عبد الله عباس الميّاح: ملامح البناء الفني عند “تحسين عباس” في “عقارب الذاكرة”

وفق اطلاعي على ثقافة الشاعر تحسين عباس في مجال انكبابهِ على تراثنا الأدبي العربي وتواصل قراءاتهِ المستمرة لاستلهام مراحل تطورهِ وتجاربهِ حتى كتابةِ قصيدة النثر .. وحسب معرفتي باهتمامات الشاعر النقدية واشتغالهِ على مفترق طرق المواهب المتعددة بالأدب والفنون من خلال ما نُشِرَ في نهاية المُؤلَّف الشعري(عقارب الذاكرة) الصادر في سنة 2010 برقم إيداع 2108 من دار الكتب والوثائق ببغداد لسيرتهِ الذاتية .. تولدَ لديَّ شعورٌ أن لا أتصفح مجموعته الشعرية دون الإيغال في جذور طوفانهِ في الفضاء الشعري والوقوف على مقوماتِ لغتهِ الشعرية المكتنزة بقاموس لغوي جميل محكم يتسم بثراء وكثافة هذه اللغة ..  ولعلَّ من جميل المفارقات أن تجد إنساناً يهتم (بعشق ولهفة ) بلغتهِ الطبيعية بنحوها وصرفها وبفقهها وبلاغتها وبعروضها .. ولكن يرفد لغته الشعرية بما هو حديث ومُولِّد وبما هو مموسق ومنتخب من أدوات تعبيرية أغنت موهبته.
اعترف منذ البداية أن أول بيتين من القصيدة الأولى في المجموعة (نفدت قوافينا) وهما ..
( أهلَ الجوى بيَ ثمَّ صار مُؤرقي = فحملتُ شعري في فضاءٍ مغلقِ
فغدوتُ لا ادري بما ادري بهِ = وظننتُ شمسي مغرباً في مشرقِ )
جعلاني استيطن معانيها واستجلي مقاصد المضمون فيهما فلمست منذ البدء اهتزاز وترنح الذاكرة واضحاً في شطر البيت الثاني .. ( فغدوتُ لا ادري بما ادري بهِ )
وتلك دورة زمنية حرجة لعقارب الذاكرة التي ترمزُ إلى تقاويم هذه الذاكرة المعقدة الشائكة بمسيرتها .. ولعلَّ هذه الصفة تمثل أهم مشتركات الذاكرة العراقية في العقود الغاربة .. ولذا نلمح نبرة الأسى والأذى ونبصر مدامع الشكوى حيث يتراكم نضحها في هذه القصيدة والتي استهلَّها بذكر الأرق ومكابدة هواجس الشعر وأنهاها معترفاً بإنهاك وإتعاب هذه الموهبة بلزوميات ثوابته الشخصية التي أوجزها بعبارة :
.. ( في المنطق) ..
إن نبرة التوجع في تناول الأشواق واحتباس الشكوى في صدر الشاعر وفي أقفاص الصمت القاتل ، الذي جعلهُ حائراً لا يدري بنفسهِ واضحاً جداً هنا :
وغدوتُ لا ادري بنفسي هل أنا = هي أم أنا نفسي وتاهَ سبيلُ
إن قصائد المجموعة الأولى : نفدت قوافينا ، غزل القوافي ، تفاصيل الألم ، لا تمدحي شاعراً .. هذه القصائد يوحِّدُها عامل مشترك ويزينها روعة البناء المحكم والمتراص والذي أنسانا فيه الشاعر ونحن نتابع قصائده كلها .. أنسانا جدلية الأشكال والمضامين وغمسنا في روعة التشابك بين مقومات القصيدة ورصانة معمارها الفني المرموق .. اللهم إلا في قصيدة ( أراجيح الزمن ) والتي أرجعتهُ عقارب الذاكرة فيها ليتعايش مع الشعر العربي القديم  قلباً وقالباً خصوصاً حينما يستخدم ألفاظاً مثل : جوادا ، تلادا ، عمادا …) واحسب هناك انه مجاراة القافية جرجرت أقدام الشاعر .. ليزجَّ بهذه المفردات …. بين ثنايا أشعاره ……….
مع اكساء بعض المفردات لغير معانيها والتي فرضت عليه قسراً كما قلنا مثل : ( تناغمني بأضلاعي سهادا ) وعادة ما يكون السهاد للجفن وان كانت الأضلاع تشاركه محنة التقلب على وسائد الأرق .
فهو هنا يرسم لنا صورة العاشق المعذب المستسلم لسلطان الأرق .. المذعِن لتصرفات الحبيب الهاجر الذي جعلهُ نهباً للّوعة  والتباريح ..
أما قصائد المجموعة التي حملت النفس الوطني ومنها : حروف الحكايات ، مزايا بلادي ، خيل الرجال ، أنشودتي، شذى المثنى ، صدى الوركاء .
فهي قصائد أفرزتها ضغوط اللحظات التي يكابدها كلُّ العراقيين وهي مفرغة من جميع العواطف للجنس الآخر متخذاً من الوطن والعلم والطفولة هدفاً للتغني ويكاد أن يكون بعضها تعليمياً يناسب كثيراً شرائح الطفولة التي نريدها أن تغني للوطن دائماً وتعيش فيه بسعادةٍ وكرامة .. وهذا يحسب له كثيراً مع ان هذه المشاعر لصيقة بمكونات شخصيته الرصينة وحين ينشغل الشاعر في قصيدة ( ذكريات في عيون زجاجية ) وكأني أراه قد غادر أزمان الأجداد ليتعايش زمانياً مع روح المعاصرة خصوصاً في المقطع الذي يبدأ منه بعبارة : آهٍ من سلالم الموسيقى .. انه يخرج من رياح الكلاسيكية طواعية ً .. ليدخل عوالم حياته الخاصة المحبذة إليه خصوصاً حين الهرب من حمم الأشواق .. فهو هنا يوظف موهبته الشعرية للحديث عن إرهاصات موهبة أخرى يملكها ألا وهي الموسيقى وتداعيات الولادات القيصرية  لأنغامها وهي تترنح بين نقرة الموهبة والصوت وصدى الوتر الرنان .. ولكن هذا الناي وهذا الوتر تراجيدياً دائماً …. ولعلَّ في توارد الفعل المضارع ( ألمُّ ) في قصيدة ( مواويل في خاطرة مجهولة ) والتي تكرر (ستة مرات) مقرونة بذكر رمز أيوب عليه السلام فالقصيدة لعلها تمثل ذروة اللوعة عند الشاعر لتناثر أحلامه وصعوبة جمعها (الُّمُ خاطرتي وأحتسيها أملاَ) ، (ألــُّمُ سكَناتي التي ضاعت بينَ أجنحة ِ الطيورِ)،( ألــُّمُ أضلاعي عند عوّادٍ استهلكها بالرنين)،( ألُـمُّ ولكن ماذا ألمْ ؟ 2) فهو يكابد جفاء الآخر الذي لم يعرِ أي اهتمام لكثرة ياء النداء عند الشاعر، ينادي حبيباً مصراً على الهجر والسفر لا يعيرُ اهتماماً لتوجع حبيبه ولا يعتدُّ لتضرعه إليه ومناغاته الدائمة … وها هي قصيدة ( سبايا القلق) يرقص فيها بحر الرمل : يا حبيبي لا تسافر ….. لا تسافر .. لا تغادر ولكن أذُنَ الحبيب صماءٌ وقلبه مصنوع من حجر ..
انَّهُ لا يملكُ الإحساس بتوجع وتصدع(تحسين) فيقف صامتاً أمام  ظلامات وهجران حبيبه ، وتعد قصيدة ( سلالة التيه ) صوتاً فوتغرافياً لعنوان المجموعة التي أفرزتها شاعرية محبوب تقلقُ عينيه حركة ُ بندول الساعة وتنغصُ مضاجعه خيالات الليل الموحش ..
إن من يقرأ المجموعة ويتعرف ملياً على خصائص المجموعة يجد أن حياة ( تحسين عباس) من خلال مجموعته تمثل رحلة شاقة تظافرت على إنهاكها تجارب حب وعشق غير موفق مُلبّدٍ بليل اسود سكران بهيام موحش .. فكان طريق الحب عنده متعثر المسالك حتى أنَّ الليالي المقمرة لا تخلو من صوت ناي حزين شجن يتناهى إلى مسمعه دائماً وتنغص عليه  كما أسلفنا أبعاد تطلعاته واستشرافهِ لأزمان  فارهة .. ان أكد  زمام الشاعر هنا بين تمزق وتوجع وشكوى وألم ..
وبين دأبٍ وإصرار على اجتذاب ما يصبو إليه مهما كلفه الأمر من متابعة ومطاولة وبُعد، فالمجموعة صرخاتُ حنجرةِ فنانٍ مرهفٍ ومراسيلِ عشاقٍ محرومين .. نتطلع إلى طبعة ثانية لنفس المجموعة خالية من الهفوات رغم قلتها .. ويحدونا الشوق إلى مجموعة ثانية أبهى مطرزة بالتجارب الثرة المتراكمة المبهرة يغنيها دأبُ الشاعر ونهمه لاستلهام كل ما تقع عيناه الطامحتان .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.