الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » طلال حسن : عصافير من مخيمات نينوى (قصص قصيرة للأطفال) (6)

طلال حسن : عصافير من مخيمات نينوى (قصص قصيرة للأطفال) (6)

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

الكابوس

أفقتُ لا كما أفيق كلّ يوم ، ونحن في كابوس دائم ، أنا وطفلتي سمر ، ذات الأعوام السبعة ، التي ولدت على مشارف الكابوس ، وعاشت دقائقه الثثقيلة والمميتة حتى قبل الانفجار القاتل بعدة أعوام .
وتلفتّ حولي .. بياض .. بياض .. بياض .. وملفوفة ببياض كامل ، من رأسي حتى أسفل قدميّ ، أين أنا ؟ في المستشفى ! أم في .. في برزخ القبر ، لكن البرزخ ، على ما قيل ، ليس أبيض ، و ..
وأطلّ عليّ وجه فتاة شابة ، ملفوفة بالبياض أيضاً ، أهي ملاك من ملائكة الجنة ؟ من يدري ، وحيتني الفتاة بلكنة كردية : صباح الخير .
لم أردّ عليها ، والأحرى لم أستطع الردّ عليها ، ويبدو أنها تعرف وضعي ، فأضافت قائلة بلكنتها الكردية : أنت بين أيدي أمينة ، في المستشفى .
وأغمضت عينيّ ، دون إرادة مني ، وغطست في نوم عميق ، وتراءى لي ، اللحظات الأخيرة ، وأنا مع عدد من الجيران المرعوبين ، أجبرنا القصف المستمر ، للجوء إلى ما تبقى من بيت كبير ، يحتل الدواعش بأسلحتهم الفتاكة سطحه وبعض غرفه .
وارتفع أزيز طائرة ، راح يقترب شيئاً فشيئاً ، فأطبقت على صغيرتي بذراعيّ المرتعشتين ، وخبأتها في صدري ، و .. وانفجر بركان العالم ، وتاهت الوالدة عن ولدها و .. وساد الظلام .
وفززتُ من أعماق كابوسي ، وفتحت عينيّ المجنونتين ، وحاولت أن أعتدل ، فامتدت إليّ يدان شابتان ، وأسندتاني برفق ، وجاءني صوت الممرضة الشابة بلكنه الكردية : اهدئي أختي ، أنت بخير ، وستتماثلين للشفاء قريباً ، وتخرجي من المستشفى .
ونظرت إلى الممرضة الشابة ، بثيابها البيضاء الناصعة ، وتساءلت بحرقة : أين ابنتي ؟
ونظرت إليّ الممرضة الشابة متسائلة ، فاستطردت قائلة بحرقة أشدّ : ابنتي .. سمر .
فقالت الممرضة الشابة : لقد جاءوا بكِ وحدكِ ، ستشفين قريباً ، وتعرفين كلّ شيء .
وشفيت ، فالشقي بقي ، وخرجت من المستشفى ، وجاءوا بي إلى هذا المخيم ، وعرفت كلّ شيء ، لقد أخرجوني من تحت الأنقاض ، أقرب إلى الموت مني إلى الحياة ، ونقلوني إلى المستشفى ، أما ابنتي سمر ، فإنهم لا يعرفون عنها أي شيء .
قالوا لي ، ابنتك ربما تحت الأنقاض ، مع العشرات والمئات من الضحايا ، وربما قتلت أثناء هرب الأهالي المتبقين في الخرائب ، وربما ..
لا .. سمر ليست تحت الأنقاض .. وسمر لم تقتل .. إنها ابنتي الوحيدة .. وسأموت لو .. لا .. لا .. سمر موجودة في مكان ما ، وسأبحث عنها حتى أجدها .
وبحثت عن سمر في كلّ مكان ، وبحث عنها معي كلّ الطيبين ، لكني لم أعثر على أثر لها ، بحثت بالأخص في مخيمات اللاجئين ، من بينها مخيم حسن شام ، الذي يضمّ ” 250 ” طفلاً ، بل وحتى في مخيم العزل ، قرب حمام العليل ، الذي يضم ” 500 ” طفل من أطفال داعش .
وقالت لي امرأة عجوز : اذهبي إلى الميتم ، فهو يضم ” 65 ” طفلاً ، من الأطفال الذين عثر عليهم أثناء القتال ، يجوبون الشوارع وسط القتال .
وذهبت إلى الميتم ، وفحصت الأطفال الذين فيه ، القدماء منهم والجدد ، فلم تكن ابنتي سمر بينهم أيضاً ، وتوقفت وصحت بأعلى صوتي ، سمر ، أين أنتِ ؟ فجاءني الصدى : سمر .. أين أنتِ ؟
وانكفأت على نفسي ، في خيمتي الصغيرة الضائعة بين الخيم ، لا أكاد أغادرها لأي سبب من الأسباب ، ومرت الأيام ، يومماً بعد يوم ، لا لون لها ولا طعم ، مادامت سمر غائبة ، فإن كل شيء غائب .
وذات يوم ، عند الضحى ، دخلت عليّ في الخيمة امرأة في أواسط العمر ، حدقت فيّ ملياً ، ثم قالت بصوت هادىء واثق : أنتِ أم سمر .
هببتُ من مكاني ، وقد أصابني الخرس ، فأخرجت المرأة صورة من حقيبتها ، وأرتني إياها ، وقالت : انظري إلى هذه الصورة ..
شهقت من أعماقي ، كأنّ الروح ردت إليّ ، وقاطتها قائلة بصوت متحشرج : هذه ابنتي ، سمر .
فابتسمت المرأة ، وقالت : اطمئني إنها معي الآن .
وطوقتها بذراعيّ ، كأني استغيث بها للعودة إلى الحياة ، وقبل أن أتفوه بكلمة ، قالت : عثرت على سمر ، وأنا أهرب مع الهاربين ، من جحيم الموصل ، فأخذتها معي ، وسمعت بك قبل أيام ، فجئت إليك .
ومدت يدها ، وأطبقت برقة على يدي ، وهي تقول : تعالي معي ، سمر عندي في بيت لي في الساحل الأيسر من الموصل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *