رشا الربيعي : نساءٌ يقاومن الإنكسار والخذلان
لطفية الدليمي وعالَمُ نسائها الوحيدات (ملف/13)

إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تقتتح ملفها عن المنجز الإبداعي للمبدعة الكبيرة “لطفية الدليمي” التي طبعت بصمتها السردية الفريدة على الخارطة السردية العراقية والعربية. تدعو أسرة الموقع الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إثراء هذا الملف بالدراسات والمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدعة الكبيرة لطفية الدليمي متمنين لها الصحة الدائمة والإبداع المتجدد.

نساءٌ يقاومن الإنكسار والخذلان :
لطفية الدليمي وعالَمُ نسائها الوحيدات
رشا الربيعي

لا أعتقد بأن هنالك من كتب عن الحياة خلال الحرب وليس عن الحرب ذاتها مثلما كتبت القديرة لطفية الدليمي .. أعلم جيداً بأن هنالك ثمة انحياز في هذا الرأي ولكنه انحياز للجمال وأظن في ذلك يكمن العذر أيها السادة ؛ فالانحياز للجمال حق مشروع ، أليس كذلك؟
( عالم النساء الوحيدات ) كتاب نُشِر عام 1986 ويتضمن رواية قصيرة تحمل عنوان الكتاب وأربع قصص ، نجحت الكاتبة في طرح مواضيع اختلفت في أفكارها ومعالجتها للمشاكل المجتمعية والإنسانية عمّا هو سائد في أدب الحروب ، يحمل البعض منها رمزية عالية تجعلك تتساءل أنّى للكاتبة الجرأة والمقدرة على طرق هكذا نوافذ في زمنٍ أوصدت فيه النوافذ وأغلقت الأبواب ؟
في الصفحة 66 من الرواية تزور البطلة ( الآنسة م ) بطل الرواية الآخر ( فؤاد ) ، الجندي العائد من الحرب فاقداً لبصره ، والذي أصيب بالعمى الروحي وليس البصري فحسب وفي ذلك تكمن رمزية أخرى عن تركات الحروب في نفوس الرجال وكيف تجعلهم معطوبي الروح . نقرأ خلال أحاديثهما : ” الشجاعة؟ كلمة كبيرة لا أستحقها ، لم أفعل شيئاً يمكن أن يوصف بالبطولة أو الشجاعة ؛ فلا تحمّليني عبء هذه الكلمات الكبيرة التي لا أفهم معناها ، كنت في مواجهة مع الموت وهذا لا علاقة له بالشجاعة ، كنت أريد الحياة فحسب ، اللعنة على الحرب “.
وفي الصفحة 184 حينما تقف بطلة قصة ( عشاء لأثنين ) لدى الباب قائلة : ” أنشغل عن كل هذا بمراقبة عالمي ، عالم المدينة المرتجفة خوفاً على ديمومتها ” . وفي القصة ذاتها عند الصفحة 190 تعود قائلة : ” أفتح نوافذ الغرف ويدخل البيت هواءٌ نديٌّ مع صخب حياة جموح ، يقتحم وحشة غرفتي ، كل شيء في الخارج مهدّد بالنهاية ، الأمكنة تتبدل معالمها تنهار وتتهدم ، الأشجار تكبر وتشيخ ، الثمار تنضج ، الحب يتّسع رغم الكراهية وأنياب الكارثة ، الأنهار تواصل رحيلها نحو الخليج والصغار يكبرون ونحن تطاردنا محنة الفقد …” .
لطفية الدليمي، الكاتبة التي نسجت من الحرب ومعاناة النساء عبر التأريخ قلائد حب في سيدات زحل تعيدنا من جديد إلى ثمانينيات القرن الماضي عبر رواية عالم النساء الوحيدات لتقدم لنا أنموذجاً رائعاً لثلاث نساء يختلفن في طريقة تعاملهن مع الحياة وتماهيهن مع ظروف الحرب العصيبة : “الآنسة م ، عائدة ، والراوية التي تعثر على كتاب مذكرات الآنسة م” . ثلاث نساء يقارعن الألم والفقد بالحب والأمل ، حيث تعثر الراوية – وبطريقة مدبرة سوف نعيها في آخر صفحات الرواية – على مذكرات تحمل عنوان غرفة النساء الوحيدات ، ومن خلالها سندخل لعوالم مختلفة من السحر والجمال والألم والقسوة وكيف تُنسَجُ الحياة بجانب دوامة حرب لم تنته .
( هو الذي أتى ) عنوان القصة الأولى ، تأخذنا الدليمي هنا في رحلة قصيرة إلى حضارات العراق حيث آلهة سومر مستعرضة علينا أهم المتاحف والآثار وذلك عبر رحلة بحث مضنية لبطلي قصتها جواد ونهال عن حاكم لكش ” جوديا ” والذي كان موضوع أطروحتهما ، نهال التي علمتنا درساً بأن ألم الاستسلام يكون أشد آلام النفس قسوة ، تفقد خطيبها جواد بعدما تلتهمه الحرب وهو يتطلع لإقامة حفل زفافه .
في قصة ( أخوات الشمس الوحيدات ) سنعي جيداً بأن في العمل وحده لا غير يكمن النجاة من الوحدة والأسى وصعوبات الحياة وذلك يحدث عبر تجارب الأختين ” هدى، سلمى، وقريبتهما أحلام ” ، تعصف الحياة بهن في ( غرفة شمسية ) تشيّدها سلمى على سطح البيت بعدما استسلمن لنيران حب غادر وأمنيات عديدة مبتورة وأمومة تتوق لها سلمى ولكنها لم تتحقق ، ليقودهن كل ذلك الألم للتعرف إلى عوالمهن أكثر والغوص في ذواتهن ومعرفة حقيقة مهمة وهي أن الفشل والنجاح يكمن في أعماقنا .
” نحن في دوامة جهل لم ننته منها يوماً إلا بمعجزة تكمن فينا ، ويا لسهولة الحصول عليها وما أعجز نيلها في آن ، لأننا لم نعترف بعدُ بأن العيب يكمن فينا ، وما أجمل النظر إلى دواخلنا بتبصر قبل النظر للآخرين …. ”
في أربعينيات القرن الماضي في إحدى قرى ديالى حيث بساتين البرتقال نشأت بدور بطلة قصة ( ليلة العنقاء ) ، ويا لسوء ما عاشته هذه الفتاة ونساء كثر أخريات في القرى والأرياف خاصة ، وقعن ضحية نصب الدجالين والعرافين ممّن امتهنوا التقوى والعفاف قناعاً زائفاً ليحققوا به غاياتهم الرخيصة ، وأهلٍ إرتضوا ذلّ التبعية ومهانة التخلف لهم كأسلوب حياة ، رافضين سماع أنين الضحايا من داخل وخارج منازلهم .. لقد سمعت صراخ بدور عبر عشرات السنين حتى أنني بكيت لبكائها ، بحثت عن حلٍ لمأزقها ثم انتبهت لصرخة ليست ببعيدة عني، جاءتني عبر التلفاز وأنا اشاهد برامجَ عديدة تتحصل على أعلى نسبة من المشاهدات لدجالين يقنعون المشاهدين السذج بقدراتهم الخارقة، أو أقرأ عبر السوشيال ميديا بين فترة وأخرى عن إعلان ممول لدجالين وعرافين يشفون المرضى ويهبون الأموال ويرجعون الغائب ويمنحون لجوءً لعواصم أوروبية ، نعم يحدث هذا في زماننا الآن في المدن والعواصم التي تدعي مدنيتها . كم شيخاً يقطن بيننا الآن مثل الشيخ عبد الدايم الذي اغتصب بدور ومارس بحقها كل أنواع العذاب وهو يلتهم آخر لقمة من صينية طعام ذويها ؟ وكم بدور تختبئ رغماً عنها خلف قضبان العيب من ظهورها كونها ممسوسة بالجن ، لا أعلم بل أعلم ولا أعلم في آن؟
( ليلة العنقاء ) القصة التي عرت حقيقة جهلنا المتوارث ونشرته أمامنا معلنة الرغبة والإرادة الحقيقية لإيجاد حل لكل هذا الألم وايقافه واقتلاعه . أن تنتظر حلماً لم تعِ بعدُ لمَ يُعَدُّ في الأصل هذا الحلم حلماً – هذا ما ستشعر به وأنت تقرأ قصة عشاء لإثنين . ما لهذا الألم الممتزج بالقوة الذي امتلكته بطلة هذه القصة ، وأنّى للأبواب طاقة صبر على تحمل هذا الفقد والانتظار ، لا أعلم ؟ وأنى للجندي الرازخ تحت نيران الحرب أن يهب الحب والسعادة لجندي آخر زميل له في الجبهة ، علّه أراد له أن يعيش الحياة التي يعيشها مع زوجته التي لا زالت تنتظره على عتبة منزلهما ، وأن يمنحه حياة أخرى بعدما سلبتها الحروب وصُنّاعها منهم ؟
لقد نجحت لطفية الدليمي في عالم النساء الوحيدات في تأطير صور متعددة لنساء مختلفات يرزحن تحت عبء الحروب وتبعاتها ، يقاومن بحار الخيبة من واقع لم ينلن شرف اختياره ، ويجعلن من وحدتهن قوة تساعدهن على تحمل كل هذا الحيف وأكثر .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *