أ.د.نادية هناوي : القرين بين تشظي الذات المؤنثة وتوحدها
قراءة في رواية (سعيدة هانم ويوم غد من السنة الماضية) (ملف/57)

إشارة:
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر حلقات هذا الملف عن المبدعة الكبيرة القاصة والروائية العراقية “ميسلون هادي”. واحدة من أبرز سيّدات السرد العربي، ولا نبالغ لو قلنا السرد العالمي، بل النوبلية بامتياز لو توفرت الترجمة لنصوصها الفريدة. أكثر من 35 نتاجا في الرواية والقصة وأدب الأطفال. هذه الطافية بحذر بين الواقع والخيال، وبين الحلم واليقظة، الفيلسوفة الشعبية لمحنة الموت والحياة، الأمينة على خيبات محليتها التي ستوصلها حتما إلى العالمية المتزنة المحترمة. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقراء إلى المساهمة في هذا الملف المفتوح بالمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدعة الكبيرة ميسلون هادي.

القرين بين تشظي الذات المؤنثة وتوحدها
قراءة في رواية (سعيدة هانم ويوم غد من السنة الماضية)
أ.د.نادية هناوي

ـ1ـ
تنضوي رواية سعيدة هانم ويوم غد من السنة الماضية للكاتبة العراقية ميسلون هادي في خانة الأدب النسائي إذ توكل فيها مهمة السرد إلى المرأة كسارد ذاتي أكثر مما توكل إلى سارد ذاتي أو خارجي مذكر لتقوم هي بالوصف والحكي والاستبطان وتسريد الزمن والتداعي كشفا عن النوايا والأفكار.
ولم يكن للشخصيات الذكورية وجود باستثناء شخصية واحدة هي شخصية سليمان بيك التي لم تساند الشخصيات الرئيسة سعيدة هانم ومليكة جان؛ بل ظلت محافظة على الظهور في دور الشخصية الهامشية المؤسلبة الخائبة المنهزمة والانتهازية واللامنتمية التي فضلَّت ببيع البيت / الوطن مقابل السكن في اللاوطن.
وتداوم الرواية على التزام واقعية غرائبية لتجسد معاناة الشخصية الرئيسة على الصعيدين البنائي والموضوعي فتقع فريسة أوهام وهواجس تدفع بها إلى ابتداع وسائل تقاوم بها الواقع المعيش وتتكيف مع مرارته.
ويشوب هذا الخط بعض الغرائبية التي تقرن الواقع بالخيال وهذا ما يسهم في تصعيد درامية الأحداث عبر تضمين قصص فرعية تتأطر في القصة الأصلية كقصة الأب وأصايل وقصة حبربش حورية .
ولأجل تقديم الأحداث من منظور واقعي غرائبي يتم الدخول إلى منطقة التحليل النفسي باستدعاء تيار الوعي الذي يمد السرد بإمكانيات التعبير الواقعي باعتماد أسلوب التداعي الحر.
وتتشاطر الشخصيتان المتناقضتان( سعيدة هانم ومليكة جان) اللتان هما في الأصل كيان واحد سرد الأحداث عبر الاسترجاع الزمني بالذكريات والمونولوجات عبر ضمير الأنا باستثناء مقاطع يتم سردها بلسان راو عليم موضوعي أو بالسرد الذاتي بطريقة المونولوج والحوارات الخارجية أو أنا الراوي الغائب متخذة شكل التهكم أو الاستصغار أو النقد والاستهزاء مع توظيف المونتاج السينمائي باقتطاع كثير من اللحظات ليتم استجماعها بشكل مختزل لاسيما في آخر فصل من الرواية إذ تمر أمام البصر أحداث كثيرة كانت قد مرت على القارئ في الفصول السابقة كشراء المعطف والرحلات والسقوط من الأرجوحة والتقاط دجاجة الجيران وقنينة الحليب ..الخ
وتكون لكل واحدة من الشخصيتين وجهة نظر إزاء ما يجري من أحداث الأمر الذي يجعل الرواية ذات صوتية تعددية فيتكرر سرد الحدث أكثر من مرة وبوجهتي نظر مختلفتين فمثلا مشهد السقوط من الأرجوحة وقص الشعر الذي انحشر بأخاديد الجهاز جاء سرده مرة من وجهة نظر مليكة وأخرى من وجهة نظر سعيدة وهذا ما يولد التضاد حول أيهما هي الصادقة والحقيقية وكل واحدة يتهيأ لها أنها أصيبت بالعمى
وشكّل تكرار بعض المقاطع الكلامية تطبيعا أسلوبيا للتعبير عن تشظي الشخصيتين سعيدة ومليكة كهذا المقطع” كل شيء موجود في الرأس ونحن الذين نسترجع أفكارا .. كانت موجودة هناك طوال الوقت مع كل الكلام أيضا كله موجود هناك الفرح والابتسامات والدموع والعذابات ونحن الذين نحدد ماذا نختار وماذا لا نختار” الذي سيتكرر ايضا على لسان راو خارجي ينقله عن سعيدة ويكشف فيه كيف أنها كانت تخاف من نفسها لكنها الآن تغيرت بعد أن تذكرت مقطعا من رواية نساء عاشقات للورنس ثم يتكرر أخيرا في خاتمة الرواية ليتضح أن القول لسعيدة هانم
وقد يتم تكثيف الصور المشهدية والبانورامية باستعمال المفارقات الساخرة والتناص مع الأمثال والنكات الشعبية واستعمال أسلوب كتابة الرسائل الالكترونية لتؤدي جميعها دورا محوريا في التصعيد الدراماتيكي بين سعيدة هانم ومليكة جان وسليمان بيك
وباشتغال فنتازي تأتي الخاتمة لتسدل الستار على اقتران مليكة بسعيدة معلنة تخلصها منها ومع ذلك يظل ذلك الوهم قائما كنوع من الدفاع ضد انقراض الذات وانسحاقها” لان مليكة جان كانت تهددني دائما بالانتحار ..ولكنها تعود سالمة في كل مرة لتفرض عليَّ قوانينها ”
وستحاول سعيدة الانتصار على مخاوفها وهواجسها التي صنعتها مخيلتها لعلها تمتلك إرادة التغيير لتكون لها سلطتها على ذاتها ولعلها تتغلب على مخاوفها وتصنع واقعها فارضة سطوتها عليه.

ـ2ـ
معلوم أن توظيف الفنتازيا في الأدب الواقعي إنما يتم من خلال الابتعاد عن المألوف لذلك تركن الرواية موضع الرصد إلى الفنتازيا لكي تعبر عن الكيفية التي بها تواجه الشخصية الرئيسة عجزها وتداري رغباتها بما يعيد لها توازنها ويجعلها قادرة على المواصلة والاستمرار.
وعلى الرغم من بشاعة الواقع المعيش إلا إن سعيدة هانم صنعت لنفسها عالمها الخاص الذي تنعزل فيه بعيدا عن الآخرين متخذة من مليكة أختا لها وهي بمثابة قرين أو شبح تراه كظلها الذي لا يفارقها.
ويعد دستوفسكي أول من وظف هذه التقانة في قصة بعنوان( القرين ) ومن بعده اهتم كثير من الروائيين الغربيين باعتمادها وتسخيرها قصصيا في رسم شخصيات منفصمة منشطرة ومتشظية.
والقرين عبارة عن” حصيلة التماثل الاسقاطي بمعنى ينسلخ شخص عن ذاته وينسب إلى شخص آخر تلك الخصائص التي ينكر أنها موجودة عنده لكن بما انه لا يزال يعترف لا شعوريا بالخصائص المسقطة على أنها خصائصه فانه بذلك يماثل نفسه مع الآخر”
وقد وظّفت الكاتبة ميسلون هادي القرين كتقانة فنية أثيرة في روايتها موضع الرصد لا على صعيد بناء الشخصيات حسب؛ بل اعتمدته أيضا على مستوى بناء المنظور الذي شطرته إلى منظورين اثنين أحداثا وزمانا ومكانا فالمنظور الأول تمرأى من وجهة نظر سعيدة هانم والمنظور الآخر تمظهر من وجهة نظر مليكة جان.
وهذا ما جعل الرواية تبدو على المستوى الموضوعي وكأن لها قرينا كتابيا منفصما فيها ومتشظيا عنها حيث الزمان ينقسم والمكان يتعدد.. ويكون المتن بنصفين احدهما واقعي فيه مليكة أخت لسعيدة ويكون نصفها الثاني تخيليا وهميا فيه سعيدة هي نفسها مليكة..!!
وسعيدة التي تعيش روتين الواقع المضجر والفراغ واللامعنى الفضفاض والسرمدي ستقع فريسة لهواجس الوحدة والانعزال وتكون ضحية الجنون بسبب الاعتياد والرتابة ولذلك تتخيل لها قرينا يرافقها شبيها بها مؤنثا تظنه أختها وتعطيه اسم مليكة جان وتجعله يشاركها البيت والعمل.
وما هذه التسميات المركبة للشخصيات إلا انعكاس لقصدية الكاتبة في توظيف القرين فسعيدة تسندها لفظة هانم التي بها توكد طابع الحياة المعقول والواقعي في حين ألحقت بمليكة التي تعني فيما تعني الشموخ كلمة جان التي فيها دلالة السحر(الجن) جنبا إلى جنب دلالة التوهم المتخيل( الجنون) في حين دلل الاسم المركب سليمان بيك على التضاد ما بين الاسم والمسمى ( السلطنة /التنازل)
ولا غرو أن تجسد بنية الاستهلال هذه القصدية أيضا لتكون مدخلا مناسبا لبناء متن سردي مصوغ على وفق آلية الاقتران والانشطار عبر استدعاء هذا المقطع الشعري المترجم من قصيدة للشاعر الاسباني جوان رامون جيمنز (أنا لست أنا/ أنا هذا الواحد/ السائر بجنبي الذي لا أراه/ الذي أحيانا استطيع ان أزوره/ الذي أحيانا استطيع ان أزوره) الذي تتضاد فيه الذات المؤنثة مع نفسها من خلال لفظة الواحد.
ويتبع الاستهلال فهرست بعنوانات فصول الرواية التي تعكس بمجموعها دلالة الاقتران والانشطار والتضاد واقعا وخيالا.
وما التشظي والانفصام إلا انعكاس لشعور نفسي مؤسلب بالوجود الذي ينشطر إلى نصفين الأول خيالي يتمادى في الغرائبية مما يجعل مليكة منعزلة وضجرة من الواقع لائذة بالبيت وذكريات ماض جميل والنصف الثاني واقعي معقول تجسده سعيدة هانم المتكيفة مع الحياة والمتفائلة بالحاضر والمستقبل.
وتكون مليكة جان هي القرين الذي سيظل ملازما لسعيدة هانم كخيار نفسي تتخذه سعيدة لمواجهة الضغوطات لكن هذا القرين سيسبب لها فيما بعد عصابا نفسيا وفصاما ذاتيا يتفاقم كمرض فتعاني جراء ذلك من العزلة وينعدم شعورها بالكينونة هل هي موجودة فعلا أو غير موجودة وهل هي مسؤولة عن قصورها او غير مسؤولة ؟
ولأن مليكة جان قسيم روح سعيدة الضجرة لذلك تصفها بأوصاف سلبية تكررها تباعا فهي( زعلانة/ فمها معوج إلى أسفل بشكل مزمن/ وشعرها مجعد مفوش/ تشبه الحمامة/ ملابسها هلاهيل بنية ذات تجاعيد/ مختفية عن الأنظار/ في النهار متحمسة عاملة/ وفي وقت الغروب شاكية/ متبرمة من الصخب والازدحام).
وتتقاسم معها ذكريات الماضي وشجون الحاضر ومجهولية المستقبل ( هذا ما كنت قوله لها دائما) ( لا أجادلها) ( تعلم كم أحبها وافهم أفكارها دون كلام) ( كانت تشاركني لعبة..) ( تريدني ان أكون لوحدي مع منطقتي الخاصة بي ..حتى عندما لا يكون هناك احد غيرنا في باقي الغرف ) وبالتماهي والتوحد تتغلب على مخاوفها وهواجسها، ولما كانت مشكلة سعيدة هانم هي غياب المعنى لذلك تداوم على صنع قوانينها الخاصة التي تقبل بها وتجاريها ولا نضجر منها الأمر الذي يقودها إلى الانزلاق في دوامة التخيل منشطرة في خيالها ومتشظية في واقعها.
ولا ترى سعيدة قرينها/مليكة بعين راو ذاتي ذي وجهة نظر مصاحبة لا يعرف عن الشخصية أكثر مما تعرفه الشخصية عن نفسها بل تراها بعين أنا الراوي الغائب” اعرف أسبابها الجاهزة في رفض الخاطبين الستة والتي لم اقتنع بها أنا ولكني تماشيت معها”
ولما كانت مليكة قرينة سعيدة لذلك تجد تفسيرا لكل حركة أو تصرف أو سلوك” كانت جالسة تراقبني عن كثب وأنا أصحح دفاتر الطالبات في المساء متكورة على نفسها مثل قطعة مخربطة من غطاء الفراش جلوسها ذلك يعبر بشكل مضحك عما كانت عليه فعلا فهي مشوشة على الدوام لأنها تريد ان تجمع بين ما تفكر به وبين ما يجب ان تفعله فتجده متناقضا إلى حد كبير”
وهي تستبقها وكأنها في داخلها فتعرف الإجابة عن سؤال مليكة المُلح والمتكرر: ما هو الشيء الموجود في كل شيء ؟ فترد سعيدة” فعلا ليس من السهل ان يكون المرء فيلسوفا وأنا وإن كنت اعرف أن مليكة جان لا تعرف الجواب فان الطريقة التي سألت بها بعد صمت طويل تدل على ان السؤال مثل كل أسئلة الفلاسفة ليس له جواب”
وما السقوط والإخفاق والعزلة إلا مسببات دينامية نفسية لدور القرين في الشعور بالانشطار أو الانقسام ويتفاقم هذا الشعور في الفصلين الأخيرين من الرواية فتتراكم المتناقضات وتتكرر بين الأصل وقرينه المشاهد والأقوال التي يعاد قصها أكثر من مرة.. ومن ذلك وقوعها من الأرجوحة ليكون كل شيء اسود في نظرها وتعيد الجملة التي تتكرر خمس مرات” فان كل شيء موجود في الرأس ونحن الذين نسترجع..”
وتكون ذروة التأزم بين الكيانين المنشطرين والمتوحدين في الآن نفسه ما سيؤديه الأخ سليمان بيك من دور سلبي في إرغام سعيدة على الزواج من شمس الدين الذي لا تشعر ازاءه باي انجذاب لكنها تخفق في التعبير عن ذلك” ويوم تستطيع المرأة أن تحب بقوتها لا بضعفها لا لتهرب من ذاتها بل لتكتشف نفسها في ذلك اليوم يصبح الحب للمرأة كما للرجل ينبوع حياة لا مصدر خطر قاتل يلخص الحب اللعنة التي تحيق بالمرأة المحبوسة في العالم النسوي والعاجزة عن كتابة نفسها بنفسها”

وعندذاك لا يكون هناك بد من الانتظار أو الانتحار” بدلا من أن تضحك مليكة جان فقد بكت فتأكد لي أنها لا تريد الزواج فعلا من شمس الدين وأنها بعد قليل ستتظاهر بالسكون للهرب من هذا الخطر”
وهذا يدل على أنها ليست مريضة أو مجنونة بل هي واعية لازدواجها الذي لا تملك إزاءه حيلة ” أنا اعلم جيدا ان مليكة جان ميتة بل غير موجودة بالأساس إلا من خلال أفكاري التي أحاول ان اعمل عليها بجد بين البيت والمدرسة ولكني افشل في تفضيل الواقع على خيالي وإذا ما حاولت ذلك سيرفض عقلي وجسمي ذلك ”
ولتوكيد ذلك تدرج الكاتبة عبارة تضعها بين قوسين كبيرين تختم بها الفصل ما قبل الاخير وفيها تتعمد عدم تساوي خطاب المؤنث بين فعل الشرط وجوابه كانعكاس تلقائي لحالة التشظي والانشطار داخل الشخصية نفسها( اجل إلى حد ما إذا فعلتِ شيئا فافعله على نحو صحيح وإذا أنتِ لست فاعله على نحو صحيح فاتركه وشأنه)
وسيظل الزمن متشظيا أيضا إلى ما لانهاية ما دام القرين(مليكة جان) يطبع المكان أشياءً وموجودات بطابع خيالي فيفقد الزمن وظيفته ليتساوى الغد مع الأمس والماضي مع المستقبل” كنت أحاول أن اعثر لها على تفسير لهذه الظاهرة ولكن لا تفسير محدد سوى أنها تريد التغلب على الزمن وتبحث عن حياة جديدة لكل شيء يختفي من حياتها”
وهكذا تظل سعيدة هانم ضائعة ومتناقضة بين زمن فيه الغد يقبع في الامس وبين مكان يضج بلوحات ناقصة لا سبيل لاكتمال فضاءاتها إلا بوجود مليكة جان التي لن تفترق عنها حتى بعد ان تقرر التخلص منها..
ـ3ـ
تحتفي الرواية( سعيدة هانم ويوم غد من السنة الماضية) بالمكان جاعلة منه محورا تدور حوله الشخصيات وما مشكلة المكان سوى أنه يحفل بالمتضادات والمتناقضات الأمر الذي يشعر الشخصية الرئيسة سعيدة هانم بالامتعاض والضجر من الواقع المعيش فيتشتت وعيها إزاءه وتتبرم من سوداويته وفوضويته معلنة انهزامها أمامه.
وهذا ما يولِّد تضادا نفسيا يجعلها ترى نفسها متشظية بين التماهي في المكان أو التضاد معه أو بكليهما معا صانعة من البشاعة الجمال الذي به البقاء على قيد الحياة وكيفما يكون المكان يكون المتمكن فيه لذلك تحاول ألا تتشابه معه” وهذا هو بالضبط ما تفعله بعض السحالي الصغيرة عندما تتشابه مع بيئتها للدفاع عن نفسها” صانعة لها عالمها الخاص لعله ينقذ روحها من اليأس ، وتغدو هذه الثلاثية التعادلية ( التماهي × التشابه × التلون) بمثابة البؤرة الثيماتية للواقعية الغرائبية التي تسعى الرواية إلى تجسيدها وتوصيلها للقارئ
وعلى الرغم من أن المكان بمرارته وفوضويته قد سبب لسعيدة هانم انشطار وعيها إلا إنها آثرت الالتصاق بالبيت/المكان لتكون هي المتمكن فيه المنتمي بايجابية بعكس سليمان بيك الذي ظل عاجزا وسلبيا غير منتم متنكرا للبيت وذكرياته مهاجرا إلى كندا بلمح البصر” ضاق باشتعال الأخضر واليابس في الحرب التي بدأت ولم تنته ..وصار البيت يداهمه الحرس في الليل والنهار”
وستغدو اللوحات التي ترسمها مليكة جان من النفايات والمهملات التي يعج بها المكان بمثابة أسلوبية سردية تشتغل على حساسية الواقع المعيش منفتحة على الوصف محولة ما هو بشع إلى جميل” أصابتني العدوى من مليكة جان وقانونها القاسي عن العلاقة الجدلية بين المكان والمتمكن فيه والذي يجعل الإنسان يشابه البيئة في هيأتها الرثة من اجل النجاة”
ولان الواقع يشعرها بالتقزز والقرف والتشوه لذلك ستظل البشاعة تلاحقها في خيالها لتبدو غريبة الأطوار وهي تحاول الكشف والمعرفة وامتلاك الإرادة” في لوحاتها ظهرت مخلوقات فظيعة تتدلى من كل مكان ونتوءات رهيبة تشبه الأصابع تهرش تلك المخلوقات ولوامس كثيفة ..ناهيك عن سوائل مقرفة خفية ”
وما هذا الشعور إلا بسبب التضاد النفسي إزاء ما تفكر فيه مليكة التي ملكت على سعيدة دواخلها فصارت مثل ظلها ولما تناقش جدوى لبس الحجاب فإنها تعزز حالة التضاد عند سعيدة” فعلا كنت اشعر باني لست أنا ووجدت نفسي ..لا اعرف أين أدير وجهي من نظرات مليكة جان” أو تمتعض من الواقع فتتمرد على قواعد اللغة الإملائية في كلمة الافتتاح التي كتبها لها الصحفي أو تكون لها نظرة كونية للوجود من خلال مناقشة تطرف المطرب فضل شاكر ومن ثم تقودها تلك الأفكار إلى الاستهانة بذاتها وإدانتها” وظلت تبصق على نفسها فترة طويلة أمام المرأة” ” مليكة جان لا زالت تبصق على نفسها ”
وتكون رحلاتها الوهمية إلى أمكنة مثل الشمال ومصر والشام بصحبة العمة حورية تعبيرا عن تضادها الداخلي لعلها تنجو من التماهي مع بشاعة واقعها” معها حق مليكة جان ان تبحث في علاقة الجوهر بالمظهر بين المكان والمتمكن فيه معها حق في ان تخاف على نفسها بالأخير من ان تتحول هي الأخرى إلى قمامة إذا ما مكثت طويلا في هذا المكان”
ولكون سعيدة تسمع همس مليكة وصراخها الداخلي وأسئلتها وأجوبتها لذلك تندفع عفويا متمردة على السكوت ومحتجة على الصمت بإزاء ما يجري في الواقع حتى وان كان ثمن ذلك الاحتجاج والتمرد انفصاما نفسيا مع الذات وتضادا اجتماعيا مع الآخرين..
وليس في هذا مغالبة نفسية بقدر ما هو صراع جنوسي حيث الفحولة لا تمكِّن الانوثة من أن يكون لها خطابها المستقل والمضاد ، وعن ذلك تعبر المفكرة الفرنسية سيمون دي بوفوار” إن الرجل حرك العالم بانانيته وكبريائه ثم سكن مسيطرا عليه في كل زاوية من زواياه لم يترك منفذا للمرأة سوى هذا الطريق لكي تمر منه شخصيتها وهي لن تتوانى في الدفاع عن نفسها أو الإقدام على تخطي العقبات والعثرات في طريقها لتصل الى قلب الرجل حتى يخضع لها كما خضعت له فماذا سوف تكون النتيجة ؟ سنرى ”
إن تشظي سعيدة هانم وانفصام شخصيتها ما كان ليحصل لولا اضطهاد الرجل/الاخ لها ناظرا لها جنسا اخر ليس له الا وجود طفيلي هامشي معززا بذلك وجوده وموطدا احساسه بالتفوق..
وبهذا يتحدد مغزى الرواية التي داومت على توصيل فكرة أن ازدواج الحيوات انفصاما وتوحدا لا يكون الا في ظل واقع مشتت وفوضوي منقسم على نفسه ماضيا وحاضرا وهذا ما يجعل كل واحدة من تلك الحيوات مستنسخة في صورتين وواقعة بين فكي خيارين: فاما مصير رُسم لها يوجب عليها أن تتشظى داخل مكان هو الأصل والأساس وأما التماهي في غربة مكان مقابل القبول بالتنازل تضحية بالأصل وانسلاخا عن الأساس..
وما بين الخيارين تظل ذواتنا متشظية مكانيا وزمانيا بلا أدنى فرصة للتعبير عن كونها راغبة في ذلك أو لا !!

الاحالات/

سعيدة هانم ويوم غد من السنة الماضية رواية، ميسلون هادي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت، طبعة أولى، 2015.
م .ن / 68 ـ69 وينظر أيضا ص 38
م .ن / 168
ينظر: م .ن / 166
ينظر: م .ن / 179ـ198
ينظر: م .ن / 124و125
م .ن / 178
ينظر: م .ن / 191
أدب الفنتازيا، ت.ي.ابتر، ترجمة صبار سعدون السعدون، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1989/ 94
ينظر: سعيدة هانم ويوم غد من السنة الماضية / 61
م .ن / 39ـ40
م .ن / 135
م .ن / 51
م .ن / 147
م .ن / 179
كيف تفكر المرأة ، سيمون دي بوفوار ، المركز العربي للنشر والتوزيع ، القاهرة ـ مصر،د.ت/ 302 نسخة pdf
سعيدة هانم ويوم غد من السنة الماضية / 146ـ147
م .ن / 176
م .ن / 168
م .ن / 31
م .ن / 20
م .ن / 29
م .ن / 21
م .ن / 29
م .ن / 47و48
م .ن / 42
ينظر: م .ن / 50
م .ن / 47
م .ن / 45
م .ن /134
كيف تفكر المرأة ، سيمون دي بوفوار ، / 20

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.