مخطوطة آخر كتاب للراحل ناظم السعود: المدوّنة ألحادية عشرة – اقباس من كتاباتي الصحفيّة
لماذا تنعون التقاليد الثقافية ؟! (ملف/45)

لماذا تنعون التقاليد الثقافية ؟!

ما أن أكملت القراءة الأولى لمقالة القاص والناقد علي حسين عبيد المعنونة ” عندما تكون الثقافة بلا تقاليد ” حتى قلت لنفسي مصارحا: ولكنني لم أزد معرفة إضافية أكثر من ان الكاتب قد نكأ جرحا فاغرا يحتمل المزيد ! والمعرفة الإضافية التي اعنيها تأتي من كمية الزيادة التي يضيفها كاتب نوعي بحجم علي حسين عبيد نتوقع منه الإضافة مع كل جديد ينشره او ينشده في كل نشر ، وهذا ما كنت اتوقعه من مقالة هذا القاص والناقد التي زودتني بقليل من المعرفة ولكنها شحنتني بكثير من النقد لما يحيط بي ! وأصارحكم إنني حين أجد نصا او تعقيبا او مقالة يسبقها اسم علي حسين عبيد إلا وتابعته بشغف لعلمي ما يدخره هذا الاسم الرصين من جدة ومعرفة وإخراج لظاهرة ثقافية او اجتماعية من ربقة أوضاع شاذة وتراكم مافون او مسيرة مصححة ! من هنا لا أجد مناصا من القراءة المدركة متوقعا ان هذا الكاتب سوف لا يتركني – كقارئ – إلا بعد ان يلفت نظري الى حجم الفوات الذي التف حولنا وتغلغل في أعماقنا وتشعب أمام أبصارنا ويدفعنا حينها الى تشخيص ما تناثر من سلبيات وعوائق فنروم إثرها التصحيح !.
هذه المقالة ، التي نشرها علي حسين عبيد في الشهر الماضي (تشرين الأول 2014 )في جريدة الصباح ، يمكن توصيفها بالحادة والتي تخض ظاهرة سوداء بتنا نشعر بها ونتدارك مخاطرها و أثارها في مجالات متعددة حتى لتكاد تتشظى أكثر ،ظاهرة تفترسنا ونعيها يوميا ولا باس ان نسميها ب ” التقاليد الثقافية ” مع الكاتب الذي يشرّح أهميتها ويركز على ضرورة وجودها لا في الحقل الثقافي فحسب وإنما في عموم المجتمع لاستكمال دورة النماء والبقاء فيه ولا نجد منطقا او أهلية لأي كلام خارج التقاليد الثقافية فهذا معيار هام لا ينبغي لأي مجتمعي بالغض منه او تجاوزه تحت أي شرط كان ، فالتقاليد الثقافية – التي يتداعى بعضهم بحجة الجهل واللاادرية للآسف لمحوها وتهميشها – يشبهها كاتبنا بالكائن الحي وعندها يتساءل محقا ويستفزنا ويصرخ بغيرنا : ” هل هناك كائن حي (طفل) قادر على التسارع في النمو، وإشغال مساحة إنسانية بين أفراد العائلة من دون أن ترعاه تقاليد ومرجعيات تربوية، تشد من أزره، وترسم له طريق التقدم إلى أمام؟ قطعا لا يمكن الاستمرار في النمو والتميّز من دون إسناد تقدمه تقاليد ثابتة الجنان للإنسان ” .
وقد نبهني سؤال علي وإجابته الواعية له الى مغزى وجود مثل هذا الكاتب في زماننا والأهمية الاستثنائية التي ظل يشكلها طوال أربعين عاما ولم يزل ، ينبع المغزى من انه يحيط ( بوعي تحليلي نافذ ) بمختلف التحولات والمنعرجات والتحديات التي تواجه المجتمع ان كان في صعوده أم في انهياراته المتتالية ولهذا نجده ( كأي مهموم ومتشاكل مع ما ينغرز في وجدانه) يضع أجوبته واضاءاته وأفكاره في مختلف العقود والمراحل فكأنه يكتب علاجات تستوعب الجروح العديدة التي تخلفها المسيرة ومفاصل المجتمع حتى وان كانت فردية فسيجد لها حلا او يقترح بدائل تقيها المحق والزوال ، والذي يقرا جادا ما يكتبه علي حسين او يستجلب النظر اليه في قصصه ورواياته ومقالاته فلا اشك انه سيعثر على قضايا وانهيارات حالية وقادمة سيفردها ويجزئها الى مختلف العناوين ثم يعتصرها ويعالج موبقاتها او سلبياتها المتوقعة فنكون إزاء نظرة تحليلية متبصرة ومعالجة تصحيحية لحالة المجتمع كله !.
