جابر خليفة جابر : إيجاز قراءة (٨) تراجيديا الوطن والشتات
قراءة في رواية (سلمون عراقي) للروائي فاضل القيسي.

إيجاز قراءة (٨ )

تراجيديا الوطن والشتات

قراءة في رواية (سلمون عراقي) للروائي فاضل القيسي.

تتناول هذه الرواية الصادرة عن دار روافد (٢٠١٨) سيرة منتقاة لعراقي مثقف اسمه فؤاد إذ تستغرف سيرته ملامح من طفولته وخدمته في  الجيش والحرب والهجرات المتعددة والعودة للوطن بمسار تصاعدي بدأ بالرفض ومغادرة الوطن والتنقل في الشتات لكنه لم يكن في النهاية الا نكوصاً بالعودة الى الوطن مترافقة بتراجع فكري كأن صاحب السيرة هنا قد عاد الى أحضان ما رفضه في البدء!

أكثر من أربعمائة صفحة استغرقتها هذه السيرة للشخصية الرئيسية المنتقاة ( فؤاد) والشخصيات الأخرى وجميعها ثانوية قياساً لفؤاد فهو المحور الأساس التي تدور حوله الأحداث في أربعة وعشرين مقطعاً( مع تكرار للمقطع ١٣ وغياب للمقطع ١٥ ، ومع أن المتوقع إن هذا غلط غير مقصود لكنه بقراءة أخرى يعني شحنة أكبر من التشاؤم لما يمثله العدد ١٣ من الشؤم عند الثقافة الغربية الأكثر سطوة في العالم ) 

وبدءاً من المقطع الأول تواجه القاريء مشتقات كلمة الصبر كأسماء ( صابر وصبرية ) خال وأم فؤاد كإشعار عن المعاناة والتحمل ، ثم تستعرض سيرته وما عاناه في العراق وخارجه وتنقلاته من بلد الى بلد وما تعرض له وخلال تلك الرحلات والتنقلات والعلاقات الإنسانية المتنوعة والمختلفة يرسم لنا الروائي صورة وثائقية تسجيلية واضحة وصريحة للمشهد العراقي منذ اندلاع الحرب مع إيران وإلى ما بعد الإحتلال الأمريكي للعراق والظواهر الجديدة التي تسيدت المشهد العراقي لكنها تبقى صورة غير مكتملة تحكمت بها الخلفية الثقافية للمؤلف ومرجعياته في الحكم على ما يجري من وجهة نظر محددة لمثقف عراقي تقمص شخصية فؤاد في البداية وفي أغلب مسارات الرواية ثم افترق عنه في المشهد الأخير حيث ذاب هذا المثقف في ظاهرة التزوير الاجتماعي التي تفشت في المجتمع العراقي بعد الإحتلال ، وهذا الافتراق وإنهاء حالة التماهي بين المؤلف والشخصية الرئيسة في الرواية هو رسالة إدانة وفضح للقباحة التي تلبس بها الكثير من النخب العراقية حتى الواعية منها تحت ضغط الاغراء والمناصب فانساقت مع التزوير والفساد المستشري رامية خلف ظهرها بكل تاريخها النضالي الجميل إذ يتحول ذاك المثقف الرافض فؤاد إلى ارتداء زي رجل دين ليتستر على الفساد السائد وليضفي الشرعية على ما وجده قائماً من جهل وتخلف وشعوذة وخداع للناس باسم الدين والقداسة وهو بهذا تخلى وخسر كل جميل وضحى بكل معاناته ولم يحتفظ إلا بنزواته المتدنية وخياناته الخاصة ،

فؤاد الذي يرفض السرقات ويكتشف سرقات زملائه في الشركة السورية هو الآخر يتحول في النهاية إلى سارق مقنع .

وغير هذه الرسالة الأساسية فإن الرواية بثت رسائل أخرى عديدة منها أنن فؤاد الجندي العراقي المهاجر إلى قبرص يقيد بقيد واحد مع إيراني هو الآخر كان هارباً إلى قبرص وهكذا يعلن أن مصير الشعوب واحد وهو القيد أمام قوة السلطة المتغطرسة ؛ فيما يعزز بمشهد آخر حين يقوم مثقف بقتل زوجته لسبب تافه ، يعزز  إدانته لازدواجية المثقف في تعامله مع المرأة من جهة وبادعائه مناصرتها بحكم كونه مثقفاً من جهة أخرى !

وتسجل الرواية عبر سيرة فؤاد إدانته للتعامل السلبي مع الشعب العراقي إذ يقول المحقق السوري لفؤاد لماذا دخلتم الكويت ! وكأن فؤاد أو الشعب هو المسؤول عن ذلك،  وفي مشهد غيره يتصادم مع قناص عراقي كان يحارب ضد العراق ويقتل الجنود العراقيين ، بالإضافة الى معاناته الكابوسية مع عايد رجل الاستخبارات الذي سرق بلده ويعيش في عمان تحت حماية الاستخبارات الاردنية ، وثمة أيضاً إشارات عديدة ناقدة مثل استخدام فلسطين ورمضان لتشويه مضامين هذين الاسمين وما يعنيانه في الوجدان العربي والاسلامي ، واشارة أخرى عندما يقول ان في مدينة سندس فاله الصغيرة ٣٠ عراقياً لكنهم مشتتون حسب ولاءاتهم ، وكذلك ما انتشر من ظواهر مزيفة بعد الإحتلال حيث استخدم القتل والتصفية الجسدية وغيرها من بشاعات ..

وهكذا تسجل الرواية ادانات عديدة لكل الاطراف التي اشتركت في معاناة العراقيين من الداخل والخارج ولم تستثن أحداً حتى فؤاد ذاته الذي تحول الى مزيف وفاسد في النهاية !

لكن القاريء لم يستسغ مطلقاً توصيف الأمريكي الأبيض بالضحية والهندي الأحمر وهو الضحية الحقيقة بالجلاد ( ص ٣٧٦) ولعل أجمل رسالتين بثتهما الرواية هما وصف عملية تحطيم التمثال الذي لم يسقطه العراقيون لكن المدرعة الامريكية هي التي اسقطته في تمثيل واضح ورمزية مقصودة تتفق مع الرسالة المعبرة الثانية ( ص٣٨٢)التي قالت ؛ ان كسر البيضة من الداخل ينتج الحياة لكن بيضتكم كسرت من الخارج وهذا يعني الموت!

وعلى الرغم من أن الرواية كانت محملة بمضامين تقف مع الإنسان العراقي كمضطهد وضحية لكن التركيز على المضامين هنا جاء كما يرى القاريء على حساب الإهتمام بالشكل والبناء الفني إذ اتسمت الرواية بسرد تقليدي لم يرتق لمستوى مضامينها،  وعدم التوازن هذا بين محتوى الرواية ورسائلها الفكرية والإنسانية وبين شكلها الفني وأبنيتها أربك بوضوح جمالية الرواية التي كانت بحاجة أكبر لمزيد من الترشيق في الحجم والشحن في المحمولات الفنية .

 

 

شاهد أيضاً

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة
التعبيرية القاموسيّة
غافلة .. للشاعرة “عائشة أحمد بازامة”/ بنغازي–ليبيا
بقلم: كريم عبدالله

يقول سركون بولص : ونحن حين نقول قصيدة النثر فهذا تعبير خاطىء , لأنّ قصيدة …

شوقي كريم حسن: نجاة عبد الله….قصة الشعر!!

*هل يولد الشعر من رحم القهر الاجتماعي الذي يرافق الانسان منذ لحظات الاكتشاف الاولى حيث …

بلقيس خالد: إنطباع أول : رواية (هذيان / أيام فرناندو بيسووا الثلاثة الأخيرة)

ربما مَن لم يقرأ بيسوا، سيكون عمل الروائي أنطونيو تابوكي في روايته (هذيان) عملا ً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *