإستخدامها مقولة “إدواردو غاليانو” عن الجسد «أنا مهرجان» التي رددتها الدليمي وعالجتها كثيرا، وهذا ما يستدعي التوقف قليلا.

من الملاحظ هنا هو ثأرية معاكسة من شخص احبته مديحة ووهبته كل شيء فتزوج من أخرى مهاجرة عائدة بدوافع أخرى بعد العام 2003، فهنا الواقعة اصبحت مصابة بتأثير خارجي غير عاطفي او بتغيير في منهج الحياة، بل بميزة العصر “الجشع” بأشد وجوهه فظاظة وشظفاً حينما يطول الأمر الأحاسيس، وفي هذا اشارة الى أن الحب نوعا من الكماليات لدى بعضهم وللعبث فيه وقت الحاجة، بينما لدى الآخر هو الحياة برمتها حتى أصبح مهرجان الجسد بالنسبة الى مديحة مهرجان الموت ذاته. هذا مع ضرب موفق للكاتبة بجعل واقعة الحب من بيئة منتَج الحياة بآنيتها التي هي الحرب والاحتلال ومنتجهما الذي اضحى باذل الخراب. ولا نعرف لحد الآن ما سيكون بالنسبة لنهى التي بدأت تصطدم به وتحاول معايشته، بل تحاول اختراقه.

وعودة الى مفهوم التواصل الكتابي فأنه يطلق بالكاتب ابداعه المحايث للوقائع ويتأثر النص بتلك التحولات لينتج ذاته بذاته، فيما يكون المتلقي واحد من ابتكارات الحدث فتتنامى ردود فعله ويشغّل فيه مجسات حسية وحدسية قابلة للتطور. فلا غرابة إذن أن نقرأ حقيقة فرضية المنظر الفرنسي “بول فاليري” الذي يدين له “هانز روبرت ياوس” التي رأى فيها أنّ العمل الشعري مثل النوتة الموسيقية التي تتحول فقط عبر عزفها إلى “عمل”، وأنّ عزفها المتجدد، وهو بمثابة قراءة متجددة، يجعل معناها أغنى ودائم المعاصرة، ومن هنا فالقارئ كالعازف في إنتاج النص ». مأخوذ عن مقال الاستاذ عبد السلام حيدر «التأويل وجماليات التلقي: دراسة تمهيدية في نتاج هانز روبرت ياوس. واذا ما تحولنا الى عالم الأدب المنتج فأن الفرضية ذاتها ستطول جميع الفروع المتأصلة بالذات الإنسانية كمشاريع لنهضتها وسموها الروحي، بل تصبح عملية الابدال، على وفق المقولة ذاتها، حاضرة بالمثل بتعشيق متلازم يخلق المساهمة الانسانية لأي كتاب. وعليه، فعلى الكاتب أن يخلق رفاهية الكتابة ناهيك عن خلقه حرية الكاتبة، كما نوهنا سابقا، وليس الحرية ذاتها التي تفضي الى ترديد الآلام والمآثر والانكسارات والأحلام أنما ما ستفضي اليه من ترحيب بمستويات أخرى لطريقة العيش والصفاء الإنساني الحالم. بمعنى آخر اخراجها من جلباب التداعي والخيال إلى واقع الأمر المسكون بشتى صنوف العذابات، يتم الجرأة فيها على معالجة أكثر الأفكار صرامة تشدداً، وأشد التعاليم والمناهج فتكا بالانسانية، ومن بينها الحرب التي تناولتها الكاتبة من زاوية اشغالها مساحة مهمة في حياة ابطالها، بل غيرت وجهتهم وقلبت امانيهم فأوقفت بعضهم أو اكثرهم. يقول الكاتب الأمريكي David Deida «حدودك حيث تتوقف» بأشارة لتذليل عوامل الخوف وتفعيل النقد في رؤية تفاعلية حلمية مع واقع الحال الذي يكرر التجارب الخائبة ذاتها، بل يمعن في تسويقها من جانب، ويوقف حلم الإنسان ويستعيض عنه بمجاملة الواقع. هذا ما لدي ان اقوله في هذا المجال، لنستمر معا.

في مستوى آخر يظهر الحب محاطا بشباك واقعية صرفة في صورة سمير أميس الفتاة التي ينوي الزواج منها وليد اخو نهى، فإلى جانب فجيعتها بعائلتها في حادث تفجير الكنيسة واصابتها بحالة صرع تقرب من الفصام يصطدم الحب بموانع أخرى. فهي تتمسك بأقصى الحدود بإبن اخيها الصغير الناجي الوحيد من الكارثة، في وقت ترى العائلة في ذلك حاجزا للسعادة والحياة الهانئة، بالإضافة إلى إرباك في حالة الإستقرار النسبي التي يعيشها الأبوان حيث سينتقل ابنهما وليد وزوجته برفقة اليتيم الصغير الى بيتهما، هذا في وقت تجاوزت الحبكة فيه مؤثرات مجتمعية قاسية كونهما على ديانتين مختلفتين. وعلى هذا سيثار السؤال عن مدى قدرة وإمكانية الحب في تجاوز حواجز الأمر الواقع. فالكل من هذه الزاوية سيتعرض لإختبار ليس على سبيل العاطفة قطعا، انما بحتمية لا مناص من مواجهتها، فالبرغم من أن القصة تبدو مكررة أو مألوفة لكنها في الواقع تشترط إجابة على سؤال الحب الأثيري بوصفه ميراث للخُلق الشفاهي المعهود فيدخل الإختبار فترة صمته في البداية. ترى إلى أي مدى سيكون التحدي سلطة بتعشيق المفاهيم واقعيا؟ وإلى أي مدى استطاعت الدليمي اقناعنا بحلولها سرديا بعد أن اقنعتنا في التمهيد والتقديم للعقد المنتظرة؟ ذلك ما سنراه تباعا.

ما يُؤشر له أن الكاتبة ارادت بواقعية الأحداث -عدا بعض الحوارات المباشرة- أرادت اعادة التوازن لقوانين مجتمعية قديمة كطريقة لإستنهاضها ورفعها من بيئتها لتقدمها كمساهمة كما فعل القص الحكائي العالمي ومنه الأمريكي اللاتيني والياباني وحتى الألماني في سبره لثقافات على وشك الإندثار. وهذه الملاحظة تشمل عمل الدليمي بكامله من حيث ملحميته. فتأتي الإجابة عن السؤال، وهو كذلك من بيئة لفظية مؤثرة، في قصة حب أخرى لقريبة العائلة هي حياة البابلي حيث اجابها عمها الشيخ قيدار، المهتم بماضي الأشياء، على سؤالها، بما يقرب الحكمة، عن مواصلة الحب وقت الريبة من المحبوب فقال: «ذلك رهنا لما يصلح إذا اجتمعت لدينا الشواهد والدلائل وأذهلنا المقصود عن كل ما سوانا». فتضعنا العبارة، بالرغم من قوتها، بما فيها مقدمة بعض الفصول، في جو الصوفية الذي لا اتمناه في اي عمل روائي او شعري ذلك لاستنفاذه لمضامينه وتكرار محاكاته وحتى معارضته، ولكن على سبيل الإنصاف، نجد ان الكاتبة وضعته في اطار غير موغل في نظام السرد الذي اعتمدته، وبذلك يدلي بفائدته من زاوية اشتغال القدماء على فكرة الحب ذاتها، بل جعلت من الأب الصوفي دافعا ضروريا حينما تستنفذ التجارب طاقتها أو تواجه مصائر ذليلة، بل من المهم أن نذكر ان الدليمي ذهبت الى ابعد نقطة مع الحب فاستنطقت التاريخ قبل ذلك، الذي يبعد عن حاضرها آلاف السنين. فيكون لكل ذلك مستوى انزياحيا كمضمون ملازم للحالة الإنسانية مهما اختلفت التجارب أو تباعدت، ولكن وهج المادة يبقى في كل الأحوال متألقا في آنيتها التي نجد لها انزياحا معاصراً موسوماً بأكثر من سبب ونتيجة.

ماروثونية النص

يمكننا الآن ان نقول شيئا عن مارثونية نص الدليمي، وهو قوة الاستدامة التي تؤهله لخوض السباق بتناغم مع تطور النص حتى يكمل السباق بنفس القوة التي بدأها. (مأخوذ بتصرف عن كتاب العداء الرياضي الدولي ” Stu Mittleman ” (حرق خفيف). فالكاتبة تقوم كذلك بحرق خفيف لكي تستمر وتنهي المسافة بنجاح. ذلك بعدما وضعت بالثلث الأول من الكتاب اشتراطات النص المتعلق بالحب وظروفه حينما يخضع لتجربة الحياة وليس لعزلته ابتداءً من قولها في بداية الكتاب «ثم مضت بين المتعجلين الراكضين في ماراثون النهار» وهي الاشارة الجديرة بالإهتمام من زاوية تعشيق المفاهيم بواقع الحياة وفروضها العملية، فيما سيتنحى لصالحها تدريجيا النص الشاعري بالقليل المتدرج فيصبح الاثنان كتلتان متلازمتان سنشهد معها اخفاق التجارب في فصلهما بعضا عن بعض مستقبلا مثلما رأينا في اول الأمر التجارب الأولى. وحينما نضع قدرة التساؤل في المكان الصحيح نستطيع على قدر كبير تقديم اجابة مناسبة لا يشترط بالقطع انها نهائية أو ملزمة. تقول الكاتبة أو لسان حال نهى في بداية الكتاب: «من أين تستقي إذن أحكاماً صائبة وهي تدور في دوامة الغربة وتطحنها الوحشة وتحيلها إلى مزيج لا متجانس من التوق والرفض والحنين والقنوط». فلا ابوها صاحب المقولات الجاهزة والتعاليم ولا تجربتها تسعفها بالحلول، وفرصتها في معاينة تجارب اخرى وضعتها في مأزق آخر.

والآن ستقرأ ما كلفها به ابوها في تكليفها بقراءة ما كتبه ابوه وجده صبحي الكتبخاني بقوله «وجدت صعوبة بفك الخط فتركت الأمر لك»ص156، لكننا نخمن انه قرأها او اطلع عليها ويريد أن يشهد لها وارثا معاصر.

بعد تقديم عن حاله وظروف نشأته مُؤثرا أن يكتب مرة بلسانه وبغير لسانه مرات، معترفا بإغترابه الروحي ووحشته وخطواته الفاشلة، وشيئا عن «عالم كئيب تلفه الخرافة والجشع والخطايا»، تحدد الكاتبة سقفاً زمنياً معلوماً في تاريخ ولادة صبحي في عام1887 وطفح غلومته في فترة ولاية “نامق باشا” لبغداد. وكنتيجة لنوع من القهر بسبب سلطة الأب وتغطرسه، وقيود اخرى اتسم بها المجتمع آنذاك كتحفيظ القرآن والعقاب، وتبجيل السلطان وتقديسه والعقاب المنتظر من تهمة القذف أو الثلب، وفصل مجتمعي الرجال عن المرأة وغيرها من المشاهد التي وسمت بها الكاتبة أعراف الزيجات من الأقربين موغلة في تفاصيل مواريث عائلة ميسورة وما صاحبها من نتف ترسم خارطة مجتمعية لذلك الزمن كالخصيان والخدم والحضوة واعوان السلطان وحتى شراء الجواري التي سيكون لها أثرا كبيرا في توجيه النص لاحقا. وهذا في الواقع هو تأكيد لتأسيس ثقافة موروثة قديمة معشقة بالدين والبداوة والخرافة. نزع الإبن “صبحي” نحو المشاكسة وتأسيس شخصية مستقلة بذاتها فرفض جميع اغراءات واوامر الوالد المتغطرس وتمسك بالسفر إلى الإستانة التي هي انذاك قبلة الطامحين والباحثين عن التمدن والتنور. في هذا المنحى المهم من سيرة عائلة الكتبخاني الذي وهبت الكاتبة فيه فرصة أثيرة لآخر جيل من العائلة تمثل بنهى أن تتأمل تجربة الآباء، ليس على سبيل شفاهي أو افتراضي منقول لسانيا وأنما على أساس ما كتبه الجد في مذكراته أو أوراقه. فما غايته اذن؟ فإن كنا نبحث عن مضامين تشويقية فنستعير كتاب الف ليلة وليلة على سبيل المثال، وأن كنا نبغي اطفاء جذوة الفضول أو حتى التلصص فنستعير كتاب عن السيرة أو التاريخ وهي كثيرة. وهل عكفت الكاتبة من باب تجميعي بكتابة فصول روايتها الخاصة بالقديم؟. وهل اقوم انا شخصياً بفلسفة هذا الدور، خصوصا في طوره هذا؟.

ابتدعت الدليمي في احد مؤلفاتها او ترجماتها فكرة «عدم مسايرة الكاتب» فأستعيرها كمستوى نقدي متوسط يقرب من الاصطلاح، اتعامل بضوئه مع نصها الآن. هذا المنهج ليس بسبب عدم الثقة بالكاتب وبما يكتب ولكنه نوعا من التحقيق المخفف في معاينة النص يجعل الناقد على بعد سوي من المنتج الذهني، تماما كما يحصل في تأمل الصورة عن بعد. فماذا يحصل ان اخضع المؤلف حقائق التاريخ لمخيلته؟ الأمر يختلف من محاكاته إلى مسائلته التي في اطارها يتحدد دور الكاتب وليس (التحقيق) كصنعة مستقلة بذاتها. فكثير من الكتاب لهم وجهة نظر محددة بل صارمة لمضامين سيرهم الذاتية وتجاربهم، وبعظهم ينظر إلى المنتج التاريخي من زاوية شخصية صرفة، وبما أن الوقائع التاريخة جاهزة فلا يحتاج إلا الى تجميعها وربطها، والقليل منهم يتخذ من الواقعة مصدرا للتأمل في التجارب ويعقد المقارانات الضامنة لتطور النص ومن ثم انزياحه وما يعطيه.

في بحثها من خلال بطلتها نهى ترسم الكاتبة صورة شفافة للفترة التركية يمكن اختراقها بسهولة، ولهذا السبب، أي شفافيتها وسهولتها، تجعل من نصها بمثابة سؤال أشمل عن منجز تلك الفترة من خلال ملحمية عائلة الكتبخاني التي آثرت أن تكون مكتوبة على الورق وبمعاينة آخر أجيالها، فيحضرني ماركيز في روايته مائة عام من العزلة في الميراث ذاته الذي انتج الهباء. وكأن الكاتبة تكتب روايتها من نهايتها في شخصية نهى التي سنرى مآل سيرتها لاحقا، ليس بالمعنى الفردي ولكن ما ستفضي اليه التراكمات تباعا. ما نقوله: إن الكاتب حينما ينقل أداوته من مستوى إلى آخر، من عقله بمستوى ردود فعل متباينة إلى الورق يكون كمن يرسم بحرية لوحة باهرة التفاصيل في حميميتها، تتحفها الألوان، فهو بهذا يحرر خزينه الإبداعي ليتعامل وجه لوجه مع المادة، مع الحدث، مع الحياة، وهذه الجودة هي التي نطلق عليها بخلق حرية النص وعدم تزمته، وسيكون النص بالنهاية على نحو مسائلة لا تخضع للصرامة مطلقا. ومن هنا بدأت الدليمي برصد مفردات العصر من دون حضورها شخصيا، وهي ميزة اقتدار للكاتب بإدارة نصه وعدم التدخل فيه، فيحصل بغيابه الانسياب اللوني للوحة مفعلا بشذرات التفاصيل الصغيرة وما ينتج عنها تراكميا باعتبار الناتج وحدة جديدة من خصائص السرد. واذا ما اخذنا الحبكة باعتبارها «التنظيم الفني للأحداث » حسب التعريف الأساس لأرسطو، يظهر هنا بالذات حرفية المؤلف في التسلسل والإعتبار وعملية الربط فنحصل انذاك على عمل ابداعي متكامل.

… يتبع


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"