ومن المؤكد ان كاتبا حقيقيا مثل علي حسين عبيد سينتبه الى حجم الخسارات التي تتكبدها الثقافة العراقية من جراء هذا الخفوت ( وبعضه متعمد ) او التشاغل عن ” التقاليد الثقافية ” والاضرار الناتجة عنها حتى يقول او يسمع الغافلين (( إذن الثقافة، أية ثقافة بلا تقاليد، تعني إنسانا بلا ثقافة، هذا هو التحصيل المؤكَّد لغياب التقاليد الثقافية أو إهمالها، فالتقاليد هي نوع من الأسس التي تسير عليها فروع الثقافة، وتنمو وتبني خصوصيتها وفقا لهذه التقاليد والأسس، ولا خير في ثقافة لا تمتلك خصوصية تميزها عن غيرها من الثقافات ..)) ولا مناص من الإقرار بصحة توصلاته وسلامة كلامه اعلاه بالرغم من قسوته !.
هذا الموقف الثقافي – وسنجد الكثير من هذه المواقف في الثقافة وخارجها منذ عقود – يجرنا الى التنويه بمجهودات كاتبنا وتفاعلها الصميم مع ظواهر سلبية وتراكمات فاقعة يرصدها الكاتب ويحاورها بعقلية ناقدة ثم يجهر بخلاصاتها علنا او كتابة ، ولم يعد غريبا علينا ان الكاتب هذا يعمم مواقفه او نقداته على المجتمع المعيش كله لتصوير الثآليل التي نعيش جبرا معها :الم يكتب هو عن ظاهرة السرقة و شيوع قيم التخلف في المجتمع العراقي ؟ هل اثأر احد موضوعة ( تهجير العقول ) وأعلن بصراحة ان هذه الموضوعة هي من سمات المجتمعات المتخلفة في إشارة واضحة الى مجتمعنا ؟! ثم الم يشر علي حسين عبيد الى خطيئة التطرف وتشظيه فينا قبل سنوات حتى وصمه بأنه انتهاك صريح للمنجز البشري؟! ولا ريب أننا فجعنا بكشف هذا الناقد من ان هناك دخلاء في الثقافة العراقية ومستوى الأصداء والمجالات التي خربوها وعاثوا فيها فسادا ! ونحن نذكر الآن انه فضح ما يحيطنا من صور التطبيع والفساد وثقافة الجدران ومن يقف وراءها،عموما نحن في مرآة صادقة يبوح فيها كاتب فورا بما يراه او يحدسه من أفك وشروخ وانتهاكات قد ينوء بها المثقف كما قد يستعر بها المجتمع في لحظة جهل او ضياع او غفلة ، ويضطلع قاص وناقد بدوره التثقيفي والتحذيري بأفضل ما يكون ولكنه ان قال في إحدى حواراته من انه يضع ” حلولا مؤقتة ” فهذا القول يخص ” الذين يتغافلون ولا يقرؤون ” في حين يصبح حلولا دائمة لسواهم

شاهد أيضاً

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (الخاتمة) (15) (ملف/65)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

في تأمّل تجربة الكتابة
استعادة غسان كنفاني إبداعيّاً ونقديّاً
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/24)

ست وثلاثون سنة هي كل سنوات عمر غسان كنفاني، منها اثنتا عشرة سنة عاشها في …

غسان كنفاني والكتابة للأطفال وعنهم
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/23)

ما زال غسان كنفاني مستعادا؛ مقرؤءا ومدروساً، على الرغم من مرور ثمانية وأربعين عاما على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *