هشام القيسي : ملامح من سيميائية الإسقاط الزمني رواية (المأساة : الديوان المفقود) أنموذجا

هشام القيسي

ملامح من سيميائية الإسقاط الزمني
رواية ( المأساة : ’ الديوان المفقود ’ ) انموذجا

في كتابته السردية عصية التجنيس ( المأساة ’ الديوان المفقود ’ ) نتساءل : هل أفلح الروائي داود سلمان الشوملي في تكنيكه عبر تقنية المراسلة من أستكناه طبيعة ونمطية التفاعل وإسقاطاتها المترشحة عن الذات ؟ وهل استلهمت ما استقر في ذات الآخر كهموم مشتركة وبما تشهر مزايا تشير إليها وإلى تعاطياتها بعدا ومقصدية بقيمية وجمالية ؟ وهل توازت الرؤى مع انشغالات الذهن ومسارات الواقع ؟ .
ابتداء ، يبقى السرد كأسلوب من أساليب الكتابة ، أحد عناصر العمل الإبداعي في التعاطي مع الظواهر الحياتية والسلوكيات الإنسانية بأنماطها المتوازية والمتقاطعة . وبمقدار مقاربة واتساق وانسجام عدته بمقدار ما يتقرر فعل الكاتب ورصانة بنيته السردية .من هنا فان طريقة التقديم تشير من جملة ما تشير إليه إلى المهارة من عدمها وعليه لا مناص من القول بأن طريقة التقديم ربما لا تنحو نحو مسار واحد ، فقد تتداخل فيها الذات والمباشرة والمحاورة وفق ايقونات الإرسال وإملاءات طاقة النص كمنتج يمغنط في المساءلة والإجابة .
وحسنا فعل الروائي في الإشارة إلى مخرجات الدالة الزمنية بعد عام 2003 ومحمولاتها من وحدات حدت من الطمأنينة وأطبقت على مسارات مادية ومعنوية ألهبت السياط في جحيم الصيف وامتداده ، وكانت لمفردات الحصار وأهوال منظومته المتعددة الاتجاهات والصفحات وعلى كافة الصعد سيما جانب الطاقة وتحديدا المنظومة الكهربائية ، اسقاطات حادة على نفسية
داود ( الأديب ) :
( الضجر ، والملل ، قد أخذا مني مأخذاً كبيراً ، أحس بهما يقتلاني. و فوق ذلك هذا التوحد الأرادي الموحش الذي أعيشه بعد عام 2003 . كل ذلك دفعني للبحث عن وسائل لأن أعيش الحياة ، فكان النت- التكنلوجيا الحديثة الرائعة – هو طريقي لإبعاد ذلك الضجر ، وكذلك الملل ، واخراجي أيضاً من هذا التوحد الموحش.
إلّا أن الكهرباء ، الاختراع الأعظم للقرن التاسع عشر، كما أظن، والذي غير وجه العالم، كان هو الحاجز والمانع لي أمام ركوب هذا الطريق الذي حسبته منقذي من ضجري ومللي ووحشتي.
للكهرباء في بلدي قصة طويلة ، فكانت وقت الحصار الظالم على بلدي مبرمجة خلال جدول منتظم، كل ثلاث ساعات حتى جاء الغزو الأمريكي بالديمقراطية !!! ليزيد الطين بله.. ) .
شخصيتا سردية ( المأساة ) ، داود – الأديب الموجه – وصباح ( الشاعرة الواعدة ) نموذجان من المسار الثقافي والأدبي ، مختلفان في المبنى الإبداعي كمنتج فكري وبنائي على الصعيدين الرؤيوي والتعبيري إستثارة وتفاعلا ، بيد انهما اتسقا بهدفية إضاءة المشاعر بمصداقية ترسخ صفاء الذات في إسعاف المتطلبات :
(الزميل (الزميلة) صباح المحترم (المحترمة)
تحية طيبة
وبعد :
أكتب لك هذه الرسالة القصيرة لأعبر لك عن إعجابي بقصيدتك المنشورة على صفحات جريدة (…).
اتمنى لك الموفقية وأوقات مثمرة.
زميلك
داود
ان سيميائية الزمن تتمثل باشتغال الروائي على فترة زمنية محددة عقب الخراب الكارثي الذي أسقطه الاحتلال واختراقاته لبنى النسيج الإجتماعي وتعاطياته مع الحياة على طريقة رعاة البقر .
وما حملته الرسائل المتبادلة بين داود – الأديب – وصباح – الشاعرة الواعدة مرشحات بمثابة ناهضة واستيلاد لكنه المشاعر بقصدية تحفيز روحية المواكبة الحياتية ومقابلة افرازاتها كتعبير موجه في رفض النكوص أو التخلي عن ممارسة الذات الإنسانية لمساراتها وامتداداتها :
(الزميل داود المحترم
تحية طيبة
شكراً لرسالتك وإعجابك بقصيدتي المتواضعة … سررت بهما .
أنا أنثى ولست ذكر ، وآسفة جدأ لأنني جعلتك تحتار بإسمي.
شكراً لك مجدداً.
أرسل لك قصيدة لي :
“اللقاء”
((انه الليل حبيبي
تعال نهز المهد
لننام
على وقع الشموع
و رائحة جسدينا.
تعال نقطف من هذا الوجد
ازهاراً وعنادل وفراشات .
تعال نقبض على جمرة نبضينا
فالنار لا يطفأها إلّا صهيل الخيول
في وهدة هذا البرد الشتائي. ))

زميلتك
صباح
***

الى الشاعرة الواعدة صباح المحترمة
تحية طيبة
وبعد
زميلتي العزيزة:
بالنسبة لي لا يهمني أن تكوني ذكراً أم أنثى بقدر ما يهمني شعرك… أشكرك على أخراجي من حيرتي بسبب الإسم.
القصيدة رائعة وجميلة ، شكرا لك .
أتمنى لك اوقاتا مثمرة.

زميلك
داود
في منظومة الإرسال والتلقي توالت الأدوار لكليهما وبهذا فان المتكلم والمخاطب قد تناوبا في صيرورة العلاقة الرابطة وفق كشف أنيس شفاف إضافة إلى تعددية فضاءات التطلع ومركباتها المتناغمة التي امتزجت فيها الأماني بالقصديات بصورة مستغورة مشروعة :

( الى أستاذي القدير المحترم
تحية تعبق برائحة الياسمين…
كم كنت كريماً معي … وكم كانت رسائلك مشعلاً أنار لي الطريق الذي يجب أن أسلكه ، ولولاك يا استاذي لِما تعرفت على هكذا مصادر .
صحيح أننا كأدباء و مهتمين بالكلمة كان علينا ان نضع القرآن أمامنا دائماً ، إلّا أن ظروفاً عديدة قد أحالت بيننا وبينه لأنه ثروة لكل شيء تخص الأديب الشاعر أو غيره .
أشكر كرمك … سرني ارسالك الكتب ، انها هدية أعتز بها… شكراً يا استاذي الفاضل.
استاذي العزيز:
بدأت بقراءة القرآن ، مع وضع تعليماتك بتدبر القرآن نصب عينيّ، ها أنا اقرأ بتمعن … وسوف أتعبك معي ، لأن قراءة القرآن ، فيها الكثير من الصعوبة ، وهذه الصعوبة ليست بسبب لغته ، فانت تعرف بأنني خريجة قسم اللغة العربية (*)، ولكن الصعوبة كانت بسبب ما اسميته (ترابط الالفاظ) في تركيباته البلاغية…
شكراً لك على ثنائك على قصيدتي ” بلل الطريق ” ، إذ كانت إشارتك لما مخفي في البيت جدأً صائبة .
أرجو أن يكون صدرك واسعاً.
شكراً مسبقاً و لاحقاً .
تحياتي لك.
تلميذتك
صباح

ونخلص من تثبيت الحدود الزمنية للرسائل المتبادلة بين 15 / 5 / 2005 – 25 / 7 / 2005 الى أن الروائي اتجه صوب اشهار مشهدية مستقطعة مدمية من زمن مرئي عام متقاطع مع الحلم الشخصي الذي تقاسمته التوترات ومجاهل الخوف وتسويقات الرعب اليومية تحت فضاء مفارقات حادة وتراجيديا المكان بمحمولات مستعرة ومابين التعرف الأول وخبر الصدمة بموت صباح مشاهد انعكاسية موحية في مآلها الأخير ، كذلك أشهر الروائي ارسالية الوجدان وأنسنة مفرداته بين الأنا والآخر عبر تدفقات وانزياحات توالدت فيه المشاعر الإيجابية التي سعى من خلالها إلى تدوين متوالية مكتنزة بالإيحاءات الدلالية لدرامية الرسائل وديناميتها الحافرة .
وعليه فقد أفلح الكاتب في تقنية المراسلة بمؤطراتها ومعطياتها مثلما وافق ما أستقر في ذات الآخر عبر مشهديات نبيلة المشاعر أغوت القارئ .
إذا كتابة ( المأساة ’ الديوان المفقود ’ ) موازاة للرؤى في مسارات واقع متعاكس في حلقاته .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عائد خصباك… حكاء يزين السرد.

بداية الثمانينيات من قرن الحروب والفجيعة، رأيته يجلس خلف صمته متأملاً ذلك المكان المحاط بضجيج …

فاروق مصطفى: (في حضرة عطرك) الكلمات هي الاخرى تتعطر وتضوع

كتاب ( في حضرة عطرك ) الصادر عن دار رؤى عام 2019 للشاعرة ذكريات عبدالله …

نبيل نوري يتأرجُ في بصرتهِ مِن خلالِ روايتهِ (سيدي قنصل بابل)
مقداد مسعود (ملف/1)

في مساء بصري جميل وفي قاعة الشهيد هندال: أقامت اللجنة الثقافية للحزب الشيوعي في البصرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *