مهدي شاكر العبيدي: الكاتب الأردني أحمد العلاونة في سرده وتفصيله، في سيرة حياة ( إبراهيم السامرائي علامة العربية الكبير والباحث الحجة )

ما كنتُ أحسب أنْ يلازم الإنكار والكنود العالم العراقي إبراهيم السَّامرائي حتى بعد مفارقته هذا العالم المنحوس ، وقد ذاق في الحياة غصص الآلام والمحن وابتلي بالتشرُّد والضَّياع في حواضر الدُّنيا العربية ، هو الذي أمضى حقبة تنوف على السِّتين عاما ً منذ يفاعته وتفطنه إلى كنه ماهيته وصلته بهذا الوجود ، قلتُ قطع هذه الأعوام عاكفا ً على الدَّرس والبحث ، عزوفا ً عمَّا ينشغل به الناس من سفساف القول وهذر الكلام ، ومحجما ً عن مجاراتهم في بعض الأطباع والخلال من رياءٍ وختل ووصولية ومكر وتدليس ، متأسيا ً بما جرى عليه قديما ً صنو له يشاكله في اهتماماته ، ويماثله فيما يعنى به من العلم والمعرفة ، هو الناقد واللغوي والشَّاعر المقل القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني الذي أشفق على حال مجايليه من الأدباء والمفكرين أنْ يتهافتوا ويضعفوا وتخور نفسياتهم ومعنوياتهم باللجوء إلى المصانعة وتدنيس سمعة العلم وإنزاله من عليا منازله تطلعا ً لنيل بعض الرَّغائب دونما احتياج لها ويعدُّ فضلة زائدة من لبانات

العلّامة الراحل "إبراهيم السامرائي"

الحياة وآرابها ، كما أنـَّهما يستويان في تشخيصهما وتحديدهما لنفس الميزة أو عنصر الجمال الذي يتوافر للعمل الفني من موازنة بين اللفظ والمعنى بدون سَرَف في الإتيان بواحد منهما والإخلال بالآخر ، متحاشيا ً أثناء ذلك أيَّ ضربٍ من الافتعال والتصنع ، ومروِّضا ً ملكاته على شيءٍ من العفوية وتلقائية الأداء ، وكذاك حرص إبراهيم السَّامرائي في كلِّ ما كتب من مباحث وفصول وفرغ من تحقيقاتٍ لآثار القدماء على أنْ تكون لغته فصيحة سائغة الفهم ، وبيانه سلسا ً بعيدا ً عن الإغراب والتكلف ، وأسلوبه معبرا ً ومحيطا ً بأغراضه ومقاصده ، لذا فالفجيعة بمغادرته دنيا الشَّقاء في اليوم الخامس والعشرين من نيسان عام 2001م ، كانتْ بالغة الأثر في نفوس بعض عارفيه والمعجبين بجدِّه ومثابرته الموصولة على الدَّرس اللغوي واكتناه أصول مفردات اللغة العربية واستعمالاتها الأولى وما تنطوي عليه من دلالات ومعان ٍ ، على حين كان الوسط الأدبي في العراق لاهيا ً عنه أو متغافلا ً أو منشغلا ً بمساجلاته ومماحكاته وتمحلاته حول عناصر الفن القصصي ، مواليا ً سعيه لإعلاء شأن هذا الشَّاعر المُحدَث والنفاذ لكنه تجربته وما خلص له من المياسم الإبداعية والانفتاح على العصر ، ومن غير ضن ٍ كذلك في إسباغ الألقاب والنعوت من قبيل الرِّيادة ونحوها ـ في تناول الموضوعات التي يعنون بها والفنون الأدبية المستأثرة باهتمامهم ـ على نفر من الناس درجوا في أيَّامهم على مسايرة الحاكم المسيطر ومماشاته في توجهاته ونوازعه مع توقي شرَّته وأذاه ما وسعهم ، إنْ لم يحسبوا من زمرته وعلى ملاكه في شرع المتجرِّدين من الأهواء والأميال ، من المدونين الأثبات والشُّهود العدول على مسارات الحركات الأدبية وتقويم دالات المجلينَ من أعلامها وأقطابها .

وكذا مرَّ نعي السَّامرائي وطرق الأسماع من طريق الإذاعات ، فقد قِيْلَ أنَّ الدكتور شوقي ضيف ـ وكان وقتها على قيد الحياة ـ أبَّنه من القاهرة بإحدى    إذاعاتها ، عادا ًغيابه خسارة كبرى لا تعوَّض ببديل عنه يشغل مكانه ويباريه في مثابرته وانقطاعه للتأليف والتحقيق في التراث اللغوي ونفائس المخطوطات ، مُحَكـِّما ً تحسُّسَه بحاجة العرب في حاضرهم إلى النافع المفيد من موروثهم الثقافي الغابر في تصويب الأغاليط والهنوات التي تشيع اليوم نتيجة العوادي المتلاحقة التي ألمَّت بهم في أزمان ماضية مصوِّحة بمجدهم وحضارتهم ، فتسللتْ العجمة إلى ألسنتهم ، وغلب الوهن والحذلقة على سلائقهم ، واعترى التهافت والابتذال بيانهم ، وداخل القصور والمحدودية وضيق الأفق أخيلتهم واستشرافاتهم لما يتوسَّلون به من ضروب التشبيه في أدائهم لمعانيهم ومقاصدهم ، وجرى على نفس الخطة من إظهار الأسف والتحسُّر والندب جرَّاء رحيل هذا العالم الفذ عن عالمنا لكن بتوسُّع وقبل أنْ تجفَّ الدُّموع ويباين الحزن النفوس ، الكاتب الأردني أحمد العلاونة بتأليفه كتابا ً موسوما ً ( إبراهيم السَّامرائي علامة العربية الكبير والباحث الحجة ) ، وفي المفردة الأخيرة  من هذه التسمية ( الحجة ) شيء من النبوِّ والفجاجة وعدم ملاءمة السِّياق ، وقصور في معاونة القارئ على سَوْغ غرضه وإدراك مرماه ، فالباحث الذي تتوافر له جميع الأدلة والبراهين والحجج ذات الصِّلة والعلاقة بلون من العلم وصنفٍ من الأدب وهو ينازل الأقران والأنداد ويبذهم قلـَّما يوجد .

يُستهَل هذا الكتاب الصَّادر بدمشق عن دار القلم بالعدد الرَّابع عشر ضمن سلسلة ( علماء ومفكرون معاصرون ـ لمحات من حياتهم وتعريف بمؤلفاتهم ) ، نقول تسبق فصوله ومحتوياته مقدَّمتان كتبهما كلٌّ من صبحي البصام من العراق ، ووديع فلسطين من مصر ؛ فالأوَّل صديق السَّامرائي وصفيُّه أثناء الدِّراسة بدار المعلمين العالية منذ بداية الأربعينيات من القرن الماضي حتى أتمَّا تحصيلهما في منتصفه ، ويفيض البصام في وصف علاقته به أيَّامذاك من الصَّفاء والحميمية ومشاطرته الرَّأي على ما تردَّى إليه الكاتبون في أساليبهم من الرَّكاكة والتبذل بفعل تأثرهم بلغة الجرائد وما شابها من الضّعف والهلهلة على سبيل التبسيط ، حتى افترقا بعد تخرُّجهما ، وسافر السَّامرائي إلى باريس بغية استكمال دراسته وعاد منها أكاديميا ً مستوفيا مؤهلات الأستاذ الجامعي من الإلمام بعناصر موضوعاته قدر الإمكان وجهد الطاقة ، وقصد الآخر بريطانيا بعد سنين حيث أقام بمدينة شيفلد حتى ساعة موافاته للمؤلف بهذه التقدمة ، ومنذ تقاعده من التدريس الثانوي عام 1975م ، متفرِّغا ً لمباحثه وتصويباته لما في الكتب والمعاجم اللغوية من الهنات والأخطاء ، وقد أدركته بدار المعلمين في الاعظمية أواخر عام 1952م ، معاونا ً للإدارة أو مضطلعا ً بشأن آخر ولم استجل ِ حينها كونه معدودا ً في الشُّعراء ؛ والثاني باحث مصري متتبع تأسَّى في أكتوبته على حرمان السَّامرائي من عضوية المجمع في بلاده ، بينا حظي بها في بقية المجامع العربية في القاهرة ودمشق وعمَّان وأخيرا ً في المجمع العلمي الهندي ! .

وتعد تانكما المقدِّمتان بمثابة مدخل للدِّراسة المسهبة والمحيطة بعض الشَّيء بأشتات ونبذ عن تولد إبراهيم السَّامرائي بمدينة العمارة في جنوب العراق ، حيث أنَّ سكانها هم مزيج من مختلف العناصر والأجناس والأديان والمذاهب , وفيها تعلم ، ودرس في دار المعلمين الابتدائية ببغداد وتوظف في التعليم الابتدائي وقضى فيه مدَّة طمح بعدها لمواصلة تحصيله بدار المعلمين العالية ، واشتغل مدرسا ً بكلية الملك فيصل في سنوات ( 46 ـ 48 ) ، فاز بعدها ببعثة علمية إلى باريس حيث انتظم في السُّوربون ملما ً بالمعاهد المختلفة فيه ، وزائرا ً مقيما ً للمكتبة الوطنية هناك ، وانعقدَتْ أواصره بكبار الأساتذة والمستشرقينَ ، ثمَّ ظفر بالدكتوراه وأجيز على مؤلفيه ( الجموع في القرآن الكريم ) ، و ( المثل السَّائر لابن الأثير ـ دراسة   وتحقيق ) .

بعدها ينصرف المؤلف إلى التنويه والتعريف بأشهر أساتذته من العراقيين :ـ طه الرَّاوي ، ومصطفى جواد ، وعبد العزيز الدوري ؛ وكذلك من الأجانب الفرنسيين :ـ جان كانتينو ، وبلاشير ، فمعارفه وأقرانه وتلاميذه من العراقيين والعرب ؛ ثمَّ يستعرض مؤلفاته البالغة في حدود علمه ستة وخمسين كتابا ً ، منها ما هو جهد تحقيقي لمخطوط قديم ، وآخر ينسلك في عداد الأعمال النقدية ، مشتملا ً على مآخذ وملاحظات في الكتب المطبوعة حديثا ً ، أمَّا الصِّنف الثالث فيعد من قبيل الأدب الإنشائي المطبوع عدا ديوانه الشِّعري الذي يضم قصائده ، وأقطع أنَّ معظمها غير منشور سابقا ً ، وأغلب هذه النتاجات طبع في القاهرة وبيروت وعمان ودمشق وتونس وصنعاء والكويت والرياض في مطابع المؤسسات الرَّسمية ودور النشر الأهلية ، مستثنيا ً ما أخرجته المطابع البغدادية ومنها مطابع دار الشُّؤون الثقافية ، ونجتلي أنَّ هذا الكم الهائل من النتاجات جاء مقترنا ً في معظمه هو ونزوحه وإلمامه بالعواصم العربية كصنعاء وعمَّان ، وقد توحي لمَن يستعرضها من القرَّاء أنـَّها صيَّرته ذا ثروة طائلة وأوفتْ به على حال من اليسر والإنفاق عن سعة لتوفير متطلبات الحياة ، غير أنَّ الأمور جرَتْ بغير هذا أو اقتصرَتْ على صونه من الاحتياج إلى الأدنين ِ ، ففي مراسلته لتلميذه ومريده الدكتور محمد حسين الأعرجي يشكو من توانيه في موافاته بمطبوع له لأنَّ يده عاجزة عن دفع أجرة البريد المرتفعة في بلد من البلدان ، على ما يسوق الأعرجي ويدين هذه الواقعة بأحد كتبه الصَّادرة مؤخرا ً .

ولنا أنْ نشيد بمنتهى الإعجاب والإكبار بعكوف المؤلف أحمد العلاونة على مصنفات المرحوم إبراهيم السَّامرائي وتفليتها واحدا ً واحدا ً ، وانقطاعه لها بشغفٍ ونيَّة صادقة ، فتدارسها وألمَّ بفحاويها ، وأعَدَّ خلاصاتٍ مركزة لما اجتناه منها من حقائق علمية وتخريجات واستنتاجات وتأويلات بخصوص علوم اللغة العربية وواقعها الرَّاهن وحالة أهلها المستوجبة للرِّثاء والإشفاق .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن العاصي : ينظر الأوروبيون إلى المسلمين على أنهم متخلفون.. التجريد الصارخ من الإنسانية .

“ليس عليك أو تكون وحشاً أو مجنوناً لتجريد الآخرين من إنسانيتهم. يلزم فقط أن تكون …

| حاتم جعفر : في حاضرة الفن السابع .

                              …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